Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:53–59
17:53Page 287
وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ يَنزَغُ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٗا مُّبِينٗا ٥٣
And tell My servants to say that which is best. Indeed, Satan induces [dissension] among them. Indeed Satan is ever, to mankind, a clear enemy.
ولَمّا أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِإبْلاغِهِمْ هَذا الكَلامَ؛ وفِيهِ مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ؛ والتَّبْكِيتِ لَهُمْ؛ والِاسْتِخْفافِ بِعُقُولِهِمْ؛ ما لا يَعْلَمُ مِقْدارَهُ إلّا مِثْلُهم مِنَ البُلَغاءِ؛ والعَرَبِ العُرَباءِ؛ وكانَ - لِكَوْنِهِ كَلامَ العَلِيمِ بِالعَواقِبِ؛ الخَبِيرِ بِما تُجِنُّ الضَّمائِرُ - رُبَّما اسْتَنَّ بِهِ المُؤْمِنُونَ؛ فَخاطَبُوهم بِنَحْوِهِ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ؛ نَهاهم عَنْ ذَلِكَ؛ لِئَلّا يَقُولُوا ما يُهَيِّجُ شَرًّا؛ أوْ تُثِيرُ ضُرًّا؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وقُلْ﴾؛ أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ؛ مِنَ الحِكْمَةِ؛ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ؛ وقُلْ ﴿لِعِبادِي﴾؛ أيْ: الَّذِينَ هم أهْلٌ لِلْإضافَةِ إلَيَّ؛ واعِظًا لَهُمْ؛ لِئَلّا يَتَجاوَزُوا الحَدَّ مِن شِدَّةِ غَيْظِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ إنْ تَقُلْ لَهم ذَلِكَ؛ ﴿يَقُولُوا﴾؛ المَوْعِظَةَ؛ والحِكْمَةَ؛ والمُجادَلَةَ؛ ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾؛ لِأكُونَ مَعَهُمْ؛ لِأنِّي مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا؛ والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ الشَّيْطانَ﴾؛ أيْ: البَعِيدَ مِنَ الرَّحْمَةِ؛ المُحْتَرِقَ بِاللَّعْنَةِ؛ ﴿يَنْـزَغُ بَيْنَهُمْ﴾؛ أيْ: يُفْسِدُ؛ ويُغْرِي؛ ويُوَسْوِسُ؛ وأصْلُ ”النَّزْغُ“: الطَّعْنُ؛ وهم غَيْرُ مَعْصُومِينَ؛ فَيُوشِكُ أنْ (p-٤٤٢)يَأْتُوا بِما لا يُناسِبُ الحالَ؛ أوِ الوَقْتَ؛ بِأنْ يَذْكُرُوا مَساوِئَ غَيْرِهِمْ؛ أوْ مَحاسِنَ أنْفُسِهِمْ؛ فَيُوقِعُ في شَرٍّ؛ ثُمَّ عَلَّلَ هَذِهِ العِلَّةَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ﴾؛ أيْ: في قَدِيمِ الزَّمانِ؛ وأصْلِ الطَّبْعِ؛ كَوْنًا هو مَجْبُولٌ عَلَيْهِ؛ ﴿لِلإنْسانِ عَدُوًّا﴾؛ أيْ: بَلِيغَ العَداوَةِ؛ ﴿مُبِينًا﴾؛
17:54Page 287
رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِكُمۡۖ إِن يَشَأۡ يَرۡحَمۡكُمۡ أَوۡ إِن يَشَأۡ يُعَذِّبۡكُمۡۚ وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ وَكِيلٗا ٥٤
Your Lord is most knowing of you. If He wills, He will have mercy upon you; or if He wills, He will punish you. And We have not sent you, [O Muḥammad], over them as a manager.
ثُمَّ فَسَّرَ ”الَّتِي هي أحْسَنُ“؛ مِمّا عَلَّمَهم رَبُّهم مِنَ النَّصَفَةِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكُمْ﴾؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إنْ يَشَأْ﴾؛ رَحْمَتَكُمْ؛ ﴿يَرْحَمْكُمْ﴾؛ بِأنْ يُيَسِّرَ لَكم أفْعالَ الخَيْرِ؛ ﴿أوْ إنْ يَشَأْ﴾؛ عَذابَكُمْ؛ ﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾؛ بِأنْ يُيَسِّرَكم لِأفْعالِ الشَّرِّ؛ فَإذا قالُوا لَهم ذَلِكَ كانُوا جَدِيرِينَ بِأنْ يَعْرِضُوا - أوْ مَن أرادَ اللَّهُ مِنهم - أفْعالَهم عَلى ما يَعْلَمُونَهُ مِنَ الخَيْرِ؛ والشَّرِّ؛ فَيَنْظُرُوا أيُّهُما أقْرَبُ إلَيْها؛ ورُبَّما رَدَّهم ذَلِكَ مِن أنْفُسِهِمْ عَنِ الفَسادِ؛ لِحَسْمِ مادَّةِ العِنادِ؛ ويَجُوزُ - وهو - عِنْدِي أحْسَنُ - أنْ تَكُونَ الآيَةُ اسْتِئْنافًا واقِعًا مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِقَوْلِ الأحْسَنِ؛ أيْ: ”رَبُّكُمْ“؛ أيُّها العِبادُ؛ ”أعْلَمُ بِكُمْ“؛ وبِما يَؤُولُ أمْرُكم إلَيْهِ؛ مِن سَعادَةٍ؛ وشَقاوَةٍ؛ ”إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ“؛ بِهِدايَتِكُمْ؛ ”أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ“؛ بِإضْلالِكُمْ؛ فَلا تَحْتَقِرُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ المُشْرِكِينَ؛ فَتَقْطَعُوا بِأنَّهم مِن أهْلِ النّارِ؛ فَتُعَيِّرُوهم بِذَلِكَ؛ فَإنَّهُ يَجُرُّ إلى الإحَنِ؛ وحَرِّ الصُّدُورِ؛ وغَيْظِ القُلُوبِ؛ بِلا فائِدَةٍ؛ لِأنَّ الخاتِمَةَ (p-٤٤٣)مَجْهُولَةٌ؛ ولا تَتَجاوَزُوا فِيهِمْ ما آمُرُكم بِهِ؛ مِن قَوْلٍ؛ وفِعْلٍ؛ فَإنَّهُ الأحْسَنُ؛ ثُمَّ رَقّى الخِطابَ إلى أعْلى الخَلْقِ؛ ورَأْسِ أهْلِ الشَّرْعِ؛ لِيَكُونَ مَن دُونَهُ أوْلى بِالمَعْنى مِنهُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وما﴾؛ أيْ: فَما أرْسَلْناكَ إلّا لِلدُّعاءِ بِمِثْلِ ذَلِكَ؛ عَلى حَسَبِ ما نَأْمُرُكَ بِهِ؛ وما ﴿أرْسَلْناكَ﴾؛ أيْ: مَعَ ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ الغَنِيَّةِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ ﴿عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾؛ أيْ: حَفِيظًا؛ وكَفِيلًا لِغَيْرِهِمْ؛ عَلى ما يُرْضِي اللَّهَ؛ وإنَّما أرْسَلْناكَ بَشِيرًا؛ ونَذِيرًا؛ فَدارِهِمْ؛ وأْمُرْ أصْحابَكَ بِمُداراتِهِمْ.
17:55Page 287
وَرَبُّكَ أَعۡلَمُ بِمَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَلَقَدۡ فَضَّلۡنَا بَعۡضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعۡضٖۖ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا ٥٥
And your Lord is most knowing of whoever is in the heavens and the earth. And We have made some of the prophets exceed others [in various ways], and to David We gave the book [of Psalms].
ولَمّا أمَرَهم بِأنْ يَنْسُبُوا الأعْلَمِيَّةَ بِهِمْ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ -؛ أخْبَرَ بِما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ؛ فَقالَ (تَعالى) - عاطِفًا عَلى ”رَبُّكُمْ“؛ إعْلامًا بِأنَّ عِلْمَهُ لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَيْهِمْ؛ بَلْ هو مُحِيطٌ؛ قاصِرًا الخِطابَ عَلى أعْلَمِ الخَلْقِ بِهِ - سُبْحانَهُ -؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَعْلَمُ هَذا حَقَّ عِلْمِهِ غَيْرُهُ -: ﴿ورَبُّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكَ بِأنْ جَعَلَكَ أكْمَلَ الخَلْقِ؛ ﴿أعْلَمُ﴾؛ أيْ: مِن كُلِّ عالِمٍ؛ ﴿بِمَن في السَّماواتِ﴾؛ أيْ: كُلِّها؛ ﴿والأرْضِ﴾؛ مِنهُمْ؛ ومِن غَيْرِهِمْ؛ بِأحْوالِهِمْ؛ ومَقادِيرِهِمْ؛ وآجالِهِمْ؛ وما يَسْتَأْهِلُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمْ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي خَلَقَهُمْ؛ وفاوَتَ بَيْنَهم في أخْلاقِهِمْ؛ وهَيْئاتِهِمْ؛ فَكَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ أنْ يَكُونَ يَتِيمُ أبِي طالِبٍ - عَلى ما كانُوا يَقُولُونَ - نَبِيًّا؛ وأنْ يَكُونَ أصْحابُهُ - العُراةُ الجِياعُ - أفْضَلَ مِنهم.
ولَمّا كانَ قَدْ فُهِمَ مِن هَذا السِّياقِ تَفْضِيلُ بَعْضِ الأشْياءِ عَلى بَعْضٍ؛ (p-٤٤٤)حَتّى تَصِيرَ قابِلَةً الرُّوحُ الحَياةَ بَدْءًا وإعادَةً؛ بَعْدَ أنْ فُهِمَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ؛ وآخِرِ الَّتِي قَبْلَها اخْتِصاصُ بَعْضِ الأنْبِياءِ بِفَضائِلَ مِن رُوحِ العِلْمِ والحِكْمَةِ لَمْ يَحُزْها غَيْرُهُ؛ صَرَّحَ بِهَذا هُنا فَقالَ (تَعالى) - عَطْفًا عَلى ما أرْشَدَ إلَيْهِ سِياقُ الإخْبارِ بِالأعْلَمِيَّةِ؛ مُلْتَفِتًا إلى مَقامٍ العَظَمَةِ؛ الدّاعِي إلَيْهِ الحالُ؛ وهو الوَصْفُ بِالأعْلَمِيَّةِ: ﴿ولَقَدْ﴾؛ أيْ: فَمَيَّزْنا بَيْنَهم بِالرَّذائِلِ؛ والفَضائِلِ؛ تَفْضِيلًا لِبَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ؛ عَلى حَسَبِ إحاطَةِ عِلْمِنا بِهِمْ؛ وشُمُولِ قُدْرَتِنا لَهُمْ؛ في تَأهُّلِهِمْ لِلسَّعادَةِ؛ والشَّقاوَةِ؛ فَفَضَّلْنا بَعْضَ النّاسِ عَلى بَعْضٍ؛ فَفَضَّلْنا العُلَماءَ عَلى غَيْرِهِمْ؛ وفَضَّلْنا النَّبِيِّينَ مِنهم عَلى غَيْرِهِمْ؛ ولَقَدْ ﴿فَضَّلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿بَعْضَ النَّبِيِّينَ﴾؛ أيْ: سَواءٌ كانُوا رُسُلًا؛ أوْ لا؛ ﴿عَلى بَعْضٍ﴾؛ بَعْدَ أنْ جَعَلْنا الكُلَّ فُضَلاءَ؛ لِتَقْوى كُلٍّ مِنهم وإحْسانِهِ؛ فَلا يُنْكِرُ أحَدٌ مِنَ العَرَبِ؛ أوْ بَنِي إسْرائِيلَ؛ أوْ غَيْرِهِمْ؛ تَفْضِيلَنا لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ؛ الَّذِي صَدَّرْنا السُّورَةَ بِتَفْضِيلِهِ عَلى جَمِيعِ الخَلائِقِ؛ فَإنّا نَفْعَلُ ما نَشاءُ؛ بِما لَنا مِنَ القُدْرَةِ التّامَّةِ؛ والعِلْمِ الشّامِلِ؛ والحاصِلُ أنَّ مِن أعْظَمِ ثَمَراتِ العَمَلِ التَّفْضِيلَ بِإعْطاءِ كُلِّ واحِدٍ؛ بَلْ كُلِّ شَيْءٍ؛ ما يَسْتَحِقُّهُ؛ وبِذَلِكَ يُسْتَدَلُّ عَلى تَمامِ حِكْمَتِهِ في شُمُولِ عِلْمِهِ؛ وكَمالِ قُدْرَتِهِ؛ فَلِذَلِكَ ذَكَرَ (p-٤٤٥)التَّفْضِيلَ هُنا؛ بَعْدَ ذِكْرِ العِلْمِ المُطْلَقِ؛ وصَرَّحَ بِتَفْضِيلِ أشْرَفِ الخَلائِقِ؛ وطَوى ذِكْرَ غَيْرِهِمْ؛ كَما ذَكَرَ التَّفْضِيلَ في الدُّنْيا؛ بَعْدَ إثْباتِ العِلْمِ المُقَيَّدِ بِالذُّنُوبِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ﴾ [الإسراء: ١٨]؛ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٢١]
ولَمّا كانَ القَصْدُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ في هَذِهِ السُّورَةِ؛ سابِقِها ولاحِقِها؛ ظاهِرًا؛ والتَّعْرِيضُ بِهِمْ في كَثِيرٍ مِنها بَيِّنًا؛ وكانَ داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو المُؤَسِّسُ لِلْمَسْجِدِ الأقْصى؛ الَّذِي وقَعَ الإسْراءُ إلَيْهِ؛ وكانَ قَدْ خُصَّ بِأنْ أُلِينَ لَهُ الحَدِيدُ؛ الَّذِي أُمِرَ المُشْرِكُونَ أنْ يَكُونُوهُ؛ لِاسْتِبْعادِهِمُ الإعادَةَ؛ وكانَ - مَعَ كَوْنِهِ مَلِكًا - مِن أشَدِّ النّاسِ تَواضُعًا؛ وأكْثَرِهِمْ بُكاءً؛ وأبْعَدِهِمْ مِنَ المَرَحِ في الأرْضِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿وآتَيْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿داوُدَ﴾؛ أيْ: الَّذِي هو مِن أتْباعِ مُوسى؛ الَّذِي آتَيْناهُ الكِتابَ؛ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ؛ ألّا يَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا؛ ﴿زَبُورًا﴾؛ لِأنَّهم قاطِعُونَ بِأنَّ مَن بَيْنَ مُوسى؛ وعِيسى؛ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ دُونَ مُوسى في الرُّتْبَةِ؛ وكُلٌّ مِنهم داعٍ إلى شَرِيعَتِهِ؛ عامِلٌ بِحُكْمِ التَّوْراةِ؛ الَّتِي شَرَّفَهُ اللَّهُ بِها؛ غَيْرُ خارِجٍ عَنْ شَيْءٍ مِن سُنَّتِها؛ فَكانَ القِياسُ (p-٤٤٦)يَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا في الفَضِيلَةِ سَواءً؛ فَلَمْ يَجْرِ ذَلِكَ عَلى مُقْتَضى عُقُولِ النّاسِ؛ بَلْ فاوَتَ - سُبْحانَهُ - بَيْنَهم عَلى حَسَبِ عِلْمِهِ بِأحْوالِهِمْ؛ حَتّى في الوَحْيِ؛ فَخَصَّ مِن بَيْنِهِمْ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِكِتابٍ كُلُّهُ مَواعِظُ؛ والمَواعِظُ أشَدُّ شَيْءٍ مُنافاةً لِلْمَشْيِ في الأرْضِ مَرَحًا؛ ونَهْيًا عَنْهُ؛ وأعْظَمُ شَيْءٍ أمْرًا بِالقَوْلِ الَّذِي هو أحْسَنُ؛ مِنَ الإخْلاصِ؛ والمُراقَبَةِ؛ والإحْسانِ؛ هَذا إلى ما ذُكِرَ فِيهِ مِنَ التَّسْبِيحِ مِن كُلِّ شَيْءِ؛ الَّذِي هو مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ السُّورَةِ؛ كَما تَقَدَّمَ نَصُّ الزَّبُورِ بِهِ قَرِيبًا؛ فَكانَ ذِكْرُ تَفْضِيلِهِ بِهِ هُنا أنْسَبَ شَيْءٍ لِهَذا المَقامِ؛ وفي ذَلِكَ أعَظَمُ إشارَةٍ؛ وأجَلُّ تَنْبِيهٍ عَلى فَضْلِ بَيْتِ المَقْدِسِ؛ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا لِتَفْضِيلِ الأنْبِياءِ؛ تارَةً بِالهِجْرَةِ إلَيْهِ؛ كَإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وتارَةً بِقَصْدِ تَطْهِيرِهِ مِنَ الشِّرْكِ؛ وتَنْوِيرِهِ بِالتَّوْحِيدِ؛ كَمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وتارَةً بِتَأْسِيسِ بُنْيانِهِ؛ وتَشْيِيدِ أرْكانِهِ؛ كَداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وتارَةً بِالإسْراءِ إلَيْهِ؛ والإمامَةِ بِالأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِهِ؛ والعُرُوجِ مِنهُ إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى؛ والمَقامِ الأعْلى؛ وأمّا تَفْضِيلُهُ؛ وتَفْضِيلُ ابْنِهِ سُلَيْمانَ - عَلى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ وعَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالمُلْكِ؛ وسَعَةِ الأمْرِ؛ فَدَخَلَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٢١]؛ ورَوى البُخارِيُّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ (p-٤٤٧)«عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ”خُفِّفَ عَلى داوُدَ القِراءَةُ فَكانَ يَأْمُرُ بِدَوابِّهِ لِتُسْرَجَ؛ فَكانَ يَقْرَأُ قَبْلَ أنْ يَفْرُغَ - يَعْنِي القُرْآنَ“؛» ومِن أعْظَمِ المُناسَباتِ لِتَخْصِيصِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وزُبُورِهِ؛ بِالذِّكْرِ هُنا؛ ذِكْرُ البَعْثِ؛ الَّذِي هَذا مَقامُهُ فِيهِ؛ صَرِيحًا؛ وكَذا ذِكْرُ النّارِ؛ مَعَ خُلُوِّ التَّوْراةِ عَنْ ذَلِكَ؛ أمّا البَعْثُ فَلا ذِكْرَ لَهُ فِيها أصْلًا؛ وأمّا النّارُ فَلَمْ يُذْكَرْ شَيْءٌ مِمّا يَدُلُّ عَلَيْها؛ إلّا الجَحِيمُ؛ في مَوْضِعٍ واحِدٍ؛ وأمّا الزَّبُورُ؛ فَذَكَرَ فِيهِ النّارَ؛ والهاوِيَةَ؛ والجَحِيمَ؛ في غَيْرِ مَوْضِعٍ؛ وأمّا البَعْثُ فَصَرَّحَ بِهِ؛ وهو ظاهِرٌ في كَوْنِهِ بِالرُّوحِ؛ والجَسَدِ؛ قالَ في المَزْمُورِ الثّالِثِ بَعْدَ المِائَةِ: (نَفْسِي تُبارِكُ الرَّبَّ؛ الرَّبُّ إلَهِي عَظِيمٌ جِدًّا؛ لَبِسَ المَجْدَ؛ وعَظِيمَ البَهاءِ؛ وتَجَلَّلَ بِالنُّورِ كالرِّداءِ؛ ومَدَّ السَّماءَ كالخِباءِ؛ جَعَلَ الماءَ أساسَها؛ واسْتَوى عَلى السَّحابِ؛ ومَشى عَلى أجْنِحَةِ الرِّياحِ؛ خَلَقَ مَلائِكَتَهُ أرْواحًا؛ وخَدَمَهُ نارًا واقِدَةً؛ وتَجَلَّلَ بِالغَمْرِ كالرِّداءِ؛ وعَلى الجِبالِ تَقِفُ المِياهُ؛ ومِن زَجْرِكَ قُهِرَتْ؛ ومِن صَوْتِ رَعْدِكَ تَجْزَعُ الجِبالُ عالِيَةً؛ والبِقاعُ مُنْهَبِطَةً في الأماكِنِ الَّتِي أسَّسْتَ؛ جَعَلْتَ حَدًّا لا تَتَجاوَزُهُ؛ لا تَعُودُ تُغَطِّي الأرْضَ؛ أرْسِلِ الماءَ عُيُونًا في الأوْدِيَةِ؛ وبَيْنَ الجِبالِ (p-٤٤٨)تَجْرِي المِياهُ لِتَسْقِيَ حَيَوانَ البَرِّ؛ وتَرْوِيَ عِطاشَ الوُحُوشِ؛ يَقَعُ عَلَيْها طائِرُ السَّماءِ)؛ إلى أنْ قالَ: (وكُلٌّ بِحِكْمَةٍ صَنَعْتَ؛ امْتَلَأتِ الأرْضُ مِن خَلِيقَتِكَ؛ هَذا البَحْرُ العَظِيمُ السِّعَةِ؛ فِيهِ حِيتانٌ لا تُحْصى؛ كِبارٌ وصِغارٌ؛ وفِيهِ تَسْلُكُ السُّفُنُ؛ وهَذا التِّنِّينُ الَّذِي خَلَقْتَهُ لِيُتَعَجَّبَ مِنهُ؛ والكُلُّ إيّاكَ يَرْجُونَ؛ لِتُعْطِيَهم طَعامَهم في حِينِهِ؛ فَإذا أنْتَ أعْطَيْتَهم يَعِيشُونَ؛ وعِنْدَ بَسْطِ يَدِكَ بِالطَّيِّباتِ يَشْبَعُونَ؛ وحِينَ تَصْرِفُ وجْهَكَ يَجْزَعُونَ؛ تَنْزِعُ أرْواحَهم فَيَمُوتُونَ؛ وإلى التُّرابِ يَرْجِعُونَ؛ تُرْسِلُ رُوحَكَ فَيُخْلَقُونَ؛ وتُجَدِّدُ وجْهَ الأرْضِ دُفْعَةً أُخْرى؛ ويَكُونُ مَجْدُ الرَّبِّ إلى الأبَدِ)؛ انْتَهى.
فَكَأنَّ ذَلِكَ جَوابٌ لِقَوْلِ مَن لَعَلَّهُ يَقُولُ لِلْعَرَبِ؛ مِنَ اليَهُودِ: إنَّ الأمْرَ كَما تَقُولُونَ في أنَّهُ لا قِيامَةَ؛ كَما يَقُولُهُ بَعْضُ زَنادِقَتِهِمْ؛ كَما ذُكِرَ عَنْهم في نَصِّ الإنْجِيلِ؛ وكَما نُقِلَ عَنْهم في سُورَةِ ”النِّساءِ“؛ أنَّهم قالُوا: أنْتُمْ أهْدى سَبِيلًا؛ ودِينُكم خَيْرٌ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ؛ وفي الزَّبُورِ؛ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ؛ عَنْ تَوْراةِ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ (p-٤٤٩)ألّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ وكِيلًا؛ وذَلِكَ مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ السُّورَةِ؛ قالَ في المَزْمُورِ الخامِسِ والأرْبَعِينَ بَعْدَ المِائَةِ: (لا تَتَوَكَّلُوا عَلى الرُّؤَساءِ؛ ولا عَلى بَنِي البَشَرِ؛ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهم خَلاصٌ؛ فَإنَّ أرْواحَهم تُفارِقُهُمْ؛ ويَعُودُونَ إلى تُرابِهِمْ؛ في ذَلِكَ اليَوْمِ تَبْطُلُ أعْمالُهُمْ).
17:56Page 287
قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِهِۦ فَلَا يَمۡلِكُونَ كَشۡفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمۡ وَلَا تَحۡوِيلًا ٥٦
Say, "Invoke those you have claimed [as gods] besides Him, for they do not possess the [ability for] removal of adversity from you or [for its] transfer [to someone else]."
ولَمّا أثْبَتَ أنَّ شَأْنَهُ (تَعالى) فِعْلُ ذَلِكَ؛ وأمْثالِهِ؛ مِنَ التَّفْضِيلِ؛ والتَّحْوِيلِ؛ عَلى حَسَبِ عِلْمِهِ؛ وقُدْرَتِهِ؛ ثَبَتَ بِغَيْرِ شُبْهَةٍ أنْ لا مَفْزَعَ إلّا إلَيْهِ؛ فَأمَرَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - تَحْقِيقًا لِذَلِكَ أنْ يَأْمُرَهم بِما يَظْهَرُ بِهِ عَجْزُ شُرَكائِهِمْ؛ رَدًّا عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِمْ: لَسْنا بِأهْلٍ لِعِبادَتِهِ اسْتِقْلالًا؛ فَنَحْنُ نَعْبُدُ بَعْضَ المُقَرَّبِينَ؛ لِيَشْفَعَ لَنا عِنْدَهُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ﴾؛ وأشارَ إلى ضَعْفِ عُقُولِهِمْ؛ وعَدَمِ تَثَبُّتِهِمْ؛ بِالتَّعْبِيرِ بِالزَّعْمِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿زَعَمْتُمْ﴾؛ أنَّهم آلِهَةٌ؛ وبَيَّنَ سُفُولَ رُتْبَتِهِمْ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِن دُونِهِ﴾؛ أيْ: مِن سِواهُ؛ كالمَلائِكَةِ؛ وعُزَيْرٍ؛ والمَسِيحِ؛ والأصْنامِ؛ لِيَجْلِبُوا لَكم خَيْرًا؛ أوْ يَدْفَعُوا عَنْكم ضُرًّا؛ ﴿فَلا﴾؛ أيْ: فَإنْ دَعَوْتُمُوهُمْ؛ أوْ لَمْ تَدْعُوهُمْ؛ فَإنَّهم لا ﴿يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ﴾؛ أيْ: البُؤْسِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَرُضَّ الجِسْمَ كُلَّهُ؛ ﴿عَنْكُمْ﴾؛ حَتّى لا يَدْعُوا شَيْئًا مِنهُ؛ ﴿ولا تَحْوِيلا﴾؛ لَهُ مِن حالَةٍ إلى ما هو أخَفُّ مِنها؛ فَضْلًا عَنْ أنْ يُبَدِّلُوهُ بِحالَةٍ حَسَنَةٍ؛ أوْ يُحَوِّلُوهُ إلى عَدُوِّكُمْ؛ والآيَةُ نَحْوُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَما تَسْتَطِيعُونَ (p-٤٥٠)صَرْفًا ولا نَصْرًا﴾ [الفرقان: ١٩]؛ فَكَيْفَ يَتَّخِذُ أحَدٌ مِنهم دُونِي وكِيلًا؟ قالُوا: وسَبَبُ نُزُولِها شَكْوى قُرَيْشٍ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ القَحْطِ؛ حِينَ دَعا عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ولَمْ يَنْصِبْ ”يَمْلِكُونَ“؛ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ النَّفْيَ مُسَبَّبٌ عَنِ الدُّعاءِ؛ فَيُتَقَيَّدُ بِهِ.
17:57Page 287
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ يَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِيلَةَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورٗا ٥٧
Those whom they invoke1 seek means of access to their Lord, [striving as to] which of them would be nearest, and they hope for His mercy and fear His punishment. Indeed, the punishment of your Lord is ever feared.
ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا ضُرَّ لَهُمْ؛ ولا نَفْعَ؛ بَيَّنَ أنَّهم يَتَسابَقُونَ إلى القُرْبِ إلَيْهِ؛ رَجاءَ أنْ يَنْفَعَهُمْ؛ وخَوْفَ أنْ يَضُرَّهُمْ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ أعْلَوْا مَراتِبَهم بِالإقْبالِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ؛ وكانَ المُشْرِكُونَ يُعْلُونَ مَراتِبَهم بِتَألُّهِهِمْ؛ وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ واصِفًا لِلْمُبْتَدَإ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾؛ أيْ: يَدْعُوهُمُ الكُفّارُ؛ ويَتَألَّهُونَهُمْ؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَنِ المُبْتَدَإ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يَبْتَغُونَ﴾؛ أيْ: يَطْلُبُونَ طَلَبًا عَظِيمًا؛ ﴿إلى رَبِّهِمُ﴾؛ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ؛ وحْدَهُ؛ ﴿الوَسِيلَةَ﴾؛ أيْ: المَنزِلَةَ؛ والدَّرَجَةَ؛ والقُرْبَةَ؛ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ؛ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾؛ أيْ: يَتَسابَقُونَ بِالأعْمالِ؛ مُسابَقَةَ مَن يَطْلُبُ كُلٌّ مِنهم أنْ يَكُونَ إلَيْهِ أقْرَبَ؛ ولَدَيْهِ أفْضَلَ؛ ﴿ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾؛ رَغْبَةً فِيما عِنْدَهُ؛ ﴿ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾؛ تَعْظِيمًا لِجَنابِهِ؛ المُكَلَّفُ مِنهُمْ؛ كالمَلائِكَةِ؛ والمَسِيحِ؛ وعُزَيْرٍ؛ بِالفِعْلِ؛ وغَيْرُهُمْ؛ كالأصْنامِ؛ بِالقُوَّةِ؛ مِن حَيْثُ إنَّهُ قادِرٌ (p-٤٥١)عَلى أنْ يَخْلُقَ فِيها قُوَّةَ الإدْراكِ؛ لِلطّاعَةِ؛ والعَذابِ؛ فَتَكُونَ كَذَلِكَ؛ فالعابِدُونَ لَهم أجْدَرُ بِأنْ يَعْبُدُوهُ؛ ويَبْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ؛ ورَوى البُخارِيُّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ ﴿إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾؛ قالَ: ”كانَ ناسٌ مِنَ الإنْسِ يَعْبُدُونَ ناسًا مِنَ الجِنِّ؛ فَأسْلَمَ الجِنُّ؛ وتَمَسَّكَ هَؤُلاءِ بِدِينِهِمْ“؛ ثُمَّ عَلَّلَ خَوْفَهم بِأمْرٍ عامٍّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِرَفْعِ انْتِقامِ الِاسْتِئْصالِ مِنهُ عَنْ أُمَّتِكَ؛ ﴿كانَ﴾؛ أيْ: كَوْنًا مُلازِمًا لَهُ؛ ﴿مَحْذُورًا﴾؛ أيْ: جَدِيرًا بِأنْ يُحْذَرَ؛ لِكُلِّ أحَدٍ؛ مِن مَلَكٍ مُقَرَّبٍ؛ ونَبِيٍّ مُرْسَلٍ؛ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ؛ لِما شُوهِدَ مِن إهْلاكِهِ لِلْقُرُونِ؛ ومِن صَنائِعِهِ العَظِيمَةِ.
17:58Page 287
وَإِن مِّن قَرۡيَةٍ إِلَّا نَحۡنُ مُهۡلِكُوهَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَوۡ مُعَذِّبُوهَا عَذَابٗا شَدِيدٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا ٥٨
And there is no city but that We will destroy it1 before the Day of Resurrection or punish it with a severe punishment. That has ever been in the Register2 inscribed.
ولَمّا كانَ المَعْنى: فاحْذَرُونا؛ فَإنّا أبَدْنا الأُمَمَ السّالِفَةَ؛ ودَمَّرْنا القُرى المُشَيَّدَةَ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ (تَعالى):﴿وإنْ﴾؛ أيْ: وما؛ وأعْرَقَ في النَّفْيِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِن قَرْيَةٍ﴾؛ مِنَ القُرى هَذِهِ؛ الَّتِي أنْتُمْ بِها؛ وغَيْرِها؛ ﴿إلا نَحْنُ﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿مُهْلِكُوها﴾؛ بِنَوْعٍ مِنَ الهَلاكِ؛ لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ؛ أوِ العِصْيانِ؛ وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّها عامَّةٌ؛ لِلصّالِحَةِ بِالمَوْتِ؛ (p-٤٥٢)والطّالِحَةِ بِالعَذابِ.
ولَمّا كانَ المُمْكِنُ لَيْسَ لَهُ مِن ذاتِهِ إلّا العَدَمُ؛ وذَلِكَ مُسْتَغْرِقٌ لِزَمانِ القَبْلِ؛ حَذَفَ الجارَّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ﴾؛ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُكَذِّبُونَ؛ كَما فَعَلْنا في بَيْتِ المَقْدِسِ؛ في المَرَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ أوَّلَ السُّورَةِ؛ لِإفْسادِ أهْلِها؛ فاحْذَرُوا مِثْلَ ذَلِكَ؛ ﴿أوْ مُعَذِّبُوها﴾؛ أيْ: القَرْيَةِ؛ بِعَذابِ أهْلِها؛ ﴿عَذابًا شَدِيدًا﴾؛ مَعَ بَقائِها.
ولَمّا أكَّدَ ذَلِكَ بِالِاسْمِيَّةِ؛ زادَهُ تَأْكِيدًا في جَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: هَلْ في ذَلِكَ مِن ثُنْيا؟ لِأنَّ مِثْلَهُ لا يَكادُ يُصَدَّقُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿كانَ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرُ العَظِيمُ؛ ﴿فِي الكِتابِ﴾؛ الَّذِي عِنْدَنا؛ ﴿مَسْطُورًا﴾؛ عَلى وجْهِ الخَبَرِ؛ والأخْبارُ لا تُنْسَخُ؛ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَشْرٌ كانَ أمْرُنا جَدِيرًا بِأنْ يُمْتَثَلَ؛ حَذَرًا مِن سَطْواتِنا؛ ولا بُدَّ مِن أنْ نُخِيفَكم بَعْدَ طُولِ أمْنِكُمْ؛ ونُهْلِكَ كَثِيرًا مِن أعِزّائِكُمْ؛ عَلى يَدِ هَذا الرَّجُلِ الواحِدِ؛ الَّذِي أنْتُمْ كُلُّكم مُتَمالِئُونَ عَلَيْهِ؛ مُسْتَهِينُونَ بِأمْرِهِ؛ مَعَ أنّا أرْسَلْناهُ لِعِزِّكُمْ؛ وعُلُوِّ ذِكْرِكُمْ؛ ولا بُدَّ أنْ نُدْخِلَهُ إلى بَلَدِكم هَذا بِجُنُودٍ (p-٤٥٣)أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ؛ لِإفْسادِكم فِيهِ؛ واسْتِهانَتِكم بِهِ؛ كَما فَعَلْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ؛ حِينَ أفْسَدُوا في مَسْجِدِهِمْ؛ كَما تَقَدَّمَ؛ قالَ الإمامُ الحافِظُ أبُو عَمْرٍو؛ عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّانِيُّ؛ في كِتابِ الفِتَنِ: حَدَّثَنا عَبْدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الهَرَوِيُّ؛ في كِتابِهِ؛ ثَنا عُمَرُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ عُثْمانَ بْنِ شاهِينَ؛ ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ هارُونَ الحَضْرَمِيُّ؛ ثَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ؛ ثَنا عَبْدُ المُنْعِمِ بْنُ إدْرِيسَ قالَ: أخْبَرَنا أبِي؛ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنْبِهٍ قالَ: الجَزِيرَةُ آمِنَةٌ مِنَ الخَرابِ؛ حَتّى تَخْرُبَ إرْمِينِيَّةُ؛ وإرْمِينِيَّةُ آمِنَةٌ مِنَ الخَرابِ حَتّى تَخْرُبَ مِصْرُ؛ ومِصْرُ آمِنَةٌ مِنَ الخَرابِ حَتّى تَخْرُبَ الكُوفَةُ؛ ولا تَكُونُ المَلْحَمَةُ الكُبْرى حَتّى تَخْرُبَ الكُوفَةُ؛ فَإذا كانَتِ المَلْحَمَةُ الكُبْرى فُتِحَتِ القُسْطَنْطِينِيَّةُ عَلى يَدَيْ رَجُلٍ مِن بَنِي هاشِمٍ؛ وخَرابُ الأنْدَلُسِ مِن قِبَلِ الزِّنْجِ؛ وخَرابُ إفْرِيقِيَّةَ مِن قِبَلِ الأنْدَلُسِ؛ وخَرابُ مِصْرَ مِنَ انْقِطاعِ النِّيلِ؛ واخْتِلافِ الجُيُوشِ فِيها؛ وخَرابُ العِراقِ مِن قِبَلِ الجُوعِ؛ (p-٤٥٤)والسَّيْفِ؛ وخَرابُ الكُوفَةِ مِن قِبَلِ عَدُوٍّ مِن ورائِهِمْ؛ يَحْقِرُهُمْ؛ حَتّى لا يَسْتَطِيعُوا أنْ يَشْرَبُوا مِنَ الفُراتِ قَطْرَةً؛ وخَرابُ البَصْرَةِ مِن قِبَلِ العِراقِ؛ وخَرابُ الأيْلَةِ مِن قِبَلِ عَدُوٍّ يَحْفِزُهم مَرَّةً بَرًّا؛ ومَرَّةً بَحْرًا؛ وخَرابُ الرَّيِّ مِن قِبَلِ الدَّيْلَمِ؛ وخَرابُ خُراسانَ مِن قِبَلِ تِبْتِ؛ وخَرابُ تِبْتِ مِن قِبَلِ الصِّينِ؛ وخَرابُ الصِّينِ مِن قِبَلِ الهِنْدِ؛ وخَرابُ اليَمَنِ مِن قِبَلِ الجَرادِ؛ والسُّلْطانِ؛ وخَرابُ مَكَّةَ مِن قِبَلِ الحَبَشَةِ؛ وخَرابُ المَدِينَةِ مِن قِبَلِ الجُوعِ؛ حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خالِدٍ؛ حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ؛ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ؛ أخْبَرَنا سالِمُ بْنُ جِنادَةَ؛ أخْبَرَنا أبِي؛ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ؛ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -: «”آخِرُ قَرْيَةٍ مِن قُرى الإسْلامِ خَرابًا المَدِينَةُ“؛» انْتَهى؛ وقَدْ أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِن هَذا الوَجْهِ.
17:59Page 288
وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرۡسِلَ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلۡأَوَّلُونَۚ وَءَاتَيۡنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبۡصِرَةٗ فَظَلَمُواْ بِهَاۚ وَمَا نُرۡسِلُ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّا تَخۡوِيفٗا ٥٩
And nothing has prevented Us from sending signs [i.e., miracles] except that the former peoples denied them. And We gave Thamūd the she-camel as a visible sign, but they wronged her. And We send not the signs except as a warning.
ولَمّا كانَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ تُكَرِّرُ اقْتِراحَهم لِلْآياتِ بَعْدَ أنِ اشْتَدَّ أذاهُمْ؛ وكانَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - لِشِدَّةِ حِرْصِهِ عَلى إيمانِ كُلِّ أحَدٍ؛ فَكَيْفَ بِقَوْمِهِ العَرَبِ؟! فَكَيْفَ بِبَنِي عَمِّهِ مِنهُمْ؟! - رُبَّما أحَبَّ أنَّ (p-٤٥٥)اللَّهَ (تَعالى) يُجِيبُهم إلى مُقْتَرَحِهِمْ؛ طَمَعًا في إيمانِهِمْ؛ وإراحَةً لَهُ ولِأتْباعِهِ مِن أذاهُمْ؛ وكانَ ما رَأوْهُ مِن آيَةِ الإسْراءِ أمْرًا باهِرًا؛ ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا؛ بَلِ ارْتَدَّ بَعْضُ مَن كانَ آمَنَ مِنهُمْ؛ كانَ المَقامُ في قُوَّةِ اقْتِضائِهِ أنْ يُقالَ - بَعْدَ ذِكْرِ آيَةِ العَذابِ -: ما لَهم لا يُعَجَّلُ عَذابُهُمْ؛ أوْ يُجابُونَ إلى مُقْتَرَحاتِهِمْ؛ لِيُقْضى الأمْرُ؟ فَيُقالُ في الجَوابِ: ما مَنَعَنا مِن تَعْجِيلِ عَذابِهِمْ إلّا أنّا ضَرَبْنا لَهم أجَلًا لا بُدَّ مِن بُلُوغِهِ؛ ﴿وما مَنَعَنا﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ الَّتِي لا يُعْجِزُها شَيْءٌ؛ ولا يَمْنَعُها مانِعٌ؛ ﴿أنْ نُرْسِلَ﴾؛ أيْ: إرْسالًا يُظْهِرُ عَظَمَتَنا؛ عَلى وجْهِ العُمُومِ؛ ﴿بِالآياتِ﴾؛ أيْ: الَّتِي اقْتَرَحَتْها قُرَيْشٌ؛ فَكانَ كَأنَّهُ لا آياتِ عِنْدَهم سِواها؛ ﴿إلا﴾؛ عِلْمُنا في عالَمِ الشَّهادَةِ بِما وقَعَ مِن ﴿أنْ كَذَّبَ بِها﴾؛ أيْ: المُقْتَرَحاتِ؛ ﴿الأوَّلُونَ﴾؛ وعِلْمُنا في عالَمِ الغَيْبِ أنَّ هَؤُلاءِ مِثْلُ الأوَّلِينَ؛ في أنَّ الشَّقِيَّ مِنهم لا يُؤْمِنُ بِالمُقْتَرَحاتِ؛ كَما لَمْ يُؤْمِن بِغَيْرِها؛ وأنَّهُ يَقُولُ فِيها ما قالَ في غَيْرِها؛ مِن أنَّها سِحْرٌ؛ ونَحْوُ هَذا؛ والسَّعِيدُ لا يَحْتاجُ في إيمانِهِ إلَيْها؛ فَكَمْ أجَبْنا أُمَّةً إلى مُقْتَرَحِها؛ فَما زادَ ذَلِكَ أهْلَ الضَّلالَةِ مِنهم إلّا كُفْرًا؛ فَأخَذْناهُمْ؛ لِأنَّ سُنَّتَنا جَرَتْ أنّا لا نُمْهِلُ بَعْدَ الإجابَةِ إلى المُقْتَرَحاتِ مَن كَذَّبَ بِها؛ ونَحْنُ قَدْ قَضَيْنا بِرَحْمَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ؛ وتَشْرِيفِها عَلى الأُمَمِ السّالِفَةِ؛ بِعَدَمِ اسْتِئْصالِها؛ لِما يَخْرُجُ مِن أصْلابِ (p-٤٥٦)كَفَرَتِها مِن خُلَّصِ عِبادِنا؛ والمَنعُ هُنا مُبالَغَةٌ؛ مُرادٌ بِها نَفْيُ إجابَتِهِمْ إلى مُقْتَرَحاتِهِمْ؛ ولا يَجُوزُ أخْذُهُ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّهُ وُجُودُ ما يَتَعَذَّرُ مَعَهُ وُقُوعُ الفِعْلِ مِنَ القادِرِ عَلَيْهِ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ؛ وهُوَ: ”فَكَمْ أجَبْنا؟“؛ إلى آخِرِ ما ذَكَرْتُهُ؛ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿وآتَيْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العِزَّةِ الباهِرَةِ؛ ﴿ثَمُودَ النّاقَةَ﴾؛ حالَ كَوْنِها ﴿مُبْصِرَةً﴾؛ أيْ: مُضِيئَةً؛ جَدِيرَةً بِأنْ يَسْتَبْصِرَ بِها كُلُّ مَن شاهَدَها؛ ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾؛ أيْ: فَوَقَعُوا في الظُّلْمِ؛ الَّذِي هو كالظَّلامِ؛ بِسَبَبِها؛ بِأنْ لَمْ يُؤْمِنُوا؛ ولَمْ يَخافُوا عاقِبَتَها؛ وخَصَّ آيَةَ ثَمُودَ بِالذِّكْرِ تَحْذِيرًا؛ بِسَبَبِ أنَّهم عَرَبٌ؛ اقْتَرَحُوا ما كانَ سَبَبًا لِاسْتِئْصالِهِمْ؛ ولِأنَّ لَهم مِن عِلْمِها؛ وعِلْمِ مَساكِنِهِمْ؛ بِقُرْبِها إلَيْهِمْ؛ وكَوْنِها في بِلادِهِمْ؛ ما لَيْسَ لَهم مِن عِلْمِ غَيْرِها؛ وخَصَّ النّاقَةَ لِأنَّها حَيَوانٌ أخْرَجَهُ مِن حَجَرٍ؛ والمَقامُ لِإثْباتِ القُدْرَةِ عَلى الإعادَةِ؛ ولَوْ كانُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا؛ ودَلَّ عَلى سَفَهِهِمْ في كِلا الأمْرَيْنِ؛ عَلى طَرِيقِ النَّشْرِ المُشَوَّشِ؛ بِذِكْرِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ إشارَةً إلى الحَدِيدِ؛ والنّاقَةِ؛ إشارَةً إلى الحِجارَةِ؛ فَلِلَّهِ هَذِهِ الإشارَةُ؛ ما أدَقَّها! وهَذِهِ العِبارَةُ؛ ما أجَّلَها؛ وأحَقَّها! ﴿وما نُرْسِلُ﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ الجَلالَةِ؛ الَّتِي هي بِحَيْثُ تَذُوبُ لَها الجِبالُ؛ ﴿بِالآياتِ﴾؛ أيْ: المُقْتَرَحاتِ؛ وغَيْرِها؛ ﴿إلا تَخْوِيفًا﴾؛ أيْ: لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ بِها؛ فَإنْ خافُوا نَجَوْا؛ وإلّا هَلَكُوا؛ فَإذا كُشِفَ الأمْرُ لَكم في عالَمِ الشَّهادَةِ عَنْ أنَّهم (p-٤٥٧)لا يَخافُونَها؛ وفْقَ ما كانَ عِنْدَنا في عالَمِ الغَيْبِ؛ عُلِمَ أنَّهُ لا فائِدَةَ لَكم فِيها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences