Al-Biqa'iAl‑Isra · 17:6

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:6, continued

هَذا ما دَلَّ عَلى أُولِي البَأْسِ الشَّدِيدِ الَّذِينَ سَلَّطَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ وأمّا ما دَلَّ عَلى رَحْمَةِ اللَّهِ لَهُمْ؛ فَفي تَأْرِيخِ يُوسُفَ بْنِ كَرْيُونَ أنَّ الرُّومَ لَمّا بَلَغَهم أنَّ بُخْتَنَصَّرَ مَلِكَ بابِلَ فَتَحَ مَدِينَةَ المَقْدِسِ؛ ازْدادَ خَوْفُهم مِنَ الكَسْدانِيِّينَ؛ فَأرْسَلُوا إلى بُخْتَنَصَّرَ رُسُلًا وهَدايا؛ وطَلَبُوا مِنهُ الأمانَ والمُسالَمَةَ؛ فَآمَنَهُمْ؛ وعاهَدَهم عَلى طاعَتِهِ؛ ومُوالاتِهِ؛ فاطْمَأنُّوا؛ وآمَنُوا؛ وانْقَطَعَتْ عَنْهم تِلْكَ الحُرُوبُ إلى زَمانِ دارا المَلِكِ؛ وكانَ (p-٣٣١)سَبَبُ الحُرُوبِ بَيْنَ الرُّومِ؛ وبَيْنَ الكَسْدانِيِّينَ؛ أنَّ الكَسْدانِيِّينَ كانُوا يُعادُونَ اليُونانِيِّينَ؛ فَأعانَ الرُّومُ اليُونانِيِّينَ؛ فَغَضِبَ الكَسْدانِيُّونَ مِن ذَلِكَ؛ فَحارَبُوا أهْلَ رُومِيَّةَ؛ واتَّصَلَتِ الحُرُوبُ بَيْنَهم إلى هَذا الحَدِّ؛ فَلَمّا انْتَقَدَ اللَّهُ العَزِيزَ عَلى الكَسْدانِيِّينَ طُولَ تَجَبُّرِهِمْ؛ وحَكَمَ بِزَوالِ مُلْكِهِمْ؛ وانْقِضاءِ دَوْلَتِهِمْ كَما أخْبَرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ أثارَ عَلَيْهِمْ مِن مُلُوكِ الأُمَمِ مَلِكَيْنِ عَظِيمَيْنِ؛ أحَدُهُما ”دارا“؛ مَلِكُ مادايَ؛ والآخَرُ كُورَشُ؛ مَلِكُ الفُرْسِ؛ فَتَزَوَّجَ كُورَشُ مَلِكُ الفُرْسِ بِنْتَ دارا؛ واتَّفَقا عَلى مَعْصِيَةِ الكَسْدانِيِّينَ؛ وأظْهَرَ الخِلافَ عَلى بَلْتَشَصَّرَ بْنِ بُخْتَنَصَّرَ مَلِكِهِمْ؛ ثُمَّ سارَ إلى بابِلَ في عَساكِرَ قَوِيَّةٍ؛ فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ بَلْتَشَصَّرُ عَسْكَرًا كَبِيرًا؛ فَجَرَتْ بَيْنَهم حَرْبٌ عَظِيمَةٌ؛ قُتِلَ فِيها مِنَ الفَرِيقَيْنِ خَلْقٌ كَثِيرٌ؛ ثُمَّ انْهَزَمَ عَسْكَرُ بَلْتَشَصَّرَ وهَرَبُوا؛ فَتَبِعَهم (p-٣٣٢)كُورَشُ ودارا إلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ عَنْ بابِلَ؛ وقَتَلا كَثِيرًا مِنهُمْ؛ وأقامَ دارا وكُورَشُ في ذَلِكَ المَوْضِعِ؛ ثُمَّ إنَّ بَلْتَشَصَّرَ بَعَثَ إلَيْهِما بِألْفِ قائِدٍ مِن قُوّادِهِ؛ ومَعَهم جَمِيعُ خاصَّتِهِ؛ وجَبابِرَتِهِ؛ فَخَرَجُوا مِن بابِلَ آخِرَ النَّهارِ؛ وسارُوا لَيْلَتَهُمْ؛ فانْتَهَوْا إلى عَسْكَرِ دارا وكُورَشَ عِنْدَ الصَّباحِ؛ فَكَبَسُوهُمْ؛ وقَتَلُوا مِنهم مَقْتَلَةً عَظِيمَةً؛ فانْهَزَمَ دارا؛ وثَبَتَ كُورَشُ فَقاتَلَ الكَسْدانِيِّينَ؛ ومَنَعَهم أنْ يَتْبَعُوا عَسْكَرَ دارا؛ وقامَتِ الحَرْبُ بَيْنَهم طُولَ النَّهارِ؛ ثُمَّ اسْتَظْهَرَ الكَسْدانِيُّونَ عَلى الفُرْسِ؛ وقَتَلُوا جَماعَةً مِنهُمْ؛ فانْهَزَمَ الفُرْسُ؛ وعادَ قُوّادُ بَلْتَشَصَّرَ إلَيْهِ ظافِرِينَ غانِمِينَ؛ فَعَظُمَ سُرُورُ بَلْتَشَصَّرَ بِذَلِكَ؛ وصَنَعَ لِقُوّادِهِ صَنِيعًا عَظِيمًا؛ أحْفَلَ فِيهِ؛ وأحْضَرَ الآلاتِ الحَسَنَةَ مِنَ الفِضَّةِ؛ والذَّهَبِ؛ وبالَغَ في إكْرامِهِمْ؛ وحَضَرَ مَعَهم مَجْلِسَ الشَّرابِ؛ فَأكَلَ وشَرِبَ؛ وعَظُمَ سُرُورُهُمْ؛ وسُرُورُهُ؛ فَلَمّا أخَذَ الشَّرابُ مِنهُ أرادَ أنْ يَزِيدَ في إكْرامِ أصْحابِهِ وسُرُورِهِمْ؛ فَأمَرَ بِإحْضارِ آلاتِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ؛ الَّتِي كانَ جَدُّهُ بُخْتَنَصَّرُ المَلِكُ قَدْ أخَذَها مِن هَيْكَلِ بَيْتِ المَقْدِسِ؛ ونَقَلَها مَعَ جالِيَةِ بَنِي إسْرائِيلَ إلى بابِلَ؛ فَأُحْضِرَتْ تِلْكَ الآلاتُ بِحَضْرَةِ بَلْتَشَصَّرَ؛ فَشَرِبَ فِيها الخَمْرَ؛ وسَقى فِيها قُوّادَهُ؛ ونِساءَهُ؛ وجَوارِيَهُ؛ وأقْبَلُوا يُسَبِّحُونَ لِأصْنامِهِمْ؛ ويَحْمَدُونَها؛ قالَ: فَسَخِطَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مِن ذَلِكَ؛ وكَرِهَ ما فَعَلَهُ بَلْتَشَصَّرُ؛ مِنَ ابْتِذالِ آلاتِ القُدْسِ؛ (p-٣٣٣)ولَمْ يَخَفْ مِنَ اللَّهِ؛ ولَمْ يَشْكُرْهُ عَلى ما ظَفَّرَهُ بِأعْدائِهِ؛ فَأرْسَلَ مَلاكًا؛ وأمَرَهُ أنْ يَكْتُبَ بِحَضْرَةِ بَلْتَشَصَّرَ ألْفاظًا بِأحْمَرَ؛ تَتَضَمَّنُ ذِكْرَ ما حَكَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ؛ وعَلى مَمْلَكَتِهِ؛ فَحَلَّ المَلاكُ بِأمْرِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وكَتَبَ الألْفاظَ عَلى حائِطِ المَجْلِسِ؛ مُقابِلَ المَنارَةِ؛ وكانَ يَرى أصابِعَ المَلاكِ وهي تَكْتُبُ؛ وما رَأى بَقِيَّةَ شَخْصِهِ؛ وكانَتْ تِلْكَ الأصابِعُ شَدِيدَةَ البَهارِ والنُّورِ؛ فَلَمّا رَآها ذُهِلَ؛ ولَحِقَهُ رُعْبٌ شَدِيدٌ؛ وفَزَعٌ؛ وارْتَعَدَ جَمِيعُ جِسْمِهِ رِعْدَةً شَدِيدَةً؛ ورُعِبَ جَمِيعُ جُنْدِهِ؛ ولَمْ يَفْهَمْ تِلْكَ الكِتابَةَ؛ ولا وجَدَ في أصْحابِهِ مَن يَقْرَأُها؛ لِأنَّ الخَطَّ كانَ كَسْدانِيًّا؛ وكانَ اللَّفْظُ عِبْرانِيًّا.

فَأمَرَ بِإحْضارِ دانْيالَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ وعَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقَرَأها؛ وفَسَّرَها؛ وقالَ: ”أيُّها المَلِكُ؛ قَدْ أخْطَأْتَ خَطَأً عَظِيمًا بِابْتِذالِكَ آلاتِ قُدْسِ اللَّهِ بِأيْدِي جُنْدِكَ؛ وجَوارِيكَ؛ فَنَجَّسُوها؛ ولِذَلِكَ سَخِطَ اللَّهُ؛ وأرْسَلَ مَلاكَهُ؛ حَتّى كَتَبَ هَذِهِ الألْفاظَ؛ لِيُعْلِمَكَ ما يُرِيدُ أنْ يَفْعَلَهُ؛ فَأمّا هَذِهِ الألْفاظُ المَكْتُوبَةُ فَهِيَ: (حَسَبَ ووَزَنَ ونَقَلَ)؛ وتَفْسِيرُها أنَّ اللَّهَ حَسَبَ مُدَّةَ دَوْلَتِكُمُ الَّتِي قَدْ جَعَلَها لَكم فَوَجَدَها قَدِ انْقَضَتْ؛ (p-٣٣٤)وانْتَهَتْ؛ ولَمْ يَبْقَ مِنها شَيْءٌ؛ ووَزَنَكَ في المِيزانِ فَوَجَدَكَ ناقِصًا؛ يُرِيدُ أنَّهُ جَرَّبَكَ بِالإحْسانِ إلَيْكَ؛ والظَّفَرِ بِأعْدائِكَ؛ فَوَجَدَكَ غَيْرَ شاكِرٍ لِإحْسانِهِ؛ ولَمْ تَحْمَدْهُ؛ بَلْ سَبَّحْتَ الأصْنامَ؛ وأمّا تَفْسِيرُ (نَقَلَ)؛ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ قَضى وحَكَمَ بِزَوالِ المُلْكِ عَنْكَ؛ ونَقْلِهِ إلى كُورَشَ ودارا“؛ قالَ: فَلَمّا سَمِعَ بَلْتَشَصَّرُ ما قالَ دانْيالُ ازْدادَ خَوْفُهُ؛ وفَزَعُهُ؛ واضْطَرَبَ قُوّادُهُ أيْضًا؛ وفَزِعُوا فَزَعًا شَدِيدًا؛ وانْصَرَفُوا إلى مَنازِلِهِمْ وهم خائِفُونَ؛ فَلَمّا نامَ بَلْتَشَصَّرُ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ جاءَ إلَيْهِ خادِمٌ مِن خَدَمِهِ فَقَتَلَهُ عَلى فِراشِهِ؛ وأخَذَ رَأْسَهُ ومَضى إلى دارا وكُورَشَ؛ وأخْبَرَهُما بِخَبَرِ بَلْتَشَصَّرَ؛ وما فَعَلَ مِنَ ابْتِذالِ آنِيَةِ القُدْسِ؛ وخَبَرِ الكِتابَةِ الَّتِي كَتَبَها المَلاكُ قُدّامَهُ؛ وتَفْسِيرِ دانْيالَ لَها؛ وما أخْبَرَهُ بِهِ مِنَ انْقِضاءِ مُلْكِهِ؛ وانْتِقالِ دَوْلَتِهِ إلى مُلُوكِ مادايَ؛ وفارِسٍ؛ بِسَبَبِ ابْتِذالِهِ آنِيَةِ القُدْسِ؛ فَلَمّا سَمِعَ دارا وكُورَشُ ما أخْبَرَهُما بِهِ؛ ونَظَرا رَأْسَ بَلْتَشَصَّرَ شَكَرا اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ -؛ واعْتَرَفا بِقُدْرَتِهِ؛ وأكْثَرا تَسْبِيحَهُ؛ وتَمْجِيدَهُ؛ ونَذَرَ كُورَشُ أنَّهُ يَبْنِي بَيْتَ اللَّهِ بِأُورْشَلِيمَ؛ ويَرُدُّ تِلْكَ الآنِيَةَ؛ ويُطْلِقُ جالِيَةَ اليَهُودِ أنْ يَرْجِعُوا إلى بِلادِهِمْ؛ ثُمَّ سارَ كُورَشُ ودارا مِن مَواضِعِهِما؛ ودَخَلا بابِلَ؛ وقَتَلا جَمِيعَ أهْلِها؛ بِأشَدِّ (p-٣٣٥)القَتْلِ؛ وأعْظَمِ العَذابِ؛ فَتَمَّ عِنْدَ ذَلِكَ ما أخْبَرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ انْتِقامِ اللَّهِ (تَعالى) مِنَ الكَسْدانِيِّينَ؛ وأهْلِ بابِلَ؛ ومُجازاتِهِمْ بِما فَعَلُوهُ بِآنِيَةِ قُدْسِهِ؛ ثُمَّ اقْتَسَمَ دارا وكُورَشُ مَمْلَكَةَ الكَسْدانِيِّينَ؛ فَأخَذَ دارا مَدِينَةَ بابِلَ وأعْمالَها؛ وتَسَلَّمَ قَصْرَ بَلْتَشَصَّرَ؛ وجَلَسَ عَلى سَرِيرِهِ؛ وأخَذَ كُورَشُ جَمِيعَ مَمْلَكَةِ الكَسْدانِيِّينَ الَّتِي هي غَيْرُ بابِلَ؛ وأعْمالَها؛ واسْتَقَرَّ الأمْرُ بَيْنَهُما عَلى ذَلِكَ؛ وكانَ دارا في ذَلِكَ الوَقْتِ شَيْخًا؛ فَلَمْ تَطُلْ مُدَّتُهُ؛ فَلَمّا ماتَ اتَّفَقَ عُظَماءُ مادايَ وفارِسٍ عَلى أنْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ كُورَشَ؛ ومُنْذُ ذَلِكَ الوَقْتِ صارَ مَلِكُ مادايَ وفارِسٍ واحِدًا؛ وبَقِيَ الأمْرُ عَلى ذَلِكَ؛ ولَمْ يَتَغَيَّرْ؛ ولَمّا تَسَلَّمَ كُورَشُ مَمْلَكَةَ الكَسْدانِيِّينَ؛ وجَلَسَ عَلى كُرْسِيِّ بابِلَ؛ ومُلِّكَ عَلى مادايَ وفارِسٍ؛ حَرَّكَهُ اللَّهُ (تَعالى) في السَّنَةِ الأُولى مِن مُلْكِهِ؛ فَذَكَرَ نَذْرَهُ الَّذِي كانَ قَدْ نَذَرَ أنَّهُ يُطْلِقُ لِجالِيَةِ بَنِي إسْرائِيلَ الرُّجُوعَ إلى بَلَدِهِمْ؛ وأنَّهُ يَبْنِي قُدْسَ اللَّهِ؛ ويَرُدُّ آلاتِهِ إلَيْهِ؛ فَأمَرَ بِإحْضارِ شُيُوخِ الجالِيَةِ وكُبَرائِهِمْ؛ فَأخْبَرَهم بِما قَدْ عَزَمَ عَلَيْهِ مِن بِناءِ بَيْتِ المَقْدِسِ؛ وإطْلاقِهِمْ؛ وقالَ لَهُمْ: مَنِ اخْتارَ مِن (p-٣٣٦)جالِيَةِ اليَهُودِ أنْ يَمْضِيَ إلى مَدِينَةِ القُدْسِ لِبِناءِ الهَيْكَلِ الَّذِي أخْرَبَهُ بُخْتَنَصَّرُ؛ فَلْيَمْضِ؛ ويَسْتَعِنْ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَإنَّهُ يُعِينُهُ؛ وأنا كُورَشُ عَبْدُ الإلَهِ العَظِيمِ أُطْلِقُ مِن خَزائِنِي جَمِيعَ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ المالِ؛ والعُدَدِ؛ لِعِمارَةِ بَيْتِ الرَّبِّ؛ الَّذِي ظَفَّرَنِي بِالكَسْدانِيِّينَ؛ وأعْطانِي مُلْكَهُمْ؛ قالَ: فَلَمّا سَمِعَ شُيُوخُ الجالِيَةِ مَقالَةَ كُورَشَ عَظُمَ سُرُورُهم بِذَلِكَ؛ وشَكَرُوا اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى إحْسانِهِ؛ وطَلَعُوا إلى مَدِينَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ؛ ومَعَهم جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ؛ ومَعَهم عَزْرا الكاهِنُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ونَحَمْيا؛ ومُرْدَخايُ؛ ويَشُوعُ؛ وسائِرُ رُؤَساءِ الجالِيَةِ؛ ومُقَدِّمِيهِمْ؛ فَبَنَوْا بَيْتَ اللَّهِ عَلى المِقْدارِ الَّذِي رَسَمَ لَهم كُورَشُ؛ وبَنَوُا المَذْبَحَ عَلى واجِبِهِ وحُدُودِهِ؛ وقَرَّبُوا القَرابِينَ عَلى واجِبِها؛ وكانَ كُورَشُ يُطْلِقُ لَهم كُلَّ سَنَةٍ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ لِخِدْمَةِ بَيْتِ اللَّهِ؛ مِنَ المالِ؛ والحِنْطَةِ؛ والزَّيْتِ؛ والخَمْرِ؛ والغَنَمِ؛ والبَقَرِ؛ وأطْلَقَ لَهم مالًا كَثِيرًا؛ ولَمْ يَزَلِ الأمْرُ يَجْرِي عَلى ذَلِكَ طُولَ مَمْلَكَةِ الفُرْسِ؛ قالَ: ثُمَّ عَظُمَ أمْرُ كُورَشَ؛ وبَسَطَ اللَّهُ يَدَهُ عَلى جَمِيعِ الأُمَمِ والمَمالِكِ؛ وفَتَحَ لَهُ الحُصُونَ المَنِيعَةَ؛ وأعْطاهُ كُنُوزَ الأرْضِ؛ (p-٣٣٧)وذَخائِرَها؛ ولَمْ يَزَلْ مُقْبِلًا مُظَفَّرًا حَيْثُما تَوَجَّهَ؛ كَما أخْبَرَ اللَّهُ (تَعالى) عَلى يَدِ أشْعَيا النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِكُورَشَ؛ مِن أجْلِ إحْسانِهِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ.

قالَ - في سِفْرِ الأنْبِياءِ؛ في نُبُوَّةِ أشْعِيا بْنِ آمُوصَ -: (هَكَذا يَقُولُ الرَّبُّ: أنا الَّذِي أبْطَلَ آياتِ العَرّافِينَ؛ وأُصَيِّرُ كُلَّ تَعْرِيفِهِمْ جَهْلًا؛ وأرُدُّ الحُكَماءَ إلى خَلْفِهِمْ؛ وأُعَرِّفُ أعْمالَهم لِلنّاسِ؛ وأُثْبِتُ كَلِمَةَ عَبِيدِي؛ وأُتَمِّمُ قَوْلَ رُسُلِي؛ لِأنَّهُ قالَ لِأُورْشَلِيمَ: إنَّها تُعَمَّرُ؛ ولِقُرى يَهُوذا: إنَّها تُبْنى وتُعَمَّرُ خَراباتُها؛ ويَقُولُ لِلْغَوْرِ أنْ يُخَرَّبَ؛ وتَيْبَسَ أنْهارُهُ؛ ويَقُولُ لِكُورَشَ: ارْعَ لِتَتِمَّ جَمِيعُ إرادَتِي؛ وتَأْمُرَ بِبِناءِ أُورْشَلِيمَ؛ وتُقِيمَ هَياكِلَها؛ هَكَذا يَقُولُ الرَّبُّ لِمَسِيحِهِ؛ وكُورَشَ الَّذِي آخِذٌ بِيَمِينِهِ؛ لِتَخْضَعَ لَهُ الشُّعُوبُ؛ ويَظْهَرَ عَلى المُلُوكِ أبَدًا؛ أفْتَحُ الأبْوابَ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ ولا تُغْلَقُ الأبْوابَ أمامَهُ؛ أنا أسِيرُ قُدّامَهُ؛ وأُسَهِّلُ لَهُ العُسْرَ؛ أكْسِرُ أبْوابَ النُّحاسِ؛ وأُحَطِّمُ أمْخالَ الحَدِيدِ؛ وأُعْطِيهِ الذَّخائِرَ (p-٣٣٨)الَّتِي في الظُّلُماتِ؛ والأشْياءَ المَطْمُورَةَ المَسْتُورَةَ؛ لِيَعْلَمَ أنِّي أنا الرَّبُّ الَّذِي دَعَوْتُهُ قَبْلَ مَوْلِدِهِ؛ إلَهُ إسْرائِيلَ؛ مِن أجْلِ عَبْدِي يَعْقُوبَ وإسْرائِيلَ صَفِيِّي؛ دَعَوْتُكَ بِاسْمِكَ؛ وكَنَّيْتُكَ مِن قَبْلِ أنْ تَعْرِفَنِي؛ أنا الرَّبُّ؛ ولا إلَهَ غَيْرِي)؛ انْتَهى ما في سِفْرِ الأنْبِياءِ.

ولَمْ يَزَلْ كُورَشُ يُحْسِنُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ حَتّى ماتَ؛ ومَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ تَمْكِيشَةَ؛ فَأنْفَذَ ما كانَ صَنَعَهُ أبُوهُ مِنَ البِرِّ إلى اليَهُودِ؛ وإطْلاقِ الأمْوالِ الكَثِيرَةِ لَهُمْ؛ تَعْظِيمًا لِبَيْتِ اللَّهِ؛ وكانَ مَن بَعْدَهُ مِن مُلُوكِ الفُرْسِ عَلى ذَلِكَ؛ ويُطْلِقُونَ ما كانَ كُورَشُ يُطْلِقُهُ لِلْقَرابِينِ وغَيْرِها؛ ويُجِلُّونَ بَيْتَ اللَّهِ؛ ويُعَظِّمُونَهُ؛ ويَتَبَرَّكُونَ بِهِ؛ حَتّى كانَ أحْشَوِيرَشُ - وهو أرْدَشِيرُ المَلِكُ - فَتَغَيَّرَتْ حالُ اليَهُودِ في زَمانِهِ؛ بِسَبَبِ وزِيرٍ اسْتَوْزَرَهُ مِنَ العَمالِيقِ؛ يُسَمّى هامانَ؛ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ (تَعالى) عَطَّفَهُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ زَوْجَةٍ لَهُ مِنَ اليَهُودِ؛ ولَمْ يَزَلْ أمْرُهم مُسْتَقِيمًا وهم تَحْتَ طاعَةِ الفُرْسُ؛ إلى أنْ مَلَكَ الإسْكَنْدَرُ الثّانِي؛ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ؛ في سُورَةِ الكَهْفِ: وهو الَّذِي يُؤَرِّخُ لَهُ مِن مَمْلَكَةِ الرُّومِ؛ وقَدْ كانَ قَبْلَ المَسِيحِ بِنَحْوٍ مِن ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ؛ انْتَهى. وهو (p-٣٣٩)الماقِيدُونِي اليُونانِيُّ الرُّومِيُّ؛ مَلَكَ بَعْدَ قَتْلِ أبِيهِ فَلِيفُوسَ؛ وكانَ عُمْرُهُ حِينَ مَلَكَ عِشْرِينَ سَنَةً؛ وكانَ حَكِيمًا عارِفًا بِسائِرِ العُلُومِ؛ وكانَ الَّذِي عَلَّمَهُ الحِكْمَةَ أرِسْطاطالِيسُ الحَكِيمُ؛ وكانَ الإسْكَنْدَرُ يُشاوِرُهُ في أُمُورِهِ؛ ويَرْجِعُ إلى رَأْيِهِ؛ ويَتَدَبَّرُ بِتَدْبِيرِهِ؛ ولَمْ يَكُنْ يُشْبِهُ أباهُ؛ ولا أُمَّهُ؛ وكانَ وجْهُهُ كَوَجْهِ الأسَدِ؛ وعَيْناهُ مُخْتَلِفَتَيْنِ؛ اليُمْنى سَوْداءُ تَنْظُرُ إلى أسْفَلَ؛ واليُسْرى صافِيَةُ اللَّوْنِ؛ كَعَيْنِ السِّنَّوْرِ؛ تَنْظُرُ إلى فَوْقَ؛ وأسْنانُهُ دَقِيقَةٌ حادَّةٌ؛ كَأسْنانِ الكَلْبِ؛ وكانَ شُجاعًا؛ جَرِيئًا؛ مِقْدامًا؛ مِن صِباهُ؛ فَلَمّا فَتَحَ بِلادَ المَغْرِبِ؛ ورَجَعَ مِنها؛ قَصَدَ بِلادَ الشّامِ؛ وتَوَجَّهَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ؛ فَلَقِيَهُ مَلاكُ الرَّبِّ؛ فَأمَرَهُ أنْ يُعَظِّمَ القُدْسَ وأهْلَها؛ فَفَعَلَ؛ ثُمَّ قَصَدَ دارا الثّانِي؛ مَلِكَ الفُرْسِ؛ فَلَمّا حاذى نابُلْسَ خَرَجَ إلَيْهِ سُنْبَلاطُ السّامِرِيُّ صاحِبُها؛ وحَمَلَ إلَيْهِ أمْوالًا كَثِيرَةً؛ وهَدايا؛ ثُمَّ سارَ إلى دارا؛ فَقَتَلَهُ؛ ثُمَّ إلى مَلِكِ الهِنْدِ فَكَذَلِكَ؛ ثُمَّ إلى مَطْلِعَ الشَّمْسِ؛ ثُمَّ أحَبَّ أنْ يَرى أطْرافَ الأرْضِ؛ فَضَرَبَ فِيها؛ ورَأى مِنَ الأُمَمِ والعَجائِبِ ما هو مَذْكُورٌ في سِيَرِهِ؛ ورَجَعَ فَماتَ بِبابِلَ؛ ثُمَّ كانَ أمْرُ اليَهُودِ تارَةً؛ وتارَةً؛ وهم تَحْتَ حُكْمِ اليُونانِ؛ الَّذِينَ مَلَكُوا بَعْدَ الإسْكَنْدَرِ؛ ثُمَّ غُلِبَ الرُّومُ؛ فَكانَ اليَهُودُ تَحْتَ أيْدِيهِمْ؛ وكانُوا يَقُومُونَ ويَقْعُدُونَ تارَةً؛ وتارَةً؛ إلى أنْ كَثُرَتْ فِيهِمُ الأحْداثُ؛ وعَظُمَتِ المَصائِبُ والفِتَنُ؛ وعَمَّ الفَسادُ؛ (p-٣٤٠)وكَثُرَتْ فِيهِمُ الخَوارِجُ؛ واتَّصَلَ القَتْلُ والغَدْرُ والنَّهْبُ والغاراتُ؛ وقَتَلُوا زَكَرِيّا؛ ويَحْيى؛ ابْنَهُ - عَلَيْهِما السَّلامُ -؛ وأطْبَقُوا عَلى إرادَةِ قَتْلِ المَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ - عَلَيْهِما السَّلامُ -؛ فَرَفَعَهُ اللَّهُ (تَعالى) إلَيْهِ؛ ثُمَّ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ طِيطُوسَ؛ قَيْصَرَ فَأهْلَكَهُمْ؛ وأخْرَبَ البَيْتَ الخَرابَ الثّانِيَ - كَما سَيَأْتِي؛ ثُمَّ لَمْ يَقُمْ لِلْيَهُودِ أمْرٌ إلى الآنَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском