Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:7, continued
فَصاحَ الخَوارِجُ بِشَتْمِ يُوسُفَ؛ والفِرْيَةِ عَلَيْهِ؛ ورَمَوْهُ بِالسِّهامِ والحِجارَةِ؛ فَتَباعَدَ قَلِيلًا؛ وأغْلَظَ لَهم في الكَلامِ؛ وقالَ: يا مَعْشَرَ العُصاةِ؛ أخْبِرُونِي ما الَّذِي حَمَلَكم عَلى قِتالِ الرُّومِ؟ إنْ كُنْتُمْ تَقْصِدُونَ بِذَلِكَ صِيانَةَ القُدْسِ عَنِ الأعْداءِ فَأنْتُمْ قَدِ ابْتَذَلْتُمُوهُ بِالمَعاصِي؛ ونَجَّسْتُمُوهُ بِما سَفَكْتُمْ فِيهِ مِنَ الدِّماءِ الكَثِيرَةِ ظُلْمًا؛ وإنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ نُصْرَةَ الأُمَّةِ؛ وإعْزازَها؛ فَأنْتُمْ تَقْتُلُونَها بِأيْدِيكُمْ؛ وتُبالِغُونَ في ظُلْمِها؛ والإساءَةِ إلَيْها؛ وهَلْ يَفْعَلُ الأعْداءُ بِكم أكْثَرَ مِمّا فَعَلْتُمُوهُ؛ أوْ يَبْلُغُونَ فِيكم أكْثَرَ مِمّا قَدْ بَلَغْتُمُوهُ في أنْفُسِكُمْ؟ أخْبِرُونِي مَتى كانَ مَن تَقَدَّمَ مِن أُمَّتِنا أوْ تَأخَّرَ يَغْلِبُونَ مَن يُحارِبُهُمْ؛ ويَسْتَظْهِرُونَ عَلى أعْدائِهِمْ بِالعَساكِرِ والعُدَدِ دُونَ الصَّلاحِ (p-٣٥٨)والتَّقْوى؟ وهَلْ تَخَلَّصَ مَن تَخَلَّصَ مِنَ الشَّدائِدِ إلّا بِطاعَةِ اللَّهِ؛ والدُّعاءِ لَهُ؟ وهَلْ كانُوا يَغْلِبُونَ إلّا بِنَصْرِ اللَّهِ لَهُمْ؛ ومَعُونَتِهِ إيّاهُمْ؟ وهَلْ كانَ يَنْصُرُهم إلّا إذا أطاعُوهُ؛ واتَّقَوْهُ؟ فَلَمّا عَصَوْهُ سَلَّطَ عَلَيْهِمُ الأعْداءَ؛ ومَكَّنَهم مِنهم حَتّى قَهَرُوهُمْ؛ وأذَلُّوهُمْ؛ ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِعُدَدِهِمْ وسِلاحِهِمْ؛ ولا قَدِرُوا عَلى مُقاوَمَةِ الأعْداءِ بِبَأْسِهِمْ وقُوَّتِهِمْ؛ وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - كَفى الصّالِحِينَ في كُلِّ زَمانٍ أمْرَ أعْدائِهِمْ؛ فَمِنهم مَن دَعا اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - عِنْدَ الشَّدائِدِ فاسْتَجابَ لَهُ بِلا حَرْبٍ؛ وأظْهَرَ الآياتِ العَظِيمَةَ في مَعُونَتِهِمْ وكِفايَتِهِمْ؛ فَبَلَغُوا بِذَلِكَ ما لَمْ يَكُونُوا يَبْلُغُونَ إلَيْهِ بِحَوْلِهِمْ وقُوَّتِهِمْ؛ ومِنهم مَن حارَبَ الأعْداءَ؛ واسْتَعانَ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ فَأعانَهُ عَلى عَدُوِّهِ؛ وظَفَّرَهُ بِهِ؛ ولَمْ يَفْعَلِ اللَّهُ مِثْلَ ذَلِكَ مَعَ العُصاةِ؛ لِيُظْهِرَ فَضِيلَةَ الصّالِحِينَ؛ اعْتَبِرُوا بِأبِيكم إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لَمّا أخَذَ فِرْعَوْنُ امْرَأتَهُ؛ ألَمْ يَضْرِبِ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وأهْلَهُ بِالبَلاءِ العَظِيمِ؛ حَتّى خَضَعَ؛ فانْكَسَرَ؛ ورَدَّ امْرَأةَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهي سَلِيمَةٌ؛ ثُمَّ أحْسَنَ إلَيْهِ وأكْرَمَهُ؛ فَهَلْ قَدِرَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى ذَلِكَ بِالسَّيْفِ والمُحارَبَةِ؛ أوْ بِالصَّلاحِ؛ (p-٣٥٩)والدُّعاءِ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ؟ وكَذَلِكَ فَعَلَ اللَّهُ مَعَ إسْحاقَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لَمّا أخَذَ أبِيمالِخُ مَلِكُ فِلَسْطِينَ امْرَأتَهُ؛ وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَسْتَظْهِرْ عَلى فِرْعَوْنَ وعَساكِرِ المِصْرِيِّينَ - حَتّى هَلَكُوا؛ وتَخَلَّصَتْ أُمَّةُ بَنِي إسْرائِيلَ مِنهم - بِحَرْبٍ؛ ولا عُدَّةٍ؛ بَلْ بِالدُّعاءِ وكِفايَةِ اللَّهِ لَهُ؛ ولَمّا حارَبَ ”عَمالِيقُ“ بَنِي إسْرائِيلَ؛ هَلْ غَلَبُوهُ إلّا بِدُعاءِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وصَلاتِهِ؟ ويُوشَعُ بْنُ نُونٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا عَبَرَ الأُرْدُنَّ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ كانَ في جَمْعٍ كَبِيرٍ؛ وقُوَّةٍ؛ فَهَلْ فَتَحَ يَرِيحا بِالحَرْبِ؛ أوْ بِالآيَةِ العَجِيبَةِ في سُقُوطِ الحِصْنِ؟ ولَمّا أخْطَأ عاخانُ بِما أخَذَهُ مِن يَرِيحا مِنَ الغَنِيمَةِ الَّتِي نَهى اللَّهُ عَنْها بَنِي إسْرائِيلَ؛ ألَمْ يَسْخَطِ اللَّهُ عَلى الأمَةِ بِسَبَبِهِ؛ حَتّى غَلَبَهم أهْلُ مَدِينَةِ عايَ وهم قَلِيلٌ؟ فَلَمْ يَقْدِرْ بَنُو إسْرائِيلَ؛ مَعَ كَثْرَتِهِمْ؛ عَلى مُقاوَمَتِهِمْ؛ إلى أنْ صَلّى يُوشَعُ بْنُ نُونٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ودَعا إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ فاسْتَجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ؛ ونَصَرَ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى عايَ وجَدْعُونَ؛ لَما غَلَبَ عَسْكَرَ مَدْيَنَ؛ وعَمالِيقَ؛ مَعَ كَثْرَتِهِمْ؛ (p-٣٦٠)هَلْ غَلَبَهم إلّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ لَهُمْ؟ واذْكُرُوا كَيْفَ انْهَزَمَ عَسْكَرُ الأرْمَنِ العَظِيمِ عَنْ سَبَسْطِيَةَ بِصَلاةِ اليَشَعِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ودُعائِهِ؛ وقَدْ كانَ أهْلُ المَدِينَةِ أشْرَفُوا عَلى الهَلاكِ مِنَ الجُوعِ؛ فَأوْقَعَ اللَّهُ الخَوْفَ في قُلُوبِ الأرْمَنِ؛ فانْهَزَمُوا بِغَيْرِ حَرْبٍ ولا قِتالٍ؛ وخَرَجَ أهْلُ المَدِينَةِ فَغَنِمُوا عَسْكَرَهُمْ؛ وزالَ عَنْهُمُ الجُوعُ؛ واذْكُرُوا ما فَعَلَ اللَّهُ مَعَ نِساءِ المَلِكِ؛ ويُوشافاطَ لَمّا ظَفَّرَهُما بِأعْدائِهِما بِالدُّعاءِ؛ والصَّلاةِ؛ وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ شَمْشُونَ قَبْلَ أنْ يُخْطِئَ كانَ جَبّارًا مُظَفَّرًا؛ فَلَمّا أخْطَأ أسَرَهُ أعْداؤُهُ؛ فَصارَ ذَلِيلًا في أيْدِيهِمْ؛ مِثْلَ أقَلِّ النّاسِ؛ وأضْعَفِهِمْ؛ وطَحَنُوهُ بِالرَّحى؛ مِثْلَ الإماءِ؛ وكَذَلِكَ شاوُولُ - وفي نُسْخَةٍ: طالُوتُ - المَلِكُ؛ لَمّا كانَ طائِعًا لِلَّهِ (تَعالى) كانَ اللَّهُ يَنْصُرُهُ؛ فَلَمّا عَصاهُ أسْلَمَهُ اللَّهُ إلى أعْدائِهِ؛ فَظَفِرُوا بِهِ؛ ولَمْ يَنْتَفِعْ بِعَساكِرِهِ وعُدَدِهِ؛ وأمَصْيا لَمّا حارَبَ أدُومَ غَلَبَهُمْ؛ وظَفِرَ بِهِمْ؛ فَلَمّا أخَذَ أصْنامَهم ونَصَبَها في بَيْتِ المَقْدِسِ (p-٣٦١)سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ؛ فَلَمّا حارَبَ يُوآشُ مَلِكَ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ انْهَزَمَ أقْبَحَ هَزِيمَةٍ لِخِذْلانِ اللَّهِ لَهُ؛ وتَرْكِهِ مَعُونَتَهُ؛ واذْكُرُوا هَلاكَ عَسْكَرِ سَنْحارِيبَ مَلِكِ المَوْصِلِ؛ العَسْكَرِ العَظِيمِ؛ بِغَيْرِ حَرْبٍ؛ ولا قِتالٍ؛ بَلْ بِصَلاةِ حِزْقِيا المَلِكِ؛ والأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ ودُعائِهِمْ؛ واعْتَبِرُوا بِصِدْقِيا المَلِكِ لَمّا عَصى الكَسْدانِيِّينَ؛ وظَنَّ أنَّهم يَغْلِبُهم بِعَساكِرِهِ؛ وبِعُدَّتِهِ؛ وخالَفَ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - في مُسالَمَتِهِمْ؛ هَلِ انْتَفَعَ بِذَلِكَ؟ وهَلْ كانَتْ عاقِبَتُهُ وعاقِبَةُ الأُمَّةِ إلّا إلى الهَلاكِ؟ فَهَذا وغَيْرُهُ؛ مِمّا لَمْ أذْكُرْهُ لَكُمْ؛ يَدُلُّكم عَلى عِنايَةِ اللَّهِ بِالأخْيارِ؛ وخِذْلانِهِ لِلْعُصاةِ الأشْرارِ.
وساقَ لَهم مِن مِثْلِ هَذا كَلامًا كَثِيرًا بَلِيغًا؛ ثُمَّ رَغَّبَهم في طاعَةِ إسْفِسْيانُوسَ بِالخُصُوصِ؛ بِما اشْتُهِرَ مِن حُسْنِ سِيرَتِهِ؛ وقالَ: ولَوْ لَمْ تَعْلَمُوا ذَلِكَ إلّا بِما عامَلَنِي بِهِ مِنَ الجَمِيلِ؛ وقَدْ كُنْتُ أسْتَوْجِبُ مِنهُ غَيْرَ ذَلِكَ؛ لَكَفاكُمْ؛ لِأنِّي كُنْتُ أوَّلَ مَنِ اجْتَهَدَ في مُحارَبَتِهِ؛ وقَتَلْتُ خَلْقًا كَثِيرًا مِن أصْحابِهِ؛ ولَقَدْ كُنْتُ أعْلَمَ أنِّي خالَفْتُ الصَّوابَ؛ ولَكِنِّي لَمّا رَأيْتُكم بِأجْمَعِكم قَدِ اتَّفَقْتُمْ عَلى (p-٣٦٢)مُحارَبَتِهِمْ؛ وبَعَثْتُمُونِي؛ لَمْ أُخالِفْكُمْ؛ وبَذَلْتُ المَجْهُودَ في مُناصَحَتِكُمْ؛ وثَبَتُّ في حِصْنِ يُودَناتَ إلى أنْ فَنِيَ أصْحابِي؛ وغَلَبَنِي الأمْرُ؛ ولَمْ يَبْقَ لِي حِيلَةٌ؛ ثُمَّ حَصَلْتُ مَعَ الرُّومِ؛ فَما أساؤُوا إلَيَّ؛ بَلْ أحْسَنُوا؛ وأجْمَلُوا؛ وعَفَوْا عَنِّي؛ وأنا مَعَهم إلى هَذِهِ الغايَةِ عَلى ما أُحِبُّ؛ وقَدْ كُنْتُ اجْتَهَدْتُ قَبْلَ حُصُولِي مَعَهم أنْ أهْرُبَ إلَيْكُمْ؛ فَما تَمَّ لِي ذَلِكَ؛ وأنا الآنَ أحْمَدُ اللَّهَ (تَعالى) إذْ لَمْ يُسَهِّلْ لِي ذَلِكَ؛ فَإنِّي لَوْ كُنْتُ مَعَكم لَكُنْتُ إمّا أنْ أُشارِكَكم في أفْعالِكم هَذِهِ؛ فَأكُونَ مُخْطِئًا؛ أوْ أُخالِفَكم فَتَقْتُلُونِي ظُلْمًا؛ فَتَأمَّلُوا ما خاطَبْتُكم بِهِ؛ ولا تَظُنُّوا أنَّ اللَّهَ يَنْصُرُكُمْ؛ فَإنَّكم لا تَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ؛ لِأنَّكم قَدْ أسْخَطْتُمُوهُ؛ واسْتَدِلُّوا عَلى ذَلِكَ بِآيَةِ عَيْنِ سُلْوانَ؛ فَإنَّها قَدْ كانَتْ قَرِيبَةً مِنَ الجَفافِ؛ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ بِكم هَذِهِ العَساكِرُ؛ فَلَمّا نَزَلُوا غَزُرَتْ؛ فَصارَتْ كالنَّهْرِ؛ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ (تَعالى) يُرِيدُ مَعُونَةَ أعْدائِكم عَلَيْكُمْ؛ وأنا أعْلَمُ أنَّ كَلامِي لا يُؤَثِّرُ فِيكُمْ؛ لِيَتِمَّ ما قَدْ حَكَمَ اللَّهُ بِهِ مِن هَلاكِ هَذِهِ المَدِينَةِ؛ وخَرابِ هَذا القُدْسِ الجَلِيلِ؛ ولِذَلِكَ قَدْ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ؛ فَصارَتْ كالحِجارَةِ؛ بَلْ هي أقْسى وأصْلَبُ مِنَ الحِجارَةِ؛ لِأنَّ الحَجَرِ قَدْ يُؤَثِّرُ فِيهِ (p-٣٦٣)الماءُ إذا دامَ انْصِبابُهُ عَلَيْهِ؛ وأنْتُمْ لا تُؤَثِّرُ فِيكُمُ المَواعِظُ الكَثِيرَةُ؛ ولا تَلِينُ قُلُوبُكُمْ؛ ولا تَنْكَسِرُ؛ ولَكِنِّي قَدْ بَلَغْتُ الغايَةَ فِيما يَلْزَمُنِي مِن نَصِيحَتِكُمْ؛ فاقْبَلُوا نُصْحِي؛ وأشْفِقُوا عَلى هَذا القُدْسِ الجَلِيلِ الَّذِي بَنَتْهُ الأنْبِياءُ المُقَدَّسُونَ؛ والمُلُوكُ العُظَماءُ؛ فَإنَّ بَقاءَ عِزِّكُمْ؛ وثَباتَ أمْرِكم مَقْرُونٌ بِبَقائِهِ؛ وعِمارَتِهِ؛ وإنْ خَرِبَ لَمْ يَبْقَ لَكم عِزٌّ؛ ولا إقْبالٌ؛ ولا دَوْلَةٌ؛ فاقْبَلُوا ما بَذَلَهُ لَكُمُ ابْنُ المَلِكِ مِنَ الأمانِ؛ وثِقُوا بِعَهْدِهِ وما ضَمِنَهُ مِنَ الإحْسانِ؛ وأنا الضّامِنُ لَكم عَنْهُ؛ وإنِ اتَّهَمْتُمُونِي بِأنِّي أخْدَعُكُمْ؛ وأُرِيدُ مُعاوَنَةَ الرُّومِ عَلَيْكُمْ؛ فَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ أبِي؛ وأُمِّي؛ وزَوْجَتِي الكَرِيمَةَ عَلَيَّ؛ وأوْلادِي مَعَكُمْ؛ فَإنْ ظَهَرَ لَكم مِن طِيطُوسُ بَعْدَ مُسالَمَتِكم لَهُ ما تَكْرَهُونَ فاقْتُلُوهُمْ؛ واقْتُلُونِي؛ فَقَدْ وهَبْتُكم دِماءَهُمْ؛ ودَمِي؛ عَلى ذَلِكَ.
ثُمَّ بَكى يُوسُفُ بُكاءً شَدِيدًا؛ وكانَ طِيطُوسُ يَسْمَعُ كَلامَهُ؛ فَرَقَّ لَهُ؛ وأمَرَ بِإطْلاقِ مَن كانَ مِنَ السَّبْيِ في عَسْكَرِهِ؛ وأطْلَقَ لَهم أنْ يَمْضُوا حَيْثُ شاؤُوا؛ فَمالَ أكْثَرُ أهْلِ المَدِينَةِ إلى طاعَةِ طِيطُوسَ؛ فَمَنَعَهُمُ الخَوارِجُ؛ ووَكَّلُوا بِأبْوابِ المَدِينَةِ مَن يَحْفَظُها؛ وأمَرُوا المُوَكَّلِينَ أنْ يَقْتُلُوا كُلَّ مَن أرادَ الخُرُوجَ؛ ولَمّا طالَ الحِصارُ اشْتَدَّ الجُوعُ؛ وكانَ الخَوارِجُ يُفَتِّشُونَ مَنازِلَ النّاسِ؛ ويَنْهَبُونَ الطَّعامَ؛ ويَقْتُلُونَ مَن مانَعَهم عَنْهُ؛ فَكانَ النّاسُ يَمُوتُونَ في المَدِينَةِ بِالجُوعِ؛ ومَن أرادَ الخُرُوجَ إلى ظاهِرِ (p-٣٦٤)المَدِينَةِ لِيَأْخُذَ شَيْئًا مِن نَباتِ الأرْضِ؛ قَتَلَهُ الخَوارِجُ؛ وإنْ قَدِرَ عَلى الخُرُوجِ قَتَلَهُ الرُّومُ؛ فَأفْناهم ذَلِكَ؛ وكانَ طِيطُوسُ إذا سَمِعَ ذَلِكَ رَقَّ لَهم واسْتَعْطَفَهُمْ؛ فَلا يَزِيدُ اسْتِعْطافُهُ الخَوارِجَ إلّا قَسْوَةً؛ ويُخاطِبُونَهُ بِالقَبِيحِ لِيَكُفَّ عَنْ ذَلِكَ؛ لِئَلّا يَمِيلُ مَعَهُ النّاسُ؛ فَلَمّا رَأى ذَلِكَ جَدَّ في إخْرابِ السُّورِ الثّالِثِ؛ لِيُخَلِّصَ النّاسُ مِنَ الخَوارِجِ؛ فَقَسَّمَ عَسْكَرَهُ أرْبَعَةَ أقْسامٍ؛ ونَصَبَ كِباشًا عَلى الجِهاتِ الأرْبَعِ؛ فَخَرَجَ إلَيْهِمُ الخَوارِجُ فَقاتَلُوهم قِتالًا شَدِيدًا؛ وقَتَلُوا مِنَ الرُّومِ خَلْقًا كَثِيرًا؛ وكانُوا قَدْ نَدَبُوا أرْبَعَةً مِن أشِدّائِهِمْ لِإحْراقِ الكِباشِ إذا اشْتَغَلُوا بِالقِتالِ؛ ولَمْ يَزالُوا يُقاتِلُونَهم حَتّى تَمَّ لَهم ما أرادُوا؛ وأحْرَقُوا الكِباشَ؛ وجَمِيعَ آلاتِها؛ ونَظَرَ الرُّومُ مِن شَجاعَةِ اليَهُودِ وبَأْسِهِمْ ما هالَهُمْ؛ فانْهَزَمُوا؛ فَرَدَّهم طِيطُوسُ وجَعَلَ يُشَجِّعُهُمْ؛ وقالَ: أما تَأْنَفُونَ أنْ يَغْلِبَكُمُ اليَهُودُ بَعْدَ أنِ اسْتَظْهَرْنا عَلَيْهِمْ؛ وهَدَمْنا سُورَيْنِ مِن أسْوارِ المَدِينَةِ؛ ولَمْ يَبْقَ غَيْرُ سُورٍ واحِدٍ؛ وقَدْ هَلَكَ أكْثَرُهُمْ؛ ولَيْسَ لَهم مَن يَنْصُرُهُمْ؛ ونَحْنُ فَعَساكِرُنا مُتَوافِرَةٌ؛ ومَعَنا أُمَمٌ كَثِيرَةٌ تُعِينُنا عَلَيْهِمْ؛ ثُمَّ أمَرَهم أنْ يَتْرُكُوا قِتالَهم حَتّى يَهْلِكُوا مِنَ الجُوعِ؛ فَضَبَطُوا جَمِيعَ (p-٣٦٥)طُرُقِ المَدِينَةِ؛ فَضاقَ الأمْرُ بِهِمْ جِدًّا؛ واشْتَدَّ الجُوعُ؛ ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ يَقْدِرُ أنْ يَطْحَنَ قَمْحًا لِئَلّا يُنْهَبَ؛ ولا يَخْبِرَ لِئَلّا يَفْضَحَهُ الدُّخانُ؛ فَكانَ مَن عِنْدَهُ شَيْءٌ يَسْتَفُّونَ القَمْحَ والدَّقِيقَ؛ فَماتَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ؛ واشْتَغَلَ الأحْياءُ بِأنْفُسِهِمْ؛ فَما كانُوا يَدْفِنُونَ مَوْتاهُمْ؛ وكانَ الحَيُّ رُبَّما أخَذَ مَيِّتَهُ فَألْقاهُ في بِئْرٍ؛ ثُمَّ يُلْقِي نَفْسَهُ بَعْدَهُ لِيَمُوتَ؛ وكانَ بَعْضُهم يَحْفِرُ لَهُ قَبْرًا ثُمَّ يَضْطَجِعُ فِيهِ حَتّى يَمُوتَ؛ وامْتَلَأتِ الشَّوارِعُ بِالمَوْتى؛ فَكانَ الخَوارِجُ يُلْقُونَهم مِنَ السُّورِ إلى الوادِي الشَّرْقِيِّ؛ فَلَمّا رَآهم طِيطُوسُ اغْتَمَّ؛ ورَقَّ لَهُمْ؛ وكانَ بِبَيْتِ المَقْدِسِ امْرَأةٌ مِن أهْلِ النِّعَمِ؛ أصْلُها مِن مَدِينَةٍ في حَيْرَةِ الأُرْدُنِّ؛ فَلَمّا كَثُرَتِ الفِتَنُ هُناكَ انْتَقَلَتْ في جُمْلَةِ مَنِ انْتَقَلَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ؛ بِجَمِيعِ عَبِيدِها وسائِرِ نِعْمَتِها؛ ولَمْ يَكُنْ لَها غَيْرُ ابْنٍ واحِدٍ صَغِيرٍ؛ وهي تُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا؛ فَلَمّا قَوِيَتِ المَجاعَةُ؛ ونَهَبَ الخَوارِجُ جَمِيعَ ما عِنْدَها؛ اشْتَدَّ بِها الأمْرُ؛ وكانَ ابْنُها يَتَضَوَّرُ مِنَ الجُوعِ؛ فَلَمّا زادَ بِها الجُوعُ؛ وما يُؤْلِمُ قَلْبَها مِن تَضَوُّرِ ابْنِها؛ أرادَتْ قَتْلَ ابْنِها لِتَأْكُلَهُ؛ فَبَقِيَتْ حائِرَةً؛ لا تَدْرِي عَلى أيِّ الأمْرَيْنِ تَحْمِلُ نَفْسَها؛ هَلْ تَقْتُلُ ولَدَها العَزِيزَ عَلَيْها بِيَدِها؛ وذَلِكَ مِن أعْظَمِ الأُمُورِ؛ وأشْنَعِها؛ أمْ تَصْبِرُ عَلى (p-٣٦٦)ما تَراهُ بِهِ؛ وبِنَفْسِها؛ مِنَ البَلاءِ؛ وقَدْ فارَقَها الصَّبْرُ وعُدِمَتِ الجَلَدَ؛ ثُمَّ زادَ بِها الجُوعُ؛ فَزالَ عَنْها التَّمْيِيزُ؛ فَقالَتْ: يا ابْنِي؛ وواحِدِي؛ قَدْ كُنْتُ آمُلُ أنْ تَعِيشَ حَتّى تَبِرَّنِي؛ وكُنْتُ أخافُ أنْ تَمُوتَ قَبْلِي فَأُفْجَعَ بِمَوْتِكَ؛ فَيا لَيْتَنِي كُنْتُ قَدْ ثَكِلْتُكَ؛ فَدَفَنْتُكَ؛ واحْتَسَبْتُكَ عِنْدَ اللَّهِ؛ والآنَ يا ولَدِي؛ فَقَدْ أحاطَ بِنا المَكْرُوهُ وأيْقَنّا بِالهَلاكِ؛ فالحَيُّ لا يَرْجُو الحَياةَ؛ والمَيِّتُ لا يُدْفَنُ؛ وأنا وأنْتَ هالِكانِ؛ وإنْ مُتَّ يا بُنَيَّ لَمْ يَدْفِنْكَ أحَدٌ وكُنْتَ كَغَيْرِكَ مِمَّنْ أكَلَتْهُ الكِلابُ؛ وطُيُورُ السَّماءِ؛ وقَدْ رَأيْتُ أنْ أقْتُلَكَ لِتَسْتَرِيحَ مِمّا أنْتَ فِيهِ؛ ثُمَّ آكُلَكَ فَأجْعَلَ بَطْنِي الَّتِي حَمَلْتُكَ فِيها قَبْرًا لَكَ؛ وأسُدَّ بِكَ جُوعِي؛ فَيَكُونَ ذَلِكَ عِوَضَ بِرِّكَ بِي؛ الَّذِي كُنْتُ أرْجُوهُ؛ وتَنالَ بِذَلِكَ الأجْرَ العَظِيمَ؛ ويَكُونَ ذَلِكَ عارًا عَلى هَؤُلاءِ الخَوارِجِ الَّذِينَ أوْقَعُونا في هَذا البَلاءِ؛ وزِيادَةً في سُخْطِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ؛ ويُذْكَرَ ذَلِكَ عَلى مَمَرِّ الدَّهْرِ؛ ويَتَحَدَّثَ بِهِ بَعْدَنا الأجْيالُ؛ ويَعْتَبِرَ بِهِ ذَوُو الألْبابِ؛ ثُمَّ قَبَضَتْ عَلى ابْنِها بِيَدِها الواحِدَةِ؛ وأخَذَتِ الحَدِيدَةَ بِالأُخْرى؛ وهي كالمَجْنُونَةِ؛ (p-٣٦٧)وحَوَّلَتْ وجْهَها عَنْهُ؛ لِئَلّا تَراهُ؛ وضَرَبَتْهُ بِالحَدِيدَةِ؛ فَماتَ؛ ثُمَّ أخَذَتْ مِنهُ؛ وشَوَتْهُ؛ وأكَلَتْهُ؛ فَلَمّا شَمَّ الخَوارِجُ رِيحَ ذَلِكَ اللَّحْمِ هَجَمُوا عَلَيْها؛ فَقالُوا لَها: مِن أيْنَ لَكِ هَذا اللَّحْمُ؟ ولِمَ اسْتَأْثَرْتِ بِهِ عَلَيْنا؟ فَقالَتْ: ما كُنْتُ بِالَّتِي أُوثِرُ نَفْسِي عَلَيْكُمْ؛ فاجْلِسُوا؛ فَجاءَتْ بِالمائِدَةِ؛ وأخْرَجَتْ ما بَقِيَ مِن جِسْمِ ابْنِها؛ وقالَتْ: هَذا ولَدِي؛ وأعَزُّ النّاسِ عِنْدِي؛ قَتَلْتُهُ بِيَدِي؛ لِإفْراطِ الجُوعِ؛ وأكَلْتُ مِن لَحْمِهِ؛ وهَذا بَقِيَّةُ جِسْمِهِ؛ عَزَلْتُها لَكُمْ؛ فَكُلُوا واشْبَعُوا؛ ولا تَكُونُوا أشَدَّ رَحْمَةً لِوَلَدِي مِنِّي؛ ولا تَضْعُفْ قُلُوبُكم عَنْ ذَلِكَ؛ فَإنَّهُ قَبِيحٌ لِشُجْعانٍ مِثْلِكم أنْ تَكُونَ امْرَأةٌ أقْوى قَلْبًا مِنكُمْ؛ وأنْتُمْ أحَقُّ بِأنْ تَرْضَوْا بِهَذا مِنِّي؛ لِأنَّكُمُ الَّذِينَ سَبَّبْتُمْ عَلَيْنا البَلاءَ حَتّى بَلَغْنا هَذا المَبْلَغَ؛ ثُمَّ رَفَعَتْ صَوْتَها تَبْكِي؛ وتَنْتَحِبُ؛ وتَنُوحُ عَلى ابْنِها؛ فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ هالَهُمْ؛ وخَرَجُوا مَذْعُورِينَ؛ واشْتُهِرَ خَبَرُها؛ فَقَلِقَ النّاسُ قَلَقًا شَدِيدًا؛ وتَحَقَّقُوا صِحَّةَ الوَعِيدِ الَّذِي سَبَقَ مِنَ اللَّهِ؛ وانْكَسَرَ الخَوارِجُ لِذَلِكَ؛ واسْتَعْظَمُوهُ؛ وأطْلَقُوا لِلنّاسِ الخُرُوجَ؛ فَخَرَجَ في ذَلِكَ الوَقْتِ خَلْقٌ كَثِيرٌ. (p-٣٦٨)فَلَمّا اتَّصَلَ ذَلِكَ بِطِيطُوسَ اسْتَعْظَمَهُ؛ واشْتَدَّ خَوْفُهُ مِنَ اللَّهِ (تَعالى)؛ فَرَفَعَ يَدَهُ إلى السَّماءِ؛ وقالَ: اللَّهُمَّ؛ أنْتَ العالِمُ بِالخَفِيّاتِ؛ والمُطَّلِعُ عَلى السَّرائِرِ والنِّيّاتِ؛ أنْتَ تَعْلَمُ أنِّي لَمْ أجِئْ إلى هَذِهِ المَدِينَةِ لِأُسِيءَ إلى أهْلِها؛ ولَقَدْ ساءَنِي أمْرُ هَذِهِ المَرْأةِ؛ فَلا تُؤاخِذْنِي بِهِ؛ وطالِبْ هَؤُلاءِ الخَوارِجَ وانْتَقِمْ مِنهُمْ؛ وظَفِّرْنِي بِهِمْ؛ ولا تُمْهِلْهُمْ؛ وأمَرَ بِالإحْسانِ إلى مَن خَرَجَ إلَيْهِ مِنَ اليَهُودِ؛ فَكانَ كَثِيرٌ مِنهم لا يَقْدِرُونَ عَلى فَتْحِ أفْواهِهِمْ؛ وكَثِيرٌ مِنهم ماتَ لَمّا أكَلَ الطَّعامَ؛ وكانَ الصِّبْيانُ وغَيْرُهم يَخْتَطِفُونَ الخُبْزَ إذا نَظَرُوهُ؛ ويَنْهَشُونَهُ بِلا عَقْلٍ؛ فَإذا أكَلُوا ماتُوا؛ فَقالَ طِيطُوسُ لِيُوسُفَ بْنِ كَرْيُونَ: ما الحِيلَةُ في هَؤُلاءِ حَتّى لا يَمُوتُوا؟ فَقالَ: يَنْبَغِي أنْ يُسَقَوُا اللَّبَنَ والحِساءَ الرَّقِيقَ أيّامًا؛ حَتّى تَلِينَ أمْعاؤُهُمْ؛ ثُمَّ الطَّعامَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَفَعَلَ ذَلِكَ؛ فَسَلِمَ مِنهم جَماعَةٌ؛ وتَقَدَّمَ الرُّومُ إلى السُّورِ الثّالِثِ لِيَهْدِمُوهُ؛ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ يُوحانانُ وشَمْعُونُ وأصْحابُهُما؛ مَعَ ما هم فِيهِ مِنَ الضُّرِّ؛ فَقاتَلُوهم قِتالًا شَدِيدًا؛ وقَتَلُوا مِنهم جَماعَةً؛ فَأمَرَ طِيطُوسُ بِدَفْعِ الكَبْشِ عَلى السُّورِ؛ فَدُفِعَ عَلَيْهِ في اللَّيْلِ؛ فَهُدِمَ؛ وكَبَّرَ الرُّومُ تَكْبِيرًا عَظِيمًا؛ وكَبَّرَ اليَهُودُ مِن داخِلِ المَدِينَةِ؛ فَلَمْ يَجْسُرِ الرُّومُ عَلى (p-٣٦٩)دُخُولِ المَدِينَةِ؛ فَلَمّا أصْبَحُوا إذا سُورٌ جَدِيدٌ بِإزاءِ الهَدْمِ؛ قَدْ بَناهُ اليَهُودُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ؛ وهم قِيامٌ عَلَيْهِ؛ فاسْتَعْظَمَ الرُّومُ ذَلِكَ؛ وأيِسُوا مِنَ الفَتْحِ؛ فَقالَ طِيطُوسُ: هَذا رَطْبٌ لَمْ يَسْتَحْكِمْ؛ وإذا ضَرَبَهُ الكَبْشُ أسْرَعَ الِانْهِدامَ؛ فَطَلَعَ الرُّومُ عَلى السُّورِ الَّذِي هَدَمُوهُ؛ ووَقَفَ اليَهُودُ عَلى الجَدِيدِ واشْتَدَّ القِتالُ؛ فَهَزَمَهُمُ اليَهُودُ بَعْدَ أنْ قَتَلُوا كَثِيرًا مِنهُمْ؛ فَضَجِرَ الرُّومُ؛ وعَزَمُوا عَلى الرَّحِيلِ؛ فَجَمَعَ طِيطُوسُ أصْحابَهُ وقالَ: اعْلَمُوا أنَّ كُلَّ مَن يَعْمَلُ عَمَلًا فَإنَّما قَصْدُهُ إلى الغايَةِ؛ ولِذَلِكَ يَصْبِرُ عَلى التَّعَبِ لِيَبْلُغَ ما أرادَ؛ ورُبَّما كانَ آخِرُ العَمَلِ أشَقَّ مِن أوَّلِهِ؛ فَإنْ تَرْكَهُ ذَهَبَ تَعَبُهُ ضائِعًا؛ وبَقِيَ عَمَلُهُ ناقِصًا لا يَنْتَفِعُ بِهِ.
وضَرَبَ لَهم أمْثالًا في ذَلِكَ؛ ثُمَّ قالَ: وأنْتُمْ قَدْ صَبَرْتُمْ عَلى مُحارَبَةِ هَؤُلاءِ القَوْمِ؛ واسْتَظْهَرْتُمْ عَلَيْهِمْ إلى هَذِهِ الغايَةِ؛ حَتّى هَلَكَ رُؤَساؤُهم وجَبابِرَتُهُمْ؛ وخُرِّبَتْ حُصُونُهُمْ؛ ونُفُوا بِالجُوعِ والسَّيْفِ؛ ولَمْ يَبْقَ مِنهم غَيْرُ شِرْذِمَةٍ يَسِيرَةٍ كالمَوْتى؛ فَإنِ انْصَرَفْتُمْ كُنْتُمْ قَدْ ضَيَّعْتُمْ تَعَبَكُمْ؛ وأعَنْتُمْ عَلى أنْفُسِكُمْ؛ وأهَنْتُمُوها (p-٣٧٠)عِنْدَ كُلِّ مَن يَسْمَعُ خَبَرَكُمْ؛ ولَوْ كُنْتُمُ انْصَرَفْتُمْ عَنْهم قَبْلَ هَذا كانَ أحْسَنَ بِكُمْ؛ وأمّا الآنَ فَلا عُذْرَ لَكم في عَجْزِكم عَنْ مُحارَبَةِ قَوْمٍ قَدْ بَلَغَ بِهِمُ الضُّرُّ والجُوعُ هَذا المَبْلَغَ؛ فَإنْ رَجَعْتُمْ عَنْهم طَمِعَ فِيكم كُلُّ أحَدٍ؛ واجْتَرَأ عَلَيْكم كُلُّ مَن يَخافُكُمْ؛ ولِمَ لا تَتَأسَّوْنَ بِاليَهُودِ في الصَّبْرِ والشَّجاعَةِ؛ مَعَ فَناءِ رِجالِهِمْ؛ واجْتِماعِ المَكارِهِ عَلَيْهِمْ؛ وانْقِطاعِ رَجائِهِمْ؟ فَصَبْرُهم إمّا طَمَعًا في الظَّفَرِ؛ أوْ أنَفَةً مِنَ الغَلَبَةِ؛ أوْ رَغْبَةً في بَقاءِ الذِّكْرِ؛ فَأنْتُمْ أحَقُّ بِذَلِكَ مِنهم لِتَدْفَعُوا العارَ عَنْ أنْفُسِكُمْ؛ عَلى أنَّكم قَدْ صَبَرْتُمْ في أيّامِ تِيرُوسَ قَيْصَرِ عَلى مُحارَبَةِ هَؤُلاءِ القَوْمِ؛ وعَمِلْتُمْ عَلى ألّا تَرْجِعُوا عَنْهم إلّا بَعْدَ الظَّفَرِ؛ فَلَمّا مَلَكَ إسْفِسْيانُوسَ الَّذِي هو أشْجَعُ مِن تِيرُوسَ؛ وأعْظَمُ بَأْسًا؛ أرَدْتُمْ أنْ تَرْجِعُوا عَنْهم قَبْلَ أنْ تَظْفَرُوا؛ فَأيُّ عُذْرٍ لَكُمْ؟ فَلَمّا سَمِعُوا هَذا ثَبَتُوا.
ثُمَّ مَضى جَماعَةٌ مِنهم لَيْلًا؛ فَصَعِدُوا مِن تِلْكَ الثُّلْمَةِ؛ ودَخَلُوا إلى المَدِينَةِ؛ فَكَبَّرُوا؛ فانْتَبَهَ اليَهُودُ؛ وكانُوا قَدْ نامُوا لِطُولِ تَعَبِهِمْ؛ وضُرِّهِمْ؛ ولَزِمَ كُلٌّ مِنهم مَكانَهُ؛ ومَضى طِيطُوسُ إلى أصْحابِهِ فَوَقَفَ عِنْدَ السُّورِ (p-٣٧١)إلى أنْ أصْبَحُوا؛ فانْهَزَمَ اليَهُودُ إلى القُدْسِ؛ وتَبِعَهُمُ الرُّومُ؛ فاقْتَتَلُوا في الصَّحْنِ البَرّانِيِّ؛ ولَمْ يَكُنْ إلّا السُّيُوفُ لِضِيقِ المَوْضِعِ؛ فَكانَ بَيْنَهُما قِتالٌ لَمْ يَكُنْ فِيما مَضى؛ لِاسْتِقْبالِ الجَمِيعِ؛ لِأنَّهم حَصَلُوا في مَوْضِعٍ لا مَطْمَعَ فِيهِ بِالسَّلامَةِ إلّا بِالصِّدْقِ في القِتالِ؛ وكانَ الكُلُّ رَجّالَةً؛ فَعَظُمَتِ الحَرْبُ بَيْنَهُمْ؛ وعَلَتْ أصْواتُهم وضَجِيجُهُمْ؛ حَتّى سُمِعَتْ مِنَ البُعْدِ؛ وكَثُرَتِ القَتْلى في الفَرِيقَيْنِ؛ واسْتَظْهَرَ اليَهُودُ آخِرًا؛ وأخْرَجُوا الرُّومَ قُرْبَ رُبْعِ النَّهارِ؛ وأمَرَ طِيطُوسُ بِهَدْمِ سُورِ مَوْضِعٍ مُتَّصِلٍ بِالقُدْسِ؛ يُسَمّى أنْطُونْيا؛ لِيَتَّسِعَ المَجالُ لِأصْحابِهِ؛ فَلَمّا هَدَمَ ذَلِكَ انْثَلَمَ سُورُ القُدْسِ وسَهُلَتِ الطَّرِيقُ إلَيْهِ؛ فَبادَرَ اليَهُودُ وبَنَوْهُ؛ وأدْخَلُوهُ في جُمْلَةِ القُدْسِ؛ فَصارَ مُرَبَّعًا؛ فَكانَ ذَلِكَ تَصْدِيقَ ما رَأوْهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَكْتُوبًا عَلى الحَجَرِ القَدِيمِ المُقَدَّمِ ذِكْرُهُ: ”إذا كَمُلَ بُنْيانُ القُدْسِ فَصارَ مُرَبَّعًا؛ فَعِنْدَ ذَلِكَ يُخَرَّبُ بَيْتُ المَقْدِسِ“؛ وكانَ اليَهُودُ قَدْ نَسُوا ذَلِكَ؛ فَلَمّا رَأوْهُ تَذَكَّرُوا؛ وعَلِمُوا أنَّ المُدَّةَ قَدْ تَمَّتْ؛ وأنَّهُ سَيُخَرَّبُ.
وكانَ يَوْمَ هَذِهِ الحَرْبِ العَظِيمَةِ عِيدَ العَنْصَرَةِ؛ فَقَرُبَ طِيطُوسُ مِنَ القُدْسِ؛ وكَلَّمَهُمْ؛ ورَغَّبَهم في المُسالَمَةِ؛ لِيَتَمَكَّنُوا مِنَ العِبادَةِ في هَذا العِيدِ؛ ووَعَدَهم بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ؛ وقالَ: قَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ مَلِكَكم بَحَنْيا لَمّا حاصَرَهُ (p-٣٧٢)بُخْتَنَصَّرُ مَلِكُ بابِلَ؛ وخَرَجَ إلَيْهِ مُسْتَأْمِنًا؛ انْتَفَعَ بِذَلِكَ؛ ونَفَعَ قَوْمَهُ وبَلَدَهُ؛ فَسَلِمُوا؛ وأنَّ صِدْقِيا المَلِكَ لَمّا لَجَّ في مُحارَبَةِ بُخْتَنَصَّرَ؛ ولَمْ يُسالِمْهُ كَما أمَرَتْهُ الأنْبِياءُ؛ أهْلَكَ المَدِينَةَ والأُمَّةَ وأساءَ إلى نَفْسِهِ؛ وإلَيْهِمْ؛ فَسَبِيلُكم أنْ تَعْتَبِرُوا بِهِما؛ وتَهْتَدُوا بِأصْوَبِهِما فِعْلًا؛ وأحْمَدِهِما عاقِبَةً؛ فاقْبَلُوا نَصِيحَتِي؛ واكْتَفُوا بِما جَرى؛ ووَعَدَهم أنْ يَعْفُوَ عَنْ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ؛ ويُحْسِنَ إلَيْهِمْ؛ وأطالَ الكَلامَ.
وكانَ يُوسُفُ بْنُ كَرْيُونَ يَتَرَحَّمُ لَهُمْ؛ ويَبْكِي بُكاءً شَدِيدًا؛ ثُمَّ قالَ لَهم يُوسُفُ: إنِّي لَسْتُ أعْجَبُ مِن خَرابِ هَذِهِ المَدِينَةِ؛ لِعِلْمِي بِأنَّ مُدَّتَها قَدِ انْتَهَتْ؛ ولَكِنِّي أتَعَجَّبُ مِنكُمْ؛ وأنْتُمْ تَقْرَؤُونَ كِتابَ دانْيالَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وتَعْلَمُونَ ما ذَكَرَهُ مِن بُطْلانِ القَرابِينِ؛ وعَدَمِ الكاهِنِ المَسِيحِ؛ وأنْتُمْ مَعَ ذَلِكَ لا تَنْكَسِرُونَ؛ ولا تَخْضَعُونَ لِلَّهِ؛ ولا تَسْتَسْلِمُونَ لِمَن قَدْ سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْكُمْ؛ فَلَمْ يَقْبَلِ الخَوارِجُ؛ ولا رَجَعُوا؛ غَيْرَ أنَّ جَماعَةً مِنَ الكَهَنَةِ والرُّؤَساءِ تَمَّ لَهُمُ الخُرُوجُ إلى الرُّومِ؛ فَآمَنُهُمْ؛ وأحْسَنَ إلَيْهِمْ؛ فَمَنَعَ الخَوارِجُ مَن بَقِيَ؛ وضَبَطُوا الطُّرُقَ؛ فَبَكى اليَهُودُ؛ وشَكَوْا مَنعَ الخَوارِجِ لَهم مِنَ الخُرُوجِ؛ فَأرادَ الخَوارِجُ قَتْلَهُمْ؛ فَبادَرَ الرُّومُ لِيُخَلِّصُوهُمْ؛ فَهَجَمُوا إلى القُدْسِ؛ فَقاتَلُوهم قِتالًا شَدِيدًا؛ فانْهَزَمَ الرُّومُ؛ وأدَّتْهُمُ الهَزِيمَةُ (p-٣٧٣)إلى داخِلِ القُدْسِ الأعْظَمِ؛ قُدْسِ الأقْداسِ؛ فَقَتَلَهُمُ اليَهُودُ فِيهِ؛ فاخْتارَ طِيطُوسُ مِن عَسْكَرِهِ ثَلاثِينَ ألْفًا؛ وأمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا إلى صَحْنِ القُدْسِ لِمُحارَبَتِهِمْ؛ وأرادَ هو الدُّخُولَ مَعَهُمْ؛ فَمَنَعَهُ أصْحابُهُ؛ وقالُوا: قِفْ عَلى مَوْضِعٍ عالٍ؛ لِتَقْوى قُلُوبُ أصْحابِكَ؛ ويَبْذُلُوا المَجْهُودَ في القِتالِ؛ ولا تُخاطِرْ بِنَفْسِكَ وبِنا؛ واتَّفَقَ رَأْيُهم عَلى بَياتٍ؛ فَعَلِمَ بِذَلِكَ اليَهُودُ فَلَمْ يَنامُوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ؛ فَلَمّا أصْبَحُوا افْتَرَقَ اليَهُودُ عَلى أبْوابِ صَحْنِ القُدْسِ؛ وأقامُوا عَلى مُقاتَلَةِ الرُّومِ سَبْعَةَ أيّامٍ؛ فَقَتَلُوا مِنهم جَماعَةً كَثِيرَةً؛ وأبْعَدُوهم عَنِ القُدْسِ؛ فَأمَرَ طِيطُوسُ أصْحابَهُ بِالكَفِّ عَنْهم لِيُفْنِيَهُمُ الجُوعُ؛ وكانَ بِقُرْبِ القُدْسِ قَصْرٌ عَظِيمٌ مِن بِناءِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ - عَلَيْهِما السَّلامُ -؛ ثُمَّ زادَ فِيهِ مُلُوكُ البَيْتِ الثّانِي طَبَقَةً عالِيَةً مِنَ الخَشَبِ الحَسَنِ؛ ووَزَرُوا جَمِيعَ الجُدُرِ بِالخَشَبِ؛ فَطَلَوْا جَمِيعَ ما فِيهِ مِنَ الخَشَبِ بِالنِّفْطِ؛ والكِبْرِيتِ؛ والزِّفْتِ؛ ثُمَّ أخْفَوْا فِيهِ رَجُلًا مِنهم لِيُشْعِلَ النّارَ في مَواضِعَ مِن ذَلِكَ الخَشَبِ إذا دَخَلَهُ الرُّومُ؛ وكانَ فِيهِ بابٌ خَفِيٌّ يَخْرُجُ إلى مَوْضِعٍ آخَرَ لا يَفْطِنُ لَهُ إلّا مَن يَعْرِفُهُ؛ ثُمَّ مَضَوْا إلى عَسْكَرِ الرُّومِ لَيْلًا وهم في القُدْسِ فَناوَشُوهُمْ؛ فاجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مِنَ الرُّومِ خَلْقٌ كَثِيرٌ؛ فَقاتَلُوهم ساعَةً؛ ثُمَّ انْهَزَمُوا؛ فَدَخَلُوا هَذا القَصْرَ؛ فَدَخَلَ الرُّومُ وراءَهُمْ؛ فَلَمْ يَجِدُوا أحَدًا مِنهُمْ؛ فَصَعِدُوا (p-٣٧٤)إلى الطَّبَقَةِ العالِيَةِ؛ فَخَرَجَ اليَهُودِيُّ الَّذِي كانَ قَدِ اخْتَفى؛ فاخْتَلَطَ بِهِمْ؛ وأطْلَقَ النّارَ في تِلْكَ المَواضِعِ؛ فاضْطَرَمَتِ النّارُ في جَمِيعِ جَوانِبِهِ؛ فَبادَرَ الرُّومُ إلى البابِ؛ فَوَجَدُوا اليَهُودَ قَدْ سَدُّوهُ بِسُيُوفِهِمْ فَهَلَكُوا؛ وكانَ فِيهِمْ جَماعَةٌ مِن وُجُوهِ الرُّومِ؛ فَخافَ الرُّومُ مِنَ اليَهُودِ؛ ولَمْ يَأْمَنُوا أنْ يَحْتالُوا عَلَيْهِمْ بِأمْرٍ آخَرَ؛ فَخَرَجُوا مِنَ القُدْسِ والمَدِينَةِ؛ ورَجَعُوا إلى مُعَسْكَرِهِمْ؛ فَأمَرَ طِيطُوسُ بِضَبْطِ الطُّرُقِ؛ والتَّضْيِيقِ عَلَيْهِمْ؛ لِيُهْلِكَهُمُ الجُوعُ؛ فَماتَ أكْثَرُهُمْ؛ وخَرَجَ كَثِيرٌ مِن أصْحابِ الخَوارِجِ إلى طِيطُوسَ؛ فَقَتَلَهُمْ؛ ثُمَّ دَخَلَتِ الرُّومُ إلى بَيْتِ اللَّهِ؛ فَلَمْ يَجِدُوا مَن يُمانِعُهُمْ؛ وكانَ طِيطُوسُ قَدْ أكَّدَ عَلى أصْحابِهِ في ألّا يَحْرِقُوا القُدْسَ؛ فَقالَ لَهُ رُؤَساءُ أصْحابِهِ: إنَّكَ إنْ لَمْ تَحْرِقْهُ لَمْ تَتَمَكَّنْ مِنَ اليَهُودِ؛ لِأنَّهم لا يَزالُونَ يُقاتِلُونَ ما كانَ باقِيًا؛ فَإذا أُحْرِقَ ذَهَبَ عِزُّهُمْ؛ فانْكَسَرَتْ قُلُوبُهُمْ؛ فَلَمْ يَبْقَ لَهم ما يُقاتِلُونَ عَنْهُ؛ فَقالَ: لا تَحْرِقُوهُ إلّا أنْ آمُرَكُمْ؛ وكانَ في طَرِيقِهِ بابٌ مُغَشّى بِصَفائِحِ الفِضَّةِ؛ وهو مُغْلَقٌ؛ فَأحْرَقَهُ بَعْضُ الرُّومِ لِيَأْخُذُوا الفِضَّةَ؛ فَلَمّا احْتَرَقَ وجَدُوا الطَّرِيقَ إلى القُدْسِ الأجَلِّ؛ فَدَخَلُوهُ؛ وحَمَلُوا أصْنامَهم فَنَصَبُوها فِيهِ؛ فَخَرَجَ قَوْمٌ مِمَّنْ بَقِيَ مِنَ اليَهُودِ في اللَّيْلِ إلى أُولَئِكَ الَّذِينَ في القُدْسِ؛ فَقَتَلُوهُمْ؛ فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ طِيطُوسَ جاءَ إلى القُدْسِ فَقَتَلَ أكْثَرَ مَن وجَدَ فِيهِ مِنَ اليَهُودِ؛ وهَرَبَ مَن بَقِيَ مِنهم إلى (p-٣٧٥)جَبَلِ صِهْيُونَ؛ فَلَمّا كانَ الغَدُ أحْرَقَ الرُّومُ أبْوابَ قُدْسِ الأقْداسِ؛ وكانَتْ مُغَشّاةً بِالذَّهَبِ؛ فَلَمّا سَقَطَتْ كَبَّرُوا وصَرَخُوا صُراخًا عَظِيمًا؛ فَجاءَ طِيطُوسُ مُسْرِعًا لِيَمْنَعَ مِن إحْراقِهِ؛ فَلَمْ يَتِمَّ لَهُ ذَلِكَ؛ ويُقالُ: إنَّهُ صاحَ حَتّى انْقَطَعَ صَوْتُهُ؛ فَلَمّا عَلِمَ أنَّ الأمْرَ قَدْ خَرَجَ عَنْ يَدِهِ دَخَلَ لِيَنْظُرَهُ قَبْلَ أنْ يَحْتَرِقَ؛ فَلَمّا رَأى حُسْنَهُ وبَهْجَتَهُ تَحَيَّرَ؛ وتَعَجَّبَ؛ وقالَ: حَقًّا إنَّ هَذا البَيْتَ الجَلِيلَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بَيْتَ اللَّهِ؛ إلَهِ السَّماءِ؛ ومَسْكَنَ جَلالِهِ ونُورِهِ؛ وإنَّهُ لِيَحِقُّ لِلْيَهُودِ أنْ يُحارِبُوا عَنْهُ ويَسْتَقِلُّوا عَلَيْهِ؛ ولَقَدْ أصابَتِ الأُمَمُ؛ وأحْسَنَتْ فِيما كانَتْ تَفْعَلُهُ مِن إعْظامِ هَذا البَيْتِ وإكْرامِهِ؛ وحَمْلِ الهَدايا إلَيْهِ؛ وإنَّهُ لِأعْظَمُ مِن هَيْكَلِ رُومِيَّةَ؛ ومِن جَمِيعِ هَياكِلِ الأُمَمِ الَّتِي شاهَدْناها؛ وبَلَغَنا خَبَرُها؛ وما أرَدْتُ إحْراقَهُ؛ ولَكِنْ هم فَعَلُوا ذَلِكَ بِشَرِّهِمْ؛ ولَجاجِهِمْ؛ وكانَ مَن بَقِيَ مِنَ الكَهَنَةِ لَمّا رَأوُا الحَرِيقَ حارَبُوا الرُّومَ عَنْهُ؛ فَلَمّا عَلِمُوا أنَّهم عاجِزُونَ عَنْ دَفْعِهِمْ قالُوا: ما نُرِيدُ أنْ نَبْقى بَعْدَهُ؛ فَطَرَحُوا أنْفُسَهم في النّارِ؛ فَهَلَكُوا؛ ومَضى عِنْدَ ذَلِكَ مَن بَقِيَ مِنَ اليَهُودِ إلى جَمِيعِ ما في المَدِينَةِ مِنَ القُصُورِ الجَلِيلَةِ؛ والمَنازِلِ الحَسَنَةِ؛ فَأحْرَقُوها بِجَمِيعِ ما فِيها مِنَ الذَّخائِرِ (p-٣٧٦)والآلاتِ؛ وكانَ حَرِيقُ القُدْسِ في اليَوْمِ العاشِرِ مِنَ الشَّهْرِ الخامِسِ؛ وهو آبُ؛ وذَلِكَ نَظِيرُ اليَوْمِ الَّذِي أحْرَقَ فِيهِ الكَسْدانِيُّونَ البَيْتَ الأوَّلَ.
ولَمّا كانَ في غَدِ هَذا اليَوْمِ ظَهَرَ مِنَ اليَهُودِ رَجُلٌ مُتَنَبِّئٌ؛ فَقالَ لَهُمْ: اعْلَمُوا أنَّ هَذا القُدْسَ سَيَعُودُ عَنْ قَلِيلٍ مَبْنِيًّا كَما كانَ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَبْنِيَهُ الآدَمِيُّونَ؛ بَلْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ (تَعالى)؛ فَداوِمُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن مُحارَبَةِ الرُّومِ؛ والِامْتِناعِ مِن طاعَتِهِمْ؛ فاجْتَمَعَ عَلَيْهِ جَماعَةٌ؛ فَقاتَلُوا؛ فَظَفِرَ بِهِمُ الرُّومُ؛ فَقَتَلُوهم بِأُسَرِهِمْ؛ وقَتَلُوا كَثِيرًا مِن عَوامِّ اليَهُودِ؛ وضُعَفائِهِمْ؛ مِمَّنْ كانُوا قَدْ رَحِمُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ؛ وراسَلَ يُوحانانُ وشَمْعُونُ طِيطُوسَ؛ يَطْلُبانِ مِنهُ الأمانَ؛ فَقالَ: قَدْ كُنْتُ طَلَبْتُ إلَيْكُما ذَلِكَ قَبْلُ؛ فَأمّا الآنُ فَأنْتُما في قَبْضَتِي؛ ولَيْسَ لِي عُذْرٌ عِنْدَ اللَّهِ؛ ولا عِنْدَ أحَدٍ مِنَ النّاسِ في اسْتِبْقائِكُما.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences