Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:70–77
17:70Page 289
۞ وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا ٧٠
And We have certainly honored the children of Adam and carried them on the land and sea and provided for them of the good things and preferred them over much of what We have created, with [definite] preference.
ولَمّا قَرَّرَ - سُبْحانَهُ - بِهَذِهِ الجُمَلِ ما يَسَّرَ لَهم مِنَ البَرِّ؛ وسَهَّلَ مِن شَدائِدِ البَحْرِ؛ في مَعْرِضِ التَّهْدِيدِ؛ أتْبَعَهُ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ تَكْرِيمًا لَهم عَلى سائِرِ مَخْلُوقاتِهِ؛ كَما هو شَأْنُهُ في القُدْرَةِ عَلى ما يُرِيدُ في المُفاوَتَةِ بَيْنَ الأُمُورِ الَّتِي كانَتْ مُتَساوِيَةً عِنْدَ أوَّلِ خَلْقِهِ لَها؛ لِيَسْتَدِلُّوا بِذَلِكَ عَلى سُهُولَةِ الإعادَةِ؛ مُشِيرًا إلى أنَّهُ رَكَّبَ جَوْهَرَ الإنْسانِ مِن نَفْسٍ هي أشْرَفُ النُّفُوسِ - بِما فَضَّلَها عَلى قُوى النَّفْسِ النَّباتِيَّةِ مِنَ الاغْتِذاءِ؛ والنُّمُوِّ؛ والتَّوْلِيدِ بِالحِسِّ؛ ظاهِرًا وباطِنًا؛ وبِالحَرَكَةِ بِالِاخْتِيارِ؛ وخَصَّهُ عَلى سائِرِ الحَيَوانِ بِالقُوَّةِ العاقِلَةِ المُدْرِكَةِ لِحَقائِقِ الأشْياءِ؛ كَما هِيَ؛ ويَتَجَلّى بِها نُورُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ؛ ويُشْرِقُ فِيها ضَوْءُ كِبْرِيائِهِ؛ وتَطَّلِعُ عَلى عالَمَيِ الخَلْقِ والأمْرِ؛ وتُحِيطُ بِأقْسامِ المَخْلُوقاتِ مِنَ الأرْواحِ؛ (p-٤٧٦)والأجْسامِ؛ كَما هِيَ؛ فَكانَتْ بِذَلِكَ النَّفْسُ الإنْسانِيَّةُ أشْرَفَ نُفُوسِ هَذا العالَمِ - وبَدَنَهُ كَذَلِكَ؛ بِاخْتِصاصِهِ بِاعْتِدالِ القامَةِ؛ وامْتِدادِها؛ والتَّناوُلِ بِاليَدِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَقالَ (تَعالى) - عاطِفًا عَلى ما يُرْشِدُ إلَيْهِ السِّياقُ مِن مِثْلِ أنْ يُقالَ: ”فَلَقَدْ كَرَّمْناكم بِذَلِكَ مِن إزْجاءِ الفُلْكِ وإنْجائِكم في وقْتِ الشَّدائِدِ“؛ أوْ عَلى: ”ولَقَدْ فَضَّلْنا“ -: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ تَكْرِيمًا عَظِيمًا؛ ﴿بَنِي آدَمَ﴾؛ أيْ: عَلى سائِرِ الطِّينِ؛ بِالنُّمُوِّ؛ وعَلى سائِرِ النّامِي بِالحَياةِ؛ وعَلى سائِرِ الحَيَوانِ بِالنُّطْقِ؛ فَكانَ حَذْفُ مُتَعَلِّقِ التَّكْرِيمِ دالًّا عَلى عُمُومِهِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ؛ وذَلِكَ كُلُّهُ تَقْدِيرًا لِلْقُدْرَةِ عَلى البَعْثِ؛ ﴿وحَمَلْناهم في البَرِّ﴾؛ عَلى الدَّوابِّ وغَيْرِها؛ ﴿والبَحْرِ﴾؛ عَلى السُّفُنِ وغَيْرِها؛ ﴿ورَزَقْناهُمْ﴾؛ أيْ: رِزْقًا يُناسِبُ عَظَمَتَنا؛ ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ﴾؛ أيْ: المُسْتَلَذّاتِ مِنَ الثَّمَراتِ؛ والأقْواتِ الَّتِي يَأْكُلُ غَيْرُهم مِنَ الحَيَوانِ قَشَّها؛ ﴿وفَضَّلْناهُمْ﴾؛ في أنْفُسِهِمْ؛ بِإحْسانِ الشَّكْلِ؛ وفي صِفاتِهِمْ بِالعِلْمِ المُنْتِجِ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ؛ وفي رِزْقِنا لَهم بِما تَقَدَّمَ.
ولَمّا حَذَفَ مُتَعَلِّقَ التَّكْرِيمِ؛ دَلالَةً عَلى التَّعْمِيمِ؛ وكانَ أغْلَبُ أفْرادِهِ ضالًّا؛ قالَ لِذَلِكَ: ﴿عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا الَّتِي خَلَقْناهم بِها؛ وأكَّدَ الفِعْلَ بِالمَصْدَرِ؛ إشارَةً إلى إعْراقِهِمْ في الفَضِيلَةِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿تَفْضِيلا﴾؛ هَذا ما لِلْمَجْمُوعِ؛ وأمّا الخُلَّصُ فَهم أفْضَلُ الخَلائِقِ؛ لِما عَلِمْنا مِن مُعالَجَتِهِمْ بِالإخْلاصِ؛ وجِهادِهِمْ لِأهْوِيَتِهِمْ؛ لِما طُبِعَتْ عَلَيْهِ نُفُوسَهم مِنَ النَّقائِصِ؛ (p-٤٧٧)ولِما لَها مِنَ الدَّسائِسِ؛ حَتّى امْتَطَوْا بَعْدَ رُتْبَةِ الإيمانِ دَرَجَتَيِ التَّقْوى؛ والإحْسانِ؛ وتَقْدِيمُ الأمْرِ لِلْمَلائِكَةِ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَوْطِئَةً لِهَذِهِ الآيَةِ؛ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى هَذا.
17:71Page 289
يَوۡمَ نَدۡعُواْ كُلَّ أُنَاسِۭ بِإِمَٰمِهِمۡۖ فَمَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَقۡرَءُونَ كِتَٰبَهُمۡ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلٗا ٧١
[Mention, O Muḥammad], the Day We will call forth every people with their record [of deeds].1 Then whoever is given his record in his right hand - those will read their records, and injustice will not be done to them, [even] as much as a thread [inside the date seed].
ولَمّا قَرَّرَ - سُبْحانَهُ - قُدْرَتَهُ عَلى التَّفْضِيلِ في الحَياةِ الحِسِّيَّةِ؛ والمَعْنَوِيَّةِ؛ والمُفاضَلَةِ بَيْنَ الأشْياءِ في الشَّيْئَيْنِ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ قُدْرَتُهُ عَلى البَعْثِ؛ وخَتَمَ ذَلِكَ بِتَفْضِيلِ البَشَرِ؛ وكانَ يَوْمُ الدِّينِ أعْظَمَ يَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِ التَّفْضِيلُ؛ أبْدَلَ مِن قَوْلِهِ: ”يَوْمَ يَدْعُوكُمْ“ - مُرَهِّبًا مِن سَطْواتِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ؛ ومُرَغِّبًا في اقْتِناءِ الفَضائِلِ في هَذا اليَوْمِ - قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿يَوْمَ نَدْعُوا﴾؛ أيْ: بِتِلْكَ العَظَمَةِ؛ ﴿كُلَّ أُناسٍ﴾؛ أيْ: مِنكُمْ؛ ﴿بِإمامِهِمْ﴾؛ أيْ: بِمَتْبُوعِهِمُ الَّذِي كانُوا يَتْبَعُونَهُ؛ فَيُقالُ: يا أتْباعَ نُوحٍ؛ يا أتْباعَ إبْراهِيمَ؛ يا أتْباعَ عِيسى؛ يا أتْباعَ مُحَمَّدٍ؛ فَيَقُومُونَ؛ فَيُمَيَّزُ بَيْنَ مُحِقِّيهِمْ؛ ومُبْطِلِيهِمْ؛ ويُقالُ: يا أتْباعَ الهَوى؛ يا أتْباعَ النّارِ؛ يا أتْباعَ الشَّمْسِ؛ يا أتْباعَ الأصْنامِ؛ ونَحْوَ هَذا؛ أوْ يَكُونُ المُرادُ بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الَّتِي رَبَطْناهم بِها رَبْطَ المَأْمُومِ بِإمامِهِ؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]؛ وسَمّاها إمامًا لِكَوْنِهِمْ أمُّوها؛ واجْتَهَدُوا في قَصْدِها؛ ونَدْفَعُ إلَيْهِمُ الكُتُبَ الَّتِي أحْصَتْ (p-٤٧٨)حَفَظَتُنا فِيها تِلْكَ الأعْمالَ؛ ﴿فَمَن أُوتِيَ﴾؛ مِنهُمْ؛ مِن مُؤْتٍ ما؛ ﴿كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾؛ فَهُمُ البُصَراءُ القُلُوبِ؛ لِتَقْواهم وإحْسانِهِمْ؛ وهُمُ البُصَراءُ في الدُّنْيا؛ ومَن كانَ في هَذِهِ الدُّنْيا بَصِيرًا؛ فَهو في الآخِرَةِ أبْصَرُ؛ وأهْدى سَبِيلًا؛ ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العالُو المَراتِبِ؛ ﴿يَقْرَءُونَ كِتابَهُمْ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُونَ قِراءَتَهُ؛ ويُكَرِّرُونَها؛ سُرُورًا بِما فِيهِ؛ كَما هو دَأْبُ كُلِّ مَن سُرَّ بِكِتابٍ؛ ﴿ولا يُظْلَمُونَ﴾؛ بِنَقْصِ حَسَنَةٍ ما؛ مِن ظالِمٍ ما؛ ﴿فَتِيلا﴾؛ أيْ: شَيْئًا هو في غايَةِ القِلَّةِ والحَقارَةِ؛ بَلْ يُزادُونَ بِحَسَبِ إخْلاصِ النِّيّاتِ؛ وطَهارَةِ الأخْلاقِ؛ وزُكاءِ الأعْمالِ؛ ومَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَهو لا يَقْرَأُ كِتابَهُ؛ لِأنَّهُ أعْمى في هَذِهِ الدّارِ؛
17:72Page 289
وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِۦٓ أَعۡمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلٗا ٧٢
And whoever is blind1 in this [life] will be blind in the Hereafter and more astray in way.
﴿ومَن كانَ﴾؛ مِنهُمْ؛ ﴿فِي هَذِهِ﴾؛ الدّارِ؛ ﴿أعْمى﴾؛ أيْ: ضالًّا؛ يَفْعَلُ في الأعْمالِ فِعْلَ الأعْمى؛ في أخْذِ الأعْيانِ؛ لا يَهْتَدِي إلى أخْذِ ما يَنْفَعُهُ؛ وتَرْكِ ما يَضُرُّهُ؛ ولا يُمَيِّزُ بَيْنَ حُسْنٍ وقُبْحٍ؛ ﴿فَهُوَ في الآخِرَةِ﴾؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَقُومُ عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ؛ ﴿أعْمى﴾؛ أيْ: أشَدُّ عَمًى مِمّا كانَ عَلَيْهِ في هَذِهِ الدّارِ؛ لا يَنْجَحُ لَهُ قَصْدٌ؛ ولا يَهْتَدِي لِصَوابٍ؛ ولا يَقْدِرُ عَلى قِراءَةِ كِتابٍ؛ لِما فِيهِ مِن مُوجِباتِ العَذابِ؛ ولَمْ يَقُلْ: ”أشَدُّ عَمًى“؛ كَما يَقُولُونَهُ في الخِلَقِ اللّازِمَةِ لِحالَةٍ واحِدَةٍ مِنَ العَوَرِ؛ والحُمْرَةِ؛ والسَّوادِ؛ ونَحْوِها؛ لِأنَّ هَذا مُرادٌ بِهِ عَمى القَلْبِ؛ الَّذِي مِن شَأْنِهِ التَّزايُدُ والحُدُوثُ في كُلِّ لَحْظَةٍ؛ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ؛ فَخالَفَ (p-٤٧٩)ما لا يَزِيدُ؛ ولَمْ يُمِلْهُ أبُو عَمْرٍو مَعَ إمالَةِ الأوَّلِ؛ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ مَعْناهُ: ”أفْعَلُ مِن كَذا“؛ فَهو وسَطٌ؛ والإمالَةُ إنَّما يَحْسُنُ في الأواخِرِ؛ ولِأنَّ هَذا مَعْناهُ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿وأضَلُّ سَبِيلا﴾؛ لِأنَّ هَذِهِ الدّارَ دارُ الِاكْتِسابِ والتَّرَقِّي بِالأسْبابِ؛ وأمّا تِلْكَ فَلَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِن ذَلِكَ؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: أثْبَتَ الإيتاءَ بِاليَمِينِ والقِراءَةَ أوَّلًا؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِما ثانِيًا؛ وأثْبَتَ العَمى ثانِيًا؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ أوَّلًا.
17:73Page 289
وَإِن كَادُواْ لَيَفۡتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ لِتَفۡتَرِيَ عَلَيۡنَا غَيۡرَهُۥۖ وَإِذٗا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلٗا ٧٣
And indeed, they were about to tempt you away from that which We revealed to you in order to [make] you invent about Us something else; and then they would have taken you as a friend.
ولَمّا قَرَّرَ أنَّ مَن تَرَكَ سَبِيلَ الرُّشْدِ كانَ كالأعْمى؛ ومَن تَبِعَها كانَ كالبَصِيرِ؛ أتْبَعَهُ دَلِيلَهُ؛ فَقالَ - مُحَذِّرًا لِلْبُصَراءِ عَنْ الِاغْتِرارِ بِوَساوِسِ الأشْقِياءِ -: ﴿وإنْ﴾؛ أيْ: وأكْثَرُ هَؤُلاءِ أعْمى؛ قَدِ افْتَتَنَ في نَفْسِهِ بِهَواهُ؛ مَعَ بَيانِنا لِطَرِيقِ الرُّشْدِ؛ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ مِن هَذِهِ الحِكْمَةِ؛ حَتّى صارَتْ أوْضَحَ مِنَ الشَّمْسِ؛ وإنَّ الأعْداءَ؛ ﴿كادُوا﴾؛ أيْ: قارَبُوا في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا؛ لِعَماهم في أنْفُسِهِمْ عَنْ عِصْمَةِ اللَّهِ لَكَ؛ بِسَبَبِ عَماهم عَمّا جُبِلْتَ عَلَيْهِ مِنَ الفِطْنَةِ؛ وجَوْدَةِ الفِطْرَةِ؛ وذَكاءِ القَرِيحَةِ؛ وثُقُوبِ الفَهْمِ؛ وبُعْدِ المَرْمى في الوُقُوفِ عَلى خِداعِ المُخادِعِينَ؛ ومَكْرِ الماكِرِينَ؛ (p-٤٨٠)لِتَجَلِّي الدَّقائِقِ في مِرْآةِ قَلْبِكَ الصَّقِيلَةِ؛ وصافِي فِكْرَتِكَ الشَّفّافَةِ؛ ولَمّا كانَتْ ”إنْ“ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ؛ أتى بِاللّامِ الفارِقَةِ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾؛ أيْ: لَيُخالِطُونَكَ مُخالَطَةَ تَمْلِيكٍ؛ إلى جِهَةِ قَصْدِهِمْ؛ بِكَثْرَةِ خِداعِهِمْ؛ بِإطْماعِهِمْ لَكَ في المُوافَقَةِ لِما يَعْلَمُونَ مِن ظاهِرِ الحَياةِ الدُّنْيا؛ ﴿عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿إلَيْكَ﴾؛ مِنَ الحِكْمَةِ؛ ﴿لِتَفْتَرِيَ﴾؛ أيْ: تَقْطَعَ مُتَعَمِّدًا؛ ﴿عَلَيْنا﴾؛ عَلى عَظَمَتِنا؛ ﴿غَيْرَهُ﴾؛ مِن طَرْدِ مَن أوْحَيْنا إلَيْكَ الأمْرَ بِمُصابَرَتِهِمْ؛ إطْماعًا مِنهم في إسْلامِ مَن هو بِحَيْثُ يُرْجى بِإسْلامِهِ إسْلامُ الجَمِّ الغَفِيرِ مِنهُمْ؛ لِشَرَفِهِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ مِمّا عَناهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -؛ وهو أعْلَمُ بِمُرادِهِ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: وأصْلُ الفِتْنَةِ ما يُطْلَبُ بِهِ خَلاصُ الشَّيْءِ مِمّا لابَسَهُ؛ ﴿وإذًا﴾؛ أيْ: لَوْ مِلْتَ إلَيْهِمْ؛ ﴿لاتَّخَذُوكَ﴾؛ أيْ: بِغايَةِ الرَّغْبَةِ؛ ﴿خَلِيلا﴾؛ ومَن كانَ خَلِيلَ الكُفّارِ؛ لَمْ يَكُنْ خَلِيلَ اللَّهِ؛ ولَكِنَّكَ أبْصَرْتَ رُشْدَكَ؛ فَلَزِمْتَ أمْرَ اللَّهِ؛ واسْتَمَرُّوا عَلى عَماهُمْ؛ إتْمامًا لِتَفْضِيلِنا لَكَ عَلى كُلِّ مَخْلُوقٍ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا ما تَدُورُ عَلَيْهِ مادَّةُ ”فَرا“؛ وأنَّهُ السَّعَةُ؛ وقَدْ بَقِيَ مِن تَقالِيبِها اليائِيُّ؛ والمَهْمُوزُ؛ فَمَعْنى ”فَرَيْتُ الأدِيمَ“: شَقَقْتُهُ؛ فاسِدًا أوْ صالِحًا؛ لِأنَّهُ يَتَّسِعُ بِذَلِكَ؛ (p-٤٨١)وقالَ القَزّازُ: ”الفَرْيُ“: مَصْدَرُ ”فَرَيْتُ الأدِيمَ“؛ إذا شَقَقْتَهُ لِلْإصْلاحِ؛ و”أفْرَيْتُهُ“؛ إذا شَقَقْتَهُ لِلْإفْسادِ؛ كَأنَّ هَمْزَتَهُ لِلْإزالَةِ؛ وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: ”فَرَيْتُ الشَّيْءَ“؛ و”أفْرَيْتُهُ“: قَطَعْتُهُ؛ و”فَرى الكَذِبَ“؛ و”افْتَراهُ“: اخْتَلَقَهُ؛ لِأنَّهُ اتِّساعٌ في القَوْلِ؛ وزِيادَةٌ عَلى ما يَكْفِي مِنَ الصِّدْقِ؛ وتَجاوُزٌ لِلْحَدِّ؛ و”فَرى المَزادَةَ“: خَلَقَها؛ وصَنَعَها؛ وقالَ القَزّازُ: خَرَزَها؛ لِأنَّها تَسَعُ ما لا تَسَعُهُ قَبْلَ الخَرْزِ؛ قالَ: وأصْلُ ”الفَرْيُ“: الشَّقُ؛ يَعْنِي: والخَرْزُ واقِعٌ في الشَّقِّ؛ فالعَلاقَةُ المَحَلُّ؛ و”فَرى الأرْضَ“: سارَها وقَطَعَها؛ تَشْبِيهًا لَها بِالأدِيمِ؛ و”فَرِيَ“؛ كَـ ”رَضِيَ“: تَحَيَّرَ ودَهِشَ؛ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِاسْمِ السَّبَبِ؛ لِأنَّ سَبَبَ الدَّهْشِ كَثْرَةٌ وعِظَمٌ في المَحْسُوسِ؛ و”أفْراهُ“: أصْلَحَهُ؛ أوْ أمَرَ بِإصْلاحِهِ؛ لِأنَّ الإصْلاحَ سَعَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الإفْسادِ؛ و”أفْرى فُلانًا“: لامَهُ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ الزِّيادَةُ في الكَلامِ لِما يُحاجُّ بِهِ المَلُومُ؛ و”الفِرْيَةُ“: الجَلَبَةُ؛ لِأنَّها زِيادَةٌ عَنِ الكَلامِ المُعْتادِ؛ وبِالكَسْرِ: الكَذِبُ؛ وكَـ ”غَنِيٌّ“: الأمْرُ المُخْتَلَقُ المَصْنُوعُ؛ أوِ العَظِيمُ؛ والواسِعَةُ مِنَ الدِّلاءِ؛ كَـ ”الفِرْيَةُ“؛ والحَلِيبُ ساعَةَ يُحْلَبُ؛ لِارْتِفاعِ الرَّغْوَةِ؛ و”تَفَرّى الشَّيْءُ“: انْشَقَّ؛ و”العَيْنُ“: انْبَجَسَتْ؛ و”هُوَ يَفْرِي الفَرِيَّ“؛ كَـ ”غَنِيٌّ“: (p-٤٨٢)يَأْتِي بِالعَجَبِ في عَمَلِهِ.
وقالَ القَزّازُ: و”تَرَكْتُ فُلانًا يَفْرِي؛ ويَقُدُّ“؛ أيْ: حادًّا في الأمْرِ؛ و”فُلانًا يَفْرِي مُنْذُ اليَوْمِ“؛ إذا جاءَ بِالعَجَبِ؛ لِأنَّهُ لا يُعْجِبُ إلّا ما زادَ عَلى الكِفايَةِ.
و”الرُّفَةُ“: التِّبْنُ؛ لِأنَّهُ ما فَضَلَ عَنِ الحَبِّ؛ و”الرُّفَةُ“: دُوَيْبَةٌ تَصِيدُ؛ تُسَمّى عَناقَ الأرْضِ؛ لِأنَّ حالَها أوْسَعُ مِن حالِ ما لا يَصِيدُ؛ ذَكَرَ هَذا صاحِبُ مُخْتَصَرِ العَيْنِ؛ في المُعْتَلِّ بِالياءِ؛ فَوَزْنُهُ ”ثُبَةٌ“؛ وساقَهُ صاحِبُ القامُوسِ في الهاءِ؛ وقالَ فِيما مَدْلُولُهُ التِّبْنُ: إنَّهُ كَـ ”صُرَدٌ“؛ ثُمَّ ساقَهُ في المُعْتَلِّ الواوِيِّ؛ في ”ورَفَ“؛ وقالَ: و”الرُّفَةُ“؛ كَـ ”ثُبَةٌ“: التِّبْنُ؛ فاضْطَرَبَ كَلامُهُ؛ فَوَجَبَ قَبُولُ مُخْتَصَرِ العَيْنِ؛ لَكِنْ ذَكَرَهُ الإمامُ أبُو غالِبِ بْنُ التَّيّانِيِّ - وهو مَن يَخْضَعُ لَهُ - في كِتابِهِ ”المُوعَبُ“؛ في مَقْلُوبِ ”رَهَفَ“؛ فَقالَ - ناسِبًا لَهُ إلى كِتابِ العَيْنِ - ما نَصُّهُ: و”الرُّفَةُ“: التِّبْنُ؛ قالَ غَيْرُهُ: ويُقالُ في مَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ: اسْتَغْنَتِ التُّفَّةُ عَنِ الرُّفَّةِ”؛ و“التُّفَّةُ”: عَناقُ الأرْضِ؛ وهي دُوَيْبَةٌ كالثَّعْلَبِ خَبِيثَةٌ؛ تَصِيدُ كُلَّ شَيْءٍ؛ وذَلِكَ أنَّها لا تَأْكُلُ (p-٤٨٣)إلّا اللَّحْمَ؛ أبُو حَنِيفَةَ مِثْلُهُ؛ كُلُّهُ انْتَهى بِحُرُوفِهِ؛ وقالَ صاحِبُ القامُوسِ في المُعْتَلِّ: و“التُّفَّةُ”؛ ذُكِرَ في“ت ف ف”؛ وقالَ في الهاءِ: و“التُّفَّةُ”؛ كَـ“ثُبَّةٌ”: عَناقُ الأرْضِ؛ وقالَ في الفاءِ: و“التُّفَّةُ”؛ كَـ“قُفَّةٌ”: دُوَيْبَةٌ كَجَرْوِ الكَلْبِ؛ أوْ كالفَأْرَةِ؛ و“اسْتَغْنَتِ التُّفَّةُ عَنِ الرُّفَّةِ”؛ ويُخَفَّفانِ؛ يُضْرَبُ لِلَئِيمِ إذا شَبِعَ؛ فَلَعَلَّ هَذا الِاخْتِلافَ لُغاتٌ؛ واللَّهُ أعْلَمُ.
قالَ في مُخْتَصَرِ العَيْنِ: و“الأُرْفِيُّ”؛ مِثْلَ“كُرْكِيٌّ”: اللَّبَنُ المَحْضُ الطَّيِّبُ؛ لِفَيْضِهِ كالغائِرِ؛ جَعَلَهُ المُخْتَصَرُ يائِيًّا؛ والقامُوسُ واوِيًّا؛ ثُمَّ أعادَهُ في المَهْمُوزِ؛ فَقالَ: و“الأُرْفِيُّ”؛ كَـ“قُمْرِيٌّ”: اللَّبَنُ الخالِصُ؛ وساقَ القَزّازُ في اليائِيِّ:“رافَيْتُ الرَّجُلَ أُرافِيهِ مُرافاةً”؛ إذا وافَقْتُهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أوْسَعُ في العِشْرَةِ؛ و“الرِّيفُ”؛ بِالكَسْرِ: الخِصْبُ؛ وقالَ في القامُوسِ:“أرْضٌ فِيها زَرْعٌ وخِصْبٌ؛ والسَّعَةُ في المَأْكَلِ والمَشْرَبِ؛ وما قارَبَ الماءَ مِن أرْضِ العَرَبِ؛ أوْ حَيْثُ الخُضَرُ والمِياهُ والزُّرُوعُ؛ و”رافَ البَدَوِيُّ“: أتى الرِّيفَ؛ و”الرّافُ“: الخَمْرُ؛ وهو لا يَكُونُ إلّا عَنْ سَعَةٍ؛ و”أرْضٌ رَيِّفَةٌ“ كَـ ”كَيِّسَةٌ“: خِصْبَةٌ؛ و”أرافَتِ الأرْضُ“: أخْصَبَتْ.
ومِنَ المَهْمُوزِ: ”رَفَأ السَّفِينَةَ“؛ كَمَنَعَ؛ و”أرْفَأها“: أدْناها مِنَ الشَّطِّ؛ (p-٤٨٤)لِاتِّساعِ مَن فِيها بِالبَرِّ؛ وبِالنِّسْبَةِ إلَيْها يَكُونُ لِلسَّلْبِ؛ والمَوْضِعُ ”مَرْفَأٌ“؛ ويُضَمُّ؛ و”رَفَأ بَيْنَهُمْ“: أصْلَحَ؛ و”أرْفَأ“؛ جَنَحَ؛ وامْتَشَطَ؛ ودَنّى؛ وأدْنى؛ وحابى؛ ودارَأ؛ كَـ ”رافَأ“؛ وإلَيْهِ لَجَأ؛ و”تَرافَؤُوا“: تَوافَقُوا؛ وتَواطَؤُوا؛ و”اليَرْفَئِيُّ“؛ كَـ ”اليَلْمَعِيُّ“: راعِي الغَنَمِ؛ والظَّلِيمُ النّافِرُ؛ والظَّبْيُ القَفُوزُ المُوَلِّي؛ والمُنْتَزَعُ القَلْبِ فَزَعًا؛ كَأنَّهُ شُبِّهَ بِالظَّلِيمِ في اتِّساعِ حَرَكَتِهِ؛ وعَدَمِ ثَباتِهِ؛ وذَلِكَ شَبِيهٌ أيْضًا بِفَوَرانِ القِدْرِ؛ في مُجاوَزَةِ الحَدِّ؛ و”رَفَّأْتُ العَرُوسَ تَرْفِئَةً؛ وتَرْفِيئًا“؛ تَقَدَّمَ في الواوِيِّ؛ و”الرَّأْفُ“: الخَمْرُ؛ والرَّجُلُ الرَّحِيمُ؛ أوِ الرَّأْفَةُ - أشَدُّ الرَّحْمَةِ؛ أوْ أرَقُّها -؛ ولا شَكَّ في دُخُولِ ذَلِكَ في السَّعَةِ؛ و”رَأْفٌ“: مَوْضِعٌ؛ أوْ رَمْلَةٌ؛ ولَعَلَّهُما واسِعانِ؛ و”الفَرَأُ“؛ كَـ ”جَبَلٌ“؛ و”سَحابٌ“: حِمارُ الوَحْشِ؛ أوِ الفَتِيُّ مِنهُ؛ لِشِدَّةِ نِفارِهِ؛ كالقِدْرِ في فَوَرانِها؛ و”أمْرٌ فَرِيءٌ“: كَـ ”فَرِيٌّ“؛ و”كُلُّ الصَّيْدِ في جَوْفِ الفَرا“؛ أيْ: كُلُّهُ دُونَهُ؛ و”فَرَأ“؛ مُحَرَّكَةً: جَزِيرَةٌ بِاليَمَنِ؛ لَعَلَّهُ بِها بِكَثْرَةٍ؛ و”الفَأْرُ“؛ مَعْرُوفٌ؛ والواحِدَةُ ”فَأْرَةٌ“؛ والجَمْعُ ”فِئْرانٌ“؛ سُمِّيَ لِقَفْزِهِ في جَرْيِهِ؛ ولِأنَّهُ وسِعَ مِنَ الحَشَراتِ تَصَرُّفًا؛ بِالمَشْيِ في الجُدُرِ؛ والسُّقُوفِ؛ ونَحْوِها؛ و”الفَأْرَةُ“: شَجَرَةٌ؛ ونافِجَةُ (p-٤٨٥)المِسْكِ؛ قالَ في القامُوسِ: أوِ الصَّوابُ إيرادُ ”فارَةَ المِسْكِ“؛ في ”ف و ر“؛ لِفَوَرانِ رائِحَتِها؛ أوْ يَجُوزُ هَمْزُها؛ لِأنَّها عَلى هَيْئَةِ الفَأْرَةِ؛ و”فَأرَ“؛ كَـ ”مَنَعَ“: حَفَرَ؛ وخَبَّأ؛ ودَفَنَ؛ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ السَّعَةِ؛ ومِن سَلْبِها؛ و”لَبَنٌ فَئِرٌ“؛ كَـ ”كَتِفٌ“: وقَعَتْ فِيهِ الفَأْرَةُ؛ و”أرْضٌ فَئِرَةٌ؛ ومَفْأرَةٌ“: كَثِيرَةُ الفَأْرِ؛ و”أفَرَتِ القِدْرُ - بِالفَتْحِ -؛ تَأْفِرُ أفْرًا“: اشْتَدَّ غَلَيانُها؛ و”الإنْسانُ“: وثَبَ؛ وعَدا؛ و”البَعِيرُ“: نَشِطَ؛ وسَمِنَ؛ بَعْدَ الجُهْدِ؛ كَـ ”أفِرَ“ - كَـ ”فَرِحَ“ -؛ فِيهِما؛ وخَفَّ في الخِدْمَةِ؛ والَّذِي يَسْعى بَيْنَ يَدَيِ الإنْسانِ ويَخْدِمُهُ ”مِئْفَرٌ“؛ و”الأُفُرَّةُ“؛ بِضَمَّتَيْنِ؛ وتَشْدِيدِ الرّاءِ: الجَماعَةُ - وقَيَّدَها في مُخْتَصَرِ العَيْنِ بِـ ”ذاتُ الجَلَبَةِ“ -؛ والبَلِيَّةُ؛ والِاخْتِلاطُ؛ وكُلُّ ذَلِكَ واضِحٌ في الِاتِّساعِ؛ والزِّيادَةِ عَلى الكِفايَةِ؛ و”الأُفُرَّةُ“؛ أيْضًا: شِدَّةُ الشَّرِّ؛ لِشِدَّةِ فَوَرانِهِ؛ كالقِدْرِ؛ وشِدَّةُ الشِّتاءِ؛ أوْ مُطْلَقُ الشِّدَّةِ؛ و”مِنَ الصَّيْفِ“: أوَّلُهُ؛ لِأنَّهُ يَتَّسِعُ بِهِ؛ قالَ في القامُوسِ: ويُفْتَحُ أوَّلُها ويُحَرَّكُ في الكُلِّ؛ و”الأُرُفَةُ“؛ بِالضَّمِّ: الحَدُّ بَيْنَ الأرْضَيْنِ؛ والعُقْدَةُ؛ وكَأنَّ هَذا سَلْبُ الِاتِّساعِ؛ و”الأُرْفِيُّ“؛ كَـ ”قُمْرِيٌّ“: الماسِحُ؛ و”أُرِّفَ عَلى الأرْضِ تَأْرِيفًا“: جُعِلَتْ لَها حُدُودٌ؛ وقُسِّمَتْ؛ (p-٤٨٦)و”تَأْرِيفُ الحَبْلِ“: عَقْدُهُ؛ و”هُوَ مُؤارِفِي“: حَدُّهُ إلى حَدِّي؛ في السُّكْنى والمَكانِ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ.
17:74Page 289
وَلَوۡلَآ أَن ثَبَّتۡنَٰكَ لَقَدۡ كِدتَّ تَرۡكَنُ إِلَيۡهِمۡ شَيۡـٔٗا قَلِيلًا ٧٤
And if We had not strengthened you, you would have almost inclined to them a little.
ولَمّا ذَكَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِما كانَ في ذَلِكَ مِن رُشْدِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؛ أتْبَعَهُ بِبَيانِ أنَّهُ إنَّما كانَ بِعِصْمَةِ اللَّهِ لَهُ؛ لِيَزْدادَ شُكْرًا؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ عَلى ما أمَرْنا؛ لِما تَقَدَّمَ مِن أنّا مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ؛ وأنْتَ رَأْسُ المُتَّقِينَ؛ والمُحْسِنِينَ؛ ﴿لَقَدْ كِدْتَ﴾؛ أيْ: قارَبْتَ؛ ﴿تَرْكَنُ إلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: الأعْداءِ؛ ﴿شَيْئًا قَلِيلا﴾؛ لِمَحَبَّتِكَ في هِدايَتِهِمْ؛ وحِرْصِكَ عَلى مَنفَعَتِهِمْ؛ وكُنّا عَصَمْناكَ؛ فَلَمْ تَرْكَنْ إلَيْهِمْ؛ لا قَلِيلًا؛ ولا كَثِيرًا؛ ولا قارَبْتَ ذَلِكَ؛ كَما أفادَتْهُ ”لَوْلا“؛ لِأنَّها تَدْخُلُ عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ؛ فَجُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ؛ لِرَبْطِ امْتِناعِ الثّانِيَةِ بِوُجُودِ الأُولى؛ فامْتِناعُ قُرْبِ الرُّكُونِ مُرْتَبِطٌ بِوُجُودِ التَّثْبِيتِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ ”لَوْلا“؛ لِانْتِفاءِ الثّانِي لِأجْلِ انْتِفاءِ الأوَّلِ؛ وهي هُنا داخِلَةٌ عَلى ”لا“؛ النّافِيَةِ؛ فَتَكُونُ لِانْتِفاءِ قُرْبِ الرُّكُونِ؛ لِأجْلِ انْتِفاءِ نَفْيِ التَّثْبِيتِ؛ وانْتِفاءُ النَّفْيِ وُجُودٌ؛ فَإذَنِ التَّثْبِيتُ مَوْجُودٌ؛ وقُرْبُ الرُّكُونِ مُنْتَفٍ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الدَّلالَةَ عَلى شِدَّةِ مَكْرِهِمْ؛ وتَناهِي خِداعِهِمْ إلى حالَةٍ لا يُدْرَكُ وصْفُها؛ (p-٤٨٧)فَيَكُونُ الفِعْلُ مُسْنَدًا إلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؛ والمُرادُ إسْنادُهُ إلَيْهِمْ؛ لِيَكُونَ المَعْنى: كادُوا أنْ يَجْعَلُوكَ مُقارِبًا لِلرُّكُونِ إلَيْهِمْ؛ كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: ”لَقَدْ كِدْتَ تَقْتُلُ نَفْسَكَ“؛ أيْ: فَعَلْتَ ما قارَبْتَ بِهِ أنْ يَقْتُلَكَ غَيْرُكَ؛ لِأجْلِ فِعْلِكَ؛ وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ الأدِلَّةِ الواضِحَةِ عَلى ما خُصَّ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الفَضائِلِ في شَرَفِ جَوْهَرِهِ؛ وزُكاءِ عُنْصُرِهِ؛ ورُجْحانِ عَقْلِهِ؛ وطِيبِ أصْلِهِ؛ لِأنَّها دَلَّتْ عَلى أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - لَوْ وُكِلَ إلى نَفْسِهِ؛ وما خَلَقَ اللَّهُ في طَبْعِهِ؛ وجِبِلَّتِهِ؛ مِنَ الغَرائِزِ الكامِلَةِ؛ والأوْصافِ الفاضِلَةِ؛ ولَمْ يَتَدارَكْهُ بِما مَنَحَهُ مِنَ التَّثْبِيتِ زِيادَةً عَلى ذَلِكَ؛ حالَ النُّبُوَّةِ؛ لَمْ يَرْكَنْ إلَيْهِمْ - وهم أشَدُّ النّاسِ أفْكارًا؛ وأصْفاهم أفْهامًا؛ وأعْلَمُهم بِالخِداعِ؛ مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ؛ وعِظَمِ صَبْرِهِمْ؛ وجَلَدِهِمْ - رُكُونًا ما؛ أصْلًا؛ وإنَّما كانَ قُصاراهم أنْ يُقارِبَ الرُّكُونَ شَيْئًا قَلِيلًا؛ فَسُبْحانَ مَن يَخُصُّ مَن يَشاءُ بِما يَشاءُ؛ وهو ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ؛
17:75Page 289
إِذٗا لَّأَذَقۡنَٰكَ ضِعۡفَ ٱلۡحَيَوٰةِ وَضِعۡفَ ٱلۡمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيۡنَا نَصِيرٗا ٧٥
Then [if you had], We would have made you taste double [punishment in] life and double [after] death. Then you would not find for yourself against Us a helper.
﴿إذًا﴾؛ أيْ: لَوْ قارَبْتَ الرُّكُونَ المَوْصُوفَ إلَيْهِمْ؛ ﴿لأذَقْناكَ﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ ﴿ضِعْفَ﴾؛ عَذابِ؛ ﴿الحَياةِ وضِعْفَ﴾؛ عَذابِ؛ ﴿المَماتِ﴾؛ أيْ: ذَلِكَ العَذابَ مُضاعَفًا.
وهَذِهِ المادَّةُ تَدُورُ عَلى الوَهْيِ؛ ويَلْزَمُهُ التَّقْوِيَةُ بِالضِّعْفِ؛ بِكَسْرِ الضّادِ؛ أيْ: المِثْلِ؛ وما زادَ؛ وكُلُّ شَيْءٍ لَهُ مُكاثِرٌ فَهو ضَعِيفٌ بِدُونِهِ؛ (p-٤٨٨)ويَلْزَمُ الضِّعْفَ؛ الَّذِي هو المِثْلُ المَضْمُومُ إلى مِثْلِهِ؛ القُوَّةُ؛ فَمِنَ الوَهْيِ: ”الضَّعْفُ“؛ و”الضُّعْفُ“؛ بِالفَتْحِ؛ والضَّمِّ؛ وهو خِلافُ القُوَّةِ؛ وقِيلَ: ”الضَّعْفُ“؛ بِالفَتْحِ؛ في العَقْلِ؛ والرَّأْيِ؛ وبِالضَّمِّ؛ في الجَسَدِ؛ و”الضَّعِيفُ“: الأعْمى؛ حِمْيَرِيَّةٌ؛ و”أرْضٌ مُضْعَفَةٌ“؛ لِلْمَفْعُولِ: أصابَها مَطَرٌ ضَعِيفٌ؛ و”ضِعْفُ الشَّيْءِ“؛ بِالكَسْرِ: مِثْلُهُ؛ لِأنَّ كُلَّ ما لَهُ مِثْلٌ فَهو ضَعِيفٌ؛ و”ضِعْفاهُ“: مِثْلاهُ؛ ويُقالُ: ”لَكَ ضِعْفُهُ“؛ أيْ: مِثْلاهُ؛ وثَلاثَةُ أمْثالِهِ؛ لِأنَّ أصْلَ الضِّعْفِ زِيادَةٌ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ؛ و”ضاعَفْتُ الشَّيْءَ“؛ أيْ: ضَمَمْتُ إلى الشَّيْءِ شَيْئَيْنِ؛ فَصارَ ثَلاثَةً؛ و”أضْعافُ الكِتابِ“: أثْناءُ سُطُورِهِ؛ لِأنَّها أمْثالٌ لِلسُّطُورِ مِنَ البَياضِ؛ وزِيادَةٌ عَلَيْها؛ ومِنَ القُوَّةِ الَّتِي تَلْزَمُ المِثْلَ: ”أضْعافُ البَدَنِ“؛ وهي أعْضاؤُهُ؛ لِأنَّ غالِبَها مُثَنّى؛ أوْ هي عِظامُهُ؛ لِأنَّها أقْوى ما فِيهِ؛ ومِنَ الضَّعْفِ أيْضًا مَقْلُوبَةً الَّذِي هو ”ضَفَعَ“؛ إذا أحْدَثَ وضَرَطَ؛ وكَذا مَقْلُوبَةً ”فَضَعْ“؛ و”الضَّفْعُ“: نَجْوُ الفِيلِ؛ و”الضَّفْعانَةُ“: تَمْرَةُ السَّعْدانَةِ؛ ذاتُ الشَّوْكِ؛ مُسْتَدِيرَةٌ؛ كَأنَّها فَلَكَةٌ؛ فالمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: أذَقْناكَ وهْيَ الحَياةِ؛ ووَهْيَ المَماتِ؛ مُضاعَفًا أضْعافًا كَثِيرَةً.
ولَمّا كانَتِ القُوَّةُ بَعْدَ هَذا في غايَةِ البُعْدِ؛ عَبَّرَ بِأداةِ التَّراخِي؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ﴾؛ أيْ: وإنْ كُنْتَ أعْظَمَ الخَلْقِ؛ وأعْلاهم هِمَّةً؛ (p-٤٨٩)﴿عَلَيْنا نَصِيرًا﴾؛ والآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ القَبِيحَ يَعْظُمُ قُبْحُهُ بِمِقْدارِ عَظِيمِ شَأْنِ مُرْتَكِبِهِ؛ وارْتِفاعِ مَنزِلَتِهِ؛ وعَلى أنَّ أدْنى مُداهَنَةٍ لِلْغُواةِ مُضادَّةٌ لِلَّهِ؛ وخُرُوجٌ عَنْ وِلايَتِهِ؛ فَعَلى مَن تَلاها أنْ يَتَدَبَّرَها؛ وأنْ يَسْتَشْعِرَ الخَشْيَةَ؛ وعَظِيمَ التَّصَلُّبِ في الدِّينِ.
17:76Page 290
وَإِن كَادُواْ لَيَسۡتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ لِيُخۡرِجُوكَ مِنۡهَاۖ وَإِذٗا لَّا يَلۡبَثُونَ خِلَٰفَكَ إِلَّا قَلِيلٗا ٧٦
And indeed, they were about to provoke [i.e., drive] you from the land [i.e., Makkah] to evict you therefrom. And then [when they do], they will not remain [there] after you, except for a little.1
ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُمُ اسْتَمالُوهُ بِالرِّفْقِ؛ حَتّى كادُوا - لَوْلا العِصْمَةُ - أنْ يُمِيلُوهُ؛ دَلَّ عَلى أنَّهم أخافُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ حَتّى كادُوا أنْ يُخْرِجُوهُ مِن وطَنِهِ قَبْلَ الإذْنِ الخاصِّ بِالهِجْرَةِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وإنْ﴾؛ أيْ: وإنَّهم ﴿كادُوا﴾؛ أيْ: الأعْداءُ؛ ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾؛ أيْ: يَسْتَخِفُّونَكَ بِكَثْرَةِ الأذى؛ الَّذِي مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ؛ فِيما جَرَتْ بِهِ العَوائِدُ؛ ﴿مِنَ الأرْضِ﴾؛ أيْ: المَكِّيَّةِ؛ الَّتِي هي الأرْضُ كُلُّها؛ لِأنَّها أُمُّها؛ ﴿لِيُخْرِجُوكَ مِنها﴾؛ مَعَ أنَّ وُجُودَكَ عِنْدَهم رَحْمَةٌ لَهُمْ؛ فَلا أعْمى مِنهُمْ؛ وأصْلُ ”الفَزُّ“: القَطْعُ بِشِدَّةٍ؛ قالَهُ الرُّمّانِيُّ؛ ﴿وإذًا﴾؛ أيْ: وإذا أخْرَجُوكَ؛ ﴿لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ﴾؛ أيْ: بَعْدَ إخْراجِكَ؛ لَوْ أخْرَجُوكَ؛ ﴿إلا قَلِيلا﴾؛ وسَيَعْلَمُونَ إذا أذِنّا لَكَ في النُّزُوحِ كَيْفَ نَصُبُّ عَلَيْهِمُ العَذابَ؛ بَعْدَ خُرُوجِكَ بِقَلِيلٍ؛ بِرُمْحِكَ الطَّوِيلِ؛ وسَيْفِكَ الصَّقِيلِ؛ وسُيُوفِ أتْباعِكَ المُؤْمِنِينَ؛ لِثُبُوتِ هَذا الدِّينِ؛ وقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - هَذا الوَعِيدَ؛ بِقَتْلِ صَنادِيدِهِمْ في غَزْوَةِ (p-٤٩٠)”بَدْرٍ“؛ في رَمَضانَ؛ مِنَ السَّنَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الهِجْرَةِ؛ بَعْدَ ثَمانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِن مُهاجَرَتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؛ وحَرَّمَ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أخْرَجُوهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - مِن مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ؛ الدُّخُولَ إلَيْها؛ والإقامَةَ في حَرِيمِها مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ؛ إكْرامًا لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؛ وانْتِقامًا مِمَّنْ يَعْتَقِدُ شَيْئًا مِن كُفْرِ مَن أخْرَجُوهُ؛ ورَفَعَ ”يَلْبَثُونَ“؛ لِأنَّ ”إذًا“؛ إذا وقَعَتْ بَعْدَ الواوِ؛ والفاءِ؛ جازَ فِيها الإلْغاءُ؛ لِأنَّها مُتَوَسِّطَةٌ في الكَلامِ؛ كَما أنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ تُلْغى في آخِرِ الكَلامِ؛ وفي الآيَةِ بَيانٌ لِأنَّ الجاهِلَ لا يَزالُ يَنْصُبُ لِلْعالِمِ الحَبائِلَ؛ ويَطْلُبُ لَهُ الغَوائِلَ؛ فَيَعُودُ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِالوَبالِ؛ في الحالِ؛ والمَآلِ.
17:77Page 290
سُنَّةَ مَن قَدۡ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِن رُّسُلِنَاۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحۡوِيلًا ٧٧
[That is Our] established way for those We had sent before you of Our messengers; and you will not find in Our way any alteration.
ولَمّا أخْبَرَهُ بِذَلِكَ؛ أعْلَمَهُ أنَّهُ سُنَّتُهُ في جَمِيعِ الرُّسُلِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿سُنَّةَ﴾؛ أيْ: ”كَسُنَّةِ“؛ أوْ سُنَّتُنا بِكَ سُنَّةُ ﴿مَن قَدْ أرْسَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ.
ولَمّا كانَ الإرْسالُ قَدْ عَمَّتْ بَرَكَتُهُ بِهَذِهِ العَظَمَةِ جَمِيعَ الأزْمانِ؛ بِما حَفَّهُ بِهِ مِن قَوِيمِ الفِطْرَةِ؛ أسْقَطَ الجارَّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿قَبْلَكَ﴾؛ أيْ: في الأزْمانِ الماضِيَةِ كُلِّها؛ ﴿مِن رُسُلِنا﴾؛ بِأنْ جَعَلْنا وجُودَهم بَيْنَ ظَهَرانِي قَوْمِهِمْ؛ رَحْمَةً لِقَوْمِهِمْ؛ فَإذا أخْرَجُوهم عاجَلْنا مَن رَضِيَ بِإخْراجِهِمْ (p-٤٩١)بِالعُقُوبَةِ؛ ﴿ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا﴾؛ أيْ: لِما لَها مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿تَحْوِيلا﴾؛ أيْ: بِمُحَوِّلِ غَيْرِنا يُحَوِّلُها؛ لَكِنَّهم خُصُّوا عَنِ الأُمَمِ السّالِفَةِ بِأنَّهم لا يُعَذَّبُونَ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ؛ تَشْرِيفًا لَهم بِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences