Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:87–100
17:87Page 291
إِلَّا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ إِنَّ فَضۡلَهُۥ كَانَ عَلَيۡكَ كَبِيرٗا ٨٧
Except [We have left it with you] as a mercy from your Lord. Indeed, His favor upon you has ever been great.
ولَمّا كانَ لا مَلْجَأ مِنهُ - سُبْحانَهُ - إلّا إلَيْهِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿إلا﴾؛ أيْ: لَكِنْ تَجِدُ ﴿رَحْمَةً﴾؛ مُبْتَدَأةً؛ وكائِنَةً؛ ﴿مِن رَبِّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِأنْ أوْجَدَكَ؛ ورَبّاكَ؛ ولَمْ يَقْطَعْ إحْسانَهُ قَطُّ عَنْكَ؛ يُعِيدُ بِها إلَيْكَ؛ ويَأْتِيكَ بِما يَقُومُ مَقامَهُ؛ وعَبَّرَ عَنْ أداةِ الِانْقِطاعِ بِأداةِ الِاتِّصالِ؛ إشارَةً إلى أنَّ رَحْمَتَهُ - سُبْحانَهُ - لَهُ - الَّتِي اقْتَضَتْها صِفَةُ إحْسانِهِ إلَيْهِ؛ لِعِظَمِها - كالوَكِيلِ الَّذِي يَتَصَرَّفُ بِالغِبْطَةِ عَلى كُلِّ حالٍ.
ولَمّا كانَ في إنْزالِهِ إلَيْهِ؛ ثُمَّ إبْقائِهِ لَدَيْهِ؛ مِنَ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ؛ وعَلى أُمَّتِهِ؛ ما لا يُحْصى؛ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى) - مُسْتَأْنِفًا؛ مُؤَكِّدًا لِأنَّ كَوْنَ الرَّحْمَةِ هَكَذا مِن أغْرَبِ الغَرِيبِ؛ فَهو بِحَيْثُ لا يَكادُ (p-٥٠٨)يُصَدَّقُ؛ وهو مِمّا يُتَلَذَّذُ بِذِكْرِهِ -: ﴿إنَّ فَضْلَهُ كانَ﴾؛ أيْ: كَوْنًا ثابِتًا؛ ﴿عَلَيْكَ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿كَبِيرًا﴾؛ أيْ: بالِغَ الكِبَرِ؛ وقَدْ ورَدَ أنَّهُ يُذْهَبُ بِالقُرْآنِ في آخِرِ الزَّمانِ؛ يُسْرى بِما في المَصاحِفِ؛ وبِما في القُلُوبِ؛ وقَدْ أفْهَمَتْ ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةُ؛ لِأنَّ كَلامَ المُلُوكِ يُفْهِمُ أصْلَ الشَّيْءِ؛ ولَوْ كانَ في سِياقِ الشَّرْطِ.
17:88Page 291
قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا ٨٨
Say, "If mankind and the jinn gathered in order to produce the like of this Qur’ān, they could not produce the like of it, even if they were to each other assistants."
ولَمّا كانَ بِمَعْرِضِ أنْ يَقُولُوا: إنْ ذَهَبَ عَلَيْكَ مِن شَيْءٍ فَأْتِ بِمِثْلِهِ مِن عِنْدِ نَفْسِكَ؛ ومِمّا اكْتَسَبْتَهُ مِنهُ مِنَ الأساطِيرِ؛ أمَرَهُ أنْ يُجِيبَهم عَنْ هَذا بِقَوْلِهِ - دَلالَةً عَلى مَضْمُونِ ما قَبْلَهُ -: ﴿قُلْ﴾؛ ولَمّا أُرِيدَ هُنا المُماثَلَةُ في كُلِّ التَّفْصِيلِ إلى جَمِيعِ السُّورِ في المَعانِي الصّادِقَةِ؛ والنُّظُومِ الرّائِقَةِ؛ كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِالقُرْآنِ؛ زادَ في التَّحَدِّي قَيْدَ الِاجْتِماعِ مِنَ الثَّقَلَيْنِ؛ وصَرَفَ الهِمَمِ لِلتَّظاهُرِ؛ والتَّعاوُنِ؛ والتَّضافُرِ؛ بِخِلافِ ما مَضى في السُّوَرِ السّابِقَةِ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُؤَكِّدًا بِاللّامِ المُوَطِّئَةِ لِلْقَسَمِ؛ لِادِّعائِهِمْ أنَّهم لَوْ شاؤُوا أتَوْا بِمِثْلِهِ؛ والجَوابُ حِينَئِذٍ لِلْقَسَمِ؛ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ -: ﴿لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ﴾؛ الَّذِينَ تَعْرِفُونَهُمْ؛ وتَعْرِفُونَ ما أتَوْا مِنَ البَلاغَةِ؛ والحِكْمَةِ؛ والَّذِينَ لا تَعْرِفُونَهُمْ؛ وقَدَّمَهم لِسُهُولَةِ اجْتِماعِهِمْ بِهِمْ؛ ولِأنَّهم عِنْدَهُمُ الأصْلُ في البَلاغَةِ؛ ﴿والجِنُّ﴾؛ الَّذِينَ يَأْتُونَ كُهّانَكُمْ؛ ويُشَجِّعُونَ لَهُمْ؛ ويُعْلِمُونَهم بِبَعْضِ المُغَيَّباتِ عَنْهُمْ؛ (p-٥٠٩)وتَرَكَ المَلائِكَةَ لِأنَّهم لا عَهْدَ لَهم بِشَيْءٍ مِن كَلامِهِمْ؛ ﴿عَلى أنْ يَأْتُوا﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُوا إيتاءً ما؛ في وقْتٍ ما؛ في حالِ اجْتِماعِهِمْ؛ ﴿بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ﴾؛ أيْ: جَمِيعِهِ؛ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ التَّفْصِيلِ؛ وخَصَّهُ بِالإشارَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ما يَقُولُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ اللَّهِ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ؛ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ؛ وأنَّ المُرادَ في هَذا السِّياقِ المُتَحَدّى بِهِ؛ الَّذِي اسْمُهُ القُرْآنُ؛ خاصَّةً؛ ﴿لا يَأْتُونَ﴾
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةً؛ فَكانَ أكْثَرُ ما يُمْكِنُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ آخِرَ المَكِّيِّ؛ فَيَخْتَصَّ التَّحَدِّي بِهِ؛ وكانَ المُظْهَرُ إذا أُعِيدَ مُضْمَرًا؛ أمْكَنَ فِيهِ الخُصُوصُ؛ وكانَ المُرادُ إنَّما هو الشُّمُولُ؛ ومَتى أُرِيدَ الشُّمُولُ اسْتُؤْنِفَ لَهُ؛ إحاطَةً بِاسْتِئْنافِ إظْهارٍ مُحِيطٍ؛ كَما يَأْتِي عَنِ الحَرالِّيِّ في أواخِرِ سُورَةِ ”الكَهْفِ“؛ لَمْ يَقُلْ هُنا ”بِهِ“؛ لِذَلِكَ؛ ولِئَلّا يُظَنَّ أنَّهُ يَعُودُ عَلى القُرْآنِ؛ لا عَلى مِثْلِهِ؛ بَلْ أظْهَرَ؛ فَقالَ - دالًّا عَلى أنَّ المُرادَ جَمِيعُ المَكِّيِّ؛ والمَدَنِيِّ -: ﴿بِمِثْلِهِ﴾؛ أيْ: لا مَعَ التَّقَيُّدِ بِمَعانِيهِ الحَقَّةِ الحَكِيمَةِ؛ حَتّى يَأْتُوا بِكَلامٍ في أعْلى طَبَقاتِ البَلاغَةِ؛ مُبَيِّنًا لِأحْسَنِ المَعانِي؛ بِأوْضَحِ المَبانِي؛ ولا مَعَ الِانْفِكاكِ عَنْها إلى مَعانٍ مُفْتَراةٍ؛ ثُمَّ أوْضَحَ أنَّ المُرادَ الحُكْمُ لِعَجْزِهِمْ مُجْتَمِعِينَ؛ ومُنْفَرِدِينَ؛ مُتَظاهِرِينَ؛ وغَيْرَ مُتَظاهِرِينَ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولَوْ﴾؛ ولَمّا كانَ المُكَلَّفُونَ مَجْبُولِينَ عَلى المُخالَفَةِ؛ (p-٥١٠)وتَنافِي الأغْراضِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿كانَ﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً؛ وطَبْعًا؛ عَلى خِلافِ العادَةِ؛ ﴿بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾؛ أيْ: مُعِينًا؛ بِضَمِّ أقْوى ما فِيهِ إلى أقْوى ما في صاحِبِهِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ في السُّورِ المَذْكُورِ فِيها التَّحَدِّي ما يُتِمُّ هَذا المَعْنى.
17:89Page 291
وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا ٨٩
And We have certainly diversified for the people in this Qur’ān from every [kind of] example, but most of the people refused except disbelief.
ولَمّا تَمَّتْ هَذِهِ الجُمَلُ عَلى هَذا الوَجْهِ الجَمِيلِ؛ والوَصْفِ الجَلِيلِ؛ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ - سُبْحانَهُ - بِقَوْلِهِ - عَطْفًا عَلى نَحْوِ: ”صَرَّفْنا هَذِهِ الأمْثالَ كَما تَرَوْنَ؛ عَلى أعْلى مِنهاجٍ؛ وأبْلَغِ سِياقٍ؛ في أبْدَعِ انْتِظامٍ“ -: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا﴾؛ أيْ: رَدَّدْنا؛ وكَرَّرْنا تَكْرِيرًا كَثِيرًا؛ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ولَمّا كانَ مَبْنى السُّورَةِ عَلى بَيانِ العِنايَةِ بِالنّاسِ؛ الَّذِينَ اتَّقَوْا؛ والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ؛ اقْتَضى المَقامُ - لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ - تَقْدِيمَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لِلنّاسِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ هم ناسٌ؛ ﴿فِي هَذا القُرْآنِ﴾؛ الهادِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ؛ ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾؛ أيْ: مِن كُلِّ ما هو في غَرابَتِهِ وسَيْرِهِ في أقْطارِ الأرْضِ؛ وبَلاغَتِهِ؛ ووُضُوحِهِ؛ ورَشاقَتِهِ؛ كالمَثَلِ الَّذِي يَجِبُ الِاعْتِبارُ بِهِ؛ و”التَّصْرِيفُ“: تَصْيِيرُ المَعْنى دائِرًا في الجِهاتِ المُخْتَلِفَةِ؛ بِالإضافَةِ؛ والصِّفَةِ؛ والصِّلَةِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ ﴿فَأبى﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ الَّذِي هو سَبَبٌ لِلشِّفاءِ؛ والشُّكْرِ؛ والهُدى؛ تَصْدِيقًا لِقَوْلِنا: ”ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا“؛ أنَّهُ أبى (p-٥١١)﴿أكْثَرُ النّاسِ﴾؛ وهم مَن هُمْ؛ في صُورَةِ النّاسِ؛ وقَدْ سُلِبُوا مَعانِيهِمْ.
ولَمّا كانَ ”أبى“؛ مُتَأوَّلًا بِمَعْنى النَّفْيِ؛ فَكانَ المَعْنى: فَلَمْ يَرْضَوْا؛ مَعَ الكِبْرِ؛ والشَّمّاخَةِ؛ اسْتَقْبَلَهُ بِأداةِ الِاسْتِثْناءِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إلا كُفُورًا﴾؛ لِما لَهم مِنَ الِاضْطِرابِ.
17:90Page 291
وَقَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفۡجُرَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَرۡضِ يَنۢبُوعًا ٩٠
And they say, "We will not believe you until you break open for us from the ground a spring
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا مُعَجِّبًا؛ عَجَّبَ مِنهم تَعْجِيبًا آخَرَ؛ عاطِفًا لَهُ عَلى ”ويَسْألُونَكَ“؛ إنْ كانَ المُرادُ بِالنّاسِ في قَوْلِهِ: ”فَأبى أكْثَرُ النّاسِ“؛ الكُلَّ؛ وعَلى ”فَأبى“؛ إنْ كانَ المُرادُ بِهِمْ قُرَيْشًا؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وقالُوا﴾؛ أيْ: كُفّارُ قُرَيْشٍ؛ ومَن والاهُمْ؛ تَعَنُّتًا؛ بَعْدَ ما لَزِمَهم مِنَ الحُجَّةِ؛ بِبَيانِ عَجْزِهِمْ عَنِ المُعارَضَةِ؛ ولِغَيْرِ ذَلِكَ؛ فِعْلَ المَبْهُوتِ المَحْجُوجِ المُعانِدِ؛ مُؤَكِّدِينَ لِما لَزِمَهم مِنَ الحُجَّةِ الَّتِي صارُوا بِها في حَيِّزِ مَن يُؤْمِنُ قَطْعًا مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ﴾؛ أيْ: نُصَدِّقَ بِما تَقُولُ؛ مُذْعِنِينَ؛ ﴿لَكَ حَتّى تَفْجُرَ﴾؛ أيْ: تَفْجِيرًا عَظِيمًا؛ ﴿لَنا﴾؛ أيْ: أجْمَعِينَ؛ ﴿مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾؛ أيْ: عَيْنًا لا يَنْضَبُ ماؤُها؛
17:91Page 291
أَوۡ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَعِنَبٖ فَتُفَجِّرَ ٱلۡأَنۡهَٰرَ خِلَٰلَهَا تَفۡجِيرًا ٩١
Or [until] you have a garden of palm trees and grapes and make rivers gush forth within them in force [and abundance]
﴿أوْ تَكُونَ لَكَ﴾؛ أيْ: أنْتَ وحْدَكَ؛ ”جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ و“؛ أشْجارِ ”عِنَبٍ“؛ عَبَّرَ عَنْهُ بِالثَّمَرَةِ لِأنَّ الِانْتِفاعَ مِنهُ بِغَيْرِها قَلِيلٌ؛ ﴿فَتُفَجِّرَ﴾؛ أيْ: بِعَظَمَةٍ زائِدَةٍ؛ ﴿الأنْهارَ﴾؛ الجارِيَةَ؛ ﴿خِلالَها تَفْجِيرًا﴾؛ وهو تَشْقِيقٌ عَمّا يَجْرِي مِن ماءٍ؛ أوْ ضِياءٍ؛ أوْ نَحْوِهِما؛ فَـ ”الفَجْرُ“: شَقُّ الظَّلامِ مِن عَمُودِ الصُّبْحِ؛ و”الفُجُورُ“: (p-٥١٢)شَقُّ جِلْبابِ الحَياءِ؛ بِما يُخْرِجُ إلى الفَسادِ؛
17:92Page 291
أَوۡ تُسۡقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمۡتَ عَلَيۡنَا كِسَفًا أَوۡ تَأۡتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ قَبِيلًا ٩٢
Or you make the heaven fall upon us in fragments as you have claimed or you bring Allāh and the angels before [us]
﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ﴾؛ أيْ: نَفْسَها؛ ﴿كَما زَعَمْتَ﴾؛ فِيما تَتَوَعَّدُنا بِهِ؛ ﴿عَلَيْنا كِسَفًا﴾؛ أيْ: قِطَعًا؛ جَمْعُ ”كِسْفَةٌ“؛ وهي القِطْعَةُ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِذَلِكَ الحاصِبَ الآتِيَ مِن جِهَةِ العُلُوِّ؛ وغَيْرَهُ مِمّا تُوُعِّدُوا بِهِ في نَحْوِ قَوْلِهِ: ”أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكُمْ“؛ وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ ”سَماءً“ كَتَسْمِيَةِ المَطَرِ - بَلْ والنَّباتِ – ”سَماءً“:
؎إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ ∗∗∗ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابًا
﴿أوْ تَأْتِيَ﴾؛ مَعَكَ؛ ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ ﴿والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾؛ أيْ: إتْيانًا عَيانًا؛ ومُقابَلَةً؛ يُنْظَرُ إلَيْهِ؛ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ مِنّا شَيْءٌ مِنهُ؛ وكانَ أصْلُهُ الِاجْتِماعُ الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ المُواجَهَةُ بِالإقْبالِ؛ مِن قَبائِلِ الرَّأْسِ الجامِعَةِ؛
17:93Page 291
أَوۡ يَكُونَ لَكَ بَيۡتٞ مِّن زُخۡرُفٍ أَوۡ تَرۡقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤۡمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيۡنَا كِتَٰبٗا نَّقۡرَؤُهُۥۗ قُلۡ سُبۡحَانَ رَبِّي هَلۡ كُنتُ إِلَّا بَشَرٗا رَّسُولٗا ٩٣
Or you have a house of ornament [i.e., gold] or you ascend into the sky. And [even then], we will not believe in your ascension until you bring down to us a book we may read." Say, "Exalted is my Lord! Was I ever but a human messenger?"
﴿أوْ يَكُونَ لَكَ﴾؛ أيْ: خاصًّا بِكَ؛ ﴿بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾؛ أيْ: ذَهَبٍ؛ كامِلُ الحُسْنِ والزِّينَةِ؛ ﴿أوْ تَرْقى﴾؛ أيْ: تَصْعَدَ؛ ﴿فِي السَّماءِ﴾؛ دَرَجَةً دَرَجَةً؛ ونَحْنُ نَنْظُرُ إلَيْكَ صاعِدًا؛ ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ﴾؛ أيْ: نُصَدِّقَ مُذْعِنِينَ؛ ﴿لِرُقِيِّكَ﴾؛ أيْ: أصْلًا؛ ﴿حَتّى تُنَـزِّلَ﴾؛ وحَقَّقُوا مَعْنى كَوْنِهِ مِنَ السَّماءِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿عَلَيْنا كِتابًا﴾؛ ومَعْنى كَوْنِهِ في رَقٍّ؛ أوْ نَحْوِ قَوْلِهِمْ؛ بِقَوْلِهِمْ: ﴿نَقْرَؤُهُ﴾؛ يَأْمُرُنا فِيهِ بِاتِّباعِكَ.
فَلَمّا تَمَّ تَعَنُّتُهُمْ؛ فَكانَ لِسانُ الحالِ طالِبًا مِنَ اللَّهِ (تَعالى) الجَوابَ عَنْهُ؛ أمَرَهُ اللَّهُ (تَعالى) بِجَوابِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي﴾؛ أيْ: تَنَزَّهَ عَنْ أنْ (p-٥١٣)يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ في مُلْكِهِ يَطْلُبُ مِنهُ ما لا يُطْلَبُ إلّا مِنَ الإلَهِ؛ فَهو تَنْزِيهٌ لِلَّهِ؛ وتَعْجِيبٌ مِنهُ؛ لِوُضُوحِ عِنادِهِمْ بِطَلَبِهِمْ ما لا قُدْرَةَ عَلَيْهِ إلّا لِلْإلَهِ؛ مِمَّنْ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى شَيْءٍ مِنهُ؛ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ؛ ولَمْ يَدَّعِ قَطُّ أنَّهُ قادِرٌ عَلى شَيْءٍ مِنهُ؛ فَحَسُنَ الِاسْتِفْهامُ جِدًّا في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا﴾؛ لا يَقْدِرُ عَلى غَيْرِ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ البَشَرُ؛ ﴿رَسُولا﴾؛ كَما كانَ مَن قَبْلِي مِنَ الرُّسُلِ؛ لا أتَعَدّى ما أُمِرْتُ بِهِ مِنَ التَّبْلِيغِ؛ فَلا آتِي بِشَيْءٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ؛ ولَمْ أقُلْ: إنِّي إلَهٌ؛ حَتّى يُطْلَبَ مِنِّي ما يُطْلَبُ مِنَ الإلَهِ؛ ورَتَّبُوا أنْفُسَهم هَذا التَّرْتِيبَ؛ لِأنَّهم حَصَرُوا حالَهُ في دَعْوى أنْ يَكُونَ عَظِيمًا بِالرِّسالَةِ؛ أوْ غَيْرِها؛ لِيَتْبَعَهُ النّاسُ؛ فَإنْ كانَ الأوَّلُ كانَ مَقْبُولَ القَوْلِ عِنْدَ مُرْسِلِهِ؛ وحِينَئِذٍ فَإمّا أنْ يَسْألَهُ في نَفْعٍ عامٍّ بِاليَنْبُوعِ؛ أوْ خاصٍّ بِهِ؛ بِالجَنَّةِ إنْ بَخِلَ بِالعامِّ؛ أوْ ضُرٍّ بِالكِسَفِ؛ أوْ يَسْألَهُ في الإتْيانِ مَعَ جُنْدِهِ لِأنْ يُصَدِّقَهُ؛ وإنْ كانَتْ عَظَمَتُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإمّا أنْ يَكُونَ مَلِكًا؛ لِيَكُونَ لَهُ البَيْتُ المَذْكُورُ؛ بِما جَرَتِ العادَةُ أنْ يَكُونَ تابِعًا لَهُ؛ أوْ يَكُونَ مِمَّنْ يَجْتَمِعُ بِالمَلِكِ الَّذِي أرْسَلَهُ فَيَرْقى؛ عَلى ما قالُوا.
17:94Page 291
وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرٗا رَّسُولٗا ٩٤
And what prevented the people from believing when guidance came to them except that they said, "Has Allāh sent a human messenger?"
ولَمّا أمَرَ بِما تَضَمَّنَ أنَّهُ كَإخْوانِهِ مِنَ الرُّسُلِ في كَوْنِهِ بَشَرًا؛ (p-٥١٤)أتْبَعَهُ قَوْلَهُ (تَعالى) - عَطْفًا عَلى: ”فَأبى“؛ أوْ ”فَقالُوا“ -: ﴿وما مَنَعَ النّاسَ﴾؛ أيْ: قُرَيْشًا؛ ومَن قالَ بِقَوْلِهِمْ لِما لَهم مِنَ الاضْطِرابِ؛ ﴿أنْ يُؤْمِنُوا﴾؛ أيْ: لَمْ يَبْقَ لَهم مانِعٌ مِنَ الإيمانِ؛ والجُمْلَةُ مَفْعُولُ ”مَنَعَ“؛ ﴿إذْ جاءَهُمُ الهُدى﴾؛ أيْ: الدَّلِيلُ القاطِعِ عَلى الإيمانِ؛ وهو القُرْآنُ؛ وغَيْرُهُ مِنَ الأدِلَّةِ؛ ﴿إلا﴾؛ وفاعِلُ ”مَنَعَ“ ﴿أنْ قالُوا﴾؛ أيْ: مُنْكِرِينَ غايَةَ الإنْكارِ؛ مُتَعَجِّبِينَ؛ مُتَهَكِّمِينَ: ﴿أبَعَثَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ الباهِرَةِ مِن صِفاتِ الجَلالِ؛ والإكْرامِ؛ ﴿بَشَرًا رَسُولا﴾؛ وسَبَبُ اتِّباعِ الضَّلالِ - مَعَ وُضُوحِ ضُرِّهِ - وتَرْكِ الهُدى - مَعَ ظُهُورِ نَفْعِهِ - وُقُوعُ الشُّبْهَةِ؛ أوِ الشَّهْوَةِ؛ لِضُعَفاءِ العُقُولِ - وهم أكْثَرُ النّاسِ - في أوَّلِهِ؛ ثُمَّ تَقْلِيدُ الرُّؤَساءِ؛ وتَمَكُّنُ العادَةِ السَّيِّئَةِ فِيما بَعْدَ ذَلِكَ؛
17:95Page 291
قُل لَّوۡ كَانَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَلَٰٓئِكَةٞ يَمۡشُونَ مُطۡمَئِنِّينَ لَنَزَّلۡنَا عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكٗا رَّسُولٗا ٩٥
Say, "If there were upon the earth angels walking securely,1 We would have sent down to them from the heaven an angel [as a] messenger."
فَلَمّا أنْكَرُوا كَوْنَ الرَّسُولِ بَشَرًا؛ بَعْدَ أنْ جَعَلُوا الإلَهَ حَجَرًا؛ عَلَّمَهُ جَوابَهُمْ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قُلْ﴾؛ لَهُمْ: قالَ رَبِّي - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿لَوْ كانَ﴾؛ أيْ: كَوْنًا مُتَمَكِّنًا؛ ﴿فِي الأرْضِ﴾؛ الَّتِي هي مَسْكَنُ الآدَمِيِّينَ؛ ﴿مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ﴾؛ عَلَيْها كالآدَمِيِّينَ؛ مِن غَيْرِ طَيَرانٍ كالمَلائِكَةِ إلى السَّماءِ؛ ﴿مُطْمَئِنِّينَ﴾؛ بِاتِّخاذِهِمْ لَها قَرارًا؛ كَما فَعَلَ البَشَرُ؛ ﴿لَنَـزَّلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ؛ كَما فَعَلْنا في تَنْزِيلِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى الأنْبِياءِ مِنَ البَشَرِ؛ وحَقَّقَ الأمْرَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولا﴾؛ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنَ التَّلَقِّي مِنهُ؛ لِمُشاكَلَتِهِمْ لَهُ؛ بِخِلافِ (p-٥١٥)البَشَرِ؛ كَما هو مُقْتَضى الحِكْمَةِ؛ لِأنَّ رَسُولَ كُلِّ جِنْسٍ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مِنهُمْ؛ إذِ الشَّيْءُ عَنْ شَكْلِهِ أفْهَمُ؛ وبِهِ آنَسُ؛ وإلَيْهِ أحْسَنُ؛ ولَهُ آلَفُ؛ إلّا مَن فَضَّلَهُ بِتَغْلِيبِ نَفْسِهِ وعَقْلِهِ عَلى شَهْوَتِهِ؛ فَأقْدَرَهُ بِذَلِكَ عَلى التَّلَقِّي مِنَ المَلَكِ.
17:96Page 291
قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ٩٦
Say, "Sufficient is Allāh as Witness between me and you. Indeed He is ever, concerning His servants, Aware and Seeing."
ولَمّا نَصَبَ البُرْهانَ القاطِعَ عَلى أنَّ القُرْآنَ المُوحى إلَيْهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ ونَفى شُبْهَتَهم في إنْكارِ كَوْنِ الرَّسُولِ بَشَرًا؛ بِأنَّهُ ما خَرَجَ عَنْ عادَةِ مَن قَبْلَهُ مِمَّنْ كانُوا مُقِرِّينَ بِأنَّهم أنْبِياءُ؛ وبِأنَّ الجِنْسَ لا يَفْهَمُ عَنْ جِنْسٍ آخَرَ؛ فالبَشَرُ لا يَفْهَمُ عَنِ المَلَكِ إلّا بِخارِقَةٍ؛ ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا لِلرُّسُلِ؛ ومَن أرادَ اللَّهُ مِن أتْباعِهِمْ؛ لَمْ يَبْقَ إلّا مَحْضُ العِنادِ؛ الَّذِي لا رُجُوعَ فِيهِ إلّا إلى السَّيْفِ عِنْدَ القُدْرَةِ؛ وإلى اللَّهِ عِنْدَ فَقْدِها؛ وكانَ في مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ غَيْرَ قادِرٍ عَلى السَّيْفِ؛ أمَرَهُ اللَّهُ (تَعالى) بِالرُّجُوعِ إلى السَّيْفِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ ﴿شَهِيدًا﴾؛ أيْ: فَيْصَلًا يَكُونُ ﴿بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾؛ يُعامِلُ كُلًّا مِنّا بِما يَسْتَحِقُّ؛ ثُمَّ عَلَّلَ كِفايَتَهُ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ﴾؛ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُمْ؛ ﴿خَبِيرًا﴾؛ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم بَعْدَ إيجادِهِ لَهُمْ؛ ﴿بَصِيرًا﴾؛ بِما يَكُونُ مِنهم بَعْدَ وُجُودِهِ.
17:97Page 292
وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُمۡ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِهِۦۖ وَنَحۡشُرُهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ عُمۡيٗا وَبُكۡمٗا وَصُمّٗاۖ مَّأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ كُلَّمَا خَبَتۡ زِدۡنَٰهُمۡ سَعِيرٗا ٩٧
And whoever Allāh guides - he is the [rightly] guided; and whoever He sends astray1 - you will never find for them protectors besides Him, and We will gather them on the Day of Resurrection [fallen] on their faces - blind, dumb and deaf. Their refuge is Hell; every time it subsides, We increase [for] them blazing fire.
ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أعْلَمُ بِالمُهْتَدِي والضّالِّ؛ وكانَ خَتْمُ هَذِهِ الآيَةِ مُرْشِدًا إلى أنَّ المَعْنى: فَمَن عَلِمَ مِنهُ بِجَوابِهِ قابِلِيَّةً لِلْخَيْرِ وفَّقَهُ لِلْعَمَلِ عَلى تِلْكَ المُشاكَلَةِ؛ ومَن عَلِمَ مِنهُ قابِلِيَّةً لِلشَّرِّ أضَلَّهُ؛ عَطَفَ (p-٥١٦)عَلَيْهِ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ لِأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ؛ بِخَلْقِ الهِدايَةِ في قَلْبِهِ؛ وأشارَ إلى قِلَّةِ المُهْتَدِي عَلى طَرِيقَةِ الإحْسانِ بِإفْرادِ ضَمِيرِهِ؛ وإلى كَثْرَةِ الضّالِّ بِجَمْعِهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿فَهُوَ﴾؛ أيْ: لا غَيْرُهُ؛ ﴿المُهْتَدِ﴾ [الكهف: ١٧]؛ لا يُمْكِنُ أحَدًا غَيْرَهُ أنْ يُضِلَّهُ؛ ﴿ومَن يُضْلِلْ﴾؛ فَهو الضّالُّ؛ لا هادِيَ لَهُ؛ وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ﴾؛ أيْ: لِلضّالِّينَ؛ ﴿أوْلِياءَ﴾؛ أيْ: أنْصارًا في هَذِهِ الدُّنْيا؛ ﴿مِن دُونِهِ﴾ [الأعراف: ١٩٧]؛ يَهْدُونَهُمْ؛ ولا يَنْفَعُونَهم بِشَيْءٍ أرادَ اللَّهُ غَيْرَهُ؛ ولِذَلِكَ نُفُوا أصْلًا ورَأْسًا؛ لِأنَّهم إذا انْتَفى نَفْعُهم كانُوا كالعَدَمِ؛ وإذا انْتَفى عَلى الجَمْعِ انْتَفى عَنِ المُفْرَدِ مِن بابِ الأوْلى؛ فالآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ: خَبَرُ الأوَّلِ يَدُلُّ عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ ثانِيًا؛ ونَتِيجَةُ الثّانِي تَدُلُّ عَلى حَذْفِ ضِدِّها مِنَ الأوَّلِ.
ولَمّا كانَ يَوْمُ الفَصْلِ يَوْمًا يَظْهَرُ فِيهِ لِكُلِّ أحَدٍ؛ في كُلِّ حالَةٍ؛ مِن عَظَمَتِهِ (تَعالى) ما يَضْمَحِلُّ مَعَهُ كُلُّ عَظْمَةٍ؛ قالَ (تَعالى): ﴿ونَحْشُرُهُمْ﴾؛ بِنُونِ العَظَمَةِ؛ أيْ: نَجْمَعُهم بِكُرْهٍ؛ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ أيْ: الَّذِي هو مَحَطُّ الحِكْمَةِ؛ ﴿عَلى وُجُوهِهِمْ﴾؛ يَمْشُونَ؛ أوْ مَسْحُوبِينَ عَلَيْها؛ إهانَةً لَهم فِيها؛ كَما لَمْ يُذِلُّوها بِالسُّجُودِ لَنا؛ ﴿عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾؛ كَما كانُوا في الدُّنْيا لا يَنْتَفِعُونَ بِأبْصارِهِمْ؛ ولا نُطْقِهِمْ؛ ولا أسْماعِهِمْ؛ بَلْ يَكُونُ ضَرَرًا عَلَيْهِمْ؛ لِما يَنْظُرُونَ مِنَ المَعاطِبِ؛ ويَسْمَعُونَ مِنَ المَصائِبِ؛ ويَنْطِقُونَ بِهِ مِنَ المَعايِبِ؛ قالَ الرّازِيُّ؛ في اللَّوامِعِ: إذْ يُحْشَرُ المَرْءُ عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ؛ (p-٥١٧)فَلَمْ يَكُنْ لَهُ في الآخِرَةِ شَيْءٌ إلّا حَصَلَ أوَّلُهُ ومَبْدَؤُهُ في الدُّنْيا؛ وتَمامُهُ في الآخِرَةِ؛ انْتَهى.
ولَمّا كانَ المَقامُ لِلِانْتِقالِ مِن مَقامٍ إلى آخَرَ؛ قَدَّمَ البَصَرَ؛ لِأنَّهُ العُمْدَةُ في ذَلِكَ؛ وثَنّى بِالنُّطْقِ؛ لِأنَّهُ يُمْكِنُ الأعْمى الِاسْتِرْشادُ؛ وخَتَمَ بِالسَّمْعِ لِأنَّهُ يُمْكِنُ مَعَهُ وحْدَهُ نَوْعُ رَشادٍ؛ وعَطْفُها بِالواوِ إنْ كانَ لِتَشْرِيكِ الكُلُّ في كُلٍّ مِنَ الأوْصافِ؛ فَلِلتَّهْوِيلِ؛ لِأنَّ المُتَكَلِّمَ إذا نَطَقَ بِالعاطِفِ ظَنَّ السّامِعَ الِانْتِقالَ إلى شَيْءٍ آخَرَ؛ فَإذا أتى بِالوَصْفِ كانَ أرْوَعَ؛ لِلْعِلْمِ بِأنَّ صاحِبَهُ عَرِيقٌ فِيهِ؛ لِما تَقَدَّمَ في ”بَراءَةٌ“؛ وإنْ كانَ لِلتَّنْوِيعِ فَلِتَصْوِيرِهِمْ بِأقْبَحِ صُورَةٍ؛ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَنْتَفِعُ فَرِيقٌ مِنهم بِالآخَرِ كَبِيرَ نَفْعٍ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إلى أيِّ مَكانٍ يُحْشَرُونَ؟ فَقالَ (تَعالى): ﴿مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾؛ تَسْتَعِرُ عَلَيْهِمْ؛ وتَتَجَهَّمُهُمْ؛ كُلُّ واحِدٍ مِنهم يُقاسِي عَذابَها وحْدَهُ؛ وإنْ كانَ وجْهُهُ إلى وجْهِ صاحِبِهِ؛ لِأنَّهُ لا يُدْرِكُ سِوى العَذابِ؛ لِلْخَتْمِ عَلى مَشاعِرِهِ؛ فَيا طُولَها مِن غُرْبَةٍ! ويا لَها مِن كُرْبَةٍ! فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ يُفَتَّرُ عَنْهم عَذابُها؟ فَقِيلَ: لا؛ بَلْ هم كُلَّ ساعَةٍ في زِيادَةٍ؛ لِأنَّها ﴿كُلَّما خَبَتْ﴾؛ أيْ: أخَذَ لَهَبُها في السُّكُونِ عِنْدَ إنْضاجِها لِجُلُودِهِمْ؛ ﴿زِدْناهُمْ﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿سَعِيرًا﴾؛ بِإعادَةِ الجُلُودِ؛
17:98Page 292
ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدًا ٩٨
That is their recompense because they disbelieved in Our verses and said, "When we are bones and crumbled particles, will we [truly] be resurrected [in] a new creation?"
ثُمَّ بَيَّنَ عِلَّةَ تَعْذِيبِهِمْ؛ لِيَرْجِعَ مِنهم مَن قَضى بِسَعادَتِهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: العَذابُ العَظِيمُ؛ ﴿جَزاؤُهم بِأنَّهُمْ﴾؛ أهْلَ الضَّلالَةِ؛ ﴿كَفَرُوا بِآياتِنا﴾ (p-٥١٨)القُرْآنِيَّةِ؛ وغَيْرِها؛ مَعَ ما لَها مِنَ العَظَمَةِ بِنِسْبَتِها إلَيْنا؛ وكانُوا كُلَّ يَوْمٍ يَزْدادُونَ كُفْرًا؛ وهم عازِمُونَ عَلى الدَّوامِ عَلى ذَلِكَ ما بَقُوا؛ ﴿وقالُوا﴾؛ إنْكارًا لِقُدْرَتِنا؛ ﴿أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا﴾؛ مُمَزَّقِينَ في الأرْضِ؛ ثُمَّ كَرَّرُوا الإنْكارَ؛ كَأنَّهم عَلى ثِقَةٍ مِن أمْرِهِمْ هَذا؛ الَّذِي بُطْلانُهُ أوْضَحُ مِنَ الشَّمْسِ؛ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾؛ أيْ: ثابِتٌ بَعْثُنا؛ ﴿خَلْقًا جَدِيدًا﴾؛ فَنَحْنُ نُرِيهِمْ جَزاءً عَلى هَذا الإنْكارِ المُكَرَّرِ الخَلْقَ الجَدِيدَ في جُلُودِهِمْ؛ مُكَرَّرًا كُلَّ لَحْظَةٍ: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ [النساء: ٥٦]؛
17:99Page 292
۞ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۡ وَجَعَلَ لَهُمۡ أَجَلٗا لَّا رَيۡبَ فِيهِ فَأَبَى ٱلظَّٰلِمُونَ إِلَّا كُفُورٗا ٩٩
Do they not see that Allāh, who created the heavens and earth, is [the one] Able to create the likes of them? And He has appointed for them a term, about which there is no doubt. But the wrongdoers refuse except disbelief.
ثُمَّ أتْبَعَهُ بِقاطِعٍ في بَيانِ جَهْلِهِمْ؛ فَقالَ - مُنَبِّهًا عَلى أنَّهم أوْلى بِالإنْكارِ؛ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”ألَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي ابْتَدَأ خَلْقَهم قادِرٌ عَلى أنْ يُعِيدَهُمْ“ -: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾؛ أيْ: يَعْلَمُوا بِعُيُونِ بَصائِرِهِمْ؛ عِلْمًا هو كالرُّؤْيَةِ بِعُيُونِ أبْصارِهِمْ؛ لِما قامَ عَلَيْهِ مِنَ الدَّلائِلِ؛ ونادى بِصِحَّتِهِ مِنَ الشَّواهِدِ الجَلائِلِ؛ ﴿أنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْلى؛ المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ لا غَيْرُهُ؛ ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ﴾؛ جَمَعَها لِما دَلَّ عَلى ذَلِكَ مِنَ الحُسْنِ؛ ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِلْأرْضِ مِثْلُ ذَلِكَ أفْرَدَها؛ مُرِيدًا الجِنْسَ الصّالِحَ لِلْجَمْعِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿والأرْضَ﴾؛ عَلى كِبَرِ أجْرامِها؛ وعِظَمِ إحْكامِها؛ وشِدَّةِ أجْزائِها؛ وسَعَةِ أرْجائِها؛ وكَثْرَةِ ما فِيها مِنَ المَرافِقِ؛ والمَعاوِنِ؛ الَّتِي يُمَزِّقُها ويُفْنِيها؛ ثُمَّ يُجَدِّدُها ويُحْيِيها؛ ﴿قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدَ في (p-٥١٩)أيِّ وقْتٍ أرادَ؛ ﴿مِثْلَهُمْ﴾؛ بَدْءًا؛ فَكَيْفَ بِالإعادَةِ؟! وهم أضْغَفُ أمْرًا؛ وأحْقَرُ شَأْنًا؛ ”و“؛ أنَّهُ؛ ”جَعَلَ لَهم أجَلًا“؛ لِعَذابِهِمْ؛ أوْ مَوْتِهِمْ؛ أوْ بَعْثِهِمْ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ في نَفْسِهِ؛ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾؛ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ لِما تَكَرَّرَ لَهم مِن مُشاهَدَةِ أنَّهُ لا تُؤَخَّرُ نَفْسٌ إذا جاءَ أجَلُها؛ وكَذا لا تُقَدَّمُ عَلى أجَلِها؛ فَكَمْ مِمَّنِ اجْتَهَدَ الضَّراغِمَةُ الأبْطالُ وفُحُولُ الرِّجالِ في ضُرِّهِ؛ أوْ قَتْلِهِ؛ وهم قاطِعُونَ أنَّهُ في قَبْضَتِهِمْ؛ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى ذَلِكَ؛ ثُمَّ كانَ ذَلِكَ بِأضْعَفِ النّاسِ؛ أوْ بِأوْهى سَبَبٍ؛ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالقُدْرَةِ عَلى الإيجادِ؛ والإعْدامِ؛ ﴿فَأبى﴾؛ أيْ: بَلى؛ قَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ عِلْمًا كالمَحْسُوسِ المَرْئِيِّ؛ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ السَّبَبِ لِلْإيمانِ أنْ أبَوْا - هَكَذا كانَ الأصْلُ؛ فَأظْهَرَ تَعْمِيمًا؛ وتَعْلِيقًا بِالوَصْفِ؛ فَقالَ: ﴿الظّالِمُونَ﴾؛ أيْ: أبى هَؤُلاءِ المُتَعَنِّتُونَ؛ لِظُلْمِهِمْ؛ ﴿إلا كُفُورًا﴾؛ أيْ: جُحُودًا؛ لِعَدَمِ الشَّرِكَةِ.
17:100Page 292
قُل لَّوۡ أَنتُمۡ تَمۡلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحۡمَةِ رَبِّيٓ إِذٗا لَّأَمۡسَكۡتُمۡ خَشۡيَةَ ٱلۡإِنفَاقِۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ قَتُورٗا ١٠٠
Say [to them], "If you possessed the depositories of the mercy of my Lord, then you would withhold out of fear of spending." And ever has man been stingy.
ولَمّا قَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ أنَّهُ هو المُعْطِي؛ وأنَّ عَطاءَهُ الجَمَّ - الَّذِي فاتَ الحَصْرَ؛ وفَضَلَ عَنِ الحاجَةِ؛ وقامَتْ بِهِ الحُجَّةُ عَلى العِبادِ في تَمامِ قُدْرَتِهِ؛ وكَمالِ عِلْمِهِ - غَيْرُ مَحْظُورٍ عَنْ أحَدٍ؛ وأنَّهم يَقْتُلُونَ أوْلادَهُمْ؛ مَعَ ذَلِكَ؛ خَشْيَةَ الإمْلاقِ؛ وهم يَطْلُبُونَ أنْ يَظْهَرَ لَهم مِن جِنْسِ ما خَلَقَ مِنَ اليَنابِيعِ؛ والجَنّاتِ؛ والذَّهَبِ؛ والزُّخْرُفِ؛ عَلى كَيْفِيّاتٍ مَخْصُوصَةٍ؛ لِغَيْرِ حاجَةِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ وقَدِ امْتَنَعُوا بُخْلًا؛ وأنَفَةً؛ وجَهْلًا عَنْ الِاعْتِرافِ لَهُ بِما أوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ؛ شُكْرًا لِنِعْمَتِهِ؛ واسْتِدْفاعًا لِنِقْمَتِهِ؛ بَعْدَ قِيامِ الدَّلائِلِ؛ وزَوالِ (p-٥٢٠)الشُّبَهِ؛ فَلا أبْخَلَ مِنهُمْ؛ لِأنَّهم بَخِلُوا مِمّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الكَلامِ؛ كَما قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -: ”أبْخَلُ النّاسِ مَن بَخِلَ بِالسَّلامِ“؛ أمَرَهُ أنْ يُنَبِّهَهم عَلى سَفَهِهِمْ في ذَلِكَ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قُلْ لَوْ﴾؛ ولَمّا كانَ مِن حَقِّ ”لَوْ“؛ الدُّخُولُ عَلى الأفْعالِ؛ عُلِمَ أنَّ بَعْدَها فِعْلًا مِن جِنْسِ ما بَعْدُ؛ تَقْدِيرُهُ: ”تَمْلِكُونَ“؛ ولَكِنَّهُ حَذَفَهُ؛ وفَصَلَ الضَّمِيرَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بادِئَ بَدْءٍ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿أنْتُمْ﴾؛ أيْ: دُونَ غَيْرِكُمْ؛ ﴿تَمْلِكُونَ خَزائِنَ﴾؛ عَبَّرَ بِصِيغَةِ مُنْتَهى الجُمُوعِ؛ لِأنَّ المَقامَ جَدِيرٌ بِالمُبالَغَةِ؛ ﴿رَحْمَةِ﴾؛ أيْ: إرْزاقَ؛ وإكْرامَ؛ ﴿رَبِّي﴾؛ المُحْسِنِ إلَيَّ بِإيتائِي جَمِيعَ ما ثَبَّتَ أمْرِي؛ وأوْضَحَهُ؛ وهي مَقْدُوراتُهُ الَّتِي يَرْحَمُ بِها عِبادَهُ؛ بِإضافَتِها عَلَيْهِمْ؛ ﴿إذًا لأمْسَكْتُمْ﴾؛ أيْ: لَوَقَعَ مِنكُمُ الإمْساكُ عَنِ الإنْفاقِ في بَعْضِ الوُجُوهِ الَّتِي تَحْتاجُونَها؛ ﴿خَشْيَةَ﴾؛ عاقِبَةِ ﴿الإنْفاقِ﴾؛ أيْ: المُوصِلِ إلى الفَقْرِ؛ ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلى صِحَّةِ هَذا المَفْرُوضِ بِالمُشاهَدِ مِن مَضْمُونِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وكانَ﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا؛ ﴿الإنْسانُ﴾؛ أيْ: الَّذِي مِن شَأْنِهِ الأنَسُ بِنَفْسِهِ؛ فَهو لِذَلِكَ لا يَعْقِلُ الأُمُورَ حَقَّ عَقْلِها؛ ﴿قَتُورًا﴾؛ أيْ: بَخِيلًا مُمْسِكًا غايَةَ الإمْساكِ؛ لِإمْكانِ أنْ يَكُونَ فَقِيرًا؛ فَلا تَراهُ إلّا مُضَيِّقًا في النَّفَقَةِ عَلى نَفْسِهِ؛ ومَن (p-٥٢١)تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ؛ شَدِيدًا في ذَلِكَ؛ وإنِ اتَّسَعَتْ أحْوالُهُ؛ وزادَتْ عَلى الحَدِّ أمْوالُهُ؛ لِما فِيهِ مِن صِفَةِ النَّقْصِ اللّازِمَةِ بِلُزُومِ الحاجَةِ لَهُ؛ طُبِعَ عَلى ذَلِكَ؛ فَهو في غَرِيزَتِهِ بِالقُوَّةِ؛ فَكُلُّهم يَفْعَلُهُ؛ إلّا مَن وفَّقَهُ اللَّهُ (تَعالى)؛ فَغَلَبَ عَقْلُهُ عَلى هَواهُ؛ وقَلِيلٌ ما هُمْ؛ أيْ: فَإذا كانَ هَذا أمْرَكم فِيما تَمْلِكُونَهُ؛ مَعَ الحاجَةِ إلى الوُجُوهِ المُنْفَقِ فِيها؛ فَكَيْفَ تَطْلُبُونَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - ما لا يَمْلِكُهُ؛ ولا ادَّعى القُدْرَةَ عَلَيْهِ؛ أوْ مِنَ الخالِقِ الحَكِيمِ أنْ يَفْعَلَ ما تَتَعَنَّتُونَ بِهِ؛ عَبَثًا بِغَيْرِ حاجَةٍ أصْلًا؟! لِأنَّهُ إنْ كانَ لِإثْباتِ قُدْرَتِهِ فَأنْتُمْ لا تَمْتَرُونَ فِيها؛ وإنْ كانَ لِإثْباتِ رِسالَةِ نَبِيِّكُمْ؛ فَقَدْ ثَبَتَ بِأُمُورٍ - أعْظَمُها هَذا القُرْآنُ الَّذِي مَرَّ آنِفًا - إقامَةُ الدَّلِيلِ عَلَيْها بِهِ؛ وهَتْكُ أسْتارِ شُبْهَتِكم في اسْتِبْعادِ كَوْنِ الرَّسُولِ بَشَرًا؛ واللَّهُ (تَعالى) قَدْ أكْرَمَكم بِنَبِيِّكم عَنْ أنْ يُعاجِلَكم بِالِاسْتِئْصالِ عِنْدَ العِصْيانِ؛ بَعْدَ كَشْفِ الغِطاءِ؛ كَما جَرَتْ بِهِ سُنَّتُهُ في جَمِيعِ الأُمَمِ؛ وإنْ كانَ لِإثْباتِ غِناكم فَهو شَيْءٌ لا يُغْنِي نُفُوسَكُمْ؛ فَيَرُدَّها عَنْ طَلَبِ المَزِيدِ؛ وعَنِ التَّقْتِيرِ؛ لِما طُبِعْتُمْ عَلَيْهِ؛ بَلْ تَكُونُونَ عِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ لَكُمْ؛ لِحُصُولِ الغِنى؛ كالمُسْتَجِيرِ مِنَ الرَّمْضاءِ بِالنّارِ؛ وهو قَدْ قَضى أنَّهُ يَظْهَرُ أمْرُهُ عَلى كُلِّ مَن ناوَأهُ؛ وإنْ كَرِهَ الكافِرُونَ؛ وقَدْ عَلِمَ مَن يُؤْمِنُ؛ فَيُيَسِّرُ لَهُ الإيمانَ؛ ويَجْعَلُهُ (p-٥٢٢)عَوْنًا لِحِزْبِ الرَّحْمَنِ؛ ومَن لا يُؤْمِنُ فَهو يَجْعَلُهُ مَعَ أوْلِياءِ الشَّيْطانِ؛ ويُذِيقُ الكُلَّ الهَوانَ؛ ويَجْعَلُهم وقُودًا لِلنِّيرانِ؛ فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ في إجابَتِكم إلى تَعَنُّتِكم إلّا العَبَثُ؛ الَّذِي هو - سُبْحانَهُ - مُتَعالٍ عَنْهُ؛ فَلا وجْهَ يُحَصِّلُ بِهِ الإنْسانُ الغِنى إلّا اتِّباعُ السُّنَّةِ؛ والِانْسِلاخُ عَنِ الهَوى؛ فَمَن وصَلَ إلى ذَلِكَ اسْتَوى عِنْدَهُ الذَّهَبُ والحَصْباءُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences