Al-Biqa'iAl‑Kahf · 18:104–110

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:104–110

18:104Page 304

ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا ١٠٤

[They are] those whose effort is lost in worldly life, while they think that they are doing well in work."

ثُمَّ وصَفَهم بِضِدِّ ما يَدَّعُونَهُ لِأنْفُسِهِمْ مِن نَجاحِ السَّعْيِ وإحْسانِ الصُّنْعِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ أيْ حادَ عَنِ القَصْدِ فَبَطَلَ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِالإعْراضِ عَمَّنْ لا يَنْفَعُهم ولا يَضُرُّهم إلّا هُوَ، والإقْبالِ عَلى ما لا نَفْعَ فِيهِ ولا ضُرَّ ﴿وهُمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم مَعَ ظُهُورِ ذَلِكَ كالشَّمْسِ ﴿يَحْسَبُونَ﴾ لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ ﴿أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ أيْ فِعْلًا هو في غايَةِ الإحْكامِ وهم في غايَةِ الدُّرْبَةِ بِهِ؛ ورَوى البُخارِيُّ في (p-١٤٨)التَّفْسِيرِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ الأخْسَرِينَ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَ: أمّا اليَهُودُ فَكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وأمّا النَّصارى فَكَفَرُوا بِالجَنَّةِ وقالُوا: لا طَعامَ [فِيها -] ولا شُرْبَ - انْتَهى. قُلْتُ: وكَذا قالَ اليَهُودُ لِأنَّ الفَرِيقَيْنِ أنْكَرُوا الحَشْرَ الجِسْمانِيَّ وخَصُّوهُ بِالرُّوحانِيِّ.

18:105Page 304

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ وَلِقَآئِهِۦ فَحَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَلَا نُقِيمُ لَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَزۡنٗا ١٠٥

Those are the ones who disbelieve in the verses of their Lord and in [their] meeting Him, so their deeds have become worthless; and We will not assign to them on the Day of Resurrection any weight [i.e., importance].

ولَمّا كانُوا يُنْكِرُونَ أنَّهم عَلى ذَلِكَ، لِمُلازَمَتِهِمْ لِكَثِيرٍ مِن مَحاسِنِ الأعْمالِ، البَعِيدَةِ عَنِ الضَّلالِ، بَيَّنَ لَهُمُ السَّبَبَ في بُطْلانِ سَعْيِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ [أيِ -] البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا السَّتْرَ والتَّغْطِيَةَ لِما مِن حَقِّهِ أنْ يُظْهَرَ ويُشْهَرَ، مُسْتَهِينِينَ ﴿بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ مِن كَلامِهِ وأفْعالِهِ، وبَيَّنَ سَبَبَ هَذا الكُفْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِقائِهِ﴾ أيْ فَصارُوا لا يَخافُونَ فَلا يَرُدُّهم شَيْءٌ عَنْ أهْوائِهِمْ ﴿فَحَبِطَتْ﴾ أيْ سَقَطَتْ وبَطَلَتْ وفَسَدَتْ بِسَبَبِ جَحْدِهِمْ لِلدَّلائِلِ ﴿أعْمالُهُمْ﴾ لِعَدَمِ بِنائِها عَلى أساسِ الإيمانِ ﴿فَلا﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ سُقُوطِها أنّا لا ﴿نُقِيمُ لَهُمْ﴾ بِما لَنا مِنَ الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ المانِعَيْنِ مِنَ اعْتِراضِ أحَدٍ عَلَيْنا أوْ شَفاعَتِهِ بِغَيْرِ إذْنِنا لَدَيْنا ﴿يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ أيْ لا نَعْتَبِرُهم لِكَوْنِهِمْ جَهِلُوا أمْرَنا الَّذِي لا شَيْءَ أظْهَرُ مِنهُ، وأمِنُوا مَكْرَنا ولا شَيْءَ أخْطَرُ مِنهُ.

18:106Page 304

ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُمۡ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ١٠٦

That is their recompense - Hell - for what they denied and [because] they took My signs and My messengers in ridicule.

(p-١٤٩)ولَمّا كانَ هَذا السِّياقُ في الدَّلالَةِ عَلى أنَّ لَهم جَهَنَّمَ أوْضَحَ مِنَ الشَّمْسِ قالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ الَّذِي بَيَّنّاهُ مِن وعِيدِهِمْ ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ لَكِنْ لَمّا كانَ حاكِمًا بِضَلالِهِمْ وغَباوَتِهِمْ، بَيَّنَ الجَزاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿جَهَنَّمُ﴾ وصَرَّحَ بِالسَّبَبِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِما كَفَرُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا التَّغْطِيَةَ لِلدَّلائِلِ ﴿واتَّخَذُوا آياتِي﴾ الَّتِي هي مَعَ إنارَتِها أجَدُّ الجِدِّ وأبْعَدُ شَيْءٍ عَنِ الهَزْلِ ﴿ورُسُلِي﴾ المُؤَيَّدِينَ بِباهِرِ أفْعالِي مَعَ ما لَهم مِنَ الشَّهامَةِ والفَضْلِ ﴿هُزُوًا﴾ فَلَمْ يَكْتَفُوا بِالكُفْرِ الَّذِي هو طَعْنٌ في الإلَهِيَّةِ حَتّى ضَمُّوا إلَيْهِ الهُزْءَ الَّذِي هو أعْظَمُ احْتِقارٍ.

18:107Page 304

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَانَتۡ لَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡفِرۡدَوۡسِ نُزُلًا ١٠٧

Indeed, those who have believed and done righteous deeds - they will have the Gardens of Paradise1 as a lodging,

ولَمّا بَيَّنَ ما لِأحَدِ قِسْمَيْ أهْلِ الجَمْعِ تَنْفِيرًا عَنْهُمْ، بَيَّنَ ما لِلْآخَرِ عَلى تَقْدِيرِ الجَوابِ لِسُؤالٍ تَقْتَضِيهِ الحالُ تَرْغِيبًا في اتِّباعِهِمْ والِاقْتِداءِ بِهِمْ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ باشَرُوا الإيمانَ ﴿وعَمِلُوا﴾ تَصْدِيقًا لِإيمانِهِمُ ﴿الصّالِحاتِ﴾ مِنَ الخِصالِ ﴿كانَتْ لَهُمْ﴾ لِبِناءِ أعْمالِهِمْ عَلى الأساسِ ﴿جَنّاتُ﴾ أيْ بَساتِينُ ﴿الفِرْدَوْسِ﴾ أيْ أعْلى الجَنَّةِ، وأصْلُهُ البُسْتانُ الَّذِي هو الجَنَّةُ بِالحَقِيقَةِ لِانْخِفاضِ ما دُونَهُ عَنْهُ، وسَتْرِ مَن يَدْخُلُهُ بِكَثْرَةِ أشْجارِهِ ﴿نُـزُلا﴾ كَما كانَ السَّعِيرُ والأغْلالُ لِأُولَئِكَ نُزُلًا، يُعَدُّ لَهم حِينَ الدُّخُولِ

18:108Page 304

خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يَبۡغُونَ عَنۡهَا حِوَلٗا ١٠٨

Wherein they abide eternally. They will not desire from it any transfer.

﴿خالِدِينَ فِيها﴾ بَعْدَ دُخُولِهِمْ ﴿لا يَبْغُونَ﴾ أيْ يُرِيدُونَ أدْنى إرادَةٍ (p-١٥٠)﴿عَنْها حِوَلا﴾ [أيْ تَحَوُّلًا -] لِأنَّهُ لا مَزِيدَ عَلَيْها، دَفْعًا لِما قَدْ يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ الأمْرَ كَما في الدُّنْيا مِن أنَّ كُلَّ أحَدٍ في أيِّ نَعِيمٍ كانَ يَشْتَهِي ما هو أعْلى مِنهُ لِأنَّ طُولَ الإقامَةِ قَدْ يُورِثُ السَّآمَةَ، بَلْ هم في غايَةِ الرِّضى بِها، لِما فِيها مِن أنْواعِ المَلاذِّ الَّتِي لا حَصْرَ لَها ولا انْقِضاءَ، لا يَشْتَهِي أحَدٌ مِنهم غَيْرَ ما عِنْدَهُ سَواءٌ كانَ في الفِرْدَوْسِ أوْ فِيما دُونَهُ، وهو تَعْرِيضٌ بِالكَفَرَةِ في أنَّهم يَصْطَرِخُونَ في النّارِ ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها﴾ [المؤمنون: ١٠٧] وذَلِكَ عَكْسُ ما كانَ في الدُّنْيا مِن رُكُونِ الكُفّارِ إلَيْها، ومَحَبَّتِهِمْ في طُولِ البَقاءِ فِيها، وعُزُوفِ المُؤْمِنِينَ عَنْها، وشَوْقِهِمْ إلى رَبِّهِمْ بِمُفارَقَتِها.

18:109Page 304

قُل لَّوۡ كَانَ ٱلۡبَحۡرُ مِدَادٗا لِّكَلِمَٰتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلۡبَحۡرُ قَبۡلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَٰتُ رَبِّي وَلَوۡ جِئۡنَا بِمِثۡلِهِۦ مَدَدٗا ١٠٩

Say, "If the sea were ink for [writing] the words1 of my Lord, the sea would be exhausted before the words of my Lord were exhausted, even if We brought the like of it in [continual] supplement."

ولَمّا تَمَّ الجَوابُ عَنْ أسْئِلَتِهِمْ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ مُخَلَّلًا بِما تَراهُ مِنَ الحُجَجِ البَيِّنَةِ والنَّفائِسِ المُلْزِمَةِ لَهم بِفَصْلِ النِّزاعِ، وأتْبَعَ ذَلِكَ بِقَصِّ الأمْرِ الَّذِي بِإغْفالِهِ تَجَرَّؤُوا عَلى الكُفْرِ، وهو أمْرُ البَعْثِ إلى أنْ خَتَمَهُ بِما يَقْتَضِي أنَّ مَعْلُوماتِهِ لا تُحَدُّ، لِأنَّ مَقْدُوراتِهِ في تَنْعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ لا آخِرَ لَها فَلا تُعَدُّ، وكانَ اليَهُودُ قَدِ اعْتَرَضُوا عَلى قَوْلِهِ في أوَّلِها ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٨٥] بِأنَّهم أُوتُوا التَّوْراةَ، وكانَ لِكُلِّ ما سَألُوا عَنْهُ مِنَ الفُصُولِ الطَّوِيلَةِ الذُّيُولِ أُمُورٌ تَهُولُ، [وكانَ رُبَّما -] قالَ قائِلٌ: ما لَهُ لا يَزِيدُ ذَلِكَ شَرْحًا؟ قالَ تَعالى آمِرًا (p-١٥١)بِالجَوابِ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، مُعْلِمًا لَهم بِأنَّهم لا يُمْكِنُهُمُ الوُقُوفُ عَلى تَمامِ شَرْحِ شَيْءٍ مِن مَعْلُوماتِهِ، وآخِرِ اسْتِفْصالِ شَيْءٍ مِن مَقْدُوراتِهِ، قَطْعًا لَهم عَنِ السُّؤالِ، وتَقْرِيبًا إلى أفْهامِهِمْ بِضَرْبٍ مِنَ المِثالِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ يا أشْرَفَ الخَلْقِ لَهُمْ: ﴿لَوْ كانَ البَحْرُ﴾ أيْ ماؤُهُ عَلى عَظَمَتِهِ عِنْدَكم ﴿مِدادًا﴾ وهو اسْمٌ لِما يُمَدُّ بِهِ الدَّواةُ مِنَ الحِبْرِ ﴿لِكَلِماتِ﴾ أيْ لِكَتْبِ كَلِماتِ ﴿رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيَّ في وصْفِ ذَلِكَ وغَيْرِهِ مِمّا تَعَنَّتُّمُوهُ في السُّؤالِ عَمّا سَألْتُمْ عَنْهُ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ﴿لَنَفِدَ﴾ أيْ فَنِيَ مَعَ الضَّعْفِ فَناءً لا تَدارُكَ لَهُ ﴿البَحْرُ﴾ لِأنَّهُ جِسْمٌ مُتَناهٍ.

ولَمّا كانَتِ المَخْلُوقاتُ - لِكَوْنِها مُمْكِنَةً - لَيْسَ لَها مِن ذاتِها إلّا العَدَمُ، وكانَتِ الكَلِماتُ مِن صِفاتِ اللَّهِ، وصِفاتُ اللَّهِ واجِبَةُ الوُجُودِ، فَكانَ نَفادُها مُحالًا، فَكانَ نَفادُ المُمْكِنِ مِنَ البَحْرِ وما يَمُدُّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها مُسْتَغْرِقًا لِلْأزْمِنَةِ كُلِّها، جَرَّدَ الظَّرْفَ مِن حَرْفِ الجَرِّ فَقالَ: ﴿قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ﴾ أيْ تَفْنى وتَفْرَغَ ﴿كَلِماتُ رَبِّي﴾ لِأنَّها لا تَتَناهى لِأنَّ مَعْلُوماتِهِ ومَقْدُوراتِهِ لا تَتَناهى، وكُلٌّ مِنها لَهُ شَرْحٌ طَوِيلٌ، وخَطْبٌ جَلِيلٌ؛ ولَمّا لَمْ يَكُنْ أحَدٌ غَيْرُهُ يَقْدِرُ عَلى إمْدادِ البَحْرِ قالَ: ﴿ولَوْ جِئْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا تَكُونُ لِغَيْرِنا ﴿بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ أيْ لَهُ يُكْتَبُ مِنهُ لَنَفِدَ أيْضًا، وهَذا كُلُّهُ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ النَّفادِ، لِأنَّهُ تَعْلِيقٌ (p-١٥٢)عَلى مُحالٍ عادَةً كَقَوْلِهِمْ: لا تَزالُ عَلى كَذا ما بَلَّ بَحْرٌ صُوفَةً وما دَجى اللَّيْلُ، ونَحْوِ هَذا، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِجَمْعِ السَّلامَةِ إشارَةً إلى أنَّ قَلِيلَها بِهَذِهِ الكَثْرَةِ فَكَيْفَ بِما هو أكْثَرُ مِنهُ، وذَلِكَ أمْرٌ لا يَدْخُلُ تَحْتَ وصْفٍ، وعَبَّرَ بِالقَبْلِ دُونَ أنْ يُقالَ ”ولَمْ تَنْفَدْ“ ونَحْوُهُ، لِأنَّ ذَلِكَ كافٍ في قَطْعِهِمْ عَنِ الِاسْتِقْصاءِ في السُّؤالِ ولِأنَّ التَّعْبِيرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ رُبَّما فَتَحَ بابًا مِنَ التَّعَنُّتِ وهو أنْ يَجْعَلُوا الواوَ لِلْحالِ فَيَجْعَلُوا النَّفادَ مُقَيَّدًا بِذَلِكَ، وأمّا [سُورَةُ لُقْمانَ] فاقْتَضى سِياقُها في تَأْسِيسِ ما فِيها عَلى ﴿الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [لقمان: ٢٦] ومَقْصُودُها أنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ فِيها بِغَيْرِ ما هاهُنا، فَما في كُلِّ سُورَةٍ أبْلَغُ بِالنِّسْبَةِ إلى سِياقِهِ، مَعَ أنَّهُ لَيْسَ في إفْصاحِ واحِدَةٍ مِنهُما ما يَدُلُّ عَلى نَفادِ الكَلِماتِ ولا عَدَمِهِ، [و -] في إفْهامِ كُلٍّ مِنهُما بِتَدَبُّرِ القَرائِنِ في السِّياقِ وغَيْرِهِ ما يَقْطَعُ بِعَدَمِ نَفادِها، ولا تَخالُفَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ وإنْ كانَ التَّعْبِيرُ في هَذِهِ السُّورَةِ أدْخَلَ في التَّشابُهِ، ويُجابُ عَنْهُ بِما قالُوا في مِثْلِ قَوْلِ الشّاعِرِ ”عَلى لاحِبٍ لا يَهْتَدِي بِمَنارِهِ“ مِن أنَّ ما في حَيِّزِ السَّلْبِ لا يَقْتَضِي الوُجُودَ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِنَ الفِتَنِ المُمَيِّزَةِ بَيْنَ مَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ وبَيْنَ الرّاسِخِ الَّذِي يَرُدُّ المُتَشابِهَ إلى المُحْكَمِ، وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ البُرْهانُ القاطِعُ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى لا نِهايَةَ لِذاتِهِ، ولا لِشَيْءٍ مِن (p-١٥٣)صِفاتِهِ، بَلْ هو الأوَّلُ والآخِرُ الباقِي بِلا زَوالٍ - واللَّهُ أعْلَمُ.

18:110Page 304

قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا ١١٠

Say, "I am only a man like you, to whom has been revealed that your god is one God. So whoever would hope for the meeting with his Lord - let him do righteous work and not associate in the worship of his Lord anyone."

ولَمّا كانُوا رُبَّما قالُوا: ما لَكَ لا تُحَدِّثُنا مِن هَذِهِ الكَلِماتِ بِكُلِّ ما نَسْألُكَ عَنْهُ حَيْثُما سَألْناكَ؟ وكانُوا قَدِ اسْتَنْكَرُوا كَوْنَ النَّبِيِّ بَشَرًا، وجَوَّزُوا كَوْنَ الإلَهِ حَجَرًا، وغَيَّوْا إيمانَهم بِهِ بِأُمُورٍ سَألُوهُ في الإتْيانِ بِها كَما تَقَدَّمَ بَعْدَ أوَّلِ مَسائِلِهِمْ، وهي الرُّوحُ آخِرَ ”سُبْحانَ“، وكانَ قَدْ ثَبَتَ بِإجابَتِهِمْ عَنِ المَسائِلِ عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّهُ رَسُولٌ، أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَهم عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِما يَرُدُّ عَلَيْهِمْ غَلَطَهُمْ، ويَفْضَحُ شُبَهَهُمْ، إرْشادًا لَهم إلى أهَمِّ ما يَعْنِيهِمْ مِنَ الحَرْفِ الَّذِي النِّزاعُ كُلُّهُ دائِرٌ عَلَيْهِ وهو التَّوْحِيدُ فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما أنا﴾ أيْ في الِاسْتِمْدادِ بِالقُدْرَةِ عَلى إيجادِ المَعْدُومِ والإخْبارِ بِالمَغِيبِ ﴿بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ لا أمْرَ لِي ولا قُدْرَةَ إلّا عَلى ما يُقَدِّرُنِي عَلَيْهِ رَبِّي، ولا اسْتِبْعادَ لِرِسالَتِي مِنَ اللَّهِ فَإنَّ ذَلِكَ سُنَّتُهُ فِيمَن قَبْلِي ﴿يُوحى إلَيَّ﴾ [أيْ -] مِنَ اللَّهِ الَّذِي خَصَّنِي بِالرِّسالَةِ كَما أوْحى إلى الرُّسُلِ قَبْلِي ما لا غِنى لِأحَدٍ عَنْ عِلْمِهِ واعْتِقادِهِ ﴿أنَّما إلَهُكُمْ﴾ (p-١٥٤)وأشارَ إلى أنَّ إلَهِيَّتَهُ بِالإطْلاقِ لا بِالنَّظَرِ إلى جَعْلِ جاعِلٍ ولا غَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ لا يَنْقَسِمُ بِمُجانَسَةٍ ولا غَيْرِها، قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ، لا مُنازِعَ لَهُ، لَمْ يُؤَخِّرْ جَوابَ ما سَألْتُمُونِي عَنْهُ مِن عَجْزٍ ولا جَهْلٍ ولا هَوانٍ [بِي -] عَلَيْهِ - هَذا هو الَّذِي يَعْنِي كُلَّ أحَدٍ عِلْمُهُ، وأمّا ما سَألْتُمْ عَنْهُ مِن أمْرِ الرُّوحِ والقِصَّتَيْنِ تَعَنُّتًا فَأمْرٌ لَوْ جَهِلْتُمُوهُ ما ضَرَّكم جَهْلُهُ، وإنِ اتَّبَعْتُمُونِي عَلِمْتُمُوهُ الآنَ وما دَلَّ عَلَيْهِ مِن أمْرِ السّاعَةِ إيمانًا بِالغَيْبِ عِلْمَ اليَقِينِ، وعَلِمْتُمُوهُ بَعْدَ المَوْتِ بِالمُشاهَدَةِ عَيْنَ اليَقِينِ، وبِالمُباشَرَةِ حَقَّ اليَقِينِ، وإنْ لَمْ تَتَّبِعُونِي لَمْ يَنْفَعْكم عِلْمُهُ ﴿فَمَن﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ وحْدَتِهِ المُسْتَلْزِمَةِ لِقُدْرَتِهِ أنَّهُ مَن ﴿كانَ يَرْجُو﴾ أيْ يُؤْمِنُ بِمُجازاتِهِ لَهُ عَلى أعْمالِهِ في الآخِرَةِ بِرُؤْيَتِهِ وغَيْرِها، وإنَّما قالَ: ﴿لِقاءَ رَبِّهِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ هو المُحْسِنُ إلى كُلِّ أحَدٍ بِالتَّفَرُّدِ بِخَلْقِهِ ورِزْقِهِ، لا شَرِيكَ لَهُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ عَلى قِياسِ ما نَعْلَمُهُ مِن أنَّهُ لا مالِكَ إلّا وهو قاهِرٌ لِمَمْلُوكِهِ عَلى لِقائِهِ، مُصَرِّفٌ لَهُ في أوامِرِهِ في صَباحِهِ ومَسائِهِ.

ولَمّا كانَ الجَزاءُ مِن جِنْسِ العَمَلِ، كانَ الواجِبُ عَلى العَبْدِ الإخْلاصَ في عَمَلِهِ، كَما كانَ عَمَلُ رَبِّهِ في تَرْبِيَتِهِ بِالإيجادِ وما بَعْدَهُ، فَقالَ: ﴿فَلْيَعْمَلْ﴾ وأكَّدَهُ لِلْإعْلامِ بِأنَّهُ لا بُدَّ مَعَ التَّصْدِيقِ مِنَ الإقْرارِ فَقالَ: ﴿عَمَلا﴾ أيْ ولَوْ كانَ قَلِيلًا ﴿صالِحًا﴾ وهو ما يَأْمُرُهُ بِهِ (p-١٥٥)مِن أُصُولِ الدِّينِ وفُرُوعِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ مِن أعْمالِ القَلْبِ والبَدَنِ والمالِ لِيَسْلَمَ مِن عَذابِهِ ﴿ولا يُشْرِكْ﴾ أيْ ولْيَكُنْ ذَلِكَ العَمَلُ مَبْنِيًّا عَلى الأساسِ وهو أنْ لا يُشْرِكَ ولَوْ بِالرِّياءِ ﴿بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ فَإذا عَمِلَ [ذَلِكَ -] فازَ فَحازَ عُلُومَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقَدِ انْطَبَقَ آخِرُ السُّورَةِ عَلى أوَّلِها بِوَصْفِ كَلِماتِ اللَّهِ ثُمَّ ما يُوحِي إلَيْهِ، وكُلٌّ مِنهُما أعَمُّ مِنَ الكِتابِ بِالأقْوَمِيَّةِ لِلدُّعاءِ إلى الحالِ الأسْلَمِ، في الطَّرِيقِ الأقْوَمِ، وهو التَّوْحِيدُ عَنِ الشَّرِيكِ الأعَمِّ مِنَ الوَلَدِ وغَيْرِهِ، والإحْسانُ في العَمَلِ، مَعَ البِشارَةِ لِمَن آمَنَ، والنِّذارَةِ لِمَن أعْرَضَ عَنِ الآياتِ والذِّكْرِ، فَبانَ بِذَلِكَ أنَّ لِلَّهِ تَعالى - بِوَحْدانِيَّتِهِ وتَمامِ عِلْمِهِ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ صِفاتِ - الكَمالِ، فَصَحَّ أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِجَمِيعِ الحَمْدِ - واللَّهُ المُوَفِّقُ، والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى إتْمامِ سُورَةِ الكَهْفِ مِن كِتابِ نَظْمِ الدُّرَرِ مِن تَناسُبِ الآيِ والسُّوَرِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском