Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:10–18
18:10Page 294
إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡيَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةٗ وَهَيِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدٗا ١٠
[Mention] when the youths retreated to the cave and said, "Our Lord, grant us from Yourself mercy and prepare for us from our affair right guidance."
ولَمّا صَغَّرَ أمْرَهم بِالنِّسْبَةِ إلى جَلِيلِ آياتِهِ وعَظِيمِ بَيِّناتِهِ وغَرِيبِ مَصْنُوعاتِهِ، لَخَّصَ قِصَّتَهُمُ الَّتِي عَدُّوها عَجَبًا وتَرَكُوا الِاسْتِبْصارَ عَلى وحْدانِيَّةِ الواحِدِ القَهّارِ بِما هو العَجَبُ العَجِيبُ، والنَّبَأُ الغَرِيبُ، فَقالَ تَعالى: ﴿إذْ أوى﴾ أيْ كانُوا عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ حِينَ أوَوْا، ولَكِنَّهُ أبْرَزَ الضَّمِيرَ لِبَيانِ أنَّهم شُبّانٌ لَيْسُوا بِكَثِيرِي العَدَدِ فَلَيْسَتْ [لَهُمْ] أسْنانٌ اسْتَفادُوا بِها مِنَ التَّجارِبِ والتَّعَلُّمِ ما اهْتَدَوْا إلَيْهِ مِنَ الدِّينِ والدُّنْيا، (p-١٨)ولا كَثْرَةٌ حُفِظُوا بِها مِمَّنْ يُؤْذِيهِمْ أيْقاظًا ورُقُودًا فَقالَ تَعالى: ﴿الفِتْيَةُ﴾ وهو أصْحابُ الكَهْفِ المَسْؤُولُ عَنْهُمْ، والشُّبّانُ أقْبَلُ لِلْحَقِّ وأهْدى لِلسَّبِيلِ مِنَ الشُّيُوخِ ﴿إلى الكَهْفِ﴾ المُقارِبِ لِقَرْيَتِهِمُ المَشْهُورِ بِبَلْدَتِهِمْ فِرارًا بِدِينِهِمْ كَما أوَيْتَ أنْتَ والصِّدِّيقُ إلى غارِ ثَوْرٍ فِرارًا بِدِينِكُما ﴿فَقالُوا﴾ عَقِبَ اسْتِقْرارِهِمْ فِيهِ: ﴿رَبَّنا آتِنا﴾ ولَمّا كانَتِ المَوْجُوداتُ - كَما مَضى عَنِ الحَرالِّيِّ في آلِ عِمْرانَ - عَلى ثَلاثِ رُتَبٍ: حُكْمِيّاتٍ جارِيَةٍ عَلى قَوانِينِ العاداتِ، وعِنْدِيّاتٍ خارِقَةٍ لِلْمُطَّرِداتِ ولَدُنِيّاتٍ مُسْتَغْرِقَةٍ في الأُمُورِ الخارِقاتِ، طَلَبُوا أعْلاها فَقالُوا: ﴿مِن لَدُنْكَ﴾ أيْ مِن مُسْتَبْطَنِ الأُمُورِ الَّتِي عِنْدَكَ ومُسْتَغْرَبِها ﴿رَحْمَةً﴾ أيْ إكْرامًا تُكْرِمُنا بِهِ كَما يَفْعَلُ الرّاحِمُ بِالمَرْحُومِ ﴿وهَيِّئْ لَنا﴾ أيْ جَمِيعًا لا تُخَيِّبْ مِنّا أحَدًا ﴿مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾ أيْ وجْهًا تُرْشِدُنا فِيهِ إلى الخَلاصِ في الدّارَيْنِ، لا جَرَمَ صارَتْ قِصَّتُهم عَلى حَسَبِ ما أجابَهم رَبُّهم بَدِيعَةَ الشَّأْنِ فَرِدَةً في الزَّمانِ، يُتَحَدَّثُ بِها في سائِرِ البُلْدانِ، في كُلِّ حِينٍ وأوانٍ.
18:11Page 294
فَضَرَبۡنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمۡ فِي ٱلۡكَهۡفِ سِنِينَ عَدَدٗا ١١
So We cast [a cover of sleep] over their ears within the cave for a number of years.
ولَمّا أجابَهم سُبْحانَهُ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَضَرَبْنا﴾ أيْ عَقِبَ هَذا القَوْلِ وبِسَبَبِهِ ﴿عَلى آذانِهِمْ﴾ أيْ سَدَدْناها وأمْسَكْناها عَنِ (p-١٩)السَّمْعِ، وكانَ أصْلُهُ؛ ضَرَبْنا عَلَيْها حِجابًا بِنَوْمٍ ثَقِيلٍ لا تُزْعِجُ مِنهُ الأصْواتُ، لِأنَّ مَن كانَ مُسْتَيْقِظًا أوْ نائِمًا نَوْمًا خَفِيفًا وسَمْعُهُ صَحِيحٌ سَمِعَ الأصْواتَ ﴿فِي الكَهْفِ﴾ أيِ المَعْهُودِ.
ولَمّا كانَتْ مُدَّةُ لَبْثِهِمْ نَكِرَةً بِما كانَ لِأهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ مِنَ الشِّرْكِ، عَبَّرَ بِما يَدُلُّ عَلى النَّكِرَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿سِنِينَ﴾ ولَمّا كانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّهُ ذَكَرَ السِّنِينَ لِلْمُبالَغَةِ لِأجْلِ بُعْدِ هَذا النَّوْمِ عَنِ العادَةِ، حَقَّقَ الأمْرَ بِأنْ قالَ مُبْدِلًا مِنها مُعَرَّفًا لِأنَّ المُرادَ بِجَمْعِ القِلَّةِ هُنا الكَثْرَةُ: ﴿عَدَدًا﴾ أيْ مُتَكاثِرَةً؛ قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ شَيْءٍ مِمّا يُعَدُّ إذا ذُكِرَ فِيهِ العَدَدُ ووُصِفَ أُرِيدَ كَثْرَتُهُ لِأنَّهُ إذا قَلَّ فُهِمَ مِقْدارُ عَدَدِهِ بِدُونِ التَّقْدِيرِ فَلَمْ يَحْتَجْ إلى أنْ يُعَدَّ.
18:12Page 294
ثُمَّ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِنَعۡلَمَ أَيُّ ٱلۡحِزۡبَيۡنِ أَحۡصَىٰ لِمَا لَبِثُوٓاْ أَمَدٗا ١٢
Then We awakened them that We might show which of the two factions was most precise in calculating what [extent] they had remained in time.
﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ﴾ أيْ نَبَّهْناهم مِن ذَلِكَ النَّوْمِ ﴿لِنَعْلَمَ﴾ عِلْمًا مُشاهَدًا لِغَيْرِنا كَما كُنّا نَعْلَمُ غَيْبًا ما جَهِلَهُ مَن يَسْألُ فَيَقُولُ: ﴿أيُّ الحِزْبَيْنِ﴾ هم أوْ مَن عَثَرَ عَلَيْهِمْ مِن أهْلِ زَمانِهِمْ ﴿أحْصى﴾ أيْ حَسَبَ وضَبَطَ ﴿لِما﴾ أيْ لِأجْلِ [عِلْمِ] ما (p-٢٠)﴿لَبِثُوا أمَدًا﴾ أيْ وقَعَ إحْصاؤُهُ لِمُدَّةِ لَبْثِهِمْ [فَإنَّهم هم أحْصَوْا لَبْثَهُمْ] فَقالُوا: لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ، ثُمَّ تَبَرَّؤُوا مِن [عِلْمِ] ذَلِكَ [ورَدُّوهُ إلى عالِمِهِ وأهْلِ البَلَدِ، أحْصَوْا ذَلِكَ بِضَرْبِ النَّقْدِ الَّذِي وُجِدَ مَعَهم أوْ غَيْرِ ذَلِكَ] مِنَ القَرائِنِ الَّتِي دَلَّتْهم عَلَيْهِ، ولَكِنَّهم وإنْ صادَقَ قَوْلُهم ما في نَفْسِ الأمْرِ أوْ قَرِيبًا مِنهُ فَعَلى سَبِيلِ الظَّنِّ والتَّقْرِيبِ، لا القَطْعِ والتَّحْدِيدِ، بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ [الكهف: ٢٦] فَإذا عُلِمَ بِجَهْلِ كُلٍّ مِنَ الحِزْبَيْنِ بِأمْرِهِمْ [أنَّ] اللَّهَ هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِ ذَلِكَ، عُلِمَ أنَّهُ المُحِيطُ بِصِفاتِ الكَمالِ، وأنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا، ولا لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ، وأنَّهُ أكْبَرُ مِن كُلِّ ما يَقَعُ في الوَهْمِ.
18:13Page 294
نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّهُمۡ فِتۡيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَٰهُمۡ هُدٗى ١٣
It is We who relate to you, [O Muḥammad], their story in truth. Indeed, they were youths who believed in their Lord, and We increased them in guidance.
ولَمّا كانَ الكَلامُ عَلى اخْتِلافٍ وقَعَ في مُدَّتِهِمْ، وكانَ الحِزْبانِ مَعًا هم ومَن خالَفَهم مُتَقارِبَيْنِ في الجَهْلِ بِإحْصائِهِ عَلى سَبِيلِ القَطْعِ وكانَ اليَهُودُ الَّذِينَ أمَرُوا قُرَيْشًا بِالسُّؤالِ عَنْ أمْرِهِمْ تَشْكِيكًا في الدِّينِ لا يَعْلَمُونَ أمْرَهم عَلى الحَقِيقَةِ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: أيُّهُما أحْصاهُ؟: ﴿نَحْنُ﴾ أوْ يُقالُ: [و]لَمّا أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ مَسْألَةِ قُرَيْشٍ الثّانِيَةِ، وهي قِصَّةُ أهْلِ الكَهْفِ، مُجْمِلًا لَها بَعْضَ الإجْمالِ بَعْدَ إجْمالِ الجَوابِ عَنِ المَسْألَةِ الأُولى، وهي الرُّوحُ، (p-٢١)كانَ السّامِعُ جَدِيرًا بِأنْ تَسْتَشْرِفَ نَفْسُهُ إلى بَيانِ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَيَضِيقَ صَدْرُهُ خَشْيَةَ الِاقْتِصارِ عَلى ما وقَعَ مِن ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، فَقالَ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: أسْألُ الإيضاحَ وبَيانَ الحَقِّ مِن خِلافِ الحِزْبَيْنِ: نَحْنُ ﴿نَقُصُّ﴾ أيْ نُخْبِرُ إخْبارًا تابِعًا لِآثارِهِمْ قَدَمًا فَقَدَمًا ﴿عَلَيْكَ﴾ عَلى وجْهِ التَّفْصِيلِ ﴿نَبَأهم بِالحَقِّ﴾ أيْ خَبَرَهُمُ العَظِيمَ [ولَيْسَ أحَدٌ غَيْرُنا إلّا] قَصًّا مُلْتَبِسًا بِباطِلٍ: زِيادَةٍ أوْ نَقْصٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ نَبَأهُمْ؟ فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّهم فِتْيَةٌ﴾ أيْ شُبّانٌ ﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ المُحْسِنِ إلَيْهِمُ النّاظِرِ في مَصالِحِهِمُ الَّذِي تَفَرَّدَ بِخَلْقِهِمْ ورِزْقِهِمْ، وهَداهم بِما وهَبَ لَهم في أصْلِ الفِطْرَةِ مِنَ العُقُولِ الجَيِّدَةِ النّافِعَةِ.
ولَمّا دَلَّ عَلى الإحْسانِ بِاسْمِ الرَّبِّ، وكانَ في فِعْلِهِ مَعَهم مِن باهِرِ القُدْرَةِ ما لا يَخْفى، التَفَتَ إلى مَقامِ العَظَمَةِ فَقالَ تَعالى عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فاهْتَدَوْا بِإيمانِهِمْ: ﴿وزِدْناهُمْ﴾ بَعْدَ أنْ آمَنُوا ﴿هُدًى﴾ بِما قَذَفْنا في قُلُوبِهِمْ مِنَ المَعارِفِ، وشَرَحْنا لَهم صُدُورَهم مِنَ المَواهِبِ الَّتِي حَمَلَتْهم عَلى ارْتِكابِ المَعاطِبِ، والزُّهْدِ في الدُّنْيا والِانْقِطاعِ إلَيْهِ
18:14Page 294
وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا ١٤
And We bound [i.e., made firm] their hearts when they stood up and said, "Our Lord is the Lord of the heavens and the earth. Never will we invoke besides Him any deity. We would have certainly spoken, then, an excessive transgression.
﴿ورَبَطْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ قَوَّيْناها، فَصارَ ما فِيها مِنَ القُوى مُجْتَمِعًا غَيْرَ مُبَدَّدٍ، فَكانَتْ حالُهم في الجَلْوَةِ كَحالِهِمْ (p-٢٢)فِي الخَلْوَةِ ﴿إذْ قامُوا﴾ لِلَّهِ تَعالى حَقَّ القِيامِ في ذَلِكَ [الجِيلِ] الكافِرِينَ بَيْنَ يَدَيْ طاغِيَتِهِمْ دَقْيانُوسَ ﴿فَقالُوا﴾ مُخالِفِينَ لَهُمْ: ﴿رَبُّنا﴾ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ نُفْرِدَهُ بِالعِبادَةِ لِتَفَرُّدِهِ بِتَدْبِيرِنا، هو ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ مُوجِدُهُما ومُدَبِّرُهُما ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا﴾ بَعْدَ أنْ ثَبَتَ عَجْزُ كُلِّ مَن سِواهُ، واللَّهِ ﴿لَقَدْ قُلْنا إذًا﴾ [أيْ] إذا دَعَوْنا مِن دُونِهِ غَيْرَهُ ﴿شَطَطًا﴾ أيْ قَوْلًا ذا بُعْدٍ مُفْرِطٍ عَنِ الحَقِّ جِدًّا؛ ثُمَّ شَرَعُوا يَسْتَدِلُّونَ عَلى كَوْنِهِ شَطَطًا بِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا لَمّا قالُوا ذَلِكَ عَرَضَ لَهُمُ الشَّيْطانُ بِشُبْهَةِ التَّقْلِيدِ فَقالُوا مُجِيبِينَ عَنْها: ﴿هَؤُلاءِ﴾ [الكهف: ١٥] وأنْ يَكُونُوا قالُوا ذَلِكَ لِلْمَلِكِ إنْقاذًا لَهُ مِن شَرَكِ الجَهْلِ، وبَيَّنَ المُشارَ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿قَوْمُنا﴾ [الكهف: ١٥] أيْ وإنْ كانُوا أسَنَّ مِنّا وأقْوى وأجَلَّ في الدُّنْيا ﴿اتَّخَذُوا﴾ [الكهف: ١٥] أيْ مُخالِفِينَ مَعَ مِنهاجِ العَقْلِ داعِيَ الفِطْرَةِ الأُولى ﴿مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ [الكهف: ١٥] أشْرَكُوهم [مَعَهُ] لِشُبْهَةٍ واهِيَةٍ اسْتَغْواهم بِها الشَّيْطانُ؛
18:15Page 294
هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ لَّوۡلَا يَأۡتُونَ عَلَيۡهِم بِسُلۡطَٰنِۭ بَيِّنٖۖ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا ١٥
These, our people, have taken besides Him deities. Why do they not bring for [worship of] them a clear evidence? And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie?"
ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا عَلى طَرِيقِ التَّخْصِيصِ ما يُنَبِّهُ عَلى أنَّهم مِن حِينِ عِبادَتِهِمْ إلى الآنَ لَمْ يَأْتُوا عَلى ذَلِكَ بِدَلِيلٍ، فَقالُوا مُنَبِّهِينَ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ في أُصُولِ الدِّينِ وأنَّهُ لا مُقْنِعَ فِيهِ بِدُونِ القَطْعِ: ﴿لَوْلا﴾ أيْ هَلّا ﴿يَأْتُونَ﴾ الآنَ.
(p-٢٣)ولَمّا كانُوا بِعِبادَتِهِمْ لَهم قَدْ أحَلُّوهم مَحَلَّ العُلَماءِ، قالَ تَعالى: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى عِبادَتِهِمْ إيّاهُمْ، وحَقَّقُوا ما أرادُوا مِنَ الاسْتِعْلاءِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿بِسُلْطانٍ﴾ أيْ دَلِيلٍ قاهِرٍ ﴿بَيِّنٍ﴾ مِثْلِ ما نَأْتِي نَحْنُ عَلى تَفَرُّدِ مَعْبُودِنا بِالأدِلَّةِ الظّاهِرَةِ، والبَراهِينِ الباهِرَةِ، فَإنَّ مِثْلَ هَذا الأمْرِ لا يُقْنَعُ [فِيهِ-] بِدُونِ ذَلِكَ، وقَدْ جَمَعْنا الأدِلَّةَ كُلَّها في الِاسْتِدْلالِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ بِاسْتِحْقاقِهِ لِلْعِبادَةِ بِأنَّهُ تَفَرَّدَ بِخَلْقِ الوُجُودِ، فَتَسَبَّبَ عَنْ عَجْزِهِمْ عَنْ دَلِيلٍ أنَّهم أظْلَمُ الظّالِمِينَ لِافْتِعالِهِمُ الكَذِبَ عَنْ مَلِكِ المُلُوكِ ومالِكِ المُلْكِ، فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى﴾ أيْ تَعَمَّدَ ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿كَذِبًا﴾ فالآيَةُ دالَّةٌ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ في الوَحْدانِيَّةِ.
18:16Page 295
وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥٓاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ يَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَيُهَيِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقٗا ١٦
[The youths said to one another], "And when you have withdrawn from them and that which they worship other than Allāh, retreat to the cave. Your Lord will spread out for you of His mercy and will prepare for you from your affair facility."
ولَمّا اسْتَدَلُّوا عَلى مُعْتَقَدِهِمْ، وعَلِمُوا سَفَهَ مَن خالَفَهُمْ، وهم قَوْمٌ لا يَدانِ لَهم بِمُقاوَمَتِهِمْ، لِكَثْرَتِهِمْ وقِلَّتِهِمْ، تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ هِجْرَتُهم لِيَسْلَمَ لَهم دِينُهُمْ، فَقالَ تَعالى شارِحًا لِما بَقِيَ مِن أمْرِهِمْ، عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: وقالُوا أوْ مَن شاءَ اللَّهُ مِنهم حِينَ خَلَصُوا مِن قَوْمِهِمْ نَجِيًّا: لا تَرْجِعُوا إلى قَوْمِكم أبَدًا ما دامُوا عَلى ما هم عَلَيْهِ، هَذا إنْ كانَ المُرادُ قِيامَهم [بَيْنَ يَدَيْ دَقْيانُوسَ، وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ القِيامِ-] الِانْبِعاثَ بِالعَزْمِ الصّادِقِ لَمْ يُحْتَجْ إلى هَذا التَّقْدِيرِ: ﴿وإذِ﴾ أيْ حِينَ ﴿اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ (p-٢٤)أيْ قَوْمَكم ﴿وما﴾ أيْ واعْتَزَلْتُمْ ما ﴿يَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهم كانُوا يُشْرِكُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا سَمَّوْا الِانْقِيادَ كَرْهًا لِمَشِيئَتِهِ والخُضُوعَ بِزَعْمِهِمْ لِأقْضِيَتِهِ عِبادَةً ﴿فَأْوُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ هَذا الِاعْتِزالِ، وهَذا دَلِيلُ العامِلِ في ”إذْ“ ﴿إلى الكَهْفِ﴾ أيِ الغارِ الَّذِي في الجَبَلِ ﴿يَنْشُرْ﴾ أيْ يُحْيِي ويَبْعَثْ ﴿لَكم رَبُّكُمْ﴾ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يُحْسِنُ إلَيْكم ﴿مِن رَحْمَتِهِ﴾ ما يَكْفِيكم بِهِ مِنَ المُهِمِّ مِن أمْرِكم ﴿ويُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكُمْ﴾ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُهِمَّكم ﴿مِرْفَقًا﴾ تَرْتَفِقُونَ بِهِ، وهو بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ في قِراءَةِ الجَماعَةِ، وبِفَتْحِها وكَسْرِ الفاءِ لِلنّافِعِ وابْنِ عامِرٍ، وهَذا الجَزْمُ مِن آثارِ الرَّبْطِ عَلى قُلُوبِهِمْ بِما عَلِمُوا مِن قُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وحِمايَتِهِ مَن لاذَ بِهِ ولَجَأ إلَيْهِ وعَبَدَهُ وتَوَكَّلَ عَلَيْهِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ فَفَعَلَ اللَّهُ ما رَجَوْهُ فِيهِ، فَجَعَلَ لَهم أحْسَنَ مِرْفَقٍ بِأنْ أنامَهم ثُمَّ أقامَهم بَعْدَ [مُضِيِّ-] قُرُونٍ ومُرُورِ دُهُورٍ، وهَدى بِهِمْ ذَلِكَ الجِيلَ الَّذِي أقامَهم فِيهِ
18:17Page 295
۞ وَتَرَى ٱلشَّمۡسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهۡفِهِمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقۡرِضُهُمۡ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمۡ فِي فَجۡوَةٖ مِّنۡهُۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِۗ مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيّٗا مُّرۡشِدٗا ١٧
And [had you been present], you would see the sun when it rose, inclining away from their cave on the right, and when it set, passing away from them on the left, while they were [lying] within an open space thereof. That was from the signs of Allāh. He whom Allāh guides is the [rightly] guided, but he whom He sends astray - never will you find for him a protecting guide.
﴿وتَرى﴾ لَوْ رَأيْتَ كَهْفَهم ﴿الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ﴾
ولَمّا كانَ حالُهم خَفِيًّا، وكَذا حالُ انْتِقالِ الشَّمْسِ عِنْدَ مَن لَمْ يُراقِبْهُ، (p-٢٥)أدْغَمَ تاءَ التَّفاعُلِ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو، وأسْقَطَها عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، فَقالَ تَعالى: ﴿تَزاوَرُ﴾ أيْ تَتَمايَلُ وتَتَحَرَّفُ، ولَعَلَّ قِراءَةَ ابْنِ عامِرٍ ويَعْقُوبَ (تَزْوَرُّ) بِوَزْنِ تَحْمَرُّ ناظِرَةٌ إلى الحالِ عِنْدَ نِهايَةِ المَيْلِ ﴿عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ بِتَقَلُّصِ شُعاعِها بِارْتِفاعِها إلى أنْ تَزُولَ ﴿ذاتَ اليَمِينِ﴾ إذا كُنْتَ مُسْتَقْبِلًا القِبْلَةَ وأنْتَ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِ أوْ مُسْتَقْبِلًا الشَّمْسَ فَيُصِيبُهم مِن حَرِّها ما يَمْنَعُ عَنْهُمُ التَّعَفُّنَ ويَمْنَعُ سَقْفُ الكَهْفِ شِدَّةَ الحَرارَةِ المُفْسِدَةَ في بَقِيَّةِ النَّهارِ ﴿وإذا غَرَبَتْ﴾ أيْ أخَذَتْ في المَيْلِ إلى الغُرُوبِ ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ أيْ تَعْدِلُ في مَسِيرِها عَنْهم ﴿ذاتَ الشِّمالِ﴾ كَذَلِكَ، لِئَلّا يَضُرَّهم شِدَّةُ الحَرارَةِ، ويُصِيبَهم مِن مَنافِعِها مِثْلُ ما كانَ عِنْدَ الطُّلُوعِ، فَلا يَزالُ كَهْفُهم رَطْبًا، ويَأْتِيهِ مِنَ الهَواءِ الطَّيِّبِ والنَّسِيمِ المُلائِمِ ما يَصُونُهم عَنِ التَّعَفُّنِ والفَسادِ، فَتَحَرَّرَ بِذَلِكَ أنَّ بابَ الغارِ مُقابِلٌ لِبَناتِ نَعْشٍ، وأنَّ الجَبَلَ الَّذِي هم فِيهِ شَمالِيَّ مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ يَمِينَ مَن يَخْرُجُ مِنَ الكَهْفِ وشِمالَهُ، فَلا يَلْزَمُ ذَلِكَ، [و-] قالَ الأصْبَهانِيُّ: قِيلَ: إنَّ بابَ ذَلِكَ كانَ مَفْتُوحًا (p-٢٦)إلى جانِبِ الشِّمالِ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَنْ يَمِينِ الكَهْفِ، وإذا غَرَبَتْ كانَتْ عَلى شِمالِهِ.
ومادَّةُ قَرَضَ، ولَيْسَ لَها إلّا هَذا التَّرْكِيبُ - تَدُورُ عَلى القَطْعِ، ويَلْزَمُهُ المَيْلُ عَنِ الشَّيْءِ والعُدُولُ والِازْوِرارُ عَنْهُ، قَرَضْتُ الشَّيْءَ، - بِالفَتْحِ - أقْرِضُهُ - بِالكَسْرِ: قَطَعْتُهُ بِالمِقْراضِ أوْ بِغَيْرِهِ - لِأنَّكَ إذا وصَلْتَ إلَيْهِ فَقَدْ حاذَيْتَهُ فَإذا قَطَعْتَهُ تَجاوَزْتَهُ فانْحَرَفْتَ عَنْهُ، والقَرْضُ: قَوْلُ الشِّعْرِ خاصَّةً - لِأنَّهُ لا شَيْءَ مِنَ الكَلامِ يُشْبِهُهُ فَهو مَقْطُوعٌ مِنهُ مائِلٌ عَنْهُ بِما خُصَّ بِهِ مِنَ المِيزانِ، وهَلْ مَرَرْتَ بِمَكانِ كَذا؟ فَتَقُولُ: قَرَضْتُهُ ذاتَ اليَمِينِ لَيْلًا، أيْ كانَ عَنْ يَمِينِي، والقَرْضُ: ما تُعْطِيهِ مِنَ المالِ لِتُقْضاهُ - لِأنَّكَ قَطَعْتَهُ مِن مالِكَ، والقِرْضُ - بِالكَسْرِ: لُغَةٌ فِيهِ عَنِ الكِسائِيِّ، والقَرْضُ: ما سَلَّفْتَ مِن إحْسانٍ أوْ إساءَةٍ - عَلى التَّشْبِيهِ، والتَّقْرِيضُ: المَدْحُ والذَّمُّ - لِأنَّهُ يُمَيِّزُ الكَلامَ فِيهِ تَمْيِيزًا ظاهِرًا، وهُما يَتَقارَضانِ كَذا - كَأنَّ كُلًّا مِنهُما مُقْرِضٌ لِصاحِبِهِ ومُوفٍ لَهُ عَلى ما أقْرَضَهُ، والمُقارَضَةُ: المُضارَبَةُ - لِأنَّ صاحِبَ المالِ قَطَعَ مِن مالِهِ، والعامِلَ قَطَعَ مِن عَمَلِهِ حِصَّةً لِهَذا المالِ، قَرَضَ فُلانٌ الرِّباطَ - إذا ماتَ، (p-٢٧)لِأنَّهُ إذا انْقَطَعَتْ حَياتُهُ انْقَطَعَ كُلُّ رِباطٍ لَهُ في الدُّنْيا، وجاءَ فُلانٌ وقَدْ قَرَضَ رِباطَهُ - إذا جاءَ مَجْهُودًا قَدْ أشْرَفَ عَلى المَوْتِ - كَأنَّهُ أُطْلِقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِلْمُقارَبَةِ، والمُقارَضَةُ: المُشاتَمَةُ - لِقَطْعِها العِرْضَ وما بَيْنَ المُتَشاتِمِينَ، والِاقْتِراضُ: الِاغْتِيابُ - مِن ذَلِكَ ومِنَ القَرْضِ أيْضًا، لِأنَّ مَنِ اغْتابَ اغْتِيبَ، وقَرِضَ - بِالكَسْرِ - إذا زالَ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ - لِأنَّهُ بِوَصْلِ الثّانِي قَطَعَ الأوَّلَ، وقَرَضَ - إذا ماتَ، والمَقارِضُ: الزَّرْعُ القَلِيلُ - إمّا لِلْإزالَةِ عَلى الضِّدِّ مِنَ الكَثِيرِ، أوْ تَشْبِيهٌ بِمَواضِعِ الِاسْتِقاءِ في البِئْرِ القَلِيلَةِ الماءِ، فَإنَّ المَقارِضَ أيْضًا المَواضِعُ الَّتِي يَحْتاجُ المُسْتَقِي إلى أنْ يَقْرِضَ مِنها الماءَ، أيْ يَمِيحَ، أيْ يُدْخِلَ الدَّلْوَ في البِئْرِ فَيَمْلَأها لِقِلَّةِ الماءِ - لِأنَّها مَواضِعُ قَطْعِ الماءِ بِرَفْعِهِ عَنِ البِئْرِ والمَقارِضُ أيْضًا: الجِرارُ الكِبارُ - كَأنَّها لِكِبَرِها وقَطْعِها كَثِيرًا مِنَ الماءِ هي الَّتِي قَطَعَتْ دُونَ الصِّغارِ، وما عَلَيْهِ قِراضٌ، أيْ ما يَقْرِضُ عَنْهُ العُيُونَ فَيَسْتُرُهُ لِتَعْدِلَ عَنْهُ العُيُونُ - لِعَدَمِ نُفُوذِها إلى جِلْدِهِ، والقَرْضُ في السَّيْرِ هو أنْ تَعْدِلَ عَنِ الشَّيْءِ في مَسِيرِكَ، فَإذا عَدَلْتَ عَنْهُ فَقَدْ قَرَضْتَهُ، والمَصْدَرُ القَرْضُ وأصْلُهُ مِنَ القَطْعِ، وابْنُ مِقْرَضٍ - كَمِنبَرٍ: دُوَيْبَةٌ تَقْتُلُ الحَمامَ - كَأنَّها سُمِّيَتْ لِقَطْعِها حَياةَ الحَمامِ، وقَرَضَ البَعِيرُ جِرَّتَهُ: (p-٢٨)مَضَغَها فَهي قَرِيضٌ - لِتَقْطِيعِها بِالمَضْغِ ولِقَطْعِها مِن بَطْنِهِ بِرَدِّها إلى حَنَكِهِ لِلْمَضْغِ.
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ حَفِظَهم مِن حَرِّ الشَّمْسِ، بَيَّنَ أنَّهُ أنْعَشَهم بِرَوْحِ الهَواءِ، وألْطَفَهم بِسَعَةِ المَوْضِعِ في فَضاءِ الغارِ فَقالَ: ﴿وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ﴾ أيْ في وسَطِ الكَهْفِ ومُتَّسَعِهِ. ولَمّا شَرَحَ هَذا الأمْرَ الغَرِيبَ، والنَّبَأ العَجِيبَ، وصَلَ بِهِ نَتِيجَتَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ المَذْكُورُ العَظِيمُ مِن هِدايَتِهِمْ، وما دَبَّرُوا لِأنْفُسِهِمْ، وما دُبِّرَ لَهم مِن هَذا الغارِ المُسْتَقْبِلِ لِلنَّسِيمِ الطَّيِّبِ المَصُونِ عَنْ كُلِّ مُؤْذٍ، وما حَقَّقَ بِهِ رَجاءَهم مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ سِواهُ ﴿مِن آياتِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً، وإنْ كانَ إذا قِيسَ إلى هَذا القُرْآنِ القَيِّمِ وغَيْرِهِ مِمّا خُصَّتْ بِهِ هَذِهِ الأُمَّةُ كانَ يَسِيرًا.
ولَمّا كانَ انْفِرادُهم بِالهُدى عَنْ أهْلِ ذَلِكَ القَرْنِ كُلِّهِمْ عَجَبًا، وصَلَ بِهِ ما إذا تُؤُمِّلَ زالَ عَجَبُهُ فَقالَ تَعالى: ﴿مَن يَهْدِ﴾ ولَوْ أيْسَرَ هِدايَةٍ - بِما دَلَّ عَلَيْهِ حَذْفُ الياءِ في الرَّسْمِ ”اللَّهُ“ أيِ [الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ بِخَلْقِ الهِدايَةِ في قَلْبِهِ لِلنَّظَرِ في آياتِهِ الَّتِي لا تُعَدُّ والِانْتِفاعِ بِها ”فَهُوَ“ (p-٢٩)خاصَّةً ﴿المُهْتَدِ﴾ في أيِّ زَمانٍ كانَ، فَلَنْ تَجِدَ لَهُ مُضِلًّا مُغْوِيًا ﴿ومَن يُضْلِلْ﴾ إضْلالًا ظاهِرِيًّا بِما دَلَّ عَلَيْهِ الإظْهارُ-] بِإعْمائِهِ عَنْ طَرِيقِ الهُدى، فَهو لا غَيْرُهُ الضّالُّ ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ﴾ أصْلًا مِن دُونِهِ، لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ أضَلَّهُ ﴿ولِيًّا مُرْشِدًا﴾ فَتَجِدُهُ يَرى الآياتِ بِعَيْنِهِ، ويَسْمَعُها بِأُذُنِهِ، ويُحِسُّها بِجَمِيعِ حَواسِّهِ، ولا يَعْلَمُ أنَّها آياتٌ فَضْلًا عَنْ أنْ يَتَدَبَّرَها ويَنْتَفِعَ بِها، فالآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ: ذَكَرَ الِاهْتِداءَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ الضَّلالِ ثانِيًا، والمُرْشِدَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ المُضِلِّ أوَّلًا.
18:18Page 295
وَتَحۡسَبُهُمۡ أَيۡقَاظٗا وَهُمۡ رُقُودٞۚ وَنُقَلِّبُهُمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِۖ وَكَلۡبُهُم بَٰسِطٞ ذِرَاعَيۡهِ بِٱلۡوَصِيدِۚ لَوِ ٱطَّلَعۡتَ عَلَيۡهِمۡ لَوَلَّيۡتَ مِنۡهُمۡ فِرَارٗا وَلَمُلِئۡتَ مِنۡهُمۡ رُعۡبٗا ١٨
And you would think them awake, while they were asleep. And We turned them to the right and to the left, while their dog stretched his forelegs at the entrance. If you had looked at them, you would have turned from them in flight and been filled by them with terror.
ولَمّا نَبَّهَ سُبْحانَهُ هَذا التَّنْبِيهَ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ وتَثْبِيتًا أنْ يَبْخَعَ نَفْسَهُ، عَطَفَ عَلى ما مَضى بَقِيَّةَ أمْرِهِمْ [فَقالَ -]: ﴿وتَحْسَبُهم أيْقاظًا﴾ لِانْفِتاحِ أعْيُنِهِمْ لِلْهَواءِ لِيَكُونَ أبْقى لَها، ولِكَثْرَةِ حَرَكاتِهِمْ ﴿وهم رُقُودٌ ونُقَلِّبُهُمْ﴾ بِعَظَمَتِنا في حالِ نَوْمِهِمْ تَقْلِيبًا كَثِيرًا بِحَسَبِ ما يَنْفَعُهم كَما يَكُونُ النّائِمُ ﴿ذاتَ﴾ أيْ في الجِهَةِ الَّتِي هي صاحِبَةُ ﴿اليَمِينِ﴾ مِنهم ﴿وذاتَ الشِّمالِ﴾ لِيَنالَ رَوْحُ النَّسِيمِ جَمِيعَ أبْدانِهِمْ ولا يَتَأثَّرَ ما يَلِي الأرْضَ مِنها بِطُولِ المُكْثِ ﴿وكَلْبُهم باسِطٌ﴾ وأعْمَلَ اسْمَ الفاعِلِ هَذا، لِأنَّهُ لَيْسَ بِمَعْنى الماضِي بَلْ هو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ فَقالَ: ﴿ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ﴾ أيْ بِبابِ الكَهْفِ وفِنائِهِ كَما هي عادَةُ الكِلابِ، وذِكْرُ هَذا الكَلْبِ عَلى [طُولِ -] الآبادِ (p-٣٠)بِجَمِيلِ هَذا الرُّقادِ مِن بَرَكَةِ صُحْبَةِ الأمْجادِ.
ولَمّا كانَ هَذا مُشَوِّقًا إلى رُؤْيَتِهِمْ، وصَلَ بِهِ ما يَكُفُّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وهم عَلى تِلْكَ الحالِ ﴿لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا﴾ أيْ حالَ وُقُوعِ بَصَرِكَ عَلَيْهِمْ ﴿ولَمُلِئْتَ﴾ في أقَلِّ وقْتٍ بِأيْسَرِ أمْرٍ ﴿مِنهم رُعْبًا﴾ لِما ألْبَسَهُمُ اللَّهُ مِنَ الهَيْبَةِ، وجَعَلَ لَهم مِنَ الجَلالَةِ، وتَدْبِيرًا مِنهُ لِما أرادَ مِنهُمْ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences