Al-Biqa'iAl‑Kahf · 18:44–51

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:44–51

18:44Page 298

هُنَالِكَ ٱلۡوَلَٰيَةُ لِلَّهِ ٱلۡحَقِّۚ هُوَ خَيۡرٞ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ عُقۡبٗا ٤٤

There1 the authority is [completely] for Allāh, the Truth. He is best in reward and best in outcome.

ولَمّا أنْتَجَ هَذا المَثَلُ قَطْعًا أنَّهُ لا أمْرَ لِغَيْرِ اللَّهِ المَرْجُوِّ لِنَصْرِ أوْلِيائِهِ بَعْدَ ذُلِّهِمْ، ولِإغْنائِهِمْ بَعْدَ فَقْرِهِمْ، [ولِإذْلالِ أعْدائِهِ بَعْدَ عِزِّهِمْ وكِبْرِهِمْ -]، وإفْقارِهِمْ بَعْدَ إغْنائِهِمْ وجَبْرِهِمْ، وأنَّ غَيْرَهُ إنَّما هو كالخَيالِ لا حَقِيقَةَ لَهُ، صَرَّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُنالِكَ﴾ أيْ في مِثْلِ هَذِهِ الشَّدائِدِ العَظِيمَةِ ﴿الوَلايَةُ﴾ أيِ النُّصْرَةُ - عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ، والسُّلْطانُ - عَلى الكَسْرِ، [وهِيَ قِراءَةُ حَمْزَةَ (p-٦٦)والكِسائِيِّ، والفَتْحُ لِغَيْرِهِما، وهُما بِمَعْنىً واحِدٍ، وهو المَصْدَرُ كَما صَدَرَ بِهِ في القامُوسِ-]. ”لِلَّهِ“ [أيِ -] الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿الحَقِّ﴾ [أيِ -] الثّابِتِ الَّذِي لا يَحُولُ يَوْمًا ولا يَزُولُ، ولا يَغْفُلُ ساعَةً ولا يَنامُ، ولا وِلايَةَ لِغَيْرِهِ بِوَجْهٍ - هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالجَرِّ [عَلى الوَصْفِ -] وهو في قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ والقَطْعِ تَقْلِيلًا، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ فَزَعَهم في مِثْلِ هَذِهِ الأزَماتِ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ بُرْهانٌ قاطِعٌ عَلى أنَّهُ الحَقُّ وما سِواهُ باطِلٌ، وأنَّ الفَخْرَ بِالعَرَضِ الزّائِلِ مِن أجْهَلِ الجَهْلِ، وأنَّ المُؤْمِنِينَ لا يَعِيبُهم فَقْرُهم ولا يَسُوغُ طَرْدُهم لِأجْلِهِ، وأنَّهُ يُوشِكُ أنْ يَعُودَ فَقْرُهم غِنىً وضَعْفُهم قُوَّةً.

ولَمّا عُلِمَ مِن ذَلِكَ أنَّهُ آخِذٌ بِأيْدِي عَبِيدِهِ [الأبْرارِ -] وعَلى أيْدِي عُصاتِهِ الأشْرارِ، قالَ تَعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا﴾ لِمَن أثابَهُ ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ عاقِبَةً عَظِيمَةً، فَإنَّ فُعُلًا - بِضَمَّةٍ وبِضَمَّتَيْنِ - مِن صِيَغِ جُمُوعِ الكَثْرَةِ فَيُفِيدُهُ ذَلِكَ مُبالَغَةً وإنْ لَمْ يَكُنْ جَمْعًا، والمَعْنى (p-٦٧)أنَّهُ [أيْ ثَوابَهُ -] -لِأوْلِيائِهِ خَيْرُ ثَوابٍ وعُقْباهُ خَيْرُ عُقْبى.

18:45Page 298

وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا ٤٥

And present to them the example of the life of this world, [its being] like rain which We send down from the sky, and the vegetation of the earth mingles with it1 and [then] it becomes dry remnants, scattered by the winds. And Allāh is ever, over all things, Perfect in Ability.

ولَمّا أتَمَّ المَثَلَ لِدُنْياهُمُ الخاصَّةِ [بِهِمُ الَّتِي -] أبْطَرَتْهُمْ، فَكانَتْ سَبَبَ إشْقائِهِمْ وهم يَحْسَبُونَ أنَّها عَيْنُ إسْعادِهِمْ ضَرَبَ لِدارِ الدُّنْيا العامَّةِ لِجَمِيعِ النّاسِ في قِلَّةِ بَقائِها وسُرْعَةِ فَنائِها، وأنَّ مَن تَكَبَّرَ بِها كانَ أخَسَّ مِنها فَقالَ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهُمْ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ المُغْتَرِّينَ بِالعَرَضِ الفانِي، المُفْتَخِرِينَ بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ وعِزَّةِ النَّفَرِ ﴿مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيِ الَّتِي صِفَتُها - الَّتِي هم بِها ناطِقُونَ - تَدُلُّ عَلى أنَّ ضِدَّها الأُخْرى، في يُنُوعِها ونَضْرَتِها، واخْتِلابِها لِلنُّفُوسِ بِبَهْجَتِها، واسْتِيلائِها عَلى الأهْواءِ بِزَهْرَتِها، واخْتِداعِها لِذَوِي الشَّهَواتِ بِزِينَتِها، ثُمَّ اضْمِحْلالِها وسُرْعَةِ زَوالِها، أفْرَحَ ما كانُوا بِها، وأرْغَبَ ما كانُوا [فِيها -] مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، عَلى مَرِّ الأيّامِ و[كَرِّ-] الشُّهُورِ، وتَوالِي الأعْوامِ وتَعاقُبِ الدُّهُورِ، بِحَيْثُ نادَتْ عَلى نَفْسِها بِالتَّحْذِيرِ مِنها والتَّنْفِيرِ عَنْها لِلْعاقِلِ اللَّقِنِ، والكَيِّسِ الفَطِنِ، رَغْبَةً إلى الباقِي الَّذِي (p-٦٨)يَدُومُ سُرُورُهُ، ويَبْقى نَعِيمُهُ وحُبُورُهُ، وذَلِكَ المَثَلُ ﴿كَماءٍ أنْـزَلْناهُ﴾ بِعَظَمَتِنا واقْتِدارِنا بَعْدَ يُبْسِ الأرْضِ وجَفافِ ما فِيها وزَوالِهِ، وبِقَلْعِهِ كَما تُشاهِدُونَهُ واسْتِئْصالِهِ، وقالَ: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى بَلِيغِ القُدْرَةِ في إمْساكِهِ في العُلُوِّ وإنْزالِهِ في وقْتِ الحاجَةِ عَلى الوَجْهِ النّافِعِ ﴿فاخْتَلَطَ﴾ أيْ فَتُعُقِّبَ وتَسَبَّبَ عَنْ إنْزالِهِ أنَّهُ اخْتَلَطَ ﴿بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ أيِ التُّرابُ الَّذِي كانَ نَباتًا ارْفَتَّ بِطُولِ العَهْدِ في بَطْنِها، فاجْتَمَعَ بِالماءِ والتَفَّ وتَكاثَفَ، فَهَيَّأْناهُ بِالتَّخْمِيرِ والصُّنْعِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ سِوانا حَتّى أخْرَجْناهُ مِنَ الأرْضِ أخْضَرَ يَهْتَزُّ عَلى ألْوانٍ مُخْتَلِفَةٍ ومَقادِيرَ مُتَفاوِتَةٍ ثُمَّ أيْبَسْناهُ ﴿فَأصْبَحَ هَشِيمًا﴾ أيْ يابِسًا مُكَسَّرًا مُفَتَّتًا ﴿تَذْرُوهُ﴾ أيْ تُثِيرُهُ وتُفَرِّقُهُ وتَذْهَبُ بِهِ ﴿الرِّياحُ﴾ حَتّى يَصِيرَ عَمّا قَلِيلٍ كَأنَّهُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَكُنْ ﴿وكانَ اللَّهُ﴾ أيِ المُخْتَصُّ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ إنْشاءً وإفْناءً وإعادَةً ﴿مُقْتَدِرًا﴾ أزَلًا وأبَدًا، فَلا تَظُنُّوا أنَّ ما تُشاهِدُونَهُ مِن قُدْرَتِهِ حادِثٌ.

18:46Page 299

ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ أَمَلٗا ٤٦

Wealth and children are [but] adornment of the worldly life. But the enduring good deeds are better to your Lord1 for reward and better for [one's] hope.

ولَمّا تَبَيَّنَ بِهَذَيْنِ المَثَلَيْنِ وغَيْرِهِما أنَّ الدُّنْيا - الَّتِي أوْرَدَتْ أهْلَها [المَوارِدَ -] وأحَلَّتْهم أوْدِيَةَ المَعاطِبِ - سَرِيعَةُ الزَّوالِ، وشِيكَةُ الِارْتِحالِ، (p-٦٩)مَعَ كَثْرَةِ الأنْكادِ، ودَوامِ الأكْدارِ، مِنَ الكَدِّ والتَّعَبِ، والخَوْفِ والنَّصَبِ كالزَّرْعِ سَواءٌ، تُقْبِلُ أوَّلًا في غايَةِ النَّضْرَةِ والبَهْجَةِ، تَتَزايَدُ نَضْرَتُها وبَهْجَتُها شَيْئًا فَشَيْئًا، ثُمَّ تَأْخُذُ في الِانْتِقاصِ والِانْحِطاطِ إلى أنْ تَنْتَهِيَ إلى الفَناءِ، فَهي جَدِيرَةٌ لِذَلِكَ بِالزُّهْدِ فِيها والرَّغْبَةِ عَنْها، وأنْ لا يَفْتَخِرَ بِها عاقِلٌ فَضْلًا عَنْ أنْ يُكاثِرَ بِها غَيْرَهُ، قالَ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ﴾ الفانِيانِ الفاسِدانِ وهُما أجَلُّ ما في هَذِهِ الدّارِ مِن مَتاعِها ﴿زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الَّتِي لَوْ عاشَ الإنْسانُ جَمِيعَ أيّامِها لَكانَ حَقِيقًا لِصَيْرُورَةِ ما هو فِيهِ [مِنها -] إلى زَوالٍ بِالإعْراضِ عَنْها والبُغْضِ لَها، وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما في تَحْصِيلِهِما مِنَ التَّعَبِ، وما لَهُما بَعْدَ الحُصُولِ مِن سُرْعَةِ العَطَبِ، وهُما مَعَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونانِ خَيْرًا إنْ عُمِلَ فِيهِما بِما يُرْضِي اللَّهَ، وقَدْ يَكُونانِ شَرًّا ويَخِيبُ الأمَلُ فِيهِما، وقَدْ يَكُونُ كُلٌّ مِنهُما سَبَبَ هَلاكِ صاحِبِهِ وكَدَرِهِ، وسُوءِ حَياتِهِ وضَرَرِهِ ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ وهي أعْمالُ الخَيْرِ المُجَرَّدَةُ الَّتِي يُقْصَدُ بِها وجْهُ اللَّهِ تَعالى الَّتِي رَغَّبَنا فِيها بِقَوْلِهِ

﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا﴾ [الكهف: ٧] وما بَعْدَهُ ﴿خَيْرٌ﴾ أيْ مِنَ الزِّينَةِ الفانِيَةِ. ولَمّا كانَ أهَمُّ ما إلى مَن حَصَّلَ (p-٧٠)النَّفائِسَ لِكِفايَتِهِ مَن يَحْفَظُها لَهُ لِوَقْتِ حاجَتِهِ قالَ: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيِ الجَلِيلِ المَواهِبِ، العالِمِ بِالعَواقِبِ، وخَيْرٌ مِنَ المالِ والبَنِينَ في العاجِلِ والآجِلِ ﴿ثَوابًا وخَيْرٌ﴾ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ ﴿أمَلا﴾ أيْ مِن جِهَةِ ما يَرْجُو فِيها مِنَ الثَّوابِ ويَرْجُو فِيها مِنَ الأمَلِ، لِأنَّ ثَوابَها إلى بَقاءٍ، وأمَلَها كُلَّ ساعَةٍ في تَحْقِيقٍ وعُلُوٍّ وارْتِقاءٍ، وأمَلَ المالِ والبَنِينَ يَخْتانُ أحْوَجَ ما يَكُونُ إلَيْهِما.

18:47Page 299

وَيَوۡمَ نُسَيِّرُ ٱلۡجِبَالَ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ بَارِزَةٗ وَحَشَرۡنَٰهُمۡ فَلَمۡ نُغَادِرۡ مِنۡهُمۡ أَحَدٗا ٤٧

And [warn of] the Day when We will remove the mountains and you will see the earth exposed,1 and We will gather them and not leave behind from them anyone.

ولَمّا ذَكَرَ المَبْدَأ ونَبَّهَ عَلى زَوالِهِ، وخَتَمَ بِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ الِاخْتِبارُ لِلرِّفْعَةِ بِالثَّوابِ أوِ الضَّعَةِ بِالعِقابِ، وكانَ الخِزْيُ والصَّغارُ، أعْظَمَ شَيْءٍ تَرْهَبُهُ النُّفُوسُ الكِبارُ، لا سِيَّما إذا عَظُمَ الجَمْعُ واشْتَدَّ الأمْرُ، فَكَيْفَ إذا انْضَمَّ إلَيْهِ الفَقْرُ فَكَيْفَ إذا صاحَبَهُما الحَبْسُ وكانَ يَوْمُ الحَشْرِ يَوْمًا يُجْمَعُ فِيهِ الخَلائِقُ، فَهو بِالحَقِيقَةِ المَشْهُودُ، وتَظْهَرُ فِيهِ العَظَمَةُ فَهو وحْدَهُ المَرْهُوبُ، عَقَّبَ ذِكْرَ الجَزاءِ ذِكْرَهُ، لِأنَّهُ أعْظَمُ يَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِ، فَقالَ تَعالى عاطِفًا عَلى ﴿واضْرِبْ﴾ [الكهف: ٤٥] ﴿ويَوْمَ﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم يَوْمَ ﴿نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ عَنْ وجْهِ الأرْضِ بِعَواصِفِ القُدْرَةِ كَما يَسِيرُ نَباتُ الأرْضِ - بَعْدَ أنْ صارَ هَشِيمًا - بِالرِّياحِ ﴿وتَرى الجِبالَ (p-٧١)تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] ﴿وتَرى الأرْضَ﴾ بِكَمالِها ﴿بارِزَةً﴾ لا لا غارَ فِيها ولا صَدْعَ ولا جَبَلَ ولا نَبْتَ ولا شَجَرَ ولا ظِلَّ ”و“ الحالُ أنّا قَدْ حَشَرْناهم أيِ الخَلائِقَ بِعَظَمَتِنا قَبْلَ التَّسْيِيرِ بِتِلْكَ الصَّيْحَةِ، قَهْرًا إلى المَوْقِفِ الَّذِي يَنْكَشِفُ فِيهِ المُخَبَّآتُ، وتَظْهَرُ الفَضائِحُ والمُغَيَّباتُ، ويَقَعُ الحِسابُ فِيهِ عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ، والنّافِذُ فِيهِ بَصِيرٌ، فَيَنْظُرُونَ ويَسْمَعُونَ زَلازِلَ الجِبالِ عِنْدَ زَوالِها، وقَعاقِعَ الأبْنِيَةِ والأشْجارِ في هَدِّها وتَبايُنِ أوْصالِها، وفَنائِها بَعْدَ عَظِيمِ مَرْآها واضْمِحْلالَها ﴿فَلَمْ نُغادِرْ﴾ أيْ نَتْرُكْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مِنهُمْ﴾ أيِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ﴿أحَدًا﴾ لِأنَّهُ لا ذُهُولَ ولا عَجْزَ.

18:48Page 299

وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفّٗا لَّقَدۡ جِئۡتُمُونَا كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةِۭۚ بَلۡ زَعَمۡتُمۡ أَلَّن نَّجۡعَلَ لَكُم مَّوۡعِدٗا ٤٨

And they will be presented before your Lord in rows, [and He will say], "You have certainly come to Us just as We created you the first time. But you claimed that We would never make for you an appointment."

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ حَشْرَهُمْ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لِلْعَرْضِ، ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ العَرْضِ، فَقالَ بانِيًا الفِعْلَ لِلْمَفْعُولِ عَلى طَرِيقَةِ كَلامِ القادِرِينَ، ولِأنَّ المُخَوَّفَ العَرْضُ لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ: ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِرَفْعِ أوْلِيائِكَ وخَفْضِ أعْدائِكَ ﴿صَفًّا﴾ لِاتِّساعِ الأرْضِ والمُسايَقَةِ إلى دارِهِ، لِعَرْضِ أذَلِّ شَيْءٍ وأصْغَرِهِ، وأطْوَعِهِ وأحْقَرِهِ، يُقالُ لَهم تَنْبِيهًا عَلى مَقامِ العَظَمَةِ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ أحْياءً سَوِيِّينَ حُفاةً عُراةً غُرْلًا ﴿كَما خَلَقْناكُمْ﴾ بِتِلْكَ العَظَمَةِ ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ مُنْعَزِلِينَ مِن (p-٧٢)كُلِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَجْمَعُونَهُ وتُفاخِرُونَ بِهِ مُنْقادِينَ مُذْعِنِينَ فَتَقُولُونَ ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢] فَيُقالُ لَكُمْ: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ أيِ ادَّعَيْتُمْ جَهْلًا بِعَظَمَتِنا ”أنَّ“ أيْ أنّا ”لَنْ نَجْعَلَ لَكم“ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مَوْعِدًا﴾ أيْ مَكانًا ووَقْتًا نَجْمَعُكم فِيهِ هَذا الجَمْعَ فَنُنْجِزُ ما وعَدْناكم بِهِ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ

18:49Page 299

وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا ٤٩

And the record [of deeds] will be placed [open], and you will see the criminals fearful of that within it, and they will say, "Oh, woe to us! What is this book that leaves nothing small or great except that it has enumerated it?" And they will find what they did present [before them]. And your Lord does injustice to no one.

﴿ووُضِعَ﴾ بِأيْسَرِ أمْرٍ بَعْدَ العَرْضِ المُسْتَعْقِبِ لِلْجَمْعِ بِأدْنى إشارَةٍ ﴿الكِتابُ﴾ المَضْبُوطُ فِيهِ دَقائِقُ الأعْمالِ وجَلائِلُها عَلى وجْهٍ بَيِّنٍ لا يَخْفى عَلى قارِئٍ ولا غَيْرِهِ شَيْءٌ مِنهُ ﴿فَتَرى المُجْرِمِينَ﴾ لِتَقَرَّ عَيْنُكَ مِنهم بِشَماتَةٍ لا خَيْرَ بَعْدَها ﴿مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ مِن قَبائِحِ أعْمالِهِمْ، وسَيِّئِ أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ أيْ خائِفِينَ دائِمًا خَوْفًا عَظِيمًا مِن عِقابِ الحَقِّ والفَضِيحَةِ عِنْدَ الخَلْقِ ﴿ويَقُولُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ ويُكَرِّرُونَ قَوْلَهُمْ: ﴿يا ويْلَتَنا﴾ كِنايَةً عَنْ أنَّهُ لا نَدِيمَ لَهم إذْ ذاكَ إلّا الهَلاكَ ﴿مالِ هَذا الكِتابِ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ لَهُ حالَ كَوْنِهِ عَلى غَيْرِ حالِ الكُتُبِ في الدُّنْيا، ورَسْمُ لامِ الجَرِّ وحْدَهُ إشارَةٌ إلى أنَّهم صارُوا مِن قُوَّةِ الرُّعْبِ وشِدَّةِ الكَرْبِ يَقِفُونَ عَلى بَعْضِ الكُتُبِ، وفَسَّرُوا حالَ الكِتابِ الَّتِي أفْظَعَتْهم وسَألُوا عَنْها بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا يُغادِرُ﴾ أيْ يَتْرُكُ [أيْ يَقَعُ -] مِنهُ غَدْرٌ، أيْ عَدَمُ وفاءٍ (p-٧٣)[وهُوَ مِن غادَرَ الشَّيْءَ: تَرَكَهُ - كَأنَّ كُلًّا مِنهُما يُرِيدُ غَدْرَ الآخَرِ، أيْ عَدَمَ الوَفاءِ بِهِ، مِنَ الغَدِيرِ - لِقِطْعَةٍ مِنَ -] الماءِ يَتْرُكُها السَّيْلُ كَأنَّهُ لَمْ يُوفِ لَهُما بِأخْذِ ما مَعَهُ، وكَذا الغَدِيرَةُ لِناقَةٍ تَرَكَها الرّاعِي ”صَغِيرَةً“ أيْ مِن أعْمالِنا.

ولَمّا هالَهم إثْباتُ جَمِيعِ الصَّغائِرِ، بَدَؤُوا بِها، وصَرَّحُوا بِالكَبائِرِ - وإنْ كانَ إثْباتُ الصَّغائِرِ يُفْهِمُها - تَأْكِيدًا لِأنَّ المَقامَ لِلتَّهْوِيلِ وتَعْظِيمِ التَّفَجُّعِ، وإشارَةً إلى أنَّ الَّذِي جَرَّهم إلَيْها هو الصَّغائِرُ - كَما قالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقالُوا: ﴿ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها﴾ ولَمّا كانَ الإحْصاءُ قَدْ لا يَسْتَلْزِمُ اطِّلاعَ صاحِبِ الكِتابِ وجَزاءَهُ عَلَيْهِ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ كِتابَةً وجَزاءً مِن غَيْرِ أنْ يَظْلِمَهم [سُبْحانَهُ -] أوْ يَظْلِمَ مَن عادُوهم فِيهِ ﴿ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ﴾ الَّذِي رَبّاكَ بِخُلُقِ القُرْآنِ ﴿أحَدًا﴾ مِنهم ولا مِن غَيْرِهِمْ في كِتابٍ ولا عِقابٍ ولا ثَوابٍ، بَلْ يُجازِي الأعْداءَ بِما يَسْتَحِقُّونَ، تَعْذِيبًا لَهم وتَنْعِيمًا لِأوْلِيائِهِ الَّذِينَ عادُوهم فِيهِ لِلْعَدْلِ بَيْنَهُمْ؛ رَوى الإمامُ أحْمَدُ في المُسْنَدِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّهُ سافَرَ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَسِيرَةَ شَهْرٍ فاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ قالَ: فَخَرَجَ يَطَأُ ثَوْبَهُ فاعْتَنَقَنِي واعْتَنَقْتُهُ، قُلْتُ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ أنَّكَ سَمِعْتَهُ مِن (p-٧٤)رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ في القِصاصِ، فَخَشِيتُ أنْ تَمُوتَ قَبْلَ أنْ أسْمَعَهُ، فَقالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ:

”يَحْشُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ النّاسَ - أوْ قالَ: العِبادَ - حُفاةً عُراةً بُهْمًا قُلْتُ: وما بُهْمًا؟ [قالَ -]: لَيْسَ مَعَهم شَيْءٌ، ثُمَّ يُنادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَن بَعُدَ كَما يَسْمَعُهُ مَن قَرُبَ: أنا المَلِكُ أنا الدَّيّانُ، لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ [مِن أهْلِ النّارِ أنْ يَدْخُلَ النّارَ ولَهُ عِنْدَ أحَدٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ حَقٌّ حَتّى أقُصَّهُ مِنهُ، ولا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ -] أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ ولَهُ عِنْدَ أحَدٍ مِن أهْلِ النّارِ حَقٌّ حَتّى أقُصَّهُ مِنهُ [حَتّى اللَّطْمَةُ -]، قالَ: قُلْنا: كَيْفَ وإنَّما [نَأْتِي اللَّهَ -] حُفاةً عُراةً بُهْمًا؟ قالَ: بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ“» .

18:50Page 299

وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّٰلِمِينَ بَدَلٗا ٥٠

And [mention] when We said to the angels, "Prostrate to Adam," and they prostrated, except for Iblees. He was of the jinn and departed from [i.e., disobeyed] the command of his Lord. Then will you take him and his descendants as allies other than Me while they are enemies to you? Wretched it is for the wrongdoers as an exchange.

ولَمّا ذَكَرَ البَعْثَ وخَتَمَهُ بِإحْسانِهِ بِالعَدْلِ المُثْمِرِ لِإعْطاءِ كُلِّ أحَدٍ ما يَسْتَحِقُّهُ، أتْبَعَهُ - بِما لَهُ مِنَ الفَضْلِ - بِابْتِداءِ الخَلْقِ الَّذِي هو دَلِيلُهُ، في سِياقٍ مُذَكِّرٍ بِوِلايَتِهِ المُوجِبَةِ لِلْإقْبالِ عَلَيْهِ، وعَداوَةِ الشَّيْطانِ المُوجِبَةِ لِلْإدْبارِ عَنْهُ، مُبَيِّنٍ لِما قابَلُوا بِهِ عَدْلَهُ فِيهِمْ وفي عَدُوِّهِمْ مِنَ الظُّلْمِ بِفِعْلِهِمْ كَما فَعَلَ مِنَ التَّكَبُّرِ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأصْلِهِ، فَتَكَبَّرُوا عَلى فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ بِأصْلِهِمْ وأمْوالِهِمْ وعَشائِرِهِمْ، فَكانَ فِعْلُهم فِعْلَهُ سَواءً، فَكانَ (p-٧٥)قُدْوَتَهم وهو عَدُوُّهُمْ، ولَمْ يَقْتَدُوا بِخَيْرِ خَلْقِهِ وهو ولِيُّهم وهو أعْرَفُ النّاسِ بِهِ، فَقالَ تَعالى عاطِفًا عَلى ﴿واضْرِبْ﴾ [الكهف: ٤٥] ﴿وإذْ﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم إذْ ﴿قُلْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾ الَّذِينَ هم أطْوَعُ شَيْءٍ لِأوامِرِنا وإبْلِيسُ فِيهِمْ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وذَلِكَ أنَّهُ كانَ قَدْ تَرَسَّمَ بِأفْعالِ المَلائِكَةِ وتَشَبَّهَ بِهِمْ وتَعَبَّدَ وتَنَسَّكَ، ولِهَذا دَخَلَ في خِطابِهِمْ وعَصى بِالمُخالَفَةِ ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ أبِيهِمْ نِعْمَةً مِنّا عَلَيْهِ يَجِبُ عَلَيْهِمْ شُكْرُنا فِيها ﴿فَسَجَدُوا﴾ كُلُّهم ﴿إلا إبْلِيسَ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهُ لَمْ يَسْجُدْ؟ فَقِيلَ: ﴿كانَ﴾ أيْ لِأنَّهُ كانَ ﴿مِنَ الجِنِّ﴾ المَخْلُوقِينَ مِن نارٍ، ولَعَلَّ النّارَ لَمّا كانَتْ نَيِّرَةً وإنْ كانَتْ نُورانِيَّتُها مَشُوبَةً بِكُدُورَةٍ وإحْراقٍ، عُدَّ مِنَ المَلائِكَةِ لِاجْتِماعِ العُنْصُرَيْنِ في مُطْلَقِ النُّورِ، مَعَ ما كانَ غَلَبَ عَلَيْهِ مِنَ العِبادَةِ، فَقَدْ رَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ: «خُلِقَتِ المَلائِكَةُ مِن نُورٍ، وخُلِقَ الجانُّ - وفي رِوايَةٍ: إبْلِيسُ - مِن مارِجٍ مِن نارٍ، وخُلِقَ آدَمُ مِمّا وُصِفَ لَكُمْ» وفي مَكائِدِ الشَّيْطانِ لِابْنِ أبِي الدُّنْيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ الجِنَّ كانَتْ قَبِيلَةً مِنَ المَلائِكَةِ.

ولَمّا كانَ أكْثَرُ الجِنِّ مُفْسِدًا، رُجُوعًا إلى الأصْلِ الَّذِي هو (p-٧٦)النّارُ المُحْرِقَةُ لِما لاصَقَها، المُفْسِدَةُ لَهُ، سَبَّبَ فِسْقَهُ عَنْ كَوْنِهِ مِنهم فَقالَ تَعالى: ﴿فَفَسَقَ﴾ أيْ خَرَجَ، يُقالُ: فَسَقَتِ الفَأْرَةُ مِن جُحْرِها - إذا خَرَجَتْ لِلْعَيْثِ والفَسادِ.

﴿عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ أيْ سَيِّدِهِ ومالِكِهِ المُحْسِنِ إلَيْهِ بِإبْداعِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اصْطِناعِهِ، في شَأْنِ أبِيكُمْ، إذْ تَكَبَّرَ عَلَيْهِ فَطَرَدَهُ رَبُّهُ مِن أجْلِكُمْ، فَلا تَسْتَنُّوا بِهِ في الِافْتِخارِ والتَّكَبُّرِ عَلى الضُّعَفاءِ، فَإنَّ مَن كانَتْ خَطِيئَتُهُ في كِبْرٍ لَمْ يَكُنْ صَلاحُهُ مَرْجُوًّا، ومَن كانَتْ خَطِيئَتُهُ في مَعْصِيَةٍ كانَ صَلاحُهُ مَرْجُوًّا، ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ هَذا ما هو جَدِيرٌ بِالإنْكارِ فَقالَ تَعالى في أُسْلُوبِ الخِطابِ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى تَناهِي الغَضَبِ وأوْجَعُ في التَّبْكِيتِ، والتَّكَلُّمِ لِأنَّهُ أنَصُّ عَلى المَقْصُودِ مِنَ التَّوْحِيدِ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ﴾ أيْ أيَفْسُقُ بِاسْتِحْقارِكم فَيَطْرُدُهُ لِأجْلِكم فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِأنْ تَتَّخِذُوهُ ﴿وذُرِّيَّتَهُ﴾ شُرَكاءَ لِي ﴿أوْلِياءَ﴾ لَكم ﴿مِن دُونِي﴾ أيِ اتِّخاذًا مُبْتَدِئًا مِن غَيْرِي أوْ مِن أدْنى رُتْبَةٍ مِن رُتْبَتِي، لِيَعُمَّ الِاتِّخاذُ اسْتِقْلالًا وشِرْكَةً، ولَوْ كانَ المَعْنى: مِن دُونِ - أيْ غَيْرِ - اتِّخاذِي، لَأفادَ الِاسْتِقْلالَ فَقَطْ، ولَوْ كانَ الِاتِّخاذُ مُبْتَدِئًا مِنهُ بِأنْ كانَ هو الآمِرَ بِهِ لَمْ يَكُنْ مَمْنُوعًا، وأنا ولِيُّكُمُ المُفْضِلُ عَلَيْكم (p-٧٧)﴿وهم لَكُمْ﴾ ولَمّا كانَ بِناءُ فَعُولٍ لِلْمُبالَغَةِ ولا سِيَّما وهو شَبِيهٌ بِالمُغالاةِ في نَحْوِ القَوْلِ، أغْنى عَنْ صِيغَةِ الجَمْعِ فَقالَ: ﴿عَدُوٌّ﴾ إشارَةً إلى أنَّهم في شِدَّةِ العَداوَةِ عَلى قَلْبٍ واحِدٍ. ولَمّا كانَ هَذا الفِعْلُ أجْدَرَ شَيْءٍ بِالذَّمِّ، وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿بِئْسَ﴾ وكانَ الأصْلُ: لَكُمْ، ولَكِنَّهُ أبْرَزَ هَذا الضَّمِيرَ لِتَعْلِيقِ الفِعْلِ بِالوَصْفِ والتَّعْمِيمِ فَقالَ تَعالى: ﴿لِلظّالِمِينَ بَدَلا﴾ إذا اسْتَبْدَلُوا مَن لَيْسَ لَهم شَيْءٌ مِنَ الأمْرِ وهم لَهم عَدُوٌّ بِمَن لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ وهو لَهم ولِيٌّ.

18:51Page 299

۞ مَّآ أَشۡهَدتُّهُمۡ خَلۡقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَا خَلۡقَ أَنفُسِهِمۡ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلۡمُضِلِّينَ عَضُدٗا ٥١

I did not make them witness to the creation of the heavens and the earth or to the creation of themselves, and I would not have taken the misguiders as assistants.

ولَمّا كانَ الشَّرِيكُ لا يَسْتَأْثِرُ بِفِعْلِ أمْرٍ عَظِيمٍ في المُشْتَرَكِ فِيهِ مِن غَيْرِ عِلْمٍ لِشَرِيكِهِ بِهِ، قالَ مُعَلِّلًا لِلذَّمِّ عَلى هَذا الظُّلْمِ بِما يَدُلُّ عَلى حَقارَتِهِمْ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ، عادِلًا في أُسْلُوبِ التَّكَلُّمِ إلى التَّجْرِيدِ عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ لِئَلّا يَتَعَنَّتَ مِن أهْلِ الإشْراكِ مُتَعَنِّتٌ كَما عَدَلَ في ﴿دُونِي﴾ [الكهف: ٥٠] لِذَلِكَ: ﴿ما أشْهَدْتُهُمْ﴾ أيْ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتَهُ ﴿خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ نَوْعًا مِن أنْواعِ الإشْهادِ ﴿ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ إشارَةً إلى أنَّهم مَخْلُوقُونَ وأنَّهُ لا يَصِحُّ في عَقْلِ عاقِلٍ أنْ يَكُونَ مَخْلُوقٌ شَرِيكًا لِخالِقِهِ أصْلًا ﴿وما كُنْتُ﴾ أيْ أزَلًا وأبَدًا مُتَّخِذَهُمْ، هَكَذا الأصْلُ ولَكِنَّهُ أبْرَزَ إرْشادًا إلى أنَّ المُضِلَّ لا يُسْتَعانُ بِهِ، لِأنَّهُ مَعَ عَدَمِ نَفْعِهِ يَضُرُّ، فَقالَ تَعالى: ﴿مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يُؤْسَفُ عَلى فَواتِ (p-٧٨)إسْلامِ أحَدٍ، فَإنَّ مَن عَلِمَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا أسْمَعَهُ، ومَن لَمْ يُسْمِعْهُ فَهو مُضِلٌّ لَيْسَ أهْلًا لِنُصْرَةِ الدِّينِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском