Al-Biqa'iAl‑Kahf · 18:52–59

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:52–59

18:52Page 299

وَيَوۡمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُمۡ فَدَعَوۡهُمۡ فَلَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُمۡ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُم مَّوۡبِقٗا ٥٢

And [warn of] the Day when He will say, "Call My 'partners' whom you claimed," and they will invoke them, but they will not respond to them. And We will put between them [a valley of] destruction.

ولَمّا أقامَ البُرْهانَ القاطِعَ عَلى بُعْدِ رُتْبَتِهِمْ عَنِ المَنزِلَةِ الَّتِي أحَلُّوهم بِها مِنَ الشِّرْكِ، أتْبَعَهُ التَّعْرِيفَ بِأنَّهم مَعَ عَدَمِ نَفْعِهِمْ لَهم في الدُّنْيا يَتَخَلَّوْنَ عَنْهم في الآخِرَةِ أحْوَجَ ما يَكُونُونَ إلَيْهِمْ تَخْيِيبًا لِظَنِّهِمْ أنَّهم يُقَرِّبُونَهم إلى اللَّهِ زُلْفى، فَقالَ تَعالى عاطِفًا عَلى ﴿وإذْ قُلْنا﴾ [الكهف: ٥٠] عادِلًا إلى مَقامِ الغَيْبَةِ، إشارَةً إلى بُعْدِهِمْ عَنْ حَضْرَتِهِ الشَّمّاءِ وتَعالِيهِ عَمّا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ [الكهف: ٤٨] في حَجْبِ الجَلالِ والكِبْرِياءِ، وجَرى حَمْزَةُ في قِراءَتِهِ بِالنُّونِ عَلى أُسْلُوبِ التَّكَلُّمِ الَّذِي كانَ فِيهِ مَعَ زِيادَةِ العَظَمَةِ: ﴿ويَوْمَ﴾ أيْ واذْكُرْ يَوْمَ ﴿يَقُولُ﴾ اللَّهُ لَهم تَهَكُّمًا بِهِمْ: ﴿نادُوا شُرَكائِيَ﴾ وبَيَّنَ أنَّ الإضافَةَ لَيْسَتْ عَلى حَقِيقَتِها، بَلْ هي تَوْبِيخٌ لَهم فَقالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنَّهم شُرَكاءُ ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ تَمادِيًا في الجَهْلِ والضَّلالِ ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ أيْ لَمْ يَطْلُبُوا ويُرِيدُوا أنْ يُجِيبُوهم إعْراضًا عَنْهُمُ اسْتِهانَةً بِهِمْ واشْتِغالًا بِأنْفُسِهِمْ فَضْلًا عَنْ أنْ يُعِينُوهم.

ولَمّا كانُوا في غايَةِ الِاسْتِبْعادِ لِأنْ يُحالَ بَيْنَهم وبَيْنَ مَعْبُوداتِهِمْ، قالَ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُمْ﴾ أيِ المُشْرِكِينَ والشُّرَكاءِ ﴿مَوْبِقًا﴾ (p-٧٩)أيْ هَلاكًا أوْ مَوْضِعَ هَلاكٍ، فاصِلًا حائِلًا بَيْنَهُمْ، مُهْلِكًا قَوِيًّا ثابِتًا حَفِيظًا، لا يَشِذُّ عَنْهُ مِنهم أحَدٌ، وإنَّما فَسَّرْتُهُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٢٨] أيْ بِالقُلُوبِ أيْ جَعَلْنا ما كانَ بَيْنَهم مِنَ الوَصْلَةِ عَداوَةً، ومِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] ﴿هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ﴾ [النحل: ٨٦] ونَحْوِهِ، لِأنَّ مَعْنى ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّهُ يُبَدِّلُ ما كانَ بَيْنَهم مِنَ الوُدِّ في الدُّنْيا والوَصْلَةِ بِبُغْضٍ وقَطِيعَةٍ كَما قالَ تَعالى ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] وأنَّ كُلَّ فَرِيقٍ يَطْلُبُ لِلْآخَرِ الهَلاكَ، فاقْتَضى ذَلِكَ اجْتِماعَ الكُلِّ فِيهِ، هَذا ما يُرْشِدُ إلى المَعْنى مِن آياتِ الكِتابِ، ونَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: هو وادٍ عَمِيقٌ فَرَّقَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ أهْلِ الهُدى وأهْلِ الضَّلالَةِ، وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: عَداوَةً.

وأمّا أخْذُهُ مِنَ اللَّفْظِ فَلِأنَّ مادَّةَ وبَقَ - يائِيَّةً وواوِيَّةً مَهْمُوزَةً وغَيْرَ مَهْمُوزَةٍ، ولَها أحَدَ عَشَرَ تَرْكِيبًا: واحِدٌ يائِيٌّ: بَقَيَ، وسِتَّةٌ واوِيَّةٌ: قَبَوَ، قَوَبَ، بَقَوَ، بَوَقَ، وقَبَ، وبَقَ، وأرْبَعَةٌ مَهْمُوزَةٌ: قَبَأ، قَأبَ، بَأقَ، أبَقَ - كُلَّها تَدُورُ عَلى الجَمْعِ، وخُصُوصًا تَرْتِيبَ وبَقَ (p-٨٠)يَدُورُ عَلى الحائِلِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، ويَلْزَمُهُ القُوَّةُ والثَّباتُ والحِفْظُ والهَلاكُ قُوَّةً أوْ فِعْلًا، لِأنَّ مَن حِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ شَيْءٍ فَقَدْ هَلَكَ بِفَقْدِ ذَلِكَ الشَّيْءِ بِالفِعْلِ إنْ كانَ الحائِلُ مَوْتًا، وبِالقُوَّةِ إنْ كانَ غَيْرَهُ، يُقالُ: قَبا الشَّيْءَ: جَمَعَهُ بِأصابِعِهِ، والبِناءَ: رَفَعَهُ، والزَّعْفَرانَ: جَناهُ، والقَبا - بِالقَصْرِ: نَبْتٌ - لِأنَّهُ سَبَبُ الِاجْتِماعِ لِرَعْيِهِ والِانْتِفاعِ بِهِ وهو يُجْمَعُ أيْضًا، والقَبا: تَقْوِيسُ الشَّيْءِ - لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى اجْتِماعِ بَعْضِ أجْزائِهِ بِبَعْضٍ، والقَبْوَةُ: انْضِمامُ ما بَيْنَ الشَّفَتَيْنِ، ومِنهُ القَباءُ مِنَ الثِّيابِ، وقَبّاهُ تَقْبِيَةً: عَبّاهُ، أيْ جَمَعَهُ حَتّى صارَ كَأنَّهُ في مَكانٍ مَقْبُوٍّ، وقَبّى عَلَيْهِ تَقْبِيَةً: عَدا عَلَيْهِ في أمْرِهِ - لِأنَّهُ كانَ كَأنَّهُ أوْقَعَهُ في حُفْرَةٍ، والثَّوْبَ: جَعَلَ مِنهُ قَباءً، وتَقَبّى القَباءَ: لَبِسَهُ، وزَيْدًا: أتاهُ مِن قَفاهُ - لِأنَّ مَن يُرِيدُ رَمْيَ أحَدٍ في حُفْرَةٍ كَذَلِكَ يَأْتِيهِ مُخاتَلَةً، وتَقَبّى الشَّيْءُ: صارَ كالقُبَّةِ، وامْرَأةٌ قابِيَةٌ: تَلْقُطُ العُصْفُرَ وتَجْمَعُهُ، والقابِياءُ: اللَّئِيمُ - لِأنَّهُ بِناءُ مُبالَغَةٍ، فَيَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ الجَمْعِ والحِرْصِ اللّازِمَيْنِ لِلُّؤْمِ، وبَنُو قابِياءَ: المُجْتَمِعُونَ لِشُرْبِ الخَمْرِ - لِأنَّها حالَةٌ تُظْهِرُ لُؤْمَ اللِّئامِ، وقُباءُ - بِالضَّمِّ ويُذَكَّرُ ويُقْصَرُ – (p-٨١)مَوْضِعٌ قُرْبَ المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ، ومَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ والبَصْرَةِ، وانْقَبى: اسْتَخْفى، وقَبى قَوْسَيْنِ وقِباءَ قَوْسَيْنِ - كَكِساءٍ: قابَ قَوْسَيْنِ، والمُقَبِّي: الكَثِيرُ الشَّحْمِ - كَأنَّهُ جَمَعَ لِنَفْسِهِ مِنهُ بِالرّاحَةِ ما صارَ كالبِناءِ، والقَبايَةُ: المَفازَةُ - لِأنَّها تَجْمَعُ ما فِيها كَما تَجْمَعُ القُبَّةُ والقَباءُ والوَقْبَةُ ما فِيها. ومِن مَهْمُوزِهِ: قَبَأ الطَّعامَ - كَجَمَعَ: أكَلَهُ، ومِنَ الشَّرابِ: امْتَلَأ، والقَباءَةُ: حَشِيشَةٌ تُرْعى - لِأنَّ المالَ يَجْتَمِعُ عَلى رَعْيِها.

ومِنَ الواوِيِّ: قابَ الأرْضَ يَقُوبُها وقَوَّبَها: حَفَرَ فِيها شِبْهَ التَّقْوِيرِ - لِأنَّ الدّائِرَةَ أجْمَعُ ما يَكُونُ لِغَيْرِها وفي نَفْسِها، لِأنَّهُ لا زَوايا فِيها فاصِلَةٌ، وقَوَّبْتُ الأرْضَ: أثَرْتُ فِيها، والقُوبَةُ: ما يَظْهَرُ في الجَسَدِ ويَخْرُجُ عَلَيْهِ - لِأنَّهُ يَكُونُ غالِبًا عَلى هَيْئَةِ الدّائِرَةِ، وتَقَوَّبَ جِلْدُهُ: تَقَلَّعَ عَنْهُ الجَرَبُ، وانْحَلَقَ عَنْهُ الشَّعْرُ - إمّا مِنَ الإزالَةِ، وإمّا لِأنَّ آثارَهُ تَكُونُ كالدَّوائِرِ، وقَوَّبَ الشَّيْءَ: قَلَعَهُ مِن أصْلِهِ - لِأنَّ أثَرَهُ إذا انْقَلَعَ يَكُونُ حَفْرًا مُسْتَدِيرًا، وتَقَوَّبَ هُوَ: تَقَلَّعَ، والقائِبَةُ والقابَةُ: البَيْضَةُ - لِأنَّها لِتَدْوِيرِها تُشْبِهُ ذَلِكَ الحَفْرَ، والقَوْبُ - بِالفَتْحِ: (p-٨٢)فَلْقُ الطَّيْرِ بَيْضَهُ، وبِالضَّمِّ: الفَرْخُ - لِأنَّهُ مِنها، وفي المَثَلِ: تَخَلَّصَتْ قائِبَةٌ مِن قُوبٍ - يُضْرَبُ لِمَنِ انْفَصَلَ مِن صاحِبِهِ، والقُوبِيُّ: المُولَعُ بِأكْلِ الأقْوابِ أيِ الفِراخِ، والقُوَبُ - كَصُرَدٍ: قُشُورُ البَيْضِ، وتَقَوَّبَتِ البَيْضَةُ: انْقابَتْ أيِ انْحَفَرَتْ، وأُمُّ قَوْبٍ: الدّاهِيَةُ - لِجَمْعِها ما تَأْتِي عَلَيْهِ كَأنَّهُ ابْتَلَعَهُ حَفْرٌ، وقابَ: قَرُبَ - لِأنَّ القُرْبَ مَبْدَأُ الجَمْعِ، وقابَ: هَرَبَ، أيْ سُلِبَ القُرْبَ - ضِدٌّ، وقابَ: فَلَقَ، أيْ شَقَّ الجَمْعَ فَهو مِنَ الإزالَةِ أيْضًا، وقابُ قَوْسٍ وقِيبُهُ، أيْ قَدْرُهُ - لِأنَّ القَوْسَ شِبْهُ نِصْفِ دائِرَةٍ مِن ذَلِكَ الحَفْرِ، والقابُ: ما بَيْنَ المِقْبَضِ والسِّيَةِ - لِأنَّهُ بَعْضُ ذَلِكَ، ولِكُلِّ قَوْسٍ قابانِ، والأسْوَدُ المُتَقَوِّبُ: الَّذِي انْسَلَخَ جِلْدُهُ مِنَ الحَيّاتِ - لِتَدَوُّرِ ذَلِكَ الجِلْدِ وشَبَهِهِ بِالحُفْرَةِ، واقْتابَ الشَّيْءَ: اخْتارَهُ، أيْ جَمَعَهُ إلَيْهِ، ورَجُلٌ مَلِيءٌ قُوَبَةٌ - كَهُمَزَةٍ: ثابِتُ الدّارِ مُقِيمٌ - مِنَ الثَّباتِ الَّذِي هو لازِمُ الجَمْعِ، وقَوِبَ مِنَ الغُبارِ: اغْبَرَّ - إمّا لِأنَّ مَن يَحْفِرُ ذَلِكَ يَغْبَرُّ، وإمّا لِأنَّ الغُبارَ كَثُرَ عَلَيْهِ حَتّى غَطّاهُ فَصارَ لَهُ مِثْلُ تِلْكَ الحُفْرَةِ.

ومِن مَهْمُوزِهِ: قَأبَ الطَّعامَ - كَمَنَعَ: أكَلَهُ، والماءَ: شَرِبَهُ كَقَئِبَهُ - كَفَرِحَ، أوْ شَرِبَ كُلَّ ما في الإناءِ، وقَئِبَ مِنَ الشَّرابِ: تَمَلَّأ، وهو مِقْأبٌ - كَمِنبَرٍ: كَثِيرُ الشُّرْبِ لِلْماءِ، وإناءٌ قَوْأبٌ: كَثِيرُ الأخْذِ (p-٨٣)لِلْماءِ - فَهو كَما تَرى جَمْعٌ مَخْصُوصٌ بِالأكْلِ والشُّرْبِ، أوْ أنَّهُ جَمَعَهُ في وقْبَةِ بَطْنِهِ.

ومِنَ الواوِيِّ: بَقاهُ بِعَيْنِهِ: نَظَرَ إلَيْهِ - فَهو مِنَ الحِفْظِ اللّازِمِ لِلْجَمْعِ، وابْقُهْ بَقْوَتَكَ مالَكَ، وبَقاوَتَكَ مالَكَ أيِ احْفَظْهُ حِفْظَكَ مالَكَ، وبَقَوْتُهُ: انْتَظَرْتُهُ - وهو يَرْجِعُ إلى الثَّباتِ والمُراقَبَةِ الَّتِي تَرْجِعُ إلى الحِفْظِ، ويَلْزَمُ الحِفْظَ الثَّباتُ. ومِنَ اليائِيِّ: بَقِيَ الشَّيْءُ بَقاءً: ثَبَتَ ودامَ ضِدُّ فَنِيَ، والِاسْمُ البَقْوى - كَدَعْوى، ويُضَمُّ، والبُقْيا - بِالضَّمِّ والبَقِيَّةُ، وقَدْ تُوضَعُ الباقِيَةُ مَوْضِعَ المَصْدَرِ.

ومِن واوِيِّهِ: البُوقَةُ: الجَمْعُ والدُّفْعَةُ مِنَ المَطَرِ الشَّدِيدِ أوِ المُنْكَرَةُ تَنْباقُ - أنَّها نَزَلَتْ مِن وقْبَةٍ لِشِدَّتِها، والبَوائِقُ: العَوائِدُ - لِأنَّها جامِعَةٌ لِمَنِ اعْتادَها، والبَوائِقُ: الشَّرُّ - لِأنَّهُ مُهْلِكٌ، فَكَأنَّهُ مُوقِعٌ في المَهالِكِ، والبُوقُ - بِالضَّمِّ: شِبْهُ مِنقابٍ يَنْفُخُ فِيهِ الطَّحّانُ، أوِ الَّذِي يُنْفَخُ فِيهِ مُطْلَقًا ويُزْمَرُ - لِأنَّهُ لِتَجْوِيفِهِ يُشْبِهُ الوَقْبَةَ، والبُوقُ أيْضًا: الباطِلُ والزُّورُ - لِأنَّ صَوْتَهُ أشْبَهُ شَيْءٍ بِذَلِكَ، والمُبَوَّقُ - كَمُعَظَّمٍ: الكَلامُ الباطِلُ، والبُوقُ - ويُفْتَحُ: مَن لا يَكْتُمُ السِّرَّ - لِأنَّ البُوقَ مَتى نُفِخَ فِيهِ صَوَّتَ، والبُوقَةُ: شَجَرَةٌ دَقِيقَةٌ - لِأنَّها لِدِقَّتِها يُسْرِعُ إلَيْها الهَلاكُ كَمَن وقَعَ في وقْبَةٍ، (p-٨٤)والبائِقَةُ: الدّاهِيَةُ - كَأنَّها تَدْفَعُ مَن أتَتْهُ في الوَقْبَةِ، وانْباقَتْ عَلَيْهِ بائِقَةٌ: انْفَتَقَتْ، وباقَ: جاءَ بِالشَّرِّ والخُصُوماتِ - مِن ذَلِكَ، وكَذا باقَ، أيْ تَعَدّى عَلى إنْسانٍ، وانْباقَ بِهِ: ظَلَمَهُ، والبائِقَةُ القَوْمَ: أصابَتْهُمْ، كانْباقَتْ عَلَيْهِمْ، أيْ خَرَجَتْ لِشِدَّتِها مِن وقْبَةٍ، والباقَةُ: الحُزْمَةُ مِن بَقْلٍ - لِاجْتِماعِها، وباقَ بِكَ: طَلَعَ عَلَيْكَ مِن غَيْبَةٍ - كَأنَّهُ كانَ في حُفْرَةٍ فَخَرَجَ، ومِنهُ باقَ فُلانٌ: هَجَمَ عَلى قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، وباقَ القَوْمَ: سَرَقَهُمْ، وباقَ بِهِ: حاقَ بِهِ، أيْ - أحاطَ كَما تُحِيطُ الوَقْبَةُ، وباقَ القَوْمُ عَلَيْهِ: اجْتَمَعُوا فَقَتَلُوهُ ظُلْمًا، وباقَ المالُ: فَسَدَ وبارَ - كَحالِ مَن وقَعَ في حُفْرَةٍ، ومِنهُ مَتاعٌ بائِقٌ: لا ثَمَنَ لَهُ، وتَبَوَّقَ في الماشِيَةِ: وقَعَ فِيها المَوْتُ وفَشا، والخاقِ باقِ: صَوْتُ الفَرْجِ عِنْدَ الجِماعِ - لِأنَّهُ مِنَ الجَمْعِ، ولِأنَّ الفَرْجَ وقْبَةٌ، ومِن مَهْمُوزِهِ: بَأقَتْهُمُ الدّاهِيَةُ بَؤُوقًا: أصابَتْهُمْ، وانْبَأقَ عَلَيْهِمُ الدَّهْرُ: هَجَمَ عَلَيْهِمْ بِالدّاهِيَةِ.

ومِنَ الواوِيِّ، الوَقْبَةُ: كُوَّةٌ عَظِيمَةٌ فِيها ظِلٌّ، والوَقْبُ والوَقْبَةُ: نَقْرَةٌ في الصَّخْرَةِ يَجْتَمِعُ فِيها الماءُ، وقِيلَ: هي نَحْوُ البِئْرِ في الصَّفا تَكُونُ قامَةً أوْ قامَتَيْنِ يَسْتَنْقِعُ فِيها ماءُ السَّماءِ، وكُلُّ نَقْرٍ في الجَسَدِ وقْبٌ كَنَقْرِ العَيْنِ والكَتِفِ، والوَقْبانِ مِنَ الفَرَسِ: هَزْمَتانِ فَوْقَ عَيْنَيْهِ، ووَقْبُ (p-٨٥)المَحالَةِ: الثَّقْبُ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ المِحْوَرُ، ووَقْبَةُ الدُّهْنِ: أُنْقُوعَتُهُ، وكَذا وقْبَةُ الثَّرِيدِ، ووَقَبَ الشَّيْءُ: دَخَلَ في الوَقْبِ، وأوْقَبَ الشَّيْءَ: أدْخَلَهُ فِيهِ، ورَكِيَّةٌ وقْباءُ: غامِرَةُ الماءِ، وامْرَأةٌ مِيقابٌ: واسِعَةُ الفَرْجِ وبَنُو المِيقابِ نُسِبُوا إلى أُمِّهِمْ، يُرِيدُونَ سَبَّهم بِذَلِكَ، والمِيقابُ: الرَّجُلُ الكَثِيرُ الشُّرْبِ لِلْماءِ، والحَمْقاءُ أوِ المُحْمِقَةُ، وسَيْرُ المِيقابِ: أنْ تُواصِلَ سَيْرَ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ - كَأنَّ ذَلِكَ سَيْرُ الأحْمَقِ الَّذِي لا يُبْقِي عَلى ظَهْرِهِ، ووَقَبَ القَمَرُ وُقُوبًا: دَخَلَ في الظِّلِّ الَّذِي يَكْسِفُهُ - كَأنَّهُ حُفْرَةٌ ابْتَلَعَتْهُ، ووَقَبَتِ الشَّمْسُ وُقُوبًا: غابَتْ كَذَلِكَ، وقِيلَ: كُلُّ ما غابَ فَقَدْ وقَبَ، ووَقَبَ الظَّلامُ، أقْبَلَ. أيْ فَصارَ كالوَقْبَةِ، فابْتَلَعَ الضِّياءَ أوِ ابْتَلَعَ ما في الكَوْنِ فَحَجَبَهُ عَنِ الضِّياءِ، ورَجُلٌ وقْبٌ: أحْمَقٌ - كَأنَّهُ وِعاءٌ لِكُلِّ ما يَسْمَعُ، لا أهْلِيَّةَ لَهُ في تَمْيِيزِ جَيِّدِهِ مِن رَدِيئِهِ، والأُنْثى: وقْبَةٌ، وقالَ ثَعْلَبُ: الوَقْبُ: الدَّنِيءُ، أيْ لِأنَّهُ يُتْبِعُ نَفْسَهُ هَواها فَيَصِيرُ كَأنَّهُ الوَقْبَةُ لا تَرُدُّ شَيْئًا مِمّا يُلْقى فِيها، ووَقَبَ الفَرَسُ وقْبًا وهو صَوْتُ قُنْبِهِ، أيْ وِعاءِ قَضِيبِهِ، وقِيلَ: صَوْتُ تَقَلْقُلِ جُرْدانِ الفَرَسِ في قُنْبِهِ - لِأنَّ وِعاءَ جُرْدانِهِ كالوَقْبَةِ، فَهو مِن إطْلاقِ اسْمِ المَحَلِّ عَلى ما فِيهِ، والقِبَةُ - (p-٨٦)كَعِدَةٍ: الإنْفَحَةُ إذا عَظُمَتْ مِنَ الشّاةِ، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ولا يَكُونُ ذَلِكَ في غَيْرِ الشّاءِ - لِأنَّ شَبَهَ الإنْفَحَةِ بِالوَقْبَةِ ظاهِرٌ، والوَقْباءُ: مَوْضِعٌ يُمَدُّ ويُقْصَرُ، والوَقَبى: ماءٌ لِبَنِي مازِنٍ - لِأنَّهُ يَجْمَعُهم كَما تَجْمَعُ الوَقْبَةُ ما فِيها، والأوْقابُ: قُماشُ البَيْتِ كالبُرْمَةِ والرَّحَيَيْنِ والعُمُدِ - لِأنَّ البَيْتَ لَها كالوَقْبَةِ لِجَمْعِها أوْ لِأنَّها جامِعَةٌ لِشَمْلِ مَن فِيهِ، والمِيقَبُ: الوَدَعَةُ، وأوْقَبَ القَوْمُ: جاعُوا، أيْ تَهَيَّؤُوا لِإدْخالِ الطَّعامِ في وقْبَةِ الجَوْفِ، وذَكَرٌ أوْقَبُ: ولّاجٌ في الهَناتِ - لِأنَّها كالأوْقابِ أيِ الحُفَرِ، والوَقْبُ: الإقْبالُ والمَجِيءُ، وهو سَبَبُ الجَمْعِ.

ووَبَقَ - كَوَعَدَ ووَجِلَ ووَرِثَ وُبُوقًا ومَوْبِقًا: هَلَكَ، أيْ وقَعَ في وقْبَةٍ، أيْ حُفْرَةٍ كاسْتَوْبَقَ، وكَمَجْلِسٍ: المَهْلِكُ والمَحْبِسُ، ووادٍ في جَهَنَّمَ، وكُلُّ شَيْءٍ حالَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ - لِأنَّ الوَقْبَةَ تَحُولُ بَيْنَ ما فِيها وبَيْنَ غَيْرِهِ.

ومِنهُ قِيلَ لِلْمَوْعِدِ: مَوْبِقٌ، وأوْبَقَهُ: حَبَسَهُ أوْ أهْلَكَهُ.

ومِن مَهْمُوزِهِ: أبِقَ العَبْدُ - كَسَمِعَ وضَرَبَ ومَنَعَ - أبْقًا (p-٨٧)ويُحَرَّكُ - وإباقًا - كَكِتابٍ: ذَهَبَ بِلا خَوْفٍ ولا كَدِّ عَمَلٍ، أوِ اسْتَخْفى ثُمَّ ذَهَبَ - وكُلُّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلى جَعْلِهِ كَأنَّهُ نَزَلَ في وقْبَةٍ، ومِن شَأْنِهِ حِينَئِذٍ أنْ يَخْفى، ومِنهُ تَأبَّقَ: اسْتَتَرَ أوِ احْتَبَسَ، وتَأبَّقَ الشَّيْءَ: أنْكَرَهُ - لِأنَّ سَبَبَ الإنْكارِ الخَفاءُ، وتَأبَّقَ: تَأثَّمَ، أيْ جانَبَ الإثْمَ، فَهو لِسَلْبِ الجَمْعِ أوْ لِسَلْبِ الهَلاكِ في الوَقْبَةِ، والأبَقُ - مُحَرَّكَةً: القِنَّبُ - لِشَبَهِهِ لِتَجْوِيفِهِ بِالوَقْبَةِ، والأبَقُ: قِشْرُهُ - لِقُوَّتِهِ اللّازِمَةِ لِلْجَمْعِ أوْ لِأنَّهُ خُيُوطٌ مُجْتَمِعَةٌ.

18:53Page 299

وَرَءَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمۡ يَجِدُواْ عَنۡهَا مَصۡرِفٗا ٥٣

And the criminals will see the Fire and will be certain that they are to fall therein. And they will not find from it a way elsewhere.

ولَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ ما لَهم مَعَ شُرَكائِهِمْ، ذَكَرَ حالَهم في اسْتِمْرارِ جَهْلِهِمْ، فَقالَ تَعالى: ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ في الإجْرامِ ﴿النّارَ﴾ أيْ ورَأوْا، ولَكِنَّهُ أظْهَرَ لِلدَّلالَةِ عَلى تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالوَصْفِ ﴿فَظَنُّوا﴾ ظَنًّا ﴿أنَّهم مُواقِعُوها ولَمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم لَمْ ﴿يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ أيْ مَكانًا يَنْصَرِفُونَ إلَيْهِ، فالمَوْضِعُ مَوْضِعُ التَّحَقُّقِ، ولَكِنَّ ظَنَّهم جَرْيًا عَلى عادَتِهِمْ في الجَهْلِ كَما قالُوا ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [الكهف: ٤] بِغَيْرِ عِلْمٍ، و﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ [الكهف: ٣٥] ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ [الكهف: ٣٦] ﴿إنْ نَظُنُّ إلا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢] مَعَ قِيامِ الأدِلَّةِ الَّتِي لا رَيْبَ فِيها.

18:54Page 300

وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَكۡثَرَ شَيۡءٖ جَدَلٗا ٥٤

And We have certainly diversified in this Qur’ān for the people from every [kind of] example; but man has ever been, most of anything, [prone to] dispute.

ولَمّا كانَ الكَلامُ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: صَرَّفْنا هَذِهِ الأخْبارَ بِما أشارَتْ (p-٨٨)إلَيْهِ مِنَ الأسْرارِ الكِبارِ، فَقامَتْ دَلائِلُ الشَّرِيعَةِ الجَلائِلُ، وأضاءَتْ بِها جَواهِرُ المَعانِي الزَّواهِرِ، عَطَفَ عَلى ذَلِكَ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في وصْفِ الكِتابِ، اقْتَضى الِاهْتِمامُ بِهِ تَقْدِيمَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي هَذا القُرْآنِ﴾ أيِ القَيِّمِ الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ، مَعَ جَمْعِهِ لِلْمَعانِي ونَشْرِهِ الفارِقِ بَيْنَ المُلْبِساتِ ﴿لِلنّاسِ﴾ أيِ المُزَلْزَلِينَ فَضْلًا عَنِ الثّابِتِينَ ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ حَوَّلْنا الكَلامَ وطَرَقْناهُ في كُلِّ وجْهٍ مِن وُجُوهِ المَعانِي وألْبَسْناهُ مِنَ العِباراتِ الرّائِقَةِ، والأسالِيبِ المُتَناسِقَةِ، ما سارَ بِها في غَرابَتِهِ كالمَثَلِ، يَقْبَلُهُ كُلُّ مَن يَسْمَعُهُ، وتُضْرَبُ بِهِ آباطُ الإبِلِ في سائِرِ البِلادِ، بَيْنَ العِبادِ، فَتَبْشَرُ بِهِ قُلُوبُهُمْ، وتَلْهَجُ بِهِ ألْسِنَتُهُمْ، فَلَمْ يَتَقَبَّلُوهُ وجادَلُوا فِيهِ؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى الوَصْفِ المُقْتَضِي لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ الإنْسانُ﴾ الَّذِي جُعِلَ خَصِيمًا وهو آنَسُ بِنَفْسِهِ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿أكْثَرَ شَيْءٍ﴾ ومَيَّزَ الأكْثَرِيَّةَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَدَلا﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَنْتَهِ عَنِ الجَدَلِ بَعْدَ هَذا البَيانِ، الَّذِي أضاءَ جَمِيعَ الأكْوانِ.

18:55Page 300

وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّهُمۡ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِينَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ قُبُلٗا ٥٥

And nothing has prevented the people from believing when guidance came to them and from asking forgiveness of their Lord except that there [must] befall them the [accustomed] precedent of the former peoples1 or that the punishment should come [directly] before them.

ولَمّا بَيَّنَ إعْراضَهُمْ، بَيَّنَ مُوجِبَهُ عِنْدَهم فَقالَ: ﴿وما مَنَعَ﴾ ولَمّا كانَ النّاسُ تَبَعًا لِقُرَيْشٍ قالَ: ﴿النّاسَ﴾ أيِ الَّذِينَ جادَلُوا بِالباطِلِ، الإيمانَ - هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ عَنْ هَذا المَفْعُولِ الثّانِي بِقَوْلِهِ تَعالى: (p-٨٩)﴿أنْ يُؤْمِنُوا﴾ لِيُفِيدَ التَّجْدِيدَ وذَمَّهم عَلى التَّرْكِ ﴿إذْ﴾ أيْ حِينَ ﴿جاءَهُمُ الهُدى﴾ بِالكِتابِ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ، وعَطَفَ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي - مُعَبِّرًا بِمِثْلِ ما مَضى لِما مَضى - قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيْهِمْ.

ولَمّا كانَ الِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغًا، أتى بِالفاعِلِ فَقالَ تَعالى: ﴿إلا أنْ﴾ أيْ طَلَبُ أنْ ﴿تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ في إجابَتِهِمْ إلى ما اقْتَرَحُوهُ عَلى رُسُلِهِمُ، المُقْتَضِي لِلِاسْتِئْصالِ لِمَنِ اسْتَمَرَّ عَلى الضَّلالِ، ومِن ذَلِكَ طَلَبُهم أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ مَلَكًا، وذَلِكَ نِقْمَةٌ في صُورَةِ نِعْمَةٍ وإتْيانٌ بِالعَذابِ دَبْرًا، أيْ مَسْتُورًا ﴿أوْ﴾ طَلَبُ أنْ ﴿يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلا﴾ أيْ مُواجَهَةً ومُعايَنَةً ومُشاهَدَةً مِن غَيْرِ سَتْرٍ لَهُ، هو في قِراءَةِ مَن كَسَرَ القافَ وفَتَحَ الباءَ واضِحٌ، مِن قَوْلِهِمْ: لَقِيتُ فُلانًا قِبَلًا، أيْ مُعايَنَةً، وكَذا في قِراءَةِ مَن ضَمَّهُما، مِن قَوْلِهِمْ: أنا آتِيكَ قُبُلًا لا دُبُرًا، أيْ مُواجَهَةً (p-٩٠)مِن جِهَةِ وجْهِكَ لا مِن جِهَةِ قَفاكَ، قالَ تَعالى: ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ [يوسف: ٢٦] ويَصِحُّ أنْ يُرادَ بِهَذِهِ القِراءَةِ الجَماعَةُ، لِأنَّ المُرادَ بِالعَذابِ [الجِنْسُ -] أيْ يَأْتِيهِمْ أصْنافًا مُصَنَّفَةً صِنْفًا صِنْفًا ونَوْعًا نَوْعًا، وقَدْ مَضى في الأنْعامِ بَيانُهُ، وهَذا الشِّقُّ قَسِيمُ الإتْيانِ بِسُنَّةِ الأوَّلِينَ، فَمَعْناهُ: مِن غَيْرِ أنْ يُجابُوا إلى ما اقْتَرَحُوا كَما تَقَدَّمَ في الَّتِي قَبْلَها ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩] ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ [الإسراء: ٩٠] - إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] الآيَةِ وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ: ذِكْرُ ﴿سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى ضِدِّها ثانِيًا، وذِكْرُ المُكاشَفَةِ ثانِيًا يَدُلُّ عَلى المُساتَرَةِ أوَّلًا.

18:56Page 300

وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَۚ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّۖ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَمَآ أُنذِرُواْ هُزُوٗا ٥٦

And We send not the messengers except as bringers of good tidings and warners. And those who disbelieve dispute by [using] falsehood to [attempt to] invalidate thereby the truth and have taken My verses, and that of which they are warned, in ridicule.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ لَيْسَ إلى الرَّسُولِ، إنَّما هو إلى الإلَهِ، بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما نُرْسِلُ﴾ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَنا فِيها ﴿المُرْسَلِينَ إلا مُبَشِّرِينَ﴾ بِالخَيْرِ عَلى أفْعالِ الطّاعَةِ ﴿ومُنْذِرِينَ﴾ بِالشَّرِّ عَلى أفْعالِ المَعْصِيَةِ، فَيَطْلُبُ مِنهُمُ الظّالِمُونَ مِن أُمَمِهِمْ ما لَيْسَ إلَيْهِمْ مِن فَصْلِ الأمْرِ ﴿ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ الجِدالَ كُلَّما (p-٩١)أتاهم أمْرٌ مِن قِبَلِنا ﴿بِالباطِلِ﴾ مِن قَوْلِهِمْ: لَوْ كُنْتُمْ صادِقِينَ لَأتَيْتُمْ بِما نَطْلُبُ مِنكُمْ، مَعَ أنَّ [ذَلِكَ -] لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴿لِيُدْحِضُوا﴾ أيْ لِيُزْلِقُوا فَيُزِيلُوا ويُبْطِلُوا ﴿بِهِ الحَقَّ﴾ الثّابِتَ مِنَ المُعْجِزاتِ المُثْبِتَةِ لِصِدْقِهِمْ.

ولَمّا كانَ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ، ولِكُلِّ مَقالٍ [حَدٌّ و-] حالٌ، فَأتى في الجِدالِ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ، وكانَ اتِّخاذُ الِاسْتِهْزاءِ أمْرًا واحِدًا، أتى بِهِ ماضِيًا فَقالَ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا﴾ أيْ كَلَّفُوا أنْفُسَهم أنْ أخَذُوا ﴿آياتِي﴾ بِالبِشاراتِ الَّتِي هي المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ لِكُلِّ ذِي رُوحٍ ﴿وما أُنْذِرُوا﴾ مِن آياتِي، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ الفاعِلَ مَعْرُوفٌ والمُخِيفَ الإنْذارُ ﴿هُزُوًا﴾ مَعَ بُعْدِهِما جِدًّا عَنْ ذَلِكَ، فَلا بِالرَّغْبَةِ أطاعُوا، ولا لِلرَّهْبَةِ ارْتاعُوا، فَكانُوا شَرًّا مِنَ البَهائِمِ.

18:57Page 300

وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ فَأَعۡرَضَ عَنۡهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتۡ يَدَاهُۚ إِنَّا جَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۖ وَإِن تَدۡعُهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ فَلَن يَهۡتَدُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا ٥٧

And who is more unjust than one who is reminded of the verses of his Lord but turns away from them and forgets what his hands have put forth? Indeed, We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And if you invite them to guidance - they will never be guided, then - ever.

ولَمّا حَكى عَنْهم هَذا الجِدالَ، والِاسْتِهْزاءَ والضَّلالَ، وصَفَهم بِما يُوجِبُ الخِزْيَ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَكانُوا بِذَلِكَ أظْلَمَ الظّالِمِينَ: ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ مِنهُمُ - اسْتِفْهامًا عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ، ولَكِنَّهُ أظْهَرَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِلْإنْكارِ عَلى مَن شَكَّ في أنَّهم أظْلَمُ. فَقالَ تَعالى: ﴿مِمَّنْ ذُكِّرَ﴾ أيْ مِن أيِّ مُذَكِّرٍ كانَ ”بِآياتِ“ أيْ عَلاماتِ ﴿رَبِّهِ﴾ المُحْسِنِ إلَيْهِ بِها؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: وهَذا مِن أفْصَحِ (p-٩٢)التَّقْرِيرِ أنْ يُوقَفَ الرَّجُلُ عَلى ما لا جَوابَ فِيهِ إلّا الَّذِي يُرِيدُ خَصْمُهُ.

ولَمّا كانَ التَّذْكِيرُ سَبَبًا لِلْإقْبالِ فَعَكَسُوا فِيهِ قالَ تَعالى: ﴿فَأعْرَضَ عَنْها﴾ تارِكًا لِما يَعْرِفُ مِن تِلْكَ العَلاماتِ العَجِيبَةِ وما يُوجِبُهُ ذَلِكَ [الإحْسانُ -] مِنَ الشُّكْرِ ﴿ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ مِنَ الفَسادِ الَّذِي هو عارِفٌ - لَوْ صَرَفَ عَقْلَهُ إلى الفِكْرِ فِيما يَنْفَعُهُ - أنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضِي جَزاءَهُ عَلَيْهِ، وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في جَمِيعِ هَذا عَلى لَفْظِ ”مِن“ إشارَةً إلى أنَّ مَن فَعَلَ مِثْلَ هَذا - ولَوْ أنَّهُ واحِدٌ - كانَ هَكَذا، والأحْسَنُ أنْ يُقالَ: إنَّهم لَمّا كانُوا قَدْ سَألُوا اليَهُودَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ عِنْدَ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥] فَأمَرُوهم بِسُؤالِهِ عَمّا جَعَلُوهُ أمارَةً عَلى صِدْقِهِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِيهِمْ، واسْتَمَرُّوا بَعْدَ إخْبارِهِ بِالحَقِّ عَلى التَّكْذِيبِ، شَرَحَ حالَهم بِالتَّعْقِيبِ بِالفاءِ، فَكانَ المَعْنى: مَن أظْلَمُ مِنهُمْ، لِأنَّهم ذُكِّرُوا فَأعْرَضُوا ونَسُوا ما اعْتَقَدُوا أنَّهُ دَلِيلُ الصِّدْقِ، وأنَّهُ لا جِدالَ بَعْدَهُ، وسَيَأْتِي لِمَوْقِعِ الفاءِ في آخِرِ السَّجْدَةِ مَزِيدُ بَيانٍ، وإسْنادُ الفِعْلِ في الإعْراضِ وما بَعْدَهُ إلَيْهِمْ حَقِيقَةٌ مِمّا لَهم مِنَ [الكَسْبِ كَما أنَّ إسْنادَ الجَعْلِ وما بَعْدَهُ إلى اللَّهِ حَقِيقَةٌ بِما لَهُ مِنَ -]الخَلْقِ.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهم فَعَلُوا ذَلِكَ؟ أيَجْهَلُ قُبْحَ هَذا أحَدٌ؟ قِيلَ: (p-٩٣)﴿إنّا جَعَلْنا﴾ بِما لَنا مِنَ القُدْرَةِ عَلى إعْماءِ البَصائِرِ والأبْصارِ ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ فَجَمَعَ رُجُوعًا إلى أُسْلُوبِ ﴿واتَّخَذُوا آياتِي﴾ [الكهف: ٥٦] لِأنَّهُ أنَصُّ عَلى ذَمِّ كُلِّ واحِدٍ ”أكِنَّةً“ أيْ أغْطِيَةً مُسْتَعْلِيَةً عَلَيْها اسْتِعْلاءً يَدُلُّ سِياقُ العَظَمَةِ عَلى أنَّهُ لا يَدَعُ شَيْئًا مِنَ الخَيْرِ يَصِلُ إلَيْها، فَهي لا تَعِي شَيْئًا مِن آياتِنا، ودَلَّ بِتَذْكِيرِ الضَّمِيرِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالآياتِ القُرْآنُ فَقالَ تَعالى: ﴿أنْ﴾ أيْ كَراهَةَ أنْ ﴿يَفْقَهُوهُ﴾ أيْ يَفْهَمُوهُ ﴿وفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ أيْ ثِقَلًا فَهم لا يَسْمَعُونَ حَقَّ السَّمْعِ، ولا يَعُونَ حَقَّ الوَعْيِ ﴿وإنْ تَدْعُهُمْ﴾ أيْ تُكَرِّرْ دُعاءَهم كُلَّ وقْتٍ ﴿إلى الهُدى﴾ لِتُنْجِيَهم بِما عِنْدَكَ مِنَ الحِرْصِ عَلى ذَلِكَ والجِدِّ ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا﴾ أيْ كُلُّهم بِسَبَبِ دُعائِكَ ﴿إذًا﴾ أيْ إذا دَعَوْتَهم ”أبَدًا“ لِأنَّ مَن لَهُ العَظَمَةُ التّامَّةُ - وهو الَّذِي إذا عَبَّرَ عَنْ نَفْسِهِ بِنُونِها كانَتْ عَلى حَقِيقَتِها - حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ، أيْ أنَّهُ لا يَكُونُ الدُّعاءُ وحْدَهُ هادِيًا لِأكْثَرِهِمْ، بَلْ لا بُدَّ مَعَهُ مِنَ السَّيْفِ كَما سَنَأْمُرُكَ بِهِ فَتَقْطَعَ الرُّؤُوسَ فَيَذِلَّ غَيْرُهُمْ، وقَدْ يَكُونُ المُرادُ أنَّ مَن كانَ هَكَذا مُعانِدًا عَلى هَذا الوَجْهِ مُؤَبَّدُ الشَّقاءِ، وقَدْ نَفى (p-٩٤)آخِرَ هَذِهِ الآيَةِ الفِعْلَ عَنِ العِبادِ وأثْبَتَهُ لَهم أوَّلَها، وقَلَّما نَجِدُ في القُرْآنِ آيَةً تُسْنِدُ الفِعْلَ إلَيْهِمْ إلّا قارَنَتْها أُخْرى تُثْبِتُهُ لِلَّهِ وتَنْفِيهِ عَنْهُمُ، ابْتِلاءً مِنَ اللَّهِ لِعِبادِهِ لِيَتَمَيَّزَ الرّاسِخُ - الَّذِي يَنْسُبُ لِلْمُكَلَّفِينَ الكَسْبَ المُفِيدَ لِأثَرِ التَّكْلِيفِ، ولِلَّهِ الخَلْقُ المُفِيدُ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا شَرِيكَ لَهُ في خَلْقٍ ولا غَيْرِهِ - مِنَ الطّائِشِ الَّذِي يَقُولُ بِالجَبْرِ أوِ التَّفْوِيضِ.

18:58Page 300

وَرَبُّكَ ٱلۡغَفُورُ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۖ لَوۡ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلۡعَذَابَۚ بَل لَّهُم مَّوۡعِدٞ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِۦ مَوۡئِلٗا ٥٨

And your Lord is the Forgiving, the possessor of mercy. If He were to impose blame upon them for what they earned, He would have hastened for them the punishment. Rather, for them is an appointment from which they will never find an escape.

ولَمّا كانَ هَذا مُقْتَضِيًا لِأخْذِهِمْ، عَطَفَ عَلى ما اقْتَضاهُ السِّياقُ مِمّا ذَكَرْتُهُ مِنَ العِلَّةِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ورَبُّكَ﴾ مُشِيرًا بِهَذا الِاسْمِ إلى ما اقْتَضاهُ الوَصْفُ مِنَ الإحْسانِ بِأخْذِ مَن يَأْخُذُ مِنهم وإمْهالِ غَيْرِهِ لِحُكْمِ دُبُرِها؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ بِما ناسَبَ ذَلِكَ مِن أوْصافِهِ فَقالَ: ﴿الغَفُورُ﴾ أيْ هو وحْدَهُ الَّذِي يَسْتُرُ الذُّنُوبَ إمّا بِمَحْوِها وإمّا بِالحِلْمِ عَنْها إلى وقْتٍ ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ أيِ [الَّذِي -] يُعامِلُ - وهو قادِرٌ - مَعَ مُوجِباتِ الغَضَبِ مُعامَلَةَ الرّاحِمِ بِالإكْرامِ؛ ثُمَّ اسْتَشْهَدَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ يُؤاخِذُهُمْ﴾ أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ عادُوكَ وآذَوْكَ، وهو عالِمٌ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ لَوْ يُعامِلُهم مُعامَلَةَ المُؤاخِذِ ﴿بِما كَسَبُوا﴾ حِينَ كَسْبِهِمْ ﴿لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ﴾ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، ولَكِنَّهُ لا يُعَجِّلُ لَهم ذَلِكَ ﴿بَلْ لَهم مَوْعِدٌ﴾ يُحِلُّهُ بِهِمْ فِيهِ، ودَلَّ عَلى أنَّ مَوْعِدَهُ لَيْسَ كَمَوْعِدِ غَيْرِهِ (p-٩٥)مِنَ العاجِزِينَ بِقَوْلِهِ دالًّا عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ: ﴿لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ﴾ [أيِ -] المَوْعِدِ ﴿مَوْئِلا﴾ أيْ مَلْجَأً يُنْجِيهِمْ مِنهُ، فَإذا [جاءَ -] مَوْعِدُهم أهْلَكْناهم فِيهِ بِأوَّلِ ظُلْمِهِمْ وآخِرِهِ.

18:59Page 300

وَتِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰٓ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلۡنَا لِمَهۡلِكِهِم مَّوۡعِدٗا ٥٩

And those cities - We destroyed them when they wronged, and We made for their destruction an appointed time.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ سُنَّتَهُ في القُرُونِ الماضِيَةِ والأُمَمِ الخالِيَةِ، قالَ تَعالى عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿لَهم مَوْعِدٌ﴾ [الكهف: ٥٨] مُرَوِّعًا لَهم بِالإشارَةِ إلى دِيارِهِمُ المُصَوِّرَةِ لِدَمارِهِمْ: ﴿وتِلْكَ القُرى﴾ أيِ الماضِيَةُ مِن عادٍ وثَمُودَ ومَدْيَنَ وقَوْمِ لُوطٍ وأشْكالِهِمْ ﴿أهْلَكْناهُمْ﴾ أيْ حَكَمْنا بِإهْلاكِهِمْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لَمّا ظَلَمُوا﴾ أيْ أوَّلَ ما ظَلَمُوا، أوْ أهْلَكْناهم بِالفِعْلِ حِينَ ظُلْمِهِمْ لَكِنْ لا في أوَّلِهِ، بَلْ أمْهَلْناهم إلى حِينِ تَناهِيهِ وبُلُوغِهِ الغايَةَ، فَلْيَحْذَرْ هَؤُلاءِ مِثْلَ ذَلِكَ ﴿وجَعَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لِمَهْلِكِهِمْ﴾ أيْ إهْلاكِهِمْ بِالفِعْلِ ﴿مَوْعِدًا﴾ أيْ وقْتًا نُحِلُّهُ بِهِمْ فِيهِ ومَكانًا لَمْ نُخْلِفْهُ، كَما أنّا جَعَلْنا لِهَؤُلاءِ مَوْعِدًا في الدُّنْيا بِيَوْمِ بَدْرٍ والفَتْحِ وحُنَيْنٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، وفي الآخِرَةِ لَنْ نُخْلِفَهُ، وكَذا كُلُّ أمْرٍ يَقُولُهُ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ عَنّا لا يَقَعُ فِيهِ خُلْفٌ وإنْ كانَ يَجُوزُ لَنا ذَلِكَ، بِخِلافِ ما يَقُولُهُ مِن نَفْسِهِ غَيْرَ مُسْنَدٍ إلَيْنا فَإنَّهُ يُمْكِنُ وُقُوعُ الخُلْفِ فِيهِ، كَما (p-٩٦)وقَعَ في الوَعْدِ بِالإخْبارِ عَنْ هَذِهِ المَسائِلِ التَّخَلُّفُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً أوْ ما دُونَها عَلى حَسَبِ فَهْمِهِمْ أنَّ ”غَدًا“ عَلى حَقِيقَتِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском