Al-Biqa'iAl‑Kahf · 18:60–73

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:60–73

18:60Page 300

وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَآ أَبۡرَحُ حَتَّىٰٓ أَبۡلُغَ مَجۡمَعَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ أَوۡ أَمۡضِيَ حُقُبٗا ٦٠

And [mention] when Moses said to his boy [i.e., servant], "I will not cease [traveling] until I reach the junction of the two seas or continue for a long period."

ولَمّا قَدَّمَ الكَلامَ عَلى البَعْثِ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِابْتِداءِ الخَلْقِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ أحْوالِهِ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِما ضَرَبَ لِذَلِكَ وغَيْرِهِ مِنَ الأمْثالِ، وصَرَّفَ مِن وُجُوهِ الِاسْتِدْلالِ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِأنَّهُ يُمْهِلُ عِنْدَ المَساءَةِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِأنَّهُ كَذَلِكَ يَفْعَلُ عِنْدَ المَسَرَّةِ، فَلِكُلِّ شَيْءٍ عِنْدَهُ كِتابٌ، وكُلُّ قَضاءٍ بِقَدْرٍ وحِسابٍ، فَذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى مَعَ الخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ وما اتَّفَقَ لَهُ في طَلَبِهِ، وجَعْلَهُ سُبْحانَهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً ومَوْعِدًا لِلِقائِهِ، ولَوْ أرادَ سُبْحانَهُ لَقَرَّبَ المَدى ولَمْ يُحْوِجْ إلى عَناءٍ، مَعَ ما فِيها مِنَ الخارِقِ الدّالِّ عَلى البَعْثِ، ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى أنَّ مَن ثَبَتَ فَضْلُهُ [وعِلْمُهُ -] لا يَجُوزُ أنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ إلّا مَن كانَ عَلى ثِقَةٍ مِمّا يَقُولُهُ مِن رَبِّهِ ولا أنْ يُمْتَحَنَ، [ومِنَ -]الإرْشادِ إلى ذَمِّ الجَدَلِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، ووُجُوبِ الِانْقِيادِ لِلْحَقِّ عِنْدَ بَيانِهِ، وظُهُورِ بُرْهانِهِ، ومِن إرْشادِ مَنِ اسْتَنْكَفَ أنْ يُجالِسَ فَقَراءَ المُؤْمِنِينَ بِما اتَّفَقَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أنَّهُ - وهو كَلِيمُ اللَّهِ - اتَّبَعَ الخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَقْتَبِسَ مِن عِلْمِهِ، ومِن تَبْكِيتِ اليَهُودِ بِقَوْلِهِمْ لِقُرَيْشٍ لَمّا أمَرُوهم بِسُؤالِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ ”إنْ (p-٩٧)لَمْ يُخْبِرْكم فَلَيْسَ بِنَبِيٍّ“ المُوهِمِ لِلْعَرَبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا أنَّ مِن شَرْطِ النَّبِيِّ [أنْ لا -] يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، مَعَ ما يَعْلَمُونَ مِن أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خَفِيَ عَلَيْهِ جَمِيعُ ما فَعَلَهُ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإلى نَحْوِ هَذا أشارَ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ إذْ وقَعَ العُصْفُورُ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ ونَقَرَ مِنَ البَحْرِ نَقْرَةً أوْ نَقْرَتَيْنِ: ”ما نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ يا مُوسى مِن عِلْمِ اللَّهِ إلّا كَما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ مِنَ البَحْرِ. وبِإعْلامِهِمْ بِما يَعْلَمُونَهُ مِن أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ جَعَلَ نَفْسَهُ تابِعًا لِلْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ، تَكْذِيبًا لَهم في ادِّعائِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ أعْلى مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في وصْفٍ مِنَ الأوْصافِ، وأنَّهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ اتِّباعُ غَيْرِهِ، ومِن جَوابِهِمْ عَمّا لَعَلَّهم يَقُولُونَ لِلْعَرَبِ بَهْتًا وحَسَدًا“لَوْ كانَ نَبِيًّا ما قالَ: أُخْبِرُكم غَدًا، وتَأخَّرَ عَنْ ذَلِكَ”بِما اتَّفَقَ لِمُوسى في وعْدِهِ الخَضِرَ عَلَيْهِما السَّلامُ بِالصَّبْرِ، وبِما خَفِيَ عَلَيْهِ مِمّا اطَّلَعَ عَلَيْهِ الخَضِرُ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَقالَ تَعالى عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ﴾ [الكهف: ٥٠] ﴿وإذْ﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم حِينَ ﴿قالَ مُوسى﴾ أيِ ابْنُ عِمْرانَ المُرْسَلُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، أيْ [قَوْلَهُ -]الَّذِي كانَ في ذَلِكَ الحِينِ“لِفَتاهُ" يُوشَعَ بْنِ نُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿لا أبْرَحُ﴾ أيْ لا أزالُ سائِرًا في طَلَبِ العَبْدِ الَّذِي أعْلَمَنِي رَبِّي بِفَضْلِهِ - كَما دَلَّ عَلَيْهِ ما يَأْتِي ﴿حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ (p-٩٨)أيْ مُلْتَقاهُما ومَوْضِعَ اخْتِلاطِهِما الَّذِي سَبَقَ إلَيْهِ فَهْمِي، فَتَعَيَّنَتِ البُداءَةُ بِهِ فَألْقاهُ ثَمَّ ﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ إنْ لَمْ أظْفَرْ بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ الَّذِي جَعَلَهُ رَبِّي مَوْعِدًا [لِي في لِقائِهِ -]؛ والحُقُبُ - قالَ في القامُوسِ - ثَمانُونَ سَنَةً أوْ أكْثَرُ والدَّهْرُ والسَّنَةُ أوِ السِّنُونَ - انْتَهى. وما أنْسَبَ التَّوْقِيتَ بِمَجْمَعِ بَحْرَيِ الماءِ بِمَجْمَعِ بَحْرَيِ العِلْمِ وتَزَوُّدَهُما بِالنُّونِ الَّذِي قَرَنَهُ [اللَّهُ -] بِالقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ، وعَيْنِ الحَياةِ لِأنَّ العِلْمَ حَياةُ القُلُوبِ، فَسارا وتَزَوَّدا حُوتًا مَشْوِيًّا في مِكْتَلٍ كَما أُمِرا بِهِ، فَكانا يَأْكُلانِ مِنهُ إلى أنْ بَلَغا المَجْمَعَ

18:61Page 300

فَلَمَّا بَلَغَا مَجۡمَعَ بَيۡنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ سَرَبٗا ٦١

But when they reached the junction between them, they forgot their fish, and it took its course into the sea, slipping away.

﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾ أيِ البَحْرَيْنِ، فَلَمْ يَكُنْ هُناكَ بَيْنٌ أصْلًا لِصَيْرُورَتِهِما شَيْئًا واحِدًا ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ فَلَمْ يَعْلَمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ شَيْئًا مِن حالِهِ ونَسِيَ أنْ يَسْألَ عَنْهُ، وعَلِمَ يُوشَعُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْضَ حالِهِ فَنَسِيَ أنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ لَهُ ﴿فاتَّخَذَ﴾ أيِ الحُوتُ مُعْجِزَةً في مُعْجِزَةٍ ﴿سَبِيلَهُ﴾ أيْ طَرِيقَهُ الواسِعَ الواضِحَ ﴿فِي البَحْرِ سَرَبًا﴾ أيْ خَرْقًا في الماءِ غَيْرَ مُلْتَئِمٍ، مِنَ السَّرَبِ الَّذِي [هُوَ -] جُحْرُ الوَحْشِيِّ، والحَفِيرُ تَحْتَ الأرْضِ، والقَناةُ يَدْخُلُ مِنها الماءُ الحائِطَ. وقَدْ ورَدَ في حَدِيثِهِ في الصَّحِيحِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أحْياهُ وأمْسَكَ عَنْ مَوْضِعِ جَرْيِهِ في (p-٩٩)الماءِ، فَصارَ طاقًا لا يَلْتَئِمُ. ويُوشَعُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْظُرُ ذَلِكَ، وكَأنَّ المَجْمَعَ كانَ مُمْتَدًّا، فَظَنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ المَطْلُوبَ أمامَهُ أوْ ظَنَّ أنَّ المُرادَ مَجْمَعٌ آخَرُ فَسارَ

18:62Page 301

فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَىٰهُ ءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدۡ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبٗا ٦٢

So when they had passed beyond it, [Moses] said to his boy, "Bring us our morning meal. We have certainly suffered in this, our journey, [much] fatigue."

﴿فَلَمّا جاوَزا﴾ أيْ مُوسى وفَتاهُ عَلَيْهِما السَّلامُ ذَلِكَ المَوْضِعَ مِنَ المَجْمَعِ تَعِبَ، ولَمْ يَتْعَبْ حَتّى جاوَزَ المَكانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ مُعْجِزَةً أُخْرى، فَلَمّا جاعَ وتَعِبَ ﴿قالَ لِفَتاهُ آتِنا﴾ أيْ أحْضِرْ لَنا ﴿غَداءَنا﴾ أيْ لِنَتَقَوّى [بِهِ -]عَلى ما حَصَلَ لَنا مِنَ الإعْياءِ، ولِذَلِكَ وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا﴾ أيِ الَّذِي سافَرْناهُ في هَذا اليَوْمِ خاصَّةً، ولِذَلِكَ أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ القُرْبِ فَقالَ تَعالى: ﴿هَذا نَصَبًا﴾ وكانَ الحُوتُ زادَهم فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ عَنْ أمْرِهِ؟ فَقِيلَ:

18:63Page 301

قَالَ أَرَءَيۡتَ إِذۡ أَوَيۡنَآ إِلَى ٱلصَّخۡرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلۡحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيۡطَٰنُ أَنۡ أَذۡكُرَهُۥۚ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ عَجَبٗا ٦٣

He said, "Did you see when we retired to the rock? Indeed, I forgot [there] the fish. And none made me forget it except Satan - that I should mention it. And it took its course into the sea amazingly."

﴿قالَ﴾ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُعَجِّبًا لَهُ: ﴿أرَأيْتَ﴾ ما دَهانِي؟ ﴿إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ الَّتِي بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ ﴿فَإنِّي﴾ أيْ [بِسَبَبِ أنِّي -] ﴿نَسِيتُ الحُوتَ﴾ أيْ نَسِيتُ أنْ أذْكُرَ لَكَ أمْرَهُ الَّذِي كانَ هُناكَ؛ ثُمَّ زادَ التَّعْجِيبَ مِن هَذا النِّسْيانِ بِالِاعْتِراضِ بَيْنَ الإخْبارِ بِهِ مُجْمَلًا وبَيْنَ تَفْصِيلِ أمْرِهِ وبِإيقاعِ النِّسْيانِ عَلَيْهِ ثُمَّ عَلى ذِكْرِهِ فَقالَ تَعالى: ﴿وما أنْسانِيهُ﴾ مَعَ كَوْنِهِ عَجِيبًا ﴿إلا الشَّيْطانُ﴾ بِوَساوِسِهِ.

ولَمّا كانَ المَقامُ لِلتَّدْرِيبِ في عَظِيمِ تَصَرُّفِ اللَّهِ تَعالى [فِي القُلُوبِ -] بِإثْباتِ العِلْمِ ونَفْيِهِ وإنْ كانَ ضَرُورِيًّا، ذَكَرَ نِسْيانَهُ، ثُمَّ أبْدَلَ مِن ضَمِيرِهِ (p-١٠٠)قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أنْ أذْكُرَهُ﴾ لَكَ فَإنَّهُ عاشَ فانْسابَ مِنَ المِكْتَلِ في البَحْرِ ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ﴾ أيْ طَرِيقَهُ الَّذِي ذَهَبَ فِيهِ ﴿فِي البَحْرِ عَجَبًا﴾ وذِكْرُهُ [لَهُ -] الآنَ مانِعٌ مِن أنْ يَكُونَ لِلشَّيْطانِ عَلَيْهِ سُلْطانٌ عَلى أنَّ هَذا الإنْساءَ لَيْسَ مُفَوِّتًا لِطاعَةٍ، بَلْ فِيهِ تَرْقِيَةٌ لَهُما في مَعارِجِ المَقاماتِ العالِيَةِ لِوِجْدانِ التَّعَبِ بَعْدَ المَكانِ الَّذِي فِيهِ البُغْيَةُ، وحِفْظِ الماءِ مُنْجابًا عَلى طُولِ الزَّمانِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن آياتِ الإيقانِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ١٠٠] مُبَيِّنٌ أنَّ السُّلْطانَ الحَمْلُ عَلى المَعاصِي، وقَدْ كانَ في هَذِهِ [القِصَّةِ -] خَوارِقُ حَياةِ الحُوتِ وإيجادُ ما كانَ أُكِلَ مِنهُ، وإمْساكُ الماءِ عَنْ مَدْخَلِهِ، وقَدِ اتَّفَقَ لِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ نَفْسِهِ أوْ أتْباعِهِ بِبَرَكَتِهِ مِثْلُ ذَلِكَ.

أمّا إعادَةُ ما أُكِلَ مِنَ الحُوتِ المَشْوِيِّ - وهو جَنْبُهُ - فَقَدْ رَوى البَيْهَقِيُّ في أواخِرِ دَلائِلِ النُّبُوَّةِ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ إلى الحَجَّةِ الَّتِي حَجَّها حَتّى إذا كُنّا بِبَطْنِ الرَّوْحاءِ - فَذَكَرَ قِصَّةَ المَرْأةِ الَّتِي أبْرَأ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ ولَدَها مِنَ الجُنُونِ إلى أنْ قالَ: فَلَمّا قَضى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ حَجَّتَهُ انْصَرَفَ حَتّى إذا نَزَلَ بِبَطْنِ الرَّوْحاءِ (p-١٠١)أتَتْهُ تِلْكَ المَرْأةُ بِشاةٍ قَدْ شَوَتْها، فَأمَرَ بِأخْذِ تِلْكَ الشّاةِ مِنها ثُمَّ قالَ: يا أُسَيْمُ - وكانَ إذا دَعاهُ رَخَّمَهُ! ناوِلْنِي ذِراعًا، وكانَ أحَبَّ الشّاةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ مُقَدَّمُها، ثُمَّ قالَ: يا أُسَيْمُ! ناوِلْنِي ذِراعًا! فَناوَلْتُهُ، ثُمَّ قالَ: [يا أُسَيْمُ! ناوِلْنِي ذِراعًا! فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّما هُما ذِراعانِ وقَدْ ناوَلْتُكَ، فَقالَ -]: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ سَكَتَّ [ما زِلْتَ تُناوِلُنِي ذِراعًا ما قُلْتُ لَكَ: ناوِلْنِي ذِراعًا -]» [فَقَدْ أخْبَرَ ﷺ أنَّهُ لَوْ سَكَتَ -] أوْجَدَ اللَّهُ لَها ذِراعًا ثُمَّ ذِراعًا وهَكَذا، وقَوْلُهُ الحَقُّ الَّذِي لا فَرْقَ [بَيْنَهُ -] وهو في عالَمِ الغَيْبِ وبَيْنَ ما وُجِدَ في عالَمِ الشَّهادَةِ.

وأمّا حَياةُ [الحُوتِ -] المَشْوِيِّ فَقَدْ مَضى عِنْدَ ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] ما هو أكْبَرُ مِن ذَلِكَ في قِصَّةِ الشّاةِ المَشْوِيَّةِ المَسْمُومَةِ، وهو أنَّ ذِراعَها أخْبَرَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ [أنَّهُ مَسْمُومٌ -] فَهو أعْظَمُ مِن عَوْدِ الحَياةِ مِن غَيْرِ نُطْقٍ، وكَذا حَنِينُ الجِذْعِ، وسَلامُ الحَجَرِ، وتَسْبِيحُ الحَصا، وتَأْمِينُ أُسْكُفَّةِ [البابِ -] وحَوائِطِ (p-١٠٢)البَيْتِ ونَحْوُ ذَلِكَ أعْظَمُ مِن عَوْدِ الحَياةِ إلى ما كانَ حَيًّا، فَقَدْ رَوى البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَوادٍ قالَ: قالَ لِي الشّافِعِيُّ: ما أعْطى اللَّهُ نَبِيًّا ما أعْطى مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ، فَقُلْتُ: أعْطى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ إحْياءَ المَوْتى؟ فَقالَ: أعْطى مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ الجِذْعَ - الَّذِي كانَ يَخْطُبُ إلى جَنْبِهِ حَتّى هُيِّئَ لَهُ المِنبَرُ، فَلَمّا هُيِّئَ لَهُ المِنبَرُ حَنَّ الجِذْعُ حَتّى سُمِعَ صَوْتُهُ - فَهَذا أكْبَرُ مِن ذاكَ - انْتَهى. عَلى أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ وفي آخِرِ البَقَرَةِ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أشْياءُ مِن إحْياءِ المَوْتى لَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ ولِبَعْضِ أُمَّتِهِ.

وأمّا آيَةُ الماءِ فَمَرْجِعُها إلى صَلابَتِهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ جُمُودِهِ بِعَدَمِ الِالتِئامِ بَعْدَ الِانْخِراقِ وبَيْنَ جُمُودِهِ وصَلابَتِهِ بِالِامْتِناعِ مِنَ الانْخِراقِ، وقَدْ رَوى البَيْهَقِيُّ في ذَلِكَ ما فِيهِ آيَةٌ مِنَ الإحْياءِ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ عَنْ (p-١٠٣)أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كُنّا في الصُّفَّةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ فَأتَتْهُ امْرَأةٌ [مُهاجِرَةٌ -] ومَعَها ابْنٌ لَها [قَدْ بَلَغَ -] فَأضافَ المَرْأةَ إلى النِّساءِ وأضافَ ابْنَها إلَيْنا، فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ أصابَهُ وباءُ المَدِينَةِ فَمَرِضَ أيّامًا ثُمَّ قُبِضَ فَغَمَّضَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ وأمَرَ بِجَهازِهِ، [فَلَمّا -] أرَدْنا أنْ نَغْسِلَهُ قالَ: ائْتِ أُمَّهُ فَأعْلِمْها، فَجاءَتْ حَتّى جَلَسَتْ عِنْدَ قَدَمَيْهِ فَأخَذَتْ بِهِما، ثُمَّ قالَتِ: اللَّهُمَّ [إنِّي أسْلَمْتُ لَكَ طَوْعًا، وخَلَعْتُ الأوْثانَ زُهْدًا، وهاجَرْتُ إلَيْكَ رَغْبَةً، اللَّهُمَّ -] لا تُشْمِتْ بِي عَبَدَةَ الأوْثانِ، ولا تُحَمِّلْنِي مِن هَذِهِ المُصِيبَةِ ما لا طاقَةَ لِي بِحَمْلِها، قالَ: فَواللَّهِ ما تَقَضّى كَلامُها حَتّى حَرَّكَ قَدَمَيْهِ، وألْقى الثَّوْبَ عَنْ وجْهِهِ، [وعاشَ -] حَتّى قَبَضَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ وحَتّى هَلَكَتْ أُمُّهُ؛ ثُمَّ جَهَّزَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَعْنِي جَيْشًا، واسْتَعْمَلَ عَلَيْهِ العَلاءَ بْنَ الحَضْرَمِيِّ، قالَ: وكُنْتُ في غُزاتِهِ، فَأتَيْنا مَغازِينا فَوَجَدْنا القَوْمَ قَدْ تَدَرَّوْا بِنا، فَعَفَّوْا آثارَ الماءِ، قالَ: و[كانَ -] حَرٌّ شَدِيدٌ، فَجَهَدَنا العَطَشُ ودَوابَّنا، وذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَلَمّا مالَتِ الشَّمْسُ لِغُرُوبِها صَلّى بِنا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ وما نَرى في السَّماءِ شَيْئًا، فَواللَّهِ ما حَطَّ [يَدَهُ -] حَتّى بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا وأنْشَأ سَحابًا فَأفْرَغَتْ حَتّى مَلَأتِ الغُدُرَ والشِّعابَ، فَشَرِبْنا وسَقَيْنا واسْتَقَيْنا (p-١٠٤)ثُمَّ أتَيْنا عَدُوَّنا وقَدْ جاوَزُوا خَلِيجًا في البَحْرِ إلى جَزِيرَةٍ، فَوَقَفَ عَلى الخَلِيجِ وقالَ: يا عَلِيُّ يا عَظِيمُ يا حَلِيمُ يا كَرِيمُ! ثُمَّ قالَ: أجِيزُوا بِاسْمِ اللَّهِ! فَأجَزْنا ما يَبُلُّ الماءُ حَوافِرَ دَوابِّنا، فَأصَبْنا العَدُوَّ غِيلَةً فَقَتَلْنا وأسَرْنا وسَبَيْنا ثُمَّ أتَيْنا الخَلِيجَ فَقالَ مِثْلَ مَقالَتِهِ فَأجَزْنا ما يَبُلُّ الماءُ حَوافِرَ دَوابِّنا». وأخْبَرَنا أبُو الحُسَيْنِ بْنُ بِشْرانَ أنا إسْماعِيلُ الصَّفّارُ نا الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفّانَ [أنْبَأنا -] ابْنُ نُمَيْرٍ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ بَعْضِ أصْحابِهِ، قالَ: انْتَهَيْنا إلى دِجْلَةَ وهي مادَّةٌ، والأعاجِمُ خَلْفَها، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: بِسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ أقْحَمَ فَرَسَهُ فانْدَفَعَ عَلى الماءِ، فَقالَ النّاسُ: بِسْمِ اللَّهِ بِسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ اقْتَحَمُوا فارْتَفَعُوا عَلى الماءِ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْهِمُ [الأعاجِمُ -] قالُوا: دِيوانُ دِيوانُ، ثُمَّ ذَهَبُوا عَلى وُجُوهِهِمْ، فَما فَقَدُوا إلّا قَدَحًا كانَ مُعَلَّقًا بِعَذَبَةِ سَرْجٍ، فَلَمّا خَرَجُوا أصابُوا الغَنائِمَ فاقْتَسَمُوها. أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ أنا أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ السِّمِذِيُّ ثَنا أبُو العَبّاسِ السَّرّاجُ ثَنا الفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ وهارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالا: ثَنا سُلَيْمانُ بْنُ المُغِيرَةِ أنَّ أبا مُسْلِمٍ الخَوْلانِيَّ جاءَ إلى الدِّجْلَةِ وهي تَرْمِي بِالخَشَبِ مِن مَدِّها، فَمَشى عَلى الماءِ والتَفَتَ إلى أصْحابِهِ وقالَ: هَلْ تَفْقِدُونَ مِن مَتاعِكم شَيْئًا (p-١٠٥)فَنَدْعُو اللَّهَ - قالَ البَيْهَقِيُّ: هَذا إسْنادٌ صَحِيحٌ.

18:64Page 301

قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبۡغِۚ فَٱرۡتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصٗا ٦٤

[Moses] said, "That is what we were seeking." So they returned, following their footprints.

وفي هَذا الأمْرِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ قاصِمَةٌ لِلسّائِلِينَ والآمِرِينَ لَهم بِالسُّؤالِ، لِأنَّ المُرادَ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ هَذا الأمْرَ وقَعَ لِنَبِيِّ هَؤُلاءِ المُضِلِّينَ، فَمُرْ قُرَيْشًا أنْ يَسْألُوهم عَنْ هَذِهِ القِصَّةِ، فَإنْ أخْبَرُوهم عَنْها بِمِثْلِ ما أخْبَرْتَهم فَصَدَّقُوهُمْ، لَزِمَهم أنْ يُؤْمِنُوا بِالبَعْثِ لِأمْرِ هَذا الحُوتِ الَّذِي أحْياهُ اللَّهُ بَعْدَ أنْ كانَ مَشْوِيًّا وصارَ كَثِيرٌ مِنهُ في البُطُونِ، وإنْ لَمْ يُصَدِّقُوهم في هَذا وصَدَّقُوهم في غَيْرِهِ مِمّا يَتَعَنَّتُونَ بِهِ عَلَيْكَ فَهو تَحَكُّمٌ، وإنْ كانُوا يَتَّهِمُونَهم في كُلِّ أمْرٍ كانَ سُؤالُهم [لَهم -] عَبَثًا، لَيْسَ [مِن -] أفْعالِ مَن يَعْقِلُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: [فَما -] قالَ مُوسى حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ مُنَبِّهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الشَّيْطانِ، وإنَّما هو إغْفالٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِغَيْرِ واسِطَةٍ لِيَجِدا العَلامَةَ الَّتِي أخْبَرَهُ اللَّهُ بِها كَما قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ: «إنِّي لَأنْسى - أيْ يُنْسِينِي اللَّهُ تَعالى - لِأسُنَّ» ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ مِن فَقْدِ الحُوتِ ﴿ما كُنّا نَبْغِ﴾ (p-١٠٦)أيْ نُرِيدُ مِن هَذا الأمْرِ المُغَيَّبِ عَنّا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَهُ مَوْعِدًا لِي في لِقاءِ الخَضِرِ ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما﴾ يَقُصّانِها ﴿قَصَصًا﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأرْضَ كانَتْ رَمْلًا، لا عَلَمَ فِيها، فالظّاهِرُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ مَجْمَعُ النِّيلِ والمِلْحِ الَّذِي عِنْدَ دِمْياطَ، أوْ رَشِيدٍ مِن بِلادِ مِصْرَ، ويُؤَيِّدُهُ نَقْرُ العُصْفُورِ في البَحْرِ الَّذِي رَكِبا في سَفِينَتِهِ لِلتَّغْذِيَةِ - كَما في الحَدِيثِ، فَإنَّ الطَّيْرَ لا يَشْرَبُ مِنَ المِلْحِ، ومِنَ المَشْهُورِ في بِلادِ رَشِيدٍ أنَّ الأمْرَ كانَ عِنْدَهُمْ، وأنَّ عِنْدَهم سَمَكًا ذاهِبَ الشَّقِّ يَقُولُونَ: أنَّهُ مِن نَسْلِ تِلْكَ السَّمَكَةِ - واللَّهُ أعْلَمُ. فاسْتَمَرّا يَقُصّانِ حَتّى انْتَهَيا إلى مَوْضِعِ فَقْدِ الحُوتِ

18:65Page 301

فَوَجَدَا عَبۡدٗا مِّنۡ عِبَادِنَآ ءَاتَيۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا ٦٥

And they found a servant from among Our servants [i.e., al-Khiḍr] to whom We had given mercy from Us and had taught him from Us a [certain] knowledge.

﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا﴾ مُضافًا إلى حَضْرَةِ عَظَمَتِنا وهو الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿آتَيْناهُ﴾ بِعَظَمَتِنا ”رَحْمَةً“ أيْ وحْيًا ونُبُوَّةً، وكَوْنُهُ نَبِيًّا قَوْلُ الجُمْهُورِ، ”مِن عِنْدِنا“ أيْ مِمّا لَمْ يَجْرِ عَلى قَوانِينِ العاداتِ غَيْرَ أنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَغْرَبٍ عِنْدَ أهْلِ الِاصْطِفاءِ ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا﴾ أيْ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَبْطَنَةِ المُسْتَغْرَبَةِ الَّتِي عِنْدَنا مِمّا لَمْ يَحْدُثْ عَنِ الأسْبابِ المُعْتاداتِ، فَهو مُسْتَغْرَبٌ عِنْدَ أهْلِ الِاصْطِفاءِ ﴿عِلْمًا﴾ قَذَفْناهُ في قَلْبِهِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ؛ [و -] قالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ الحَرالِّيُّ: ”عِنْدَ“ في لِسانِ العَرَبِ لِما ظَهَرَ، و”لَدُنْ“ لِما بَطَنَ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالرَّحْمَةِ ما ظَهَرَ مِن كَراماتِهِ، وبِالعِلْمِ الباطِنَ الخَفِيَّ المَعْلُومَ قَطْعًا أنَّهُ خاصٌّ بِحَضْرَتِهِ سُبْحانَهُ، فَأهْلُ (p-١٠٧)التَّصَوُّفِ سَمَّوُا العِلْمَ بِطَرِيقِ المُكاشَفَةِ العِلْمَ اللَّدُنِيَّ، فَإذا سَعى العَبْدُ في الرِّياضِيّاتِ يَتَزَيَّنُ الظّاهِرُ بِالعِبادَةِ، وتَتَخَلّى النَّفْسُ عَنِ الأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ، وتَتَحَلّى بِالأخْلاقِ الجَمِيلَةِ، وتَصِيرُ القُوى الحِسِّيَّةُ والخَيالِيَّةُ والوَهْمِيَّةُ في غايَةِ القُوَّةِ، [وحِينَئِذٍ تَصِيرُ القُوَّةُ -] العَقْلِيَّةُ قَوِيَّةً [صافِيَةً، ورُبَّما كانَتِ النَّفْسُ بِحَسَبِ أصْلِ الفِطْرَةِ نُورانِيَّةً إلَهِيَّةً عُلْوِيَّةً قَلِيلَةَ التَّعَلُّقِ -] بِالحَوادِثِ البَدَنِيَّةِ، شَدِيدَةَ الِاسْتِعْدادِ لِقَبُولِ الأُمُورِ الإلَهِيَّةِ، فَتُشْرِقُ فِيها الأنْوارُ الإلَهِيَّةُ وتَفِيضُ عَلَيْها مِن عالِمِ القُدُسِ عَلى وجْهِ الكَمالِ فَتَحْصُلُ المَعارِفُ والعُلُومُ مِن غَيْرِ تَفَكُّرٍ وتَأمُّلٍ، فَهَذا هو العِلْمُ اللَّدُنِيُّ.

18:66Page 301

قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدٗا ٦٦

Moses said to him, "May I follow you on [the condition] that you teach me from what you have been taught of sound judgement?"

ثُمَّ أوْرَدَ سُبْحانَهُ وتَعالى القِصَّةَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ عَنْ كُلِّ كَلامٍ يُرْشِدُ إلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وذَلِكَ أنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الطّالِبَ لِلشَّخْصِ إذا لَقِيَهُ كَلَّمَهُ، لَكِنْ لا يُعْرَفُ عَيْنُ ذَلِكَ الكَلامِ فَقالَ لِمَن كَأنَّهُ سَألَ عَنْ ذَلِكَ: ﴿قالَ لَهُ مُوسى﴾ طالِبًا مِنهُ عَلى سَبِيلِ التَّأدُّبِ والتَّلَطُّفِ بِإظْهارِ ذَلِكَ في قالَبِ الِاسْتِئْذانِ: ﴿هَلْ أتَّبِعُكَ﴾ أيِ اتِّباعًا بَلِيغًا حَيْثُ تَوَجَّهْتَ؛ والِاتِّباعُ: الإتْيانُ لِمِثْلِ فِعْلِ الغَيْرِ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ آتِيًا بِهِ؛ وبَيَّنَ أنَّهُ لا يَطْلُبُ مِنهُ غَيْرَ العِلْمِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي﴾ (p-١٠٨)وزادَ في التَّلَطُّفِ بِالإشارَةِ إلى أنَّهُ لا يَطْلُبُ جَمِيعَ ما عِنْدَهُ لِيَطُولَ عَلَيْهِ الزَّمانُ بَلْ جَوامِعَ مِنهُ يَسْتَرْشِدُ بِها إلى باقِيهِ فَقالَ: ﴿مِمّا عُلِّمْتَ﴾ وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِعِلْمِ المُخاطَبِينَ - لِكَوْنِهِمْ مِنَ الخُلَّصِ - بِأنَّ الفاعِلَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، ولِلْإشارَةِ إلى سُهُولَةِ كُلِّ أمْرٍ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿رُشْدًا﴾ أيْ عِلْمًا يُرْشِدُنِي إلى الصَّوابِ فِيما أقْصِدُهُ، ولا نَقْصَ في تَعَلُّمِ نَبِيٍّ مِن نَبِيٍّ حَتّى يُدَّعى أنَّ مُوسى هَذا لَيْسَ مُوسى بْنَ عِمْرانَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ قَدْ ثَبَتَ كَوْنُهُ ابْنَ عِمْرانَ في الصَّحِيحِ، وأتى صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ في سُؤالِهِ [لَهُ -] بِهَذِهِ الأنْواعِ مِنَ الآدابِ والإبْلاغِ في التَّواضُعِ لِما هو عَلَيْهِ مِنَ الرُّسُوخِ في العِلْمِ، لِأنَّ كُلَّ مَن كانَتْ إحاطَتُهُ بِالعُلُومِ أكْثَرَ، كانَ عِلْمُهُ بِما فِيها مِنَ البَهْجَةِ والسَّعادَةِ أكْثَرَ، فَكانَ طَلَبُهُ لَها أشَدَّ، فَكانَ تَعْظِيمُهُ لِأرْبابِ العُلُومِ أكْمَلَ.

18:67Page 301

قَالَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٦٧

He said, "Indeed, with me you will never be able to have patience.

ولَمّا أتَمَّ العِبارَةَ عَنِ السُّؤالِ، اسْتَأْنَفَ جَوابَهُ [لَهُ -] بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ﴾ أيِ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ﴾ يا مُوسى ﴿مَعِيَ صَبْرًا﴾ أيْ هو مِنَ العَظَمَةِ عَلى ما أُرِيدُ لِما يَحُثُّكَ عَلى عَدَمِ الصَّبْرِ مِن ظاهِرِ الشَّرْعِ الَّذِي أُمِرْتَ [بِهِ -]، فالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ بِما تُؤْذِنُ بِهِ تاءُ الِاسْتِفْعالِ، وآكَدُ لِما في سُؤالِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التَّلَطُّفِ المُؤْذِنِ بِأنَّهُ يَصْبِرُ (p-١٠٩)عَلَيْهِ ولا يُخالِفُهُ في شَيْءٍ أصْلًا، ويُؤْخَذُ مِنهُ أنَّ العالِمَ إنْ رَأى في التَّغْلِيظِ عَلى المُتَعَلِّمِ ما يُفِيدُهُ نَفْعًا وإرْشادًا إلى الخَيْرِ كانَ عَلَيْهِ ذِكْرُهُ، فَإنَّ السُّكُوتَ عَنْهُ يُوقِعُ المُتَعَلِّمَ في الغُرُورِ والنَّخْوَةِ، وذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنَ التَّعَلُّمِ.

18:68Page 301

وَكَيۡفَ تَصۡبِرُ عَلَىٰ مَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ خُبۡرٗا ٦٨

And how can you have patience for what you do not encompass in knowledge?"

ولَمّا كانَ المَقامُ صَعْبًا جِدًّا لِأنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى أوامِرِ اللَّهِ تَعالى، بَيَّنَهُ عَلى وجْهٍ أبْلَغَ مِن نَفْيِ الأخَصِّ، وهو الصَّبْرُ البَلِيغُ، بِالتَّعْجِيبِ مِن مُطْلَقِ [الصَّبْرِ -] مُعْتَذِرًا عَنْ مُوسى في الإنْكارِ، وعَنْ نَفْسِهِ في الفِعْلِ، بِأنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الظّاهِرِ والباطِنِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَكَيْفَ تَتَّبِعُنِي الِاتِّباعَ البَلِيغَ: ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ﴾ يا مُوسى ﴿عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ أيْ مِن جِهَةِ العِلْمِ بِهِ ظاهِرًا وباطِنًا، فَأشارَ بِالإحاطَةِ إلى أنَّهُ كانَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى صَوابٍ، ولَكِنْ تَجْوِيزًا لا يُسْقِطُ عَنْهُ وُجُوبَ الأمْرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا تَعْلِيلًا لِما [قَبْلَهُ -]، فَيَكُونَ الصَّبْرُ الثّانِي هو الأوَّلَ، والمَعْنى أنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ [الصَّبْرَ الَّذِي أُرِيدُهُ -] لِأنَّكَ لا تَعْرِفُ فِعْلِي عَلى ما هو عَلَيْهِ فَتَراهُ فاسِدًا

18:69Page 301

قَالَ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرٗا وَلَآ أَعۡصِي لَكَ أَمۡرٗا ٦٩

[Moses] said, "You will find me, if Allāh wills, patient, and I will not disobey you in [any] order."

﴿قالَ﴾ أيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، آتِيًا بِنِهايَةِ التَّواضُعِ لِمَن هو أعْلَمُ مِنهُ، إرْشادًا لِما يَنْبَغِي في طَلَبِ العِلْمِ رَجاءَ تَسْهِيلِ اللَّهِ لَهُ (p-١١٠)والنَّفْعِ بِهِ: ﴿سَتَجِدُنِي﴾ فَأكَّدَ الوَعْدَ بِالسِّينِ؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ قَوّى تَأْكِيدَهُ بِالتَّبَرُّكِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى لِعِلْمِهِ بِصُعُوبَةِ الأمْرِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ الحَثُّ عَلَيْهِ في هَذِهِ [السُّورَةِ -] في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ﴾ [الكهف: ٢٣] الآيَةِ لِيُعْلَمَ أنَّهُ مِنهاجُ الأنْبِياءِ وسَبِيلُ الرُّسُلِ، فَقالَ تَعالى: ﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ”صابِرًا“ عَلى ما يَجُوزُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ؛ ثُمَّ زادَ التَّأْكِيدَ بِقَوْلِهِ عَطْفًا بِالواوِ عَلى ”صابِرًا“ لِبَيانِ التَّمَكُّنِ في كُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ: ﴿ولا أعْصِي﴾ أيْ وغَيْرَ عاصٍ ﴿لَكَ أمْرًا﴾ تَأْمُرُنِي بِهِ غَيْرَ مُخالِفٍ لِظاهِرِ أمْرِ اللَّهِ

18:70Page 301

قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعۡتَنِي فَلَا تَسۡـَٔلۡنِي عَن شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ أُحۡدِثَ لَكَ مِنۡهُ ذِكۡرٗا ٧٠

He said, "Then if you follow me, do not ask me about anything until I make to you about it mention [i.e., explanation]."

﴿قالَ﴾ أيِ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَإنِ اتَّبَعْتَنِي﴾ يا مُوسى اتِّباعًا بَلِيغًا ﴿فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ أقُولُهُ أوْ أفْعَلُهُ ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ﴾ خاصَّةً ﴿مِنهُ ذِكْرًا﴾ يُبَيِّنُ لَكَ وجْهَ صَوابِهِ، فَإنِّي لا أُقْدِمُ عَلى شَيْءٍ إلّا وهو صَوابٌ جائِزٌ في نَفْسِ الأمْرِ وإنْ كانَ ظاهِرُهُ غَيْرَ ذَلِكَ.

18:71Page 301

فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَاۖ قَالَ أَخَرَقۡتَهَا لِتُغۡرِقَ أَهۡلَهَا لَقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـًٔا إِمۡرٗا ٧١

So they set out, until when they had embarked on the ship, he [i.e., al-Khiḍr] tore it open. [Moses] said, "Have you torn it open to drown its people? You have certainly done a grave thing."

ولَمّا تَشارَطا وتَراضَيا عَلى الشَّرْطِ سَبَّبَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقا﴾ أيْ مُوسى والخَضِرُ عَلَيْهِما السَّلامُ عَلى السّاحِلِ، يَطْلُبانِ سَفِينَةً يَرْكَبانِ فِيها واسْتَمَرّا ﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ﴾ وأجابَ الشَّرْطَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَرَقَها﴾ وعَرَّفَها لِإرْشادِ السِّياقِ بِذِكْرِ مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ إلى أنَّ (p-١١١)انْطِلاقَهُما [كانَ -] لِطَلَبِ سَفِينَةٍ، فَكانَتْ لِذَلِكَ كَأنَّها مُسْتَحْضَرَةٌ في الذِّهْنِ، ولَمْ يَقْرِنْ ”خَرَقَ“ بِالفاءِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسَبَّبًا عَنِ الرُّكُوبِ ولا كانَ في أوَّلِ أحْيانِهِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالَ﴾ أيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، مُنْكِرًا لِذَلِكَ لِما في ظاهِرِهِ مِنَ الفَسادِ بِإتْلافِ المالِ المُفْضِي إلى فَسادٍ أكْبَرَ مِنهُ بِإهْلاكِ النُّفُوسِ، [ناسِيًا -] لِما عَقَدَ عَلى نَفْسِهِ لِما دَهَمَهُ مِمّا عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ - وهو الإلَهُ العَظِيمُ - مِنَ العَهْدِ الوَثِيقِ المُكَرَّرِ في جَمِيعِ أسْفارِ التَّوْراةِ بَعْدَ إثْباتِهِ في لَوْحَيِ الشَّهادَةِ في العَشْرِ كَلِماتٍ الَّتِي نِسْبَتُها مِنَ التَّوْراةِ كَنِسْبَةِ الفاتِحَةِ مِنَ القُرْآنِ بِالأمْرِ القَطْعِيِّ أنَّهُ لا يُقِرُّ عَلى مُنْكَرٍ، ومِنَ المُقَرَّرِ أنَّ النَّهْيَ واجِبٌ عَلى الفَوْرِ، عَلى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْسَ لَمْ يَتْرُكِ الإنْكارَ، كَما فَعَلَ عِنْدَ قَتْلِ الغُلامِ، لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ غَيْرُ داخِلٍ في الوَعْدِ، لِأنَّ المُسْتَثْنى شَرْعًا كالمُسْتَثْنى وضْعًا، فَفي الأُولى نَسِيَ الشَّرْطَ، وفي الثّانِيَةِ نَسِيَ - لِما دَهَمَهُ مِن فَظاعَةِ القَتْلِ الَّذِي لَمْ [يَعْلَمْ -] فِيهِ مِنَ اللَّهِ أمْرًا - أنَّهُ يَنْبَغِي تَقْلِيدُهُ لِثَناءِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ: ﴿أخَرَقْتَها﴾ وبَيَّنَ عُذْرَهُ في الإنْكارِ بِما في غايَةِ الخَرْقِ مِنَ الفَظاعَةِ فَقالَ: ﴿لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ واللَّهِ! ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ أيْ عَظِيمًا [مُنْكَرًا عَجِيبًا شَدِيدًا -]

18:72Page 301

قَالَ أَلَمۡ أَقُلۡ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٧٢

[Al-Khiḍr] said, "Did I not say that with me you would never be able to have patience?"

﴿قالَ﴾ أيِ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ألَمْ أقُلْ إنَّكَ﴾ يا مُوسى! (p-١١٢)﴿لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ فَذَكَّرَهُ بِما قالَ لَهُ عِنْدَ الشَّرْطِ

18:73Page 301

قَالَ لَا تُؤَاخِذۡنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرۡهِقۡنِي مِنۡ أَمۡرِي عُسۡرٗا ٧٣

[Moses] said, "Do not blame me for what I forgot and do not overwhelm me in my matter with difficulty."

﴿قالَ﴾ مُوسى: ﴿لا تُؤاخِذْنِي﴾ يا خَضِرُ ﴿بِما نَسِيتُ﴾ مِن ذَلِكَ الِاشْتِراطِ ﴿ولا تُرْهِقْنِي﴾ أيْ تُلْحِقْنِي بِما لا أُطِيقُهُ وتُعْجِلْنِي عَنْ مُرادِي بِاتِّباعِكَ عَلى وجْهِ القَهْرِ ناسِبًا لِي إلى السَّفَهِ والخِفَّةِ ورُكُوبِ الشَّرِّ ﴿مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ بِالمُؤاخَذَةِ عَلى النِّسْيانِ، فَكُلٌّ مِنهُما صادِقٌ فِيما قالَ، مُوفٍ بِحَسَبِ ما عِنْدَهُ، أمّا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلِأنَّهُ ما خَطَرَ [لَهُ -] قَطُّ أنْ يُعاهِدَ عَلى أنْ لا يَنْهى عَمّا يَعْتَقِدُهُ [مُنْكَرًا -]، وأمّا الخَضِرُ فَإنَّهُ عَقَدَ عَلى ما في نَفْسِ الأمْرِ لِأنَّهُ لا يُقْدِمُ عَلى مُنْكَرٍ، ومَعَ ذَلِكَ فَما نَفى [إلّا -] الصَّبْرَ البَلِيغَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ بِزِيادَةِ تاءِ الِاسْتِفْعالِ، وقَدْ حَصَلَ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ صَبْرٌ. لِأنَّهُ لَمّا ذَكَّرَهُ كَفَّ عَنْهُ لِما تَذَكَّرَ بِثَناءِ اللَّهِ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَفْعَلُ باطِلًا، ولَمْ يَحْصُلِ الصَّبْرُ البَلِيغُ الَّذِي في نَفْسِ الخَضِرِ بِالسُّكُوتِ في أوَّلِ الأمْرِ وآخِرِهِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском