Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:74–85
18:74Page 301
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَٰمٗا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا زَكِيَّةَۢ بِغَيۡرِ نَفۡسٖ لَّقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـٔٗا نُّكۡرٗا ٧٤
So they set out, until when they met a boy, he [i.e., al-Khiḍr] killed him. [Moses] said, "Have you killed a pure soul for other than [having killed] a soul? You have certainly done a deplorable thing."
﴿فانْطَلَقا﴾ بَعْدَ نُزُولِهِما مِنَ السَّفِينَةِ وسَلامَتِها مِنَ الغَرَقِ والغَصْبِ ﴿حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا﴾ لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ وهو في غايَةِ القُوَّةِ ﴿فَقَتَلَهُ﴾ حِينَ لَقِيَهُ - كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الفاءُ العاطِفَةُ عَلى الشَّرْطِ. ثُمَّ أجابَ الشَّرْطَ بِقَوْلِهِ مُشْعِرًا بِأنَّ شُرُوعَهُ في الإنْكارِ في هَذِهِ أسْرَعُ: ﴿قالَ﴾ أيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أقَتَلْتَ﴾ يا خَضِرُ ﴿نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ (p-١١٣)بِكَوْنِها عَلى الفِطْرَةِ الأُولى مِن غَيْرِ أنْ تُدَنَّسَ بِخَطِيئَةٍ تُوجِبُ القَتْلَ ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ قَتَلَتْها لِيَكُونَ قَتْلُكَ لَها قَوَدًا؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ بالِغًا حَتّى إذا قَتَلَ قَتِيلًا أمْكَنَ قَتْلُهُ بِهِ إلّا أنْ يَكُونَ شَرْعُهم لا يَشْتَرِطُ البُلُوغَ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتَ﴾ في قَتْلِكَ إيّاها ﴿شَيْئًا﴾ وصَرَّحَ [بِالإنْكارِ -] في قَوْلِهِ: ﴿نُكْرًا﴾ لِأنَّهُ مُباشَرَةٌ. والخَرْقُ تَسَبُّبٌ لا يَلْزَمُ مِنهُ الغَرَقُ.
18:75Page 302
۞ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٧٥
[Al-Khiḍr] said, "Did I not tell you that with me you would never be able to have patience?"
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ ثانِيَةً ﴿قالَ﴾ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ألَمْ أقُلْ﴾ وزادَ قَوْلَهُ: ﴿لَكَ إنَّكَ﴾ يا مُوسى ﴿لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿صَبْرًا﴾
18:76Page 302
قَالَ إِن سَأَلۡتُكَ عَن شَيۡءِۭ بَعۡدَهَا فَلَا تُصَٰحِبۡنِيۖ قَدۡ بَلَغۡتَ مِن لَّدُنِّي عُذۡرٗا ٧٦
[Moses] said, "If I should ask you about anything after this, then do not keep me as a companion. You have obtained from me an excuse."
﴿قالَ﴾ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَياءً مِنهُ لَمّا أفاقَ بِتَذَكُّرٍ مِمّا حَصَلَ مِن فَرْطِ الوَجْدِ لِأمْرِ اللَّهِ فَذَكَرَ أنَّهُ ما تَبِعَهُ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها﴾ يا أخِي! وأعْلَمَ بِشِدَّةِ نَدَمِهِ عَلى الإنْكارِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُصاحِبْنِي﴾ بَلْ فارِقْنِي؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿قَدْ بَلَغْتَ﴾ وأشارَ إلى أنَّ ما وقَعَ مِنهُ مِنَ الإخْلالِ بِالشَّرْطِ مِن أعْظَمِ الخَوارِقِ الَّتِي اضْطُرَّ إلَيْها فَقالَ: ﴿مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ بِاعْتِراضِي مَرَّتَيْنِ واحْتِمالِكَ لِي فِيهِما. وقَدْ أخْبَرَنِي اللَّهُ بِحُسْنِ حالِكَ في غَزارَةِ عِلْمِكَ
18:77Page 302
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهۡلَ قَرۡيَةٍ ٱسۡتَطۡعَمَآ أَهۡلَهَا فَأَبَوۡاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارٗا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥۖ قَالَ لَوۡ شِئۡتَ لَتَّخَذۡتَ عَلَيۡهِ أَجۡرٗا ٧٧
So they set out, until when they came to the people of a town, they asked its people for food, but they refused to offer them hospitality. And they found therein a wall about to collapse, so he [i.e., al-Khiḍr] restored it. [Moses] said, "If you wished, you could have taken for it a payment."
﴿فانْطَلَقا﴾ بَعْدَ قَتْلِهِ ﴿حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ عَبَّرَ عَنْها هُنا بِالقَرْيَةِ دُونَ المَدِينَةِ (p-١١٤)لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى الذَّمِّ، لِأنَّ مادَّةَ قَرا تَدُورُ عَلى الجَمْعِ الَّذِي يَلْزَمُهُ الإمْساكُ كَما تَقَدَّمَ في آخِرِ سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ ثُمَّ وصَفَها لِيُبَيِّنَ [أنَّ -] لَها مَدْخَلًا في لُؤْمِ أهْلِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْتَطْعَما﴾ وأظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ في قَوْلِهِ: ﴿أهْلَها﴾ لِأنَّ الِاسْتِطْعامَ لِبَعْضِ مَن أتَوْهُ، أوْ كُلٌّ مِنَ الإتْيانِ والِاسْتِطْعامِ لِبَعْضٍ ولَكِنَّهُ غَيْرُ مُتَّحِدٍ، وهَذا هو الظّاهِرُ، لِأنَّهُ هو المُوافِقُ لِلْعادَةِ.
قالَ الإمامُ أبُو الحَسَنِ الحَرالِّيُّ في كِتابِهِ مِفْتاحُ البابِ المُقْفَلِ لِفَهْمِ القُرْآنِ المُنْزَلِ: ولِتَكْرارِ الأسْماءِ بِالإظْهارِ والإضْمارِ بَيانُ سِنِينَ الأفْهامِ في القُرْآنِ: اعْلَمْ أنَّ لِوُقُوعِ الإظْهارِ والإضْمارِ في بَيانِ القُرْآنِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما يَتَقَدَّمُ فِيهِ الإظْهارُ وهو خِطابُ المُؤْمِنِينَ بِآياتِ الآفاقِ وعَلى نَحْوِهِ هو خِطابُ الخَلْقِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ لا يُضْمِرُونَ إلّا بَعْدَ أنْ يُظْهِرُوا، والثّانِي يَتَقَدَّمُ فِيهِ الإضْمارُ وهو خِطابُ المُوقِنِينَ بِآيَةِ الأنْفُسِ، ولَمْ يَصِلْ إلَيْهِ تَخاطُبُ الخَلْقِ. فَإذا كانَ البَيانُ عَنْ إحاطَةٍ، تَقَدَّمَ الإضْمارُ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وإذا كانَ عَنِ اخْتِصاصٍ، تَقَدَّمَ [الإظْهارُ -] ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] وإذا رَدَّ عَلَيْهِ بَيانٌ عَلى حِدَةٍ أضْمَرَ ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] -] أيْ هَذا الَّذِي عُمَّ بِأحَدِيَّتِهِ وخُصَّ بِصَمَدِيَّتِهِ، وإذا (p-١١٥)أحاطَ البَيانُ بَعْدَ اخْتِصاصٍ اسْتُؤْنِفَ لَهُ إحاطَةٌ بِاسْتِئْنافِ إظْهارٍ مُحِيطٍ أوْ بِإضْمارٍ، أوْ بِجَمْعِ المُضْمَرِ والمُظْهَرِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١] ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ [الحشر: ٢٢] والتَّفَطُّنُ لِما اخْتُصَّ بِهِ بَيانُ القُرْآنِ عَنْ بَيانِ الإنْسانِ مِن هَذا النَّحْوِ مِن مَفاتِيحِ أبْوابِ الفَهْمِ، ومِن نَحْوِهِ ﴿أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها﴾ اسْتَأْنَفَ لِلْمُسْتَطْعِمَيْنِ إظْهارًا غَيْرَ إظْهارِ المَأْتِيِّينَ - انْتَهى. [وجَعَلَ السُّبْكِيُّ الإتْيانَ لِلْبَعْضِ، والِاسْتِطْعامَ لِلْكُلِّ، لِأنَّهُ أشَدُّ ذَمًّا لِأهْلِ القَرْيَةِ وأدَلُّ عَلى شَرِّ طَبْعِها، ومَن قالَ بِالأوَّلِ مُؤَيَّدٌ بِقَوْلِ الشّافِعِيِّ في كِتابِ الرِّسالَةِ في بابِ ما نَزَلَ مِنَ الكِتابِ عامًّا يُرادُ بِهِ العامُّ ويُدْخِلُها الخُصُوصَ وهو بَعْدَ البَيانِ الخامِسِ في قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها﴾ وفي هَذِهِ الآيَةِ أدَلُّ دَلالَةٍ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْتَطْعِما كُلَّ أهْلِ القَرْيَةِ وفِيها خُصُوصٌ - انْتَهى، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ نَكِرَةً إذا أُعِيدَتْ كانَتِ الثّانِيَةُ غَيْرَ الأُولى، وإذا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةٌ كانَتْ عَيْنًا في الأغْلَبِ.
ولَمّا أسْنَدَ (p-١١٦)الإتْيانَ إلى أهْلِ القَرْيَةِ كانَ ظاهِرُهُ تَناوُلَ الجَمِيعِ، فَلَوْ قِيلَ: اسْتَطْعَماهم لَكانَ المُرادُ بِالضَّمِيرِ عَيْنَ المَأْتِيِّينَ، فَلَمّا عَدَلَ عَنْهُ - مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ - إلى الظّاهِرِ ولا سِيَّما إنْ جَعَلْناهُ نَكِرَةً كانَ غَيْرَ الأُولى وإلّا لَمْ يَكُنْ لِلْعُدُولِ فائِدَةٌ، وقَدْ كانَ الظّاهِرُ أنَّ الأوَّلَ لِلْجَمِيعِ فَكانَ الثّانِي لِلْبَعْضِ، وإلّا لَمْ يَكُنْ غَيْرَهُ ولا كانَ لِلْعُدُولِ فائِدَةٌ -]. ”فَأبَوْا“ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنِ اسْتِطْعامِهِما أنْ أبى المُسْتَطْعَمُونَ مِن أهْلِ القَرْيَةِ ﴿أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ أيْ يُنْزِلُوهُما ويُطْعِمُوهُما فانْصَرَفا عَنْهم ﴿فَوَجَدا فِيها﴾ أيِ القَرْيَةِ، ولَمْ يَقُلْ: فِيهِمْ، إيذانًا بِأنَّ المُرادَ وصْفُ القَرْيَةِ بِسُوءِ الطَّبْعِ ”جِدارًا“ مُشْرِفًا عَلى السُّقُوطِ، وكَذا قالَ مُسْتَعِيرًا لِما لا يَعْقِلُ صِفَةَ ما يَعْقِلُ: ﴿يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ أيْ يَسْقُطَ سَرِيعًا فَمَسَحَهُ الخَضِرُ بِيَدِهِ ”فَأقامَهُ“.
ولَمّا انْقَضى وصْفُ القَرْيَةِ وما تَسَبَّبَ عَنْهُ أجابَ ”إذا“ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيْ لَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ﴾ لِكَوْنِنا لَمْ يَصِلْ إلَيْنا مِنهم شَيْءٌ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى إقامَةِ الجِدارِ ﴿أجْرًا﴾ نَأْكُلُ بِهِ، فَلَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِ في هَذِهِ المَرَّةِ لِعَدَمِ ما يُنْكَرُ فِيها، وإنَّما ساقَ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِن ثَمَرَتِها مَساقَ العَرْضِ والمَشُورَةِ غَيْرَ أنَّهُ يَتَضَمَّنُ السُّؤالَ
18:78Page 302
قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيۡنِي وَبَيۡنِكَۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأۡوِيلِ مَا لَمۡ تَسۡتَطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرًا ٧٨
[Al-Khiḍr] said, "This is parting between me and you. I will inform you of the interpretation of that about which you could not have patience.
﴿قالَ﴾ (p-١١٧)الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”هَذا“ أيِ الوَقْتُ أوِ السُّؤالُ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ سَبَبَ الفِراقِ أوْ مَحَلَّهُ، سَمّاهُ بِهِ مُبالَغَةً فَقالَ: ﴿فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ يا مُوسى بَعْدَ أنْ كانَ البَيْنانِ بَيْنًا واحِدًا لِاتِّصالِهِما فَلا بَيْنَ، فَهو في الحَقِيقَةِ فَوْقَ ما كانَ مُتَّصِلًا مِن بَيْنِهِما، أوْ فِراقُ التَّقاوُلِ الَّذِي كانَ بَيْنَنا، أيِ الفِراقُ الَّذِي سَبَّبَهُ السُّؤالُ، وإذا نَزَلَ عَلى الِاحْتِباكِ ازْدادَ ظُهُورًا، تَقْدِيرُهُ: فِراقُ بَيْنِي مِن بَيْنِكَ كَما أخْبَرْتَ، وفِراقُ بَيْنِكَ مِن بَيْنِي كَما شَرَطْتُ، وقَدْ أثْبَتَتْ هَذِهِ العِبارَةُ [الفِراقَ -] عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا وقَعَ فِراقُ بَيْنِي مِن بَيْنِكَ بِحائِلٍ يَحُولُ بَيْنَهُما فَقَدْ وقَعَ مِنكَ بِطَرِيقِ الأوْلى، وحَقِيقَتُهُ أنَّ البَيْنَ هو الفَراغُ المُنْبَسِطُ الفاصِلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وهو مُوَزَّعٌ بَيْنَهُما، فَبَيْنُ كُلٍّ مِنهُما مِن مُنْتَصَفِ ذَلِكَ الفَراغِ إلَيْهِ، فَإذا دَخَلَ في ذَلِكَ الفَراغِ شَيْءٌ فَصَلَ بَيْنَهُما، وصارَ بَيْنُ كُلٍّ مِنهُما يُنْسَبُ إلَيْهِ، لِأنَّهُ صارَ بَيْنَ ما يُنْسَبُ إلى كُلٍّ مِنهُما مِنَ البَيْنَيْنِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ بَيْنُهُما مُبايَنَةً، أيْ أنَّ [بَيْنَ -] كُلٍّ مِنهُما غَيْرُ بَيْنِ الآخَرِ ومَن قالَ: إنَّ مَعْنى ”هَذا فِراقُ بَيْنِنا“ زَوالُ الفَصْلِ ووُجُودُ الوَصْلِ، كَذَّبَهُ أنَّ مَعْنى ”هَذا اتِّصالُ بَيْنِنا“ المُواصَلَةُ، فَلَوْ كانَ هَذا مَعْنى ذاكَ أيْضًا لاتَّحَدَ مَعْنى ما يَدُلُّ عَلى الوَصْلِ بِمَعْنى ما يَدُلُّ عَلى الفَصْلِ، وقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ سُبْحانَهُ (p-١١٨)وتَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما في تَفْسِيرِ الأصْبَهانِيِّ وغَيْرِهِ - بِما فَعَلَ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما وقَعَ لَهُ هو مِن مِثْلِهِ سَواءً بِسَواءٍ، فَنَبَّهَهُ - بِخَرْقِ السَّفِينَةِ الَّذِي ظاهِرُهُ هُلْكٌ وباطِنُهُ نَجاةٌ مِن يَدِ الغاصِبِ [عَلى التّابُوتِ الَّذِي أُطْبِقَ عَلَيْهِ وأُلْقِيَ في اليَمِّ خَوْفًا عَلَيْهِ مِن فِرْعَوْنَ الغاصِبِ -] فَكانَ ظاهِرُهُ [هُلْكًا -] وباطِنُهُ نَجاةً، وبِقَتْلِ الغُلامِ عَلى أنَّهُ كانَ مَعْصُومَ الحَرَكَةِ في نَفْسِ الأمْرِ في قَتْلِهِ القِبْطِيَّ وإنْ لَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ يَعْلَمُهُ لِكَوْنِهِ لَمْ يُنَبَّأْ، وبِإقامَةِ الجِدارِ مِن غَيْرِ أجْرٍ عَلى سَقْيِهِ لِبَناتِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن غَيْرِ أجْرٍ مَعَ احْتِياجِهِ لِذَلِكَ.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ شِدَّةُ اسْتِشْرافِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الوُقُوفِ عَلى باطِنِ هَذِهِ الأُمُورِ، قالَ مُجِيبًا لَهُ عَنْ هَذا السُّؤالِ: ﴿سَأُنَبِّئُكَ﴾ يا مُوسى بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ إنْباءً عَظِيمًا ﴿بِتَأْوِيلِ﴾ أيْ بِتَرْجِيعِ ﴿ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ لِمُخالَفَتِهِ عِنْدَكَ الحِكْمَةَ [إلى الحِكْمَةِ -] وهو أنَّ عِنْدَ تَعارُضِ الضَّرَرَيْنِ يَجِبُ ارْتِكابُ الأدْنى لِدَفْعِ الأقْوى بِشَرْطِ التَّحَقُّقِ، وأثْبَتَ تاءَ الِاسْتِفْعالِ هُنا وفِيما قَبْلَهُ إعْلامًا بِأنَّهُ (p-١١٩)ما نَفى إلّا القُدْرَةَ البَلِيغَةَ عَلى الصَّبْرِ، إشارَةً إلى صُعُوبَةِ ما حَمَلَ مُوسى مِن ذَلِكَ، لا مُطْلَقَ القُدْرَةِ عَلى الصَّبْرِ
18:79Page 302
أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَٰكِينَ يَعۡمَلُونَ فِي ٱلۡبَحۡرِ فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٞ يَأۡخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصۡبٗا ٧٩
As for the ship, it belonged to poor people working at sea. So I intended to cause defect in it as there was after them a king who seized every [good] ship by force.
﴿أمّا السَّفِينَةُ﴾ الَّتِي أحْسَنَ إلَيْنا [أهْلُها -] فَخَرَقْتُها ﴿فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾ وهو دَلِيلٌ لِلشّافِعِيِّ عَلى أنَّ الفَقِيرَ أسْوَأُ حالًا مِنَ المِسْكِينِ، لِأنَّ هَؤُلاءِ يَمْلِكُونَ سَفِينَةً ”يَعْمَلُونَ في البَحْرِ“ لِيَسْتَعِينُوا بِذَلِكَ عَلى مَعاشِهِمْ.
ولَمّا كانَ التَّعْيِيبُ مِن فِعْلِهِ، أسْنَدَهُ إلَيْهِ خاصَّةً، تَأدُّبًا مَعَ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ فَإنَّ تَفْوِيتَ مَنفَعَتِها [بِذَلِكَ-] ساعَةً مِن نَهارٍ وتَكْلِيفَ أهْلِها لَوْحًا يَسُدُّونَها بِهِ أخَفُّ ضَرَرًا مِن تَفْوِيتِهِمْ مَنفَعَتَها أخْذًا ورَأْسًا بِأخْذِ المَلِكِ لَها، ولَمْ أُرِدْ إغْراقَ أهْلِها كَما هو المُتَبادِرُ إلى الفَهْمِ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ عِلَّةَ فِعْلِهِ فَقالَ: ﴿وكانَ وراءَهُمْ﴾ أيْ أمامَهُمْ، [ولَعَلَّهُ -] عَبَّرَ بِلَفْظِ (وراءَ كِنايَةً عَنِ الإحاطَةِ بِنُفُوذِ الأمْرِ في كُلِّ وِجْهَةٍ وارَتْهم ووارَوْها، وفَسَّرَهُ الحَرالِّيُّ في [سُورَةِ البَقَرَةِ] بِأنَّهُ وراءَهم في غَيْبَتِهِ عَنْ عِلْمِهِمْ وإنْ كانَ أمامَهم في وِجْهَتِهِمْ، لِأنَّهُ فَسَّرَ الوَراءَ بِما لا يَنالُهُ الحِسُّ ولا العِلْمُ حَيْثُما كانَ مِنَ المَكانِ، قالَ: فَرُبَّما اجْتَمَعَ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ، وراءً مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يُعْلَمُ، ويَكُونُ أمامًا في المَكانِ.
﴿مَلِكٌ يَأْخُذُ﴾ في ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ لَيْسَ فِيها عَيْبٌ ﴿غَصْبًا﴾ مِن أصْحابِها ولَمْ يَكُنْ عِنْدَ أصْحابِها عِلْمٌ بِهِ.
18:80Page 302
وَأَمَّا ٱلۡغُلَٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤۡمِنَيۡنِ فَخَشِينَآ أَن يُرۡهِقَهُمَا طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗا ٨٠
And as for the boy, his parents were believers, and we feared that he would overburden them by transgression and disbelief.
(p-١٢٠)ولَمّا كانَ كُلٌّ مِنَ الغَصْبِ والمَسْكَنَةِ سَبَبًا لِفِعْلِهِ، قَدَّمَها عَلى الغَصْبِ، إشارَةً إلى أنَّ أقْوى السَّبَبَيْنِ الحامِلَيْنِ عَلى فِعْلِهِ الرَّأْفَةُ بِالمَساكِينِ ﴿وأمّا الغُلامُ﴾ أيِ الَّذِي قَتَلْتُهُ ﴿فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ وكانَ هو مَطْبُوعًا عَلى الكُفْرِ - كَما يَأْتِي في حَدِيثِ أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
ولَمّا كانَ يُحْتَمَلُ عِنْدَ الخَضَرِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَكُونَ هَذا الغُلامُ مَعَ كُفْرِهِ في نَفْسِهِ سَبَبًا لِكُفْرِ أبَوَيْهِ إنْ كَبِرَ، وكانَ أمْرُ اللَّهِ لَهُ بِقَتْلِهِ مِثْلَ فِعْلِ مَن يَخْشى ذَلِكَ، أسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِما في قَوْلِهِ: ﴿فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما﴾ أيْ يُغْشِيَهُما ويُلْحِقَهُما إنْ كَبِرَ بِمَحَبَّتِهِما لَهُ أوْ بِجَراءَتِهِ وقَساوَتِهِ ﴿طُغْيانًا﴾ أيْ تَجاوُزًا في الظُّلْمِ وإفْراطًا فِيهِ ﴿وكُفْرًا﴾ لِنِعْمَتِهِما فَيُفْسِدُ دُنْياهُما أوْ يَحْمِلُهُما حُبُّهُما لَهُ عَلى الطُّغْيانِ والكُفْرِ بِاللَّهِ طاعَةً فَيُفْسِدُ دِينَهُما، رَوى مُسْلِمُ في القَدَرِ وأبُو داوُدَ في السُّنَّةِ والتِّرْمِذِيُّ في (p-١٢١)التَّفْسِيرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ الغُلامَ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ كافِرًا، ولَوْ عاشَ لَأرْهَقَ أبَوَيْهِ طُغْيانًا وكُفْرًا"» وهَذا حَدِيثُ: «اللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ» يَدُلُّ عَلى أنَّ العَذابَ - عَلى ما لَوْ وُجِدَ شَرْطُهُ لَوَقَعَ - إنَّما يَكُونُ عَلى ما كانَ جِبِلَّةً وطَبْعًا، لا ما كانَ عارِضًا، وإلّا لَعُذِّبَ الأبَوانِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المَعْلُومُ مِنَ الكُفْرِ مِنهُما.
18:81Page 302
فَأَرَدۡنَآ أَن يُبۡدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيۡرٗا مِّنۡهُ زَكَوٰةٗ وَأَقۡرَبَ رُحۡمٗا ٨١
So we intended that their Lord should substitute for them one better than him in purity and nearer to mercy.
ولَمّا ذَكَرَ ما يَلْزَمُ عَلى تَقْدِيرِ بَقائِهِ مِنَ الفَسادِ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَأرَدْنا﴾ أيْ بِقَتْلِهِ وإراحَتِهِما مِن شَرِّهِ، ولَمّا كانَ التَّعْوِيضُ عَنْ هَذا الوَلَدِ لِلَّهِ وحْدَهُ، أسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْهِما بِإعْطائِهِ وأخْذِهِ ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ طَهارَةً وبَرَكَةً، [أيْ -] مِن جِهَةِ كَوْنِهِ كانَ ظاهِرَ الزَّكاءِ في الحالِ، وأمّا في المَآلِ فَلَوْ عاشَ كانَ فِيهِ خَبِيثًا ظاهِرَ الخُبْثِ، وهَذا البَدَلُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الصَّبْرَ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ولَدًا آخَرَ، وهو المَنقُولُ وأنَّها كانَتْ بِنْتًا ﴿وأقْرَبَ رُحْمًا﴾ بِرًّا بِهِما وعَطْفًا عَلَيْهِما ورَحْمَةً لَهُما فَكانَ الضَّرَرُ اللّاحِقُ لَهُما بِالتَّأسُّفِ عَلَيْهِ أدْنى مِنَ الضَّرَرِ اللّاحِقِ لَهُما عِنْدَ (p-١٢٢)كِبَرِهِ بِإفْسادِ دِينِهِما أوْ دُنْياهُما
18:82Page 302
وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيۡنِ يَتِيمَيۡنِ فِي ٱلۡمَدِينَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزٞ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِيۚ ذَٰلِكَ تَأۡوِيلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرٗا ٨٢
And as for the wall, it belonged to two orphan boys in the city, and there was beneath it a treasure for them, and their father had been righteous. So your Lord intended that they reach maturity and extract their treasure, as a mercy from your Lord. And I did it not of my own accord. That is the interpretation of that about which you could not have patience."
﴿وأمّا الجِدارُ﴾ الَّذِي أشَرْتَ بِأخْذِ الأجْرِ عَلَيْهِ ﴿فَكانَ لِغُلامَيْنِ﴾ ودَلَّ عَلى كَوْنِهِما دُونَ البُلُوغِ بِقَوْلِهِ ﴿يَتِيمَيْنِ﴾
ولَمّا كانَتِ القَرْيَةُ لا تُنافِي التَّسْمِيَةَ بِالمَدِينَةِ، وكانَ التَّعْبِيرُ بِالقَرْيَةِ أوَّلًا ألْيَقَ، لِأنَّها مُشْتَقَّةٌ مِن مَعْنى الجَمْعِ، فَكانَ ألْيَقَ بِالذَّمِّ في تَرْكِ الضِّيافَةِ لِإشْعارِهِ بِبُخْلِهِمْ حالَةَ الِاجْتِماعِ وبِمَحَبَّتِهِمْ لِلْجَمْعِ والإمْساكِ، وكانَتِ المَدِينَةُ بِمَعْنى الإقامَةِ، فَكانَ التَّعْبِيرُ بِها ألْيَقَ لِلْإشارَةِ بِهِ إلى أنَّ النّاسَ يُقِيمُونَ فِيها، فَيَنْهَدِمُ الجِدارُ وهم مُقِيمُونَ فَيَأْخُذُونَ الكَنْزَ، قالَ: ﴿فِي المَدِينَةِ﴾ فَلِذَلِكَ أقَمْتُهُ احْتِسابًا ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْـزٌ﴾ أيْ مالٌ مَدْخُورٌ ”لَهُما“ لَوْ وقَعَ لَكانَ أقْرَبَ إلى ضَياعِهِ ﴿وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ يَنْبَغِي مُراعاتُهُ وخَلَفُهُ في ذُرِّيَّتِهِ بِخَيْرٍ.
ولَمّا كانَ الإبْلاغُ إلى حَدِّ البُلُوغِ والِاسْتِخْراجِ فِعْلَ اللَّهِ وحْدَهُ، أُسْنِدَ إلَيْهِ خاصَّةً فَقالَ: ﴿فَأرادَ رَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ بِهَذِهِ التَّرْبِيَةِ، إشارَةً إلى ما فَعَلَ بِكَ مِن مِثْلِها قَبْلَ النُّبُوَّةِ كَما بُيِّنَ ﴿أنْ يَبْلُغا﴾ أيِ الغُلامانِ ﴿أشُدَّهُما﴾ أيْ رُشْدَهُما وقُوَّتَهُما ﴿ويَسْتَخْرِجا كَنْـزَهُما﴾ لِيَنْتَفِعا بِهِ ويَنْفَعا الصّالِحِينَ ﴿رَحْمَةً﴾ بِهِما ﴿مِن رَبِّكَ﴾ (p-١٢٣)أيِ الَّذِي أحْسَنَ تَرْبِيَتَكَ وأنْتَ في حُكْمِ [اليَتِيمِ -] فَكانَ التَّعَبُ في إقامَةِ الجِدارِ مَجّانًا أدْنى مِنَ الضَّرَرِ اللّازِمِ مِن سُقُوطِهِ لِضَياعِ الكَنْزِ وفَسادِ الجِدارِ، وقَدْ دَلَّ هَذا عَلى أنَّ صَلاحَ الآباءِ داعٍ إلى العِنايَةِ بِالأبْناءِ، رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ لِبَعْضِ الخَوارِجِ [فِي كَلامٍ -] جَرى بَيْنَهُما: بِمَ حَفِظَ اللَّهُ كَنْزَ الغُلامَيْنِ؟ قالَ: بِصَلاحِ أبِيهِما، قالَ فَأبِي وجَدِّي خَيْرٌ مِنهُ، قالَ أنْبَأنا اللَّهُ أنَّكم قَوْمٌ خَصِمُونَ.
﴿وما فَعَلْتُهُ﴾ أيْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ ﴿عَنْ أمْرِي﴾ بَلْ عَنْ أمْرِ مَن لَهُ الأمْرُ، وهو اللَّهُ.
ولَمّا بانَ سِرُّ تِلْكَ القَضايا، قالَ مُقَدِّرًا لِلْأمْرِ: ”ذَلِكَ“ أيِ الشَّرْحُ العَظِيمُ ﴿تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ﴾ يا مُوسى ﴿عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ وحَذَفَ تاءَ الِاسْتِطاعَةِ هُنا لِصَيْرُورَةِ ذَلِكَ - بَعْدَ كَشْفِ الغِطاءِ - في حَيِّزِ ما يُحْمَلُ فَكانَ مُنْكِرُهُ غَيْرَ صابِرٍ أصْلًا لَوْ كانَ عِنْدَهُ مَكْشُوفًا مِن أوَّلِ الأمْرِ، وسَقَطَ - ولِلَّهِ الحَمْدُ - بِما قَرَّرَتْهُ في هَذِهِ القِصَّةِ ما يُقالُ مِن أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ أخْبَرَ في قَوْلِ سُلَيْمانَ (p-١٢٤)عَلَيْهِ السَّلامُ المُخْرَجِ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «لَأطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلى مِائَةِ امْرَأةٍ كُلُّهُنَّ تَلِدُ فارِسًا [يُجاهِدُ -] في سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَمْ تَلِدْ مِنهُنَّ إلّا واحِدَةً جاءَتْ بِشَقِّ آدَمِيٍّ”أنَّهُ لَوْ قالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، لَجاهَدُوا فُرْسانًا أجْمَعُونَ» فَأفْهَمَ ذَلِكَ أنَّ كُلَّ نَبِيٍّ اسْتَثْنى في خَبَرِهِ صَدَّقَهُ اللَّهُ تَعالى كَما وقَعَ لِلذَّبِيحِ أنَّهُ قالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] فَوَفى، فَما لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو مِن أُولِي العَزْمِ - فَعَلَ مَعَ الِاسْتِثْناءِ ما فَعَلَ؟ فَإنَّ الذَّبِيحَ صَبَرَ عَلى ما هو قاطِعٌ بِأنَّهُ بِعَيْنِهِ أمْرُ اللَّهِ، بِخِلافِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ كانَ يُنْكِرُ ما ظاهِرُهُ مُنْكَرٌ قَبْلَ العِلْمِ بِأنَّهُ مِن أمْرِ اللَّهِ، فَإذا نُبِّهَ صَبَرَ، وأمّا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ: «يَرْحَمِ اللَّهُ أخِي مُوسى! ودِدْنا لَوْ أنَّهُ صَبَرَ حَتّى يُقَصَّ عَلَيْنا مِن أمْرِهِما» فَمَعْناهُ: صَبْرٌ عَنِ الإذْنِ لِلْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ في مُفارَقَتِهِ في قَوْلِهِ ﴿فَلا تُصاحِبْنِي﴾ [الكهف: ٧٦] ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ في رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى مُوسى! لَوْلا أنَّهُ عَجِلَ لَرَأى العَجَبَ ولَكِنَّهُ (p-١٢٥)أخَذَتْهُ [مِن صاحِبِهِ -] ذِمامَةٌ»“قالَ إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي”. فَتَحَرَّرَ أنَّهُ وفى بِمَقامِ الشَّرْعِ الَّذِي أقامَهُ اللَّهُ [فِيهِ -] فَلَمْ يُخِلَّ بِمَقامِ الصَّبْرِ الَّذِي [لَيْسَ -] فِيهِ ما يُخالِفُ ما يَعْرِفُ ويَسْتَحْضِرُ مِنَ الشَّرْعِ، وكَيْفَ لا وهو مِن أكابِرِ أُولِي العَزْمِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى لِأشْرَفِ [خَلْقِهِ -] في التَّسْلِيكِ بِسَيْرِهِمْ ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] وقالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما خَرَّجَهُ الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ أُوذِيَ مِن بَعْضِ مَن كانَ مَعَهُ في حُنَيْنٍ فَتَلَوَّنَ وجْهُهُ وقالَ:“يَرْحَمِ اللَّهُ أخِي مُوسى! لَقَدْ أُوذِيَ بِأكْثَرَ مِن هَذا فَصَبَرَ”». وعُلِمَ أنَّ في قِصَّتِهِ هَذِهِ حَثًّا كَثِيرًا عَلى المُجاهَرَةِ بِالمُبادَرَةِ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ والمُصابَرَةِ عَلَيْهِ، وأنْ لا يُراعى فِيهِ كَبِيرٌ ولا صَغِيرٌ إذا كانَ المَرْءُ عَلى ثِقَةٍ مِن أمْرِهِ في الظّاهِرِ بِما عِنْدَهُ في ذَلِكَ مِنَ العِلْمِ عَنِ اللَّهِ ورَسُولِهِ وأئِمَّةِ دِينِهِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ العِلْمِ اللَّدُنِيِّ - سَواءٌ كانَ صاحِبُهُ نَبِيًّا أوْ ولِيًّا - مَعْرِفَةُ كُلِّ شَيْءٍ كَما يَدَّعِيهِ أتْباعُ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ، لِأنَّ الخَضِرَ سَألَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ: (p-١٢٦)مَن أنْتَ؟ وهَلْ هو مُوسى نَبِيُّ بَنِي إسْرائِيلَ - كَما سَيَأْتِي. رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ مِن رِواياتٍ مُخْتَلِفَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ: «“مُوسى رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - ذَكَّرَ النّاسَ [يَوْمًا -] حَتّى إذا فاضَتِ العُيُونُ ورَقَّتِ القُلُوبُ ولّى فَأدْرَكَهُ رَجُلٌ فَقالَ: أيْ رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ في الأرْضِ [أحَدٌ -] أعْلَمُ مِنكَ؟ قالَ: لا! فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ، فَأوْحى إلَيْهِ: بَلى! عَبْدٌ مِن عِبادِي بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ، قالَ: أيْ رَبِّ! كَيْفَ السَّبِيلُ إلَيْهِ؟ [قالَ -]: تَأْخُذُ حُوتًا في مِكْتَلٍ فَحَيْثُ ما فَقَدْتَهُ فاتْبَعْهُ - وفي رِوايَةٍ: خُذْ نُونًا مَيِّتًا حَيْثُ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ - فَخَرَجَ ومَعَهُ فَتاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونَ حَتّى انْتَهَيا إلى الصَّخْرَةِ، فَوَضَعَ مُوسى رَأْسَهُ فَنامَ في ظِلِّ الصَّخْرَةِ في مَكانِ ثَرْيانَ إذْ تَضْرِبُ الحُوتَ - وفي رِوايَةٍ: [و -] في أصْلِ تِلْكَ الصَّخْرَةِ عَيْنٌ يُقالُ لَهُ الحَياةُ لا يُصِيبُ مِن مائِها شَيْءٌ إلّا حَيِيَ، فَأصابَ الحُوتُ مِن ماءِ تِلْكَ العَيْنِ فانْسَلَّ مِنَ المِكْتَلِ فَدَخَلَ البَحْرَ - فَأمْسَكَ اللَّهُ عَنْهُ جَرْيَةَ (p-١٢٧)البَحْرِ حَتّى كانَ أثَرُهُ في حَجَرٍ، فَقالَ فَتاهُ: لا أُوقِظُهُ، حَتّى إذا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ أنْ يُخْبِرَهُ، فَذَكَرَ سَفَرَهُما وقَوْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢] قالَ: قَدْ قَطَعَ اللَّهُ عَنْكَ النَّصَبَ، فَرَجَعا فَوَجَدا خَضِرًا عَلى طِنْفِسَةٍ خَضْراءَ عَلى كَبِدِ البَحْرِ مُسَجّىً بِثَوْبِهِ، قَدْ جَعَلَ طَرَفَهُ تَحْتَ رِجْلَيْهِ، وطَرَفَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى فَكَشَفَ عَنْ وجْهِهِ وقالَ: هَلْ بِأرْضِي مِن سَلامٍ؟ مَن أنْتَ؟ قالَ: أنا مُوسى! قالَ: مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ؟ قالَ: نَعَمْ! قالَ: فَما شَأْنُكَ؟ قالَ: جِئْتُ لِتُعَلِّمَنِي، قالَ: أما يَكْفِيكَ أنَّ التَّوْراةَ بِيَدَيْكَ وأنَّ الوَحْيَ [يَأْتِيكَ -]؟ يا مُوسى! إنَّ لِي عِلْمًا لا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَعْلَمَهُ، وإنَّ لَكَ عِلْمًا لا يَنْبَغِي لِي أنْ أعْلَمَهُ - أيْ لا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَعْمَلَ بِالباطِنِ ولا يَنْبَغِي [لِي أنا -] أنْ أقِفَ مَعَ الظّاهِرِ، أطْلَقَ العِلْمَ عَلى العَمَلِ لِأنَّهُ سَبَبُهُ - فانْطَلَقا يَمْشِيانِ عَلى السّاحِلِ، فَوَجَدُوا مَعابِرَ صِغارًا تَحْمِلُ أهْلَ هَذا السّاحِلِ إلى أهْلِ السّاحِلِ الآخَرِ، فَعُرِفَ الخَضِرُ فَقالُوا: عَبْدُ اللَّهِ الصّالِحُ! لا تَحْمِلْهُ بِأجْرٍ، فَحَمَلُوهم في سَفِينَتِهِمْ بِغَيْرِ نَوْلٍ: بِغَيْرِ أجْرٍ - فَرَكِبا السَّفِينَةَ، ووَقَعَ عُصْفُورٌ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَغَمَسَ مِنقارَهُ في البَحْرِ؛ وفي رِوايَةٍ: فَأخَذَ بِمِنقارِهِ مِنَ البَحْرِ، (p-١٢٨)وفِي رِوايَةٍ: فَنَقَرَ نَقْرَةً أوْ نَقْرَتَيْنِ فَقالَ: واللَّهِ ما نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ إلّا كَما نَقَصَ هَذا مِنَ البَحْرِ، فَلَمْ يَفْجَأْ مُوسى إلّا الخَضِرُ عَمَدَ إلى قَدُومٍ فَخَرَقَ السَّفِينَةَ ووَتَدَ فِيها وتِدًا فَذَكَرَ إنْكارَهُ وجَوابَهُ ثُمَّ قالَ: وكانَتِ الأُولى مِن مُوسى نِسْيانًا، والوُسْطى شَرْطًا، والثّالِثَةُ عَمْدًا - فَذَكَرَ القِصَّةَ، وقالَ في آخِرِها: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ودِدْنا أنَّ مُوسى صَبَرَ حَتّى يُقَصَّ عَلَيْنا مِن أمْرِهِما» .
18:83Page 302
وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَن ذِي ٱلۡقَرۡنَيۡنِۖ قُلۡ سَأَتۡلُواْ عَلَيۡكُم مِّنۡهُ ذِكۡرًا ٨٣
And they ask you, [O Muḥammad], about Dhul-Qarnayn. Say, "I will recite to you about him a report."
ولَمّا فَرَغَ مِن هَذِهِ القِصَّةِ الَّتِي حاصِلُها أنَّها طَوافٌ في الأرْضِ لِطَلَبِ العِلْمِ، عَقَّبَها بِقِصَّةِ مَن طافَ الأرْضَ لِطَلَبِ الجِهادِ، وقَدَّمَ الأُولى إشارَةً إلى عُلُوِّ دَرَجَةِ العِلْمِ لِأنَّهُ أساسُ كُلِّ سَعادَةٍ، وقِوامُ كُلِّ أمْرٍ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ﴾ [الكهف: ٥٦] ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ﴾ الرَّجُلِ الصّالِحِ المُجاهِدِ ﴿ذِي القَرْنَيْنِ﴾ سُمِّيَ لِشَجاعَتِهِ أوْ لِبُلُوغِهِ قَرْنَيْ مَغْرِبِ الشَّمْسِ ومَشْرِقِها، أوْ لِانْقِراضِ قَرْنَيْنِ مِنَ النّاسِ في زَمانِهِ، أوْ لِأنَّهُ كانَ لَهُ ضَفِيرَتانِ مِنَ الشَّعْرِ أوْ لِتاجِهِ [قَرْنانِ -]، وهو الإسْكَنْدَرُ الأوَّلُ - نَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ الأزْرَقِيِّ أنَّهُ كانَ عَلى زَمَنِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وطافَ مَعَهُ بِالبَيْتِ، ومِنَ المُناسَباتِ الصُّوَرِيَّةِ (p-١٢٩)أنَّ في قِصَّةِ كُلٍّ مِنهُما ثَلاثَةَ أشْياءَ آخِرُها بِناءُ جِدارٍ لا سَقْفَ لَهُ، وإنَّما هو لِأجْلِ حِفْظِ ما يُهْتَمُّ بِهِ خَوْفَ المُفْسِدِ، وصَدَّرَها بِالإخْبارِ عَنْ سُؤالِهِمْ إشارَةً إلى أنَّهم لَمْ يَسْألُوا عَنِ الَّتِي قَبْلَها عَلى ما فِيها مِنَ العَجائِبِ واللَّطائِفِ، والأسْرارِ والمَعارِفِ، تَبْكِيتًا لِلْيَهُودِ في إغْفالِ الأمْرِ بِالسُّؤالِ عَنْها إنْ كانَ مَقْصُودُهُمُ [الحَقَّ -]، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا لَهم كانُوا بِالتَّبْكِيتِ أجْدَرَ، أوْ تَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى مَسْألَتِهِمُ الأُولى وهي الرُّوحُ، وصَدَّرَها بِالإخْبارِ بِالسُّؤالِ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ لِطُولِ الفَصْلِ، إشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مُرْتَبِطٌ بِجَوابِهِمُ ارْتِباطَ الدُّرِّ بِالسِّلْكِ.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ يَقُولُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ: فَبِماذا أُجِيبُهُمْ؟ قالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لَهُمْ: ﴿سَأتْلُو﴾ أيْ أقُصُّ قَصًّا مُتَتابِعًا في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ إنْ أعْلَمَنِي اللَّهُ بِهِ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيُّها المُشْرِكُونَ وأهْلُ الكِتابِ المُعْلِمُونَ لَهم مُقَيِّدًا بِإنْ شاءَ اللَّهُ كَما سَلَفَ لَكَ الأمْرُ بِهِ ﴿مِنهُ ذِكْرًا﴾ كافِيًا لَكم في تَعَرُّفِ أمْرِهِ، جامِعًا لِمَجامِعِ ذِكْرِهِ.
18:84Page 303
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِن كُلِّ شَيۡءٖ سَبَبٗا ٨٤
Indeed, We established him upon the earth, and We gave him from everything a way [i.e., means].
ولَمّا كانَتْ قِصَّتُهُ مِن أدَلِّ دَلِيلٍ عَلى عَظَمَةِ اللَّهِ، جَلّاها في ذَلِكَ المَظْهَرِ فَقالَ: ﴿إنّا﴾ مُؤَكِّدًا لِأنَّ المُخاطَبِينَ بِصَدَدِ التَّعَنُّتِ والإنْكارِ ﴿مَكَّنّا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، قِيلَ: بِالمُلْكِ وحْدَهُ، وقِيلَ مَعَ (p-١٣٠)النُّبُوَّةِ، لِأنَّ ما يُنْسَبُ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ الِامْتِنانِ والإحْسانِ جَدِيرٌ بِأنْ يُحْمَلَ عَلى النِّهايَةِ لا سِيَّما إذا عَبَّرَ عَنْهُ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ ﴿لَهُ في الأرْضِ﴾ مَكِنَةً يَصِلُ بِها إلى جَمِيعِ مَسْلُوكِها، ويَظْهَرُ بِها عَلى سائِرِ مُلُوكِها ﴿وآتَيْناهُ﴾ بِعَظَمَتِنا ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ يَحْتاجُ إلَيْهِ في ذَلِكَ ﴿سَبَبًا﴾ قالَ أبُو حَيّانَ: وأصْلُ السَّبَبِ الحَبْلُ، ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ حَتّى صارَ يُطْلَقُ عَلى ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى المَقْصُودِ. فَأرادَ بُلُوغَ المَغْرِبِ، ولَعَلَّهُ بَدَأ بِهِ لِأنَّ بابَ التَّوْبَةِ فِيهِ
﴿فَأتْبَعَ﴾ أيْ بِغايَةِ جُهْدِهِ - هَذا عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ ونافِعٍ وأبِي عَمْرٍو بِالتَّشْدِيدِ، والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الباقِينَ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الفَوْقانِيَّةِ: ألْحَقَ بَعْضَ الأسْبابِ بِبَعْضٍ، وذَلِكَ تَفْسِيرٌ لِقِراءَةِ التَّشْدِيدِ ”سَبَبًا“ يُوَصِّلُهُ إلَيْهِ، واسْتَمَرَّ مُتَّبِعًا لَهُ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences