Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:21–40
19:21Page 306
قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞۖ وَلِنَجۡعَلَهُۥٓ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِ وَرَحۡمَةٗ مِّنَّاۚ وَكَانَ أَمۡرٗا مَّقۡضِيّٗا ٢١
He said, "Thus [it will be]; your Lord says, 'It is easy for Me, and We will make him a sign to the people and a mercy from Us. And it is a matter [already] decreed.'"
﴿قالَ﴾ [أيْ -] جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿كَذَلِكِ﴾ القَوْلُ الَّذِي قُلْتُ [لَكِ -] يَكُونُ.
(p-١٨٦)ولَمّا كانَ لِسانُ الحالِ قائِلًا: كَيْفَ يَكُونُ بِغَيْرِ سَبَبٍ؟ أجابَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ ولَمّا بُنِيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى الرَّحْمَةِ واللُّطْفِ والإحْسانِ بِعِبادِ الرَّحْمَنِ، عَبَّرَ بِاسْمِ الرَّبِّ الَّذِي صُدِّرَتْ بِهِ بِخِلافِ سُورَةِ التَّوْحِيدِ [آلِ عِمْرانَ ] المُصَدَّرَةِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ فَقالَ: ﴿رَبُّكِ هُوَ﴾ أيِ المَذْكُورُ وهو إيجادُ الوَلَدِ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ ﴿عَلَيَّ﴾ أيْ وحْدِي لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ [أحَدٌ غَيْرِي ﴿هَيِّنٌ﴾ [أيْ -] خَصَصْناكِ بِهِ لِيَكُونَ شَرَفًا بِهِ [لَكِ -].
ولَمّا كانَ [ذَلِكَ -] مِن أعْظَمِ الخَوارِقِ، نَبَّهَ عَلَيْهِ بِالنُّونِ في قَوْلِهِ، عَطْفًا عَلى ما قَدَّرْتُهُ مِمّا أفْهَمَهُ السِّياقُ: ﴿ولِنَجْعَلَهُ﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿آيَةً لِلنّاسِ﴾ أيْ عَلامَةً عَلى كَمالِ قُدْرَتِنا عَلى البَعْثِ أدَلَّ مِنَ الآيَةِ في يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ، وبِهِ تَمامُ القِسْمَةِ الرُّباعِيَّةِ في خَلْقِ البَشَرِ، فَإنَّهُ أوْجَدَهُ مِن أُنْثى بِلا ذَكَرٍ، وحَوّاءَ مِن ذَكَرٍ بِلا أُنْثى وآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا مِن ذَكَرٍ ولا أُنْثى، وبَقِيَّةَ أوْلادِهِ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى مَعًا ﴿ورَحْمَةً مِنّا﴾ لِمَن آمَنَ بِهِ في أوَّلِ زَمانِهِ، ولِأكْثَرِ الخَلْقِ بِالإيمانِ والإنْجاءِ مِنَ المِحَنِ في آخِرِ زَمانِهِ، لا كَآيَةِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّها كانَتْ آيَةَ اسْتِئْصالٍ لِأهْلِ الضَّلالِ ﴿وكانَ﴾ ذَلِكَ كُلُّهُ ﴿أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أيْ مَحْكُومًا بِهِ مَبْتُوتًا هو في غايَةِ السُّهُولَةِ لا مانِعَ مِنهُ أصْلًا، ونَبَّهَ (p-١٨٧)عَلى سُرْعَةِ تَسْبِيبِ الحَمْلِ عَنْ هَذا القَوْلِ وإنْ كانَ التَّقْدِيرُ بِما أرْشَدَ إلَيْهِ في غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ: فَنَفَخَ في دِرْعِها فَوَصَلَ النَّفْخُ إلى جَوْفِها
19:22Page 306
۞ فَحَمَلَتۡهُ فَٱنتَبَذَتۡ بِهِۦ مَكَانٗا قَصِيّٗا ٢٢
So she conceived him, and she withdrew with him to a remote place.
﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ وعَقَّبَ بِالحَمْلِ قَوْلَهُ: ﴿فانْتَبَذَتْ بِهِ﴾ أيْ فاعْتَزَلَتْ - وهو في بَطْنِها - حالَّةً ﴿مَكانًا قَصِيًّا﴾ أيْ بَعِيدًا مِن أهْلِها أوْ مِنَ المَكانِ الشَّرْقِيِّ، وأشارَ إلى قُرْبِ الوِلادَةِ مِنَ الحَمْلِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ في قَوْلِهِ:
19:23Page 306
فَأَجَآءَهَا ٱلۡمَخَاضُ إِلَىٰ جِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ قَالَتۡ يَٰلَيۡتَنِي مِتُّ قَبۡلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسۡيٗا مَّنسِيّٗا ٢٣
And the pains of childbirth drove her to the trunk of a palm tree. She said, "Oh, I wish I had died before this and was in oblivion, forgotten."
﴿فَأجاءَها﴾ أيْ فَأتى بِها وألْجَأها ﴿المَخاضُ﴾ وهو تَحَرُّكُ الوَلَدِ في بَطْنِها لِلْوِلادَةِ ﴿إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ وهو ما بَرَزَ [مِنها -] مِنَ الأرْضِ ولَمْ يَبْلُغِ الأغْصانَ، وكانَ تَعْرِيفُها لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في تِلْكَ البِلادِ البارِدَةِ غَيْرُها، فَكانَتْ كالعَلَمِ لِما فِيها مِنَ العَجَبِ، لِأنَّ النَّخْلَ مِن أقَلِّ الأشْجارِ صَبْرًا عَلى البَرْدِ، ولَعَلَّها أُلْجِئَتْ إلَيْها دُونَ غَيْرِها مِنَ الأشْجارِ عَلى كَثْرَتِها لِمُناسَبَةِ حالِ النَّخْلَةِ لَها، لِأنَّها لا تَحْمِلُ إلّا بِإلْقاحٍ مِن ذُكُورِ النَّخْلِ، فَحَمْلُها بِمُجَرَّدِ هَزِّها أنْسَبُ شَيْءٍ لِإتْيانِها بِوَلَدٍ مِن غَيْرِ والِدٍ، فَكَيْفَ إذا كانَ ذَلِكَ في غَيْرِ وقْتِهِ! فَكَيْفَ إذا كانَتْ يابِسَةً! مَعَ ما لَها فِيها مِنَ المَنافِعِ بِالِاسْتِنادِ إلَيْها والِاعْتِمادِ عَلَيْها، وكَوْنِ رُطَبِها خُرْسَةً لِلنُّفَساءِ وغايَةً في نَفْعِها وغَيْرِ ذَلِكَ. (p-١٨٨)ولَمّا كانَ ذَلِكَ أمْرًا صَعْبًا عَلَيْها جِدًّا، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: يا لَيْتَ شِعْرِي! ما كانَ حالُها؟ فَقِيلَ: ﴿قالَتْ﴾ لِما حَصَلَ عِنْدَها مِن خَوْفِ العارِ: ﴿يا لَيْتَنِي مِتُّ﴾ ولَمّا كانَتْ كَذَلِكَ أشارَتْ إلى اسْتِغْراقِ الزَّمانِ بِالمَوْتِ بِمَعْنى عَدَمِ الوُجُودِ فَقالَتْ مِن غَيْرِ جارٍّ: ﴿قَبْلَ هَذا﴾ [أيِ -] الأمْرِ العَظِيمِ ﴿وكُنْتُ نَسْيًا﴾ أيْ شَيْئًا مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْسى ﴿مَنسِيًّا﴾ أيْ مَتْرُوكًا بِالفِعْلِ لا يَخْطُرُ عَلى بالٍ، فَوَلَدَتْهُ
19:24Page 306
فَنَادَىٰهَا مِن تَحۡتِهَآ أَلَّا تَحۡزَنِي قَدۡ جَعَلَ رَبُّكِ تَحۡتَكِ سَرِيّٗا ٢٤
But he1 called her from below her, "Do not grieve; your Lord has provided beneath you a stream.
﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ وهو عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ألا تَحْزَنِي﴾ قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: والأصَحُّ أنَّ مُدَّةَ حَمْلِها لَهُ ووِلادَتِهِ ساعَةٌ لِأنَّهُ كانَ مُبْدَعًا، ولَمْ يَكُنْ مِن نُطْفَةٍ تَدُورُ في أدْوارِ الخِلْقَةِ - انْتَهى. ونَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وقالَ: غَرِيبٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ في كِتابِنا ولا عَنْ نَبِيِّنا ﷺ أنَّهم أنْكَرُوا عَلَيْها زَمَنَ الحَمْلِ، ولَوْ عَلِمُوا بِهِ لَأنْكَرُوهُ [ولَوْ أنْكَرُوهُ -] لَنُقِلَ كَما نُقِلَ إنْكارُ الوِلادَةِ.
ولَمّا أنْكَرُوا الوِلادَةَ فَكَأنَّها قالَتْ: لِمَ لا أحْزَنُ؟ [وتَوَقَّعَتْ ما يُعَلِّلُ بِهِ -]؟ قالَ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ﴾ [أيِ -] المُحْسِنُ إلَيْكِ ﴿تَحْتَكِ﴾ في هَذِهِ الأرْضِ الَّتِي لا ماءَ جارِيًا بِها ﴿سَرِيًّا﴾ جَدْوَلًا مِنَ (p-١٨٩)الماءِ جَلِيلًا آيَةً لَكِ تُطِيبُ نَفْسَكِ
19:25Page 306
وَهُزِّيٓ إِلَيۡكِ بِجِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ تُسَٰقِطۡ عَلَيۡكِ رُطَبٗا جَنِيّٗا ٢٥
And shake toward you the trunk of the palm tree; it will drop upon you ripe, fresh dates.
﴿وهُزِّي إلَيْكِ﴾ أيْ أوْقِعِي الهَزَّ وهو جَذْبٌ بِتَحْرِيكٍ.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ التَّهْوِيلَ لِصَرْفِ فِكْرِها عَمّا دَهَمَها مِنَ الهَمِّ جَعَلَهُ قاصِرًا فَكَأنَّها قالَتْ: ما أهُزُّ؟ إذْ لَمْ يَكُنْ في الجِذْعِ ما يُتَوَقَّعُ نَفْعُهُ بِهَزِّهِ، فَقالَ مُصَرِّحًا بِالمَهْزُوزِ: ﴿بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [الَّتِي أنْتِ تَحْتَها مَعَ يُبْسِها وكَوْنِ الوَقْتِ لَيْسَ وقْتَ حَمْلِها فَكَأنَّها قالَتْ: ولِمَ ذاكَ؛ فَقالَ -]: ﴿تُساقِطْ عَلَيْكِ﴾ مِن أعْلاها ﴿رُطَبًا جَنِيًّا﴾ طَرِيًّا آيَةً أُخْرى عَظِيمَةً تُطِيبُ النَّفْسَ وتَذْهَبُ بِالحُزْنِ، وتَدُلُّ عَلى البَراءَةِ، والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ التَّفاعُلِ [فِي قِراءَةِ الجَماعَةِ وحَمْزَةَ -] لِلدَّلالَةِ عَلى [أنَّ -] التَّمْرَ يَسْقُطُ مِنها، ومِن حَقِّهِ أنْ يَكُونَ مُنْتَفِيًا لِأنَّها غَيْرُ مُتَأهِّلَةٍ لِذَلِكَ، فَهو ظاهِرٌ في أنَّهُ عَلى وجْهٍ خارِقٍ لِلْعادَةِ، وقِراءَةُ الجَماعَةِ بِالإدْغامِ تُشِيرُ [مَعَ ذَلِكَ -] إلى أنَّهُ مَعَ شِدَّتِهِ يَكادُ أنْ يُخْفِيَ كَوْنَهُ مِنها لِيُبْسِها وعَدَمِ إقْنائِها، وقِراءَةُ حَمْزَةَ بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ تُشِيرُ إلى سُهُولَةِ تَساقُطِهِ وكَثْرَتِهِ، وقِراءَةُ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ بِالضَّمِّ وكَسْرِ القافِ مِن فاعِلٍ، (p-١٩٠)تَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ وأنَّهُ ظاهِرٌ في كَوْنِهِ مِن فِعْلِها.
19:26Page 307
فَكُلِي وَٱشۡرَبِي وَقَرِّي عَيۡنٗاۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلۡبَشَرِ أَحَدٗا فَقُولِيٓ إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا فَلَنۡ أُكَلِّمَ ٱلۡيَوۡمَ إِنسِيّٗا ٢٦
So eat and drink and be contented. And if you see from among humanity anyone, say, 'Indeed, I have vowed to the Most Merciful abstention, so I will not speak today to [any] man.'"
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّها هَزَّتْ فَتَساقَطَ الرُّطَبُ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَكُلِي﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنِ الإنْعامِ عَلَيْكِ بِالماءِ والرُّطَبِ أنْ يُقالَ لَكِ تَمْكِينًا مِن كُلٍّ مِنهُما كُلِي مِنَ الرُّطَبِ ﴿واشْرَبِي﴾ مِن ماءِ السَّرِيِّ ﴿وقَرِّي﴾ أيِ اسْتَقِرِّي ﴿عَيْنًا﴾ بِالنَّوْمِ، فَإنَّ المَهْمُومَ لا يَنامُ، والعَيْنُ لا تَسْتَقِرُّ ما دامَتْ يَقْظى، وعَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّ المَعْنى: ولْتَبْرُدْ دَمْعَتُكِ، لِأنَّ دَمْعَةَ [الفَرَحِ بارِدَةٌ ودَمْعَةَ -] الحُزْنِ حارَّةٌ، واشْتِقاقُ ”قَرِّي“ مِنَ القَرُورِ، وهو الماءُ البارِدُ - انْتَهى.
وقالَ الإمامُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ في دِيوانِهِ: وحَكى الفَرّاءُ أنَّ قُرَيْشًا ومَن حَوْلَهم يَقُولُونَ: قَرِرْتُ بِهِ عَيْنًا - أيْ بِكَسْرِ العَيْنِ - أقَرُّ، وأنَّ أسَدًا وقَيْسًا وتَمِيمًا يَقُولُونَ: قَرَرْتُ بِهِ عَيْنًا - أيْ بِالفَتْحِ [أقِرُّ، قالَ - يَعْنِي الفَرّاءَ: فَمَن قالَ: قَرِرْتُ - أيْ بِالكَسْرِ - قَرًّا، وقَرِّي عَيْنًا - أيْ بِالفَتْحِ -]، وهي القِراءَةُ المَعْرُوفَةُ، ومَن قالَ: قَرَرْتُ، - أيْ بِالفَتْحِ قَرَأ وقِرِّي عَيْنًا - بِكَسْرِ القافِ أيْ وهي [الشّاذَّةُ، قالَ - أيِ القَزّازُ: هي -] لُغَةُ [كُلِّ -] مَن لَقِيتُ مِن أهْلِ نَجْدٍ، والمَصْدَرُ قُرَّةٌ وقُرُورٌ. (p-١٩١)وسَيَأْتِي في القِصَصِ ما يَنْفَعُ هُنا، وهو [عَلى كُلِّ حالٍ -] كِنايَةٌ عَنْ طِيبِ النَّفْسِ وتَأهُّلِها لِأنْ تَنامَ بِالكِفايَةِ في الدُّنْيا بِطَعامِ البَدَنِ وغِذاءِ الرُّوحِ بِكَوْنِهِ آيَةً باهِرَةً، والآخِرَةِ بِالكَرامَةِ [وذَلِكَ عَلى أنْفَعِ الوُجُوهِ، قِيلَ: ما لِلنُّفَساءِ خَيْرٌ مِنَ الرُّطَبِ ولا لِلْمَرِيضِ خَيْرٌ مِنَ العَسَلِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا إيذانًا بِأنَّ أكْثَرَ رُؤْيَتِها في تِلْكَ الأوْقاتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ -] ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ﴾ [أيْ -] يا مَرْيَمُ ﴿مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾ لا تَشُكِّينَ أنَّهُ مِنَ البَشَرِ يُنْكِرُ عَلَيْكِ ﴿فَقُولِي﴾ لِذَلِكَ المُنْكِرِ جَوابًا لَهُ مَعَ التَّأْكِيدِ تَنْبِيهًا عَلى البَراءَةِ لِأنَّ البَرِيءَ يَكُونُ ساكِنًا لِاطْمِئْنانِهِ والمُرْتابَ يَكْثُرُ كَلامُهُ وحَلِفُهُ: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ أيِ الَّذِي عَمَّتْ رَحْمَتُهُ فَأدْخَلَنِي فِيها عَلى ضَعْفِي وخَصَّنِي بِما رَأيْتَ مِنَ الخَوارِقِ ﴿صَوْمًا﴾ أيْ صَمْتًا [يُنْجِي مِن كُلِّ وصْمَةٍ -] وإمْساكًا عَنِ الكَلامِ ﴿فَلَنْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنِ النَّذْرِ أنِّي لَنْ ﴿أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ فَإنَّ كَلامِي يَقْبَلُ الرَّدَّ والمُجادَلَةَ [ -] ولَكِنْ يَتَكَلَّمُ عَنِّي المَوْلُودُ الَّذِي كَلامُهُ لا يَقْبَلُ الدَّفْعَ، وأمّا أنا فَأُنَزِّهُ نَفْسِي عَنْ مُجادَلَةِ السُّفَهاءِ فَلا أُكَلِّمُ إلّا المَلائِكَةَ أوِ الخالِقَ بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ وسائِرِ أنْواعِ الذِّكْرِ، قالُوا: ومِن أذَلِّ النّاسِ سَفِيهٌ لَمْ يَجِدْ مُسافِهًا، ومِنَ (p-١٩٢)الدَّلالَةِ عَلَيْهِ بِالصَّمْتِ عَنْ كَلامِ النّاسِ مَعَ ما تَقَدَّمَ الإشارَةُ إلى أنَّهُ رَدْعٌ مُجَرَّدٌ
19:27Page 307
فَأَتَتۡ بِهِۦ قَوۡمَهَا تَحۡمِلُهُۥۖ قَالُواْ يَٰمَرۡيَمُ لَقَدۡ جِئۡتِ شَيۡـٔٗا فَرِيّٗا ٢٧
Then she brought him to her people, carrying him. They said, "O Mary, you have certainly done a thing unprecedented.
﴿فَأتَتْ﴾ أيْ فَلَمّا سَمِعَتْ هَذا الكَلامَ اشْتَدَّ قَلْبُها، وزالَ حُزْنُها، وأتَتْ ﴿بِهِ﴾ أيْ بِعِيسى ﴿قَوْمَها﴾ [وإنْ كانَ فِيهِمْ قُوَّةُ المُحاوَلَةِ لِكُلِّ ما يُرِيدُونَهُ إتْيانَ البَرِيءِ المُوقِنِ بِأنَّ اللَّهَ مَعَهُ -] ﴿تَحْمِلُهُ﴾ [غَيْرَ مُبالِيَةٍ بِأحَدٍ ولا مُسْتَخْفِيَةٍ -] فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا لَها؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا يا مَرْيَمُ﴾ ما هَذا؟ مُؤَكِّدِينَ لِأنَّ حالَها في إتْيانِها يَقْتَضِي إنْكارَ كَلامِهِمْ ﴿لَقَدْ جِئْتِ﴾ بِما نَراهُ ﴿شَيْئًا فَرِيًّا﴾ قَطِيعًا مُنْكَرًا
19:28Page 307
يَٰٓأُخۡتَ هَٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمۡرَأَ سَوۡءٖ وَمَا كَانَتۡ أُمُّكِ بَغِيّٗا ٢٨
O sister [i.e., descendant] of Aaron, your father was not a man of evil, nor was your mother unchaste."
﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ في زُهْدِهِ ووَرَعِهِ وعِفَّتِهِ [وهُوَ صالِحٌ كانَ في زَمانِها أوْ أخُو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ -] ﴿ما كانَ أبُوكِ﴾ [أيْ -] عِمْرانُ ساعَةً مِنَ الدَّهْرِ ﴿امْرَأ سَوْءٍ﴾ لِنَقُولَ: نَزَعَكِ عِرْقٌ مِنهُ ﴿وما كانَتْ أُمُّكِ﴾ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿بَغِيًّا﴾ [أيْ ذاتَ بَغْيٍ أيْ عَمْدٍ -] لِتَتَأسَّيْ بِها
19:29Page 307
فَأَشَارَتۡ إِلَيۡهِۖ قَالُواْ كَيۡفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلۡمَهۡدِ صَبِيّٗا ٢٩
So she pointed to him. They said, "How can we speak to one who is in the cradle a child?"
﴿فَأشارَتْ﴾ امْتِثالًا لِما أُمِرَتْ بِهِ ﴿إلَيْهِ﴾ [أيْ عِيسى لِيُكَلِّمُوهُ فَيُجِيبَ عَنْها -] ﴿قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ﴾ يا مَرْيَمُ ﴿مَن كانَ في المَهْدِ﴾ أيْ قَبِيلَ إشارَتِكِ ﴿صَبِيًّا﴾ لَمْ يَبْلُغْ سِنَّ [هَذا -] الكَلامِ، [الَّذِي لا يَقُولُهُ إلّا الأكابِرُ العُقَلاءُ بَلِ الأنْبِياءُ -] والتَّعْبِيرُ بِـ ”كانَ“ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حِينَ الإشارَةِ إلَيْهِ لَمْ يُحْوِجْهم إلى أنْ يُكَلِّمُوهُ، بَلْ حِينَ سَمِعَ المُحاوَرَةَ وتَمَّتِ الإشارَةُ بَدا مِنهُ قَوْلٌ (p-١٩٣)خارِقٌ لِعادَةِ الرُّضَعاءِ [والصِّبْيانِ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ تامَّةً مُشِيرَةً إلى تَمَكُّنِهِ في حالِ ما دُونَ سِنِّ الكَلامِ، ونَصْبُ ﴿صَبِيًّا﴾ عَلى الحالِ -]، فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ العِبارَةُ مُؤْذِنَةً بِذَلِكَ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ:
19:30Page 307
قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا ٣٠
[Jesus] said, "Indeed, I am the servant of Allāh. He has given me the Scripture and made me a prophet.
﴿قالَ﴾ [أيْ -] واصِفًا نَفْسَهُ بِما يُنافِي أوْصافَ الأخابِثِ، مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمْ أمْرَهُ فَقالَ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ لا أتَعَبَّدُ لِغَيْرِهِ، إشارَةً إلى الِاعْتِقادِ الصَّحِيحِ فِيهِ، وأنَّهُ لا يَسْتَعْبِدُهُ شَيْطانٌ ولا هَوىً ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ أيِ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والزَّبُورَ وغَيْرَها مِنَ الصُّحُفِ عَلى صِغَرِ سِنِّي ﴿وجَعَلَنِي﴾ أيْ في عِلْمِهِ ﴿نَبِيًّا﴾ يُنْبِئُ بِما يُرِيدُ في الوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُ، وقِيلَ في ذَلِكَ: فَأُنْبِئُكم بِهِ
19:31Page 307
وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيۡنَ مَا كُنتُ وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّٗا ٣١
And He has made me blessed wherever I am and has enjoined upon me prayer and zakāh as long as I remain alive
﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا﴾ بِأنْواعِ البَرَكاتِ ﴿أيْنَ ما﴾ في أيِّ مَكانٍ ﴿كُنْتُ﴾ فِيهِ.
ولَمّا سَبَقَ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ يُدَّعى في عِيسى الإلَهِيَّةُ أمَرَهُ أنْ يَقُولَ: ﴿وأوْصانِي بِالصَّلاةِ﴾ لَهُ طُهْرَةً لِلنَّفْسِ ﴿والزَّكاةِ﴾ طُهْرَةً لِلْمالِ فِعْلًا في نَفْسِي وأمْرًا لِغَيْرِي ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ لِيَكُونَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلى مَن أطْراهُ لِأنَّهُ لا شُبْهَةَ في أنَّ مَن يُصَلِّي لِإلَهٍ لَيْسَ بِإلَهٍ
19:32Page 307
وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَتِي وَلَمۡ يَجۡعَلۡنِي جَبَّارٗا شَقِيّٗا ٣٢
And [made me] dutiful to my mother, and He has not made me a wretched tyrant.
﴿وبَرًّا﴾ أيْ [و -] جَعَلَنِي بَرًّا، أيْ واسِعَ الخُلُقِ طاهِرَهُ. (p-١٩٤)ولَمّا كانَ السِّياقُ لِبَراءَتِها فَبَيِّنُ الحَقِّ في وصْفِهِ، صَرَّحَ بِبَراءَتِها فَقالَ: ﴿بِوالِدَتِي﴾ أيِ الَّتِي أكْرَمَها اللَّهُ بِإحْصانِ الفَرْجِ والحَمْلِ بِي مِن غَيْرِ ذَكَرٍ، فَلا والِدَ لِي غَيْرَها ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ بِأنْ أفْعَلَ فِعْلَ الجَبّارِينَ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ، إنَّما أفْعَلُ ذَلِكَ بِمَن يَسْتَحِقُّ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ التَّجَبُّرَ المَذْمُومَ فِعْلُ أوْلادِ الزِّنا، وذَلِكَ أنَّهُ يَسْتَشْعِرُ ما عِنْدَهُ مِنَ النَّقْصِ فَيُرِيدُ أنْ يَجْبُرَهُ بِتَجَبُّرِهِ،
19:33Page 307
وَٱلسَّلَٰمُ عَلَيَّ يَوۡمَ وُلِدتُّ وَيَوۡمَ أَمُوتُ وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا ٣٣
And peace is on me the day I was born and the day I will die and the day I am raised alive."
ثُمَّ أخْبَرَ بِما لَهُ مِنَ اللَّهِ مِنَ الكَرامَةِ الدّائِمَةِ مُشِيرًا إلى أنَّهُ لا يَضُرُّهُ [عَدُوٌّ -]، وإلى أنَّهُ عَبْدٌ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ إلَهًا وإلى البَعْثِ فَقالَ: ﴿والسَّلامُ﴾ أيْ جِنْسُهُ ﴿عَلَيَّ﴾ فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى ضَرَرِي ﴿يَوْمَ وُلِدْتُ﴾ فَلَمْ يَضُرَّنِي الشَّيْطانُ ومَن يُولَدُ لا يَكُونُ إلَهًا ﴿ويَوْمَ أمُوتُ﴾ كَذَلِكَ أمُوتُ كامِلَ البَدَنِ والدِّينِ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى انْتِقاصِهِما مِنِّي كائِنًا مَن كانَ ﴿ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ يَوْمَ القِيامَةِ كَما تَقَدَّمَ [فِي -] يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ، إشارَةً إلى أنَّهُ في البَشَرِيَّةِ مِثْلُهُ سَواءٌ لَمْ يُفارِقْهُ أصْلًا إلّا في كَوْنِهِ مِن [غَيْرِ -] ذَكَرٍ، وإذا كانَ جِنْسُ السَّلامِ عَلَيْهِ كانَ اللَّعْنُ عَلى أعْدائِهِ، فَهو بِشارَةٌ لِمَن صَدَّقَهُ فَإنَّهُ مِنهُ، ونِذارَةٌ لِمَن كَذَّبَهُ، ولَمْ يَكُنْ لِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ مِثْلُ هَذِهِ الخارِقَةِ لِئَلّا يَلْتَبِسَ حالُهُ بِالكُهّانِ، لِأنَّ قَوْمَهُ لا عَهْدَ لَهم بِالخَوارِقِ إلّا عِنْدَهُمْ، (p-١٩٥)وإذا تَقَرَّرَ ذَلِكَ في نُفُوسِهِمْ مِنَ الصِّغَرِ صَعُبَ زَوالُهُ، ولَمْ يَكُنْ هُناكَ ما يَنْفِيهِ حالَ الصِّغَرِ، فَعُوِّضَ عَنْ ذَلِكَ إنْطاقَ الرُّضَعاءِ كَمُبارَكِ اليَمامَةِ وغَيْرِهِ، وإنْطاقَ الحَيَواناتِ العُجْمِ، بَلْ والجَماداتِ كالحِجارَةِ وذِراعِ الشّاةِ المَسْمُومَةِ والجِذْعِ [اليابِسِ -] وغَيْرِها.
19:34Page 307
ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ قَوۡلَ ٱلۡحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمۡتَرُونَ ٣٤
That is Jesus, the son of Mary - the word of truth about which they are in dispute.
ولَمّا كانَ في ذَلِكَ مِن أقْوالِ عِيسى وأحْوالِهِ - المُنادِيَةِ بِالحاجَةِ لِلتَّنَقُّلِ في أطْوارِ غَيْرِهِ مِنَ البَشَرِ والكَرامَةِ مِنَ اللَّهِ - أعْظَمُ البَيانِ عَنْ بُعْدِهِ عَمّا ادَّعى فِيهِ النَّصارى مِنَ الإلَهِيَّةِ واليَهُودُ مِن أنَّهُ لِغَيْرِ رُشْدِهِ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ مُشِيرًا إلَيْهِ بِأداةِ البُعْدِ فَقالَ مُبْتَدِئًا: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الوَلَدُ العَظِيمُ الشَّأْنِ، العَلِيُّ الرُّتْبَةِ، الَّذِي هَذِهِ أحْوالُهُ وأقْوالُهُ البَعِيدَةُ عَنْ صِفَةِ الإلَهِ [وصِفَةِ مَنِ ارْتابَ في أمْرِهِ -]؛ ثُمَّ بَيَّنَ اسْمَ الإشارَةِ أوْ أخْبَرَ فَقالَ: ﴿عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ أيْ وحْدَها لَيْسَ لِغَيْرِها فِيهِ بُنُوَّةٌ أصْلًا، وهي مِن أوْلادِ آدَمَ، فَهو كَذَلِكَ؛ ثُمَّ عَظَّمَ هَذا البَيانَ تَعْظِيمًا آخَرَ فَقالَ: ﴿قَوْلَ﴾ أيْ هو - أيْ نِسْبَتُهُ إلى مَرْيَمَ فَقَطْ - قَوْلُ ﴿الحَقِّ﴾ أيِ الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ، أوْ يَكُونُ القَوْلُ عِيسى نَفْسَهُ كَما أطْلَقَ عَلَيْهِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ ”كَلِمَةً“ مِن تَسْمِيَةِ المُسَبَّبِ بِاسْمِ السَّبَبِ وهو عَلى هَذِهِ (p-١٩٦)القِراءَةِ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ بَدَلٌ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، [وعَلى قِراءَةِ عاصِمٍ وابْنِ عامِرٍ بِالنَّصْبِ، هو إغْراءٌ، أيِ الزَمُوا ذَلِكَ وهو نِسْبَتُهُ إلى مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ وحْدَها -] ثُمَّ عَجِبَ مِن ضَلالِهِمْ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ يَشُكُّونَ [شَكًّا يَتَكَلَّفُونَهُ ويُجادِلُونَهُ بِهِ -] مَعَ أنَّ أمْرَهُ في غايَةِ الوُضُوحِ، لَيْسَ مَوْضِعًا لِلشَّكِّ أصْلًا؛
19:35Page 307
مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٖۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٣٥
It is not [befitting] for Allāh to take a son; exalted is He!1 When He decrees an affair, He only says to it, "Be," and it is.
ثُمَّ دَلَّ عَلى كَوْنِهِ حَقًّا في كَوْنِهِ ابْنَ مَرْيَمَ لا غَيْرِها بِقَوْلِهِ رَدًّا عَلى مَن ضَلَّ: ﴿ما كانَ﴾ أيْ ما صَحَّ ولا تَأتّى ولا تُصُوِّرَ في العُقُولِ ولا يَصِحُّ ولا يَتَأتّى لِأنَّهُ مِنَ المُحالِ لِكَوْنِهِ يَلْزَمُ مِنهُ الحاجَةُ ﴿لِلَّهِ﴾ الغَنِيِّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ ﴿أنْ يَتَّخِذَ﴾ ولَمّا كانَ المَقامُ يَقْتَضِي النَّفْيَ العامَّ، أكَّدَهُ بِـ ”مِن“ فَقالَ: ﴿مِن ولَدٍ﴾
ولَمّا كانَ اتِّخاذُ الوَلَدِ مِنَ النَّقائِصِ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِالتَّنْزِيهِ العامِّ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ أيْ تَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ مِنَ احْتِياجٍ إلى ولَدٍ أوْ غَيْرِهِ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا قَضى أمْرًا﴾ أيَّ أمْرٍ كانَ ﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ﴾ أيْ يُرِيدُهُ ويُعَلِّقُ قُدْرَتَهُ بِهِ ﴿فَيَكُونُ﴾ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى شَيْءٍ أصْلًا، (p-١٩٧)فَكَيْفَ يُنْسَبُ إلى الِاحْتِياجِ إلى الإحْبالِ والإيلادِ والتَّرْبِيَةِ شَيْئًا فَشَيْئًا كَما أشارَ إلَيْهِ الِاتِّخاذُ.
19:36Page 307
وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٣٦
[Jesus said], "And indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. That is a straight path."
ولَمّا كانَ لِسانُ الحالِ ناطِقًا عَنْ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يَقُولَ: وقَدْ قَضانِي اللَّهُ فَكُنْتُ كَما أرادَ، فَأنا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ فاعْتَقِدُوا ذَلِكَ ولا تَعْتَقِدُوا سِواهُ مِنَ الأباطِيلِ، عَطَفَ عَلَيْهِ في قِراءَةِ الحَرَمِيِّينَ وأبِي عَمْرٍو قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ أيْ أحْسَنَ إلى كُلٍّ مِنّا بِالخَلْقِ والرِّزْقِ، لا فَرْقَ بَيْنَنا في أصْلِ ذَلِكَ ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ وحْدَهُ لِتَفَرُّدِهِ بِالإحْسانِ كَما أعْبُدُهُ، وقِراءَةُ الباقِينَ بِالكَسْرِ عَلى [أنَّهُ -] مَقُولُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ الماضِي، ويَكُونُ اعْتِراضُ ما تَقَدَّمَ مِن كَلامِ اللَّهِ بَيْنَهُما لِلتَّأْكِيدِ والِاهْتِمامِ.
ولَمّا كانَ اشْتِراكُ الخَلائِقِ في عِبادَةِ الخالِقِ بِعَمَلِ القَلْبِ والجَوارِحِ عِلْمًا وعَمَلًا أعْدَلَ الأشْياءِ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا﴾ أيِ الَّذِي أمَرْتُكم بِهِ ﴿صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ لِأنّا بَذَلْنا الحَقَّ لِأهْلِهِ بِالِاعْتِقادِ الحَقِّ (p-١٩٨)والعَمَلِ الصّالِحِ، ولَمْ يَتَفَضَّلْ أحَدٌ مِنّا فِيهِ عَلى صاحِبِهِ.
19:37Page 307
فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشۡهَدِ يَوۡمٍ عَظِيمٍ ٣٧
Then the factions differed [concerning Jesus] from among them, so woe to those who disbelieved - from the scene of a tremendous Day.
ولَمّا كانَ المَنهَجُ القَوِيمُ بِحَيْثُ يَكُونُ سَبَبًا لِلِاجْتِماعِ عِنْدَ كُلِّ صَحِيحِ المِزاجِ، عَجِبَ مِنهم في اسْتِثْمارِ غَيْرِ ذَلِكَ مِنهُ فَقالَ: ﴿فاخْتَلَفَ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا السَّبَبِ لِلِاجْتِماعِ أنَّهُ اخْتَلَفَ ﴿الأحْزابُ﴾ الكَثِيرُونَ. ولَمّا كانَ الِاخْتِلافُ لَمْ يَعُمَّ جَمِيعَ المَسائِلِ الَّتِي في شَرْعِهِمْ [قالَ -]: ﴿مِن بَيْنِهِمْ﴾ أيْ بَنِي إسْرائِيلَ المُخاطَبِينَ بِذَلِكَ خاصَّةً لَمْ تَكُنْ فِيهِمْ فِرْقَةٌ مِن غَيْرِهِمْ في هَذِهِ المَقالَةِ القَوِيمَةِ الَّتِي لا تَنْبَغِي لِمَن لَهُ أدْنى مُسْكَةٍ أنْ يَتَوَقَّفَ في قَبُولِها، فَمِنهم مَن عَلِمَ أنَّها الحَقُّ فاتَّبَعَها ولَمْ يَحِدْ عَنْ صَوابِها، ومِنهم مَن أبْعَدَ في الضَّلالِ عَنْها بِشُبَهٍ لا شَيْءَ أوْهى مِنها؛ رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ اجْتَمَعَ مِن أحْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ أرْبَعَةٌ: يَعْقُوبُ ونُسْطُورُ ومَلْكا وإسْرائِيلُ، فَقالَ يَعْقُوبُ: عِيسى هو اللَّهُ نَزَلَ إلى الأرْضِ فَكَذَّبَهُ الثَّلاثَةُ واتَّبَعَهُ اليَعْقُوبِيَّةُ، وقالَ نُسْطُورُ: عِيسى ابْنُ اللَّهِ فَكَذَّبَهُ الِاثْنانِ واتَّبَعَهُ النُّسْطُورِيَّةُ، وقالَ مَلْكا: عِيسى أحَدُ (p-١٩٩)ثَلاثَةٍ: اللَّهُ إلَهٌ، ومَرْيَمُ إلَهٌ، وعِيسى إلَهٌ، فَكَذَّبَهُ الرّابِعُ واتَّبَعَهُ طائِفَةٌ، وقالَ إسْرائِيلُ: عِيسى عَبْدُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ، فاتَّبَعَهُ فَرِيقٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ اقْتَتَلَ الأرْبَعَةُ فَغُلِبَ المُؤْمِنُونَ وقُتِلُوا وظَهَرَتِ اليَعْقُوبِيَّةُ عَلى الجَمِيعِ - ذَكَرَ مَعْناهُ أبُو حَيّانَ وابْنُ كَثِيرٍ ورَواهُ عَنْ عَبْدِ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿فَوَيْلٌ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنِ اخْتِلافِهِمْ أنّا نَقُولُ: ويْلٌ ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ ﴿مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ في جَمْعِهِ لِجَمِيعِ الخَلائِقِ، وما فِيهِ مِنَ الأهْوالِ والقَوارِعِ.
19:38Page 307
أَسۡمِعۡ بِهِمۡ وَأَبۡصِرۡ يَوۡمَ يَأۡتُونَنَا لَٰكِنِ ٱلظَّٰلِمُونَ ٱلۡيَوۡمَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٣٨
How [clearly] they will hear and see the Day they come to Us, but the wrongdoers today are in clear error.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ المَشْهَدُ عَظِيمَ الجَمْعِ، شَدِيدَ الزِّحامِ، مُسْتَوى الأرْضِ، بَعِيدَ الأرْجاءِ، كانَ حالُهُ مُقْتَضِيًا لِئَلّا يَطَّلِعُوا عَلى غَيْرِ ما يَلِيهِمْ مِن أهْوالِهِ، فَقالَ في جَوابِ مَن يَقُولُ: وما عَسى أنْ يَسْمَعُوا أوْ يُبْصِرُوا فِيهِ، مُعْلِمًا بِأنَّ حالَهم في شِدَّةِ السَّمْعِ والبَصَرِ جَدِيرَةٌ بِأنْ يُعْجَبَ مِنها: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ أيْ ما أشَدَّ سَمْعَهم وما أنْفَذَ بَصَرَهُمْ! ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ سامِعِينَ لِكُلِّ أهْوالِهِ، مُبْصِرِينَ لِسائِرِ أحْوالِهِ، فَيَطَّلِعُونَ بِذَلِكَ عَلى جَمِيعِ ما أدّى عَمَلُهُ في الدُّنْيا إلى ضُرِّهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وجَمِيعِ ما كانَ يَنْفَعُهم لَوْ عَمِلُوهُ، فَيَنْدَمُونَ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، ويَتَمَنَّوْنَ المُحالَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا ونَحْوِهِ لِيَتَدارَكُوا فَلا يُجابُونَ إلى ذَلِكَ، بَلْ يَسْلُكُ بِهِمْ في كُلِّ (p-٢٠٠)ما يُؤْذِيهِمْ ويُهْلِكُهم ويُرْدِيهِمْ، فَيَكُونُونَ بِسُلُوكِ ذَلِكَ - وهم يَعْلَمُونَ ضَرَرَهُ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا، لِأنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِمَدارِكِهِمْ كَما كانُوا في الدُّنْيا كَذَلِكَ، لَكِنَّهم - هَكَذا كانَ الأصْلُ، وإنَّما أظْهَرَ فَقالَ: ﴿لَكِنِ الظّالِمُونَ﴾ تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي أحَلَّهم ذَلِكَ المَحَلَّ ﴿اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [لا -] يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ.
19:39Page 308
وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡحَسۡرَةِ إِذۡ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ وَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٣٩
And warn them, [O Muḥammad], of the Day of Regret, when the matter will be concluded;1 and [yet], they are in [a state of] heedlessness, and they do not believe.
ولَمّا كانَ هَذا [الَّذِي -] تَقَدَّمَ إنْذارًا بِذَلِكَ المَشْهَدِ، كانَ التَّقْدِيرُ: أنْذِرْ قَوْمَكَ ذَلِكَ المَشْهَدَ وما يَسْمَعُونَهُ فِيهِ ويُبْصِرُونَهُ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾ نَفْسَهُ في ذَلِكَ المَشْهَدِ العَظِيمِ، يَوْمَ تَزِلُّ القَدَمُ، ولا يَنْفَعُ النَّدَمُ، لِلْمُسِيءِ عَلى إساءَتِهِ، ولِلْمُحْسِنِ عَلى عَدَمِ ازْدِيادِهِ مِنَ الإحْسانِ.
[ولَمّا كانَ يَوْم مَفْعُولًا، لا ظَرْفًا، أبْدَلَ مِنهُ، أوْ عَلَّلَ الإنْذارَ فَقالَ -]: ﴿إذْ﴾ أيْ حِينَ، أوْ لِأنَّهُ، [وعَبَّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِالماضِي، إيذانًا بِأنَّهُ أمْرُ حَتْمٍ لا بُدَّ مِنهُ فَقالَ -]: ﴿قُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ أمْرُهُ وفَرَغَ مِنهُ بِأيْسَرِ شَأْنٍ وأهْوَنِ أمْرٍ، وقَطَعْنا أنَّهُ لا بُدَّ مِن كَوْنِهِ ﴿وهُمْ﴾ حالٌ مِن ﴿أنْذَرَهُمْ﴾ [القمر: ٣٦] أيْ والحالُ أنَّهُمُ [الآنَ -] ﴿فِي غَفْلَةٍ﴾ عَمّا قَضَيْنا [أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ الوَقْتِ ] مِن أمْرِهِ، لا شُعُورَ لَهم بِشَيْءٍ مِنهُ، (p-٢٠١)بَلْ يَظُنُّونَ أنَّ الدَّهْرَ هَكَذا حَياةٌ ومَوْتٌ بِلا آخِرٍ ﴿وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن كَوْنِهِ؛ [وفِي -] الصَّحِيحِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ يَوْمَ الحَسْرَةِ حِينَ يُذْبَحُ المَوْتُ فَقَدْ رَوى مُسْلِمٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «"يُجاءُ بِالمَوْتِ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُ كَبْشٌ أمْلَحُ فَيُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ! هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا، فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ ويَقُولُونَ: نَعَمْ! هَذا المَوْتُ، ويُقالُ: يا أهْلَ النّارِ! هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا؟ فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ ويَقُولُونَ: نَعَمْ! هَذا المَوْتُ، فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ! خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، ويا أهْلَ النّارِ! خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وفي رِوايَةٍ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ الآيَةُ».
وأمّا الغَفْلَةُ فَفي الدُّنْيا، رَوى ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهم في غَفْلَةٍ﴾ قالَ في الدُّنْيا. قالَ المُنْذِرِيُّ: وهو في مُسْلِمٍ بِمَعْناهُ في آخِرِ حَدِيثٍ.
ولَمّا كانَ الإرْثُ هو حَوْزَ الشَّيْءِ بَعْدَ مَوْتِ أهْلِهِ، وكانَ سُبْحانَهُ (p-٢٠٢)قَدْ قَضى بِمَوْتِ الخَلائِقِ أجْمَعِينَ، وأنَّهُ يَبْقى وحْدَهُ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالإرْثِ مُقَرِّرًا بِهِ مَضْمُونَ الكَلامِ السّابِقِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا تَكْذِيبًا لِقَوْلِهِمْ: إنَّ الدَّهْرَ لا يَزالُ هَكَذا، حَياةٌ لِقَوْمٍ ومَوْتٌ لِآخَرِينَ
19:40Page 308
إِنَّا نَحۡنُ نَرِثُ ٱلۡأَرۡضَ وَمَنۡ عَلَيۡهَا وَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ ٤٠
Indeed, it is We who will inherit the earth and whoever is on it, and to Us they will be returned.
﴿إنّا نَحْنُ﴾ بِعَظَمَتِنا الَّتِي اقْتَضَتْ ذَلِكَ ولا بُدَّ، وأفادَ [الأصْبَهانِيُّ أنَّ -] تَأْكِيدَ اسْمِ ”إنَّ“ [أفادَ -] أنَّ الإسْنادَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى أحَدٍ مِن جُنْدِهِ ﴿نَرِثُ الأرْضَ﴾ فَلا نَدَعُ بِها عامِرًا مِن عاقِلٍ ولا غَيْرِهِ. ولَمّا كانَ العاقِلُ أقْوى مِن غَيْرِهِ، صَرَّحَ بِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ فَقالَ: ﴿ومَن عَلَيْها﴾ أيْ مِنَ العُقَلاءِ، بِأنْ نَسْلُبَهم جَمِيعَ ما في أيْدِيهِمْ ﴿وإلَيْنا﴾ لا إلى غَيْرِنا مِنَ الدُّنْيا وجَبابِرَتِها [إلى غَيْرِ ذَلِكَ -] ﴿يُرْجَعُونَ﴾ مَعْنىً في الدُّنْيا [وحِسًّا -] بَعْدَ المَوْتِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences