Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:41–56
19:41Page 308
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِبۡرَٰهِيمَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيًّا ٤١
And mention in the Book [the story of] Abraham. Indeed, he was a man of truth and a prophet.
ولَمّا ذَمَّ الضّالِّينَ في أمْرِ المَسِيحِ، وعَلَّقَ تَهْدِيدَهم بِوَصْفٍ دَخَلَ فِيهِ مُشْرِكُو العَرَبِ، فَأنْذَرَهم بِصَرِيحِ تَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ، وغَيْرَهم بِأنَّهم لِسُوءِ أعْمالِهِمْ كالمُكَذِّبِينَ بِهِ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِأنَّهُ الوارِثُ وأنَّ الرُّجُوعَ إلَيْهِ، ودَخَلَ في ذَلِكَ الإرْثِ بِغَلَبَةِ أنْبِيائِهِ وأتْباعِهِمْ عَلى أكْثَرِ أهْلِ (p-٢٠٣)الأرْضِ بِرُجُوعِ أهْلِ الأدْيانِ الباطِلَةِ إلَيْهِمْ حَتّى يَعُمَّ ذَلِكَ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ في زَمَنِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَثْرَةِ أوْلادِهِ مِنَ العَرَبِ والرُّومِ وأهْلِ الكِتابَيْنِ وارِثًا لِأكْثَرِ الأرْضِ، وكانَ مِثْلَ زَكَرِيّا في هِبَةِ الوَلَدِ عَلى كِبَرِ سِنِّهِ وعُقْمِ زَوْجِهِ، أتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿واذْكُرْ﴾ أيْ يا مُحَمَّدُ! ﴿فِي الكِتابِ﴾ أيِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكَ [و -] تُبَلِّغُهُ لِلنّاسِ وتُعَلِّمُهم أنَّ [هَذِهِ -] القِصَّةَ مِنَ القُرْآنِ ﴿إبْراهِيمَ﴾ أعْظَمَ آبائِكُمُ الَّذِي نَهى أباهُ عَنِ الشِّرْكِ يا مَن يَكْفُرُونَ تَقْلِيدًا لِلْآباءِ! ثُمَّ عَلَّلَ تَشْرِيفَهُ بِذِكْرِهِ [لَهُ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ المَعْنَوِيِّ بِالِاعْتِراضِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، واللَّفْظِيِّ بِـ ”إنَّ“ بِقَوْلِهِ مُنَبِّهًا عَلى أنَّ مُخالَفَتَهم لَهُ بِالشِّرْكِ والِاسْتِقْسامِ بِالأزْلامِ ونَحْوِ ذَلِكَ تَكْذِيبٌ بِأوْصافِهِ الحَسَنَةِ -]: ﴿إنَّهُ كانَ﴾ [أيْ جِبِلَّةً وطَبْعًا -] ﴿صِدِّيقًا﴾ أيْ بَلِيغَ الصِّدْقِ في نَفْسِهِ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ، والتَّصْدِيقِ بِكُلِّ ما يَأْتِيهِ [مِمّا -] هو أهْلٌ لِأنْ يُصَدَّقَ [لِأنَّهُ - ] مَجْبُولٌ عَلى ذَلِكَ ولا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا وهو عامِلٌ بِهِ حَقَّ العَمَلِ فَهو أبْلَغُ مِنَ المُخْلِصِ -] (p-٢٠٤)﴿نَبِيًّا﴾ [أيْ يُخْبِرُهُ اللَّهُ بِالأخْبارِ العَظِيمَةِ جِدًّا الَّتِي يَرْتَفِعُ بِها في الدّارَيْنِ -] وهو أعْظَمُ الأنْبِياءِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ - عَلى جَمِيعِهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ [كَما رَواهُ الحافِظُ أبُو البَزّارِ بِسَنَدِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأكَّدَهُ وكَذا أكَّدَ فِيما بَعْدَهُ -] مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإنْ كانُوا مُقِرِّينَ بِنُبُوّاتِهِمْ تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ المُنْكِرِ، لِجَرْيِهِمْ في إنْكارِهِمْ نُبُوَّةَ البَشَرِ عَلى غَيْرِ مُقْتَضى عِلْمِهِمْ.
19:42Page 308
إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡـٔٗا ٤٢
[Mention] when he said to his father, "O my father, why do you worship that which does not hear and does not see and will not benefit you at all?
ولَمّا تَكَفَّلَ ما تَقَدَّمَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ بِنَفْيِ الشَّرِيكِ بِقَيْدِ كَوْنِهِ ولَدًا، أتْبَعَ ذَلِكَ مِن قِصَّتِهِ ما يَنْفِي الشَّرِيكَ لِيَقْتَدِيَ بِهِ أوْلادُهُ في ذَلِكَ إذْ كانُوا يُقَلِّدُونَ الآباءَ ولَيْسَ في آبائِهِمْ مِثْلُهُ، فَقالَ مُبْدِلًا مِن ”إبْراهِيم“ ﴿إذْ قالَ﴾ أيِ اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ ﴿لأبِيهِ﴾ هادِيًا لَهُ مِن تِيهِ الضَّلالِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ مُسْتَعْطِفًا لَهُ في كُلِّ جُمْلَةٍ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أبَتِ﴾
ولَمّا كانَ العاقِلُ لا يَفْعَلُ فِعْلًا إلّا لِثَمَرِهِ، نَبَّهَهُ عَلى عُقْمِ فِعْلِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ﴾ مُرِيدًا بِالِاسْتِفْهامِ المُجامَلَةَ، واللُّطْفَ والرِّفْقَ واللِّينَ والأدَبَ الجَمِيلَ في نُصْحِهِ لَهُ كاشِفًا الأمْرَ غايَةَ الكَشْفِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ أيْ لَيْسَ عِنْدَهُ قابِلِيَّةٌ لِشَيْءٍ مِن هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ لِيَرى ما أنْتَ فِيهِ مِن خِدْمَتِهِ أوْ يُجِيبَكَ إذا نادَيْتَهُ حالًا أوْ مَآلًا. ولَمّا كانَ الأعْمى الأصَمُّ (p-٢٠٥)قَدْ يَنْفَعُ بِكَلامٍ أوْ غَيْرِهِ، قالَ: ﴿ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ مِنَ الإغْناءِ.
19:43Page 308
يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَدۡ جَآءَنِي مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَمۡ يَأۡتِكَ فَٱتَّبِعۡنِيٓ أَهۡدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا ٤٣
O my father, indeed there has come to me of knowledge that which has not come to you, so follow me; I will guide you to an even path.
ولَمّا نَبَّهَهُ عَلى أنَّ ما يَعْبُدُهُ لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، بَلْ لا تَجُوزُ عِبادَتُهُ، لِنَقْصِهِ مُطْلَقًا ثُمَّ نَقْصِهِ عَنْ عابِدِهِ، ولَنْ يَكُونَ المَعْبُودُ دُونَ العابِدِ أصْلًا، وكانَ أقَلَّ ما يَصِلُ إلَيْهِ بِذَلِكَ مَقامُ الحَيْرَةِ، نَبَّهَهُ عَلى أنَّهُ أهْلٌ لِلْهِدايَةِ، فَقالَ مُكَرِّرًا لِوَصْفِهِ المَذْكُورِ بِالعَطْفِ والوُدِّ: ﴿يا أبَتِ﴾ وأكَّدَ عِلْمًا مِنهُ أنَّهُ يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ ابْنُهُ أعْرَفَ مِنهُ بِشَيْءٍ فَقالَ: ﴿إنِّي قَدْ جاءَنِي﴾ مِنَ المَعْبُودِ الحَقِّ ﴿مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ مِنهُ ﴿فاتَّبِعْنِي﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنِّي أقُولُ لَكَ وُجُوبًا عَلى النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ ونَصِيحَةً لِما لَكَ عَلَيَّ مِنَ الحَقِّ: اجْتَهِدْ في تَبَعِي ﴿أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ لا عِوَجَ فِيهِ، كَما أنِّي لَوْ كُنْتُ مَعَكَ في طَرِيقٍ مَحْسُوسٍ وأخْبَرْتُكَ أنَّ أمامَنا مَهالِكَ لا يَنْجُو مِنها أحَدٌ، وأمَرْتُكَ أنْ تَسْلُكَ مَكانًا غَيْرَ ذَلِكَ، لَأطَعْتَنِي، لَوْ عَصَيْتَنِي فِيهِ عَدَّكَ كُلُّ أحَدٍ غاوِيًا.
19:44Page 308
يَٰٓأَبَتِ لَا تَعۡبُدِ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ عَصِيّٗا ٤٤
O my father, do not worship [i.e., obey] Satan. Indeed Satan has ever been, to the Most Merciful, disobedient.
ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا نَفْعَ فِيما يَعْبُدُهُ، ونَبَّهَهُ عَلى الوَصْفِ المُقْتَضِي لِوُجُوبِ الِاقْتِداءِ بِهِ، بَيَّنَ لَهُ ما في عِبادَةِ مَعْبُودِهِ مِنَ الضُّرِّ فَقالَ: ﴿يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ فَإنَّ الأصْنامَ لَيْسَ لَها دَعْوَةٌ أصْلًا، واللَّهُ تَعالى قَدْ حَرَّمَ عِبادَةَ غَيْرِهِ مُطْلَقًا عَلى لِسانِ كُلِّ (p-٢٠٦)ولِيٍّ لَهُ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الآمِرُ بِذَلِكَ الشَّيْطانَ، فَكانَ هو المَعْبُودَ بِعِبادَتِها في الحَقِيقَةِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ هَذا النَّهْيَ فَقالَ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ﴾ البَعِيدَ مِن كُلِّ خَيْرٍ [المُحْتَرِقَ بِاللَّعْنَةِ -]، وذَكَرَ الوَصْفَ المُوجِبَ لِلْإمْلاءِ لِلْعاصِي فَقالَ: ﴿كانَ لِلرَّحْمَنِ﴾ المُنْعِمِ بِجَمِيعِ النِّعَمِ القادِرِ عَلى سَلْبِها، ولَمْ يَقُلْ: لِلْجَبّارِ - لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّهُ ما أمْلى لِعاصِيهِ مَعَ جَبَرُوتِهِ إلّا لِلْعَجْزِ عَنْهُ ﴿عَصِيًّا﴾ بِالقُوَّةِ مِن حِينِ خُلِقَ، وبِالفِعْلِ مِن حِينِ أمَرَهُ بِالسُّجُودِ لِأبِيكَ آدَمَ فَأبى فَهو عَدُوٌّ لِلَّهِ ولَهُ، والمُطِيعُ لِلْعاصِي لِشَيْءٍ عاصٍ لِذَلِكَ الشَّيْءِ، لِأنَّ صَدِيقَ العَدُوِّ عَدُوٌّ.
19:45Page 308
يَٰٓأَبَتِ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيۡطَٰنِ وَلِيّٗا ٤٥
O my father, indeed I fear that there will touch you a punishment from the Most Merciful so you would be to Satan a companion [in Hellfire]."
فَلَمّا بَيَّنَ لَهُ أنَّهُ بِذَلِكَ عاصٍ لِلْمُنْعِمِ، خَوَّفَهُ مِن إزالَتِهِ لِنِعْمَتِهِ فَقالَ: ﴿يا أبَتِ إنِّي أخافُ﴾ لِمَحَبَّتِي لَكَ وغَيْرَتِي عَلَيْكَ ﴿أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ﴾ [أيُّ عَذابٍ كائِنٍ ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أيِ الَّذِي هو ولِيُّ كُلِّ مَن يَتَوَلّاهُ لِعِصْيانِكَ إيّاهُ ﴿فَتَكُونَ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنْ تَكُونَ ﴿لِلشَّيْطانِ﴾ وحْدَهُ [وهُوَ عَدُوُّكَ المَعْرُوفُ العَداوَةِ -] ﴿ولِيًّا﴾ فَلا يَكُونُ لَكَ نُصْرَةٌ أصْلًا، مَعَ ما يُوصَفُ بِهِ مِنَ السَّخافَةِ بِاتِّباعِ العَدُوِّ الدَّنِيِّ، واجْتِنابِ الوَلِيِّ العَلِيِّ.
19:46Page 308
قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنۡ ءَالِهَتِي يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ لَأَرۡجُمَنَّكَۖ وَٱهۡجُرۡنِي مَلِيّٗا ٤٦
[His father] said, "Have you no desire for my gods, O Abraham? If you do not desist, I will surely stone you, so avoid me a prolonged time."
فَلَمّا وصَلَ إلى هَذا الحَدِّ مِنَ البَيانِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا كانَ جَوابُهُ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ مُقابِلًا لِذَلِكَ الأدَبِ العَظِيمِ والحِكْمَةِ البالِغَةِ (p-٢٠٧)النّاشِئَةِ عَنْ لَطافَةِ العِلْمِ بِغايَةِ الفَظاظَةِ الباعِثِ عَلَيْها كَثافَةُ الجَهْلِ، مُنْكِرًا عَلَيْهِ في جَمِيعِ ما قالَ بِإنْكارِ ما بَعَثَهُ عَلَيْهِ مِن تَحْقِيرِ آلِهَتِهِ: ﴿أراغِبٌ﴾ قَدَّمَ الخَبَرَ لِشِدَّةِ عِنايَتِهِ والتَّعْجِيبِ مِن تِلْكَ الرَّغْبَةِ والإنْكارِ لَها، إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَفْعَلُها أحَدٌ؛ ثُمَّ صَرَّحَ لَهُ بِالمُواجَهَةِ بِالغِلْظَةِ فَقالَ: ﴿أنْتَ﴾ وقالَ: ﴿عَنْ آلِهَتِي﴾ بِإضافَتِها إلى نَفْسِهِ فَقَطْ، إشارَةً إلى مُبالَغَتِهِ في تَعْظِيمِها؛ والرَّغْبَةُ عَنِ الشَّيْءِ: تَرْكُهُ عَمْدًا. ثُمَّ ناداهُ بِاسْمِهِ لا بِلَفْظِ البُنُوَّةِ المُذَكِّرِ بِالشَّفَقَةِ والعَطْفِ زِيادَةً في الإشارَةِ إلى المُقاطَعَةِ وتَوابِعِها فَقالَ: ﴿يا إبْراهِيمُ﴾ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ مُقْسِمًا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عَمّا أنْتَ عَلَيْهِ ﴿لأرْجُمَنَّكَ﴾ أيْ لَأقْتُلَنَّكَ، فَإنَّ ذَلِكَ جَزاءُ المُخالَفَةِ في الدِّينِ، فاحْذَرْنِي ولا تَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ مِنِّي وانْتَهِ ﴿واهْجُرْنِي﴾ أيِ ابْعُدْ عَنِّي ﴿مَلِيًّا﴾ أيْ زَمانًا طَوِيلًا [لِأجْلِ ما صَدَرَ مِنكَ هَذا الكَلامُ -]، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ وتَأْسِيَةٌ فِيما كانَ يَلْقى مِنَ الأذى، ويُقاسِي مِن قَوْمِهِ مِنَ العَناءِ، ومِن عَمِّهِ أبِي لَهَبٍ مِنَ الشَّدائِدِ والبَلايا - بِأعْظَمِ آبائِهِ وأقْرَبِهِمْ بِهِ شَبَهًا
19:47Page 308
قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِي حَفِيّٗا ٤٧
[Abraham] said, "Peace [i.e., safety] will be upon you.1 I will ask forgiveness for you of my Lord. Indeed, He is ever gracious to me.
﴿قالَ﴾ [أيْ -] إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُقابِلًا لِما كانَ مِن طَيْشِ الجَهْلِ بِما يَحِقُّ لِمِثْلِهِ مِن رَزانَةِ العِلْمِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ أيْ أنْتَ سالِمٌ مِنِّي ما لَمْ أُومَرْ فِيكَ بِشَيْءٍ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿سَأسْتَغْفِرُ﴾ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿لَكَ رَبِّي﴾ أيِ -] (p-٢٠٨)المُحْسِنَ إلَيَّ بِأنْ أطْلُبَ لَكَ مِنهُ غُفْرانَ ذُنُوبِكَ بِأنْ يُوَفِّقَكَ لِلْإسْلامِ الجابِّ لِما قَبْلَهُ، لِأنَّ هَذا كانَ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ مَحْتُومٌ بِشَقاوَتِهِ بِدَلِيلِ عَدَمِ جَزْمِهِ بِعَذابِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ﴾ [مريم: ٤٥]
ثُمَّ عَلَّلَ إقْدامَهُ عَلى ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّهُ مَقامٌ خَطِرٌ بِما لَهُ مِنَ الإذْلالِ لِما لَهُ مِن مَزِيدِ القُرْبِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ كانَ بِي﴾ أيْ [فِي -] جَمِيعِ أحْوالِي ﴿حَفِيًّا﴾ [أيْ -] مُبالِغًا في إكْرامِي مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وكَرَّةً إثْرَ كَرَّةٍ،
19:48Page 308
وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدۡعُواْ رَبِّي عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّٗا ٤٨
And I will leave you and those you invoke other than Allāh and will invoke1 my Lord. I expect that I will not be in invocation to my Lord unhappy [i.e., disappointed]."
ثُمَّ عَطَفَ عَلى وعْدِهِ بِالإحْسانِ وعْدَهُ بِما سَألَ فِيهِ الهِجْرَةَ فَقالَ: ﴿وأعْتَزِلُكُمْ﴾ [أيْ -] جَمِيعًا بِتَرْكِ بِلادِكُمْ؛ وأشارَ إلى أنَّ مِن شَرْطِ المَعْبُودِ أنْ يَكُونَ أهْلًا لِلْمُناداةِ في الشَّدائِدِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تَدْعُونَ﴾ أيْ تَعْبُدُونَ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ، فَمَن أقْبَلَ عَلَيْهِ وحْدَهُ أصابَ، ومَن أقْبَلَ عَلى غَيْرِهِ فَقَدْ خابَ ولَمْ يُقَيِّدِ الاعْتِزالَ بِزَمَنٍ، بَلْ أشارَ إلى أنَّهم ما دامُوا عَلى هَذا الدِّينِ فَهو مُعْتَزِلٌ لَهم ﴿وأدْعُو﴾ أيْ أعْبُدُ ﴿رَبِّي﴾ وحْدَهُ لِاسْتِحْقاقِهِ ذَلِكَ مِنِّي بِتَفَرُّدِهِ بِالإحْسانِ إلَيَّ، ثُمَّ دَعا لِنَفْسِهِ بِما نَبَّهَهم بِهِ عَلى خَيْبَةِ مَسْعاهم فَقالَ [غَيْرَ -] -جازِمٍ بِإجابَةِ دَعْوَتِهِ وقَبُولِ عِبادَتِهِ إجْلالًا لِرَبِّهِ وهَضْمًا لِنَفْسِهِ: ﴿عَسى ألا أكُونَ﴾ أيْ كَوْنًا ثابِتًا كَأنَّهُ احْتَرَزَ بِذَلِكَ (p-٢٠٩)عَمّا لا بُدَّ لِلْأوْلِياءِ مِنهُ في الدُّنْيا مِنَ البَلاءِ ﴿بِدُعاءِ رَبِّي﴾ المُتَفَرِّدِ بِالإحْسانِ إلَيَّ ﴿شَقِيًّا﴾ كَما كُنْتُمْ أنْتُمْ أشْقِياءَ بِعِبادَةِ ما عَبَدْتُمُوهُ، لِأنَّهُ لا يُجِيبُ دُعاءَكم ولا يَنْفَعُكم ولا يَضُرُّكم.
19:49Page 308
فَلَمَّا ٱعۡتَزَلَهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا نَبِيّٗا ٤٩
So when he had left them and those they worshipped other than Allāh, We gave him Isaac and Jacob, and each [of them] We made a prophet.
ولَمّا رَأى مِن أبِيهِ ومُعاشِرِيهِ ما رَأى، عَزَمَ عَلى نَشْرِ شُقَّةِ النَّوى مُخْتارًا لِلْغُرْبَةِ في البِلادِ عَلى غُرْبَةِ الأضْدادِ، فَكانَ كَما قالَ [الإمامُ -] أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:
وما غُرْبَةُ الإنْسانِ في شُقَّةِ النَّوى ولَكِنَّها واللَّهِ في عَدَمِ الشَّكْلِ
وإنِّي غَرِيبٌ بَيْنَ بُسْتٍ [و-]أهْلِها وإنْ كانَ فِيها أُسْرَتِي وبِها أهْلِي
وحَقَّقَ ما عَزَمَ عَلَيْهِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى تَحْقِيقَ رَجائِهِ وإجابَةَ دُعائِهِ فَقالَ: ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهُمْ﴾ أيْ بِالهِجْرَةِ إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ ﴿وما يَعْبُدُونَ﴾ أيْ عَلى الِاسْتِمْرارِ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الجامِعِ لِجَمِيعِ مَعانِي العَظَمَةِ الَّتِي لا يَنْبَغِي العِبادَةُ لِغَيْرِهِ ﴿وهَبْنا﴾ أيْ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لَهُ﴾ كَما هو الشَّأْنُ في كُلِّ مَن [تَرَكَ -] شَيْئًا لِلَّهِ ﴿إسْحاقَ﴾ ولَدًا لَهُ لِصُلْبِهِ مِن زَوْجَتِهِ العاقِرِ العَقِيمِ بَعْدَ تَجاوُزِها سِنَّ اليَأْسِ وأخْذِهِ هو في السِّنِّ إلى حَدٍّ لا يُولَدُ لِمِثْلِهِ ﴿ويَعْقُوبَ﴾ ولَدًا لِإسْحاقَ، وخَصَّهُما (p-٢١٠)بِالذِّكْرِ لِلُزُومِهِما مَحَلَّ إقامَتِهِ وقِيامِهِما بَعْدَ مَوْتِهِ بِخِلافَتِهِ فِيهِ وأمّا إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَكانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هو المُتَوَلِّيَ لِتَرْبِيَتِهِ بَعْدَ نَقْلِهِ رَضِيعًا إلى المَسْجِدِ الحَرامِ وإحْيائِهِ بِهِ تِلْكَ المَشاعِرَ العِظامَ [فَأخَّرُوهُ بِالذِّكْرِ جاعِلًا لَهُ أصْلًا بِرَأْسِهِ -]؛ ثُمَّ صَرَّحَ [بِما وهَبَ ] لِأوْلادِهِ جَزاءً عَلى هِجْرَتِهِ فَقالَ: ﴿وكُلا﴾ أيْ مِنهُما ﴿جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ عالِيَ المِقْدارِ، ويُخْبِرُ بِالأخْبارِ كَما جَعَلْنا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيًّا
19:50Page 308
وَوَهَبۡنَا لَهُم مِّن رَّحۡمَتِنَا وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ لِسَانَ صِدۡقٍ عَلِيّٗا ٥٠
And We gave them of Our mercy, and We made for them a mention [i.e., reputation] of high honor.
﴿ووَهَبْنا لَهُمْ﴾ كُلَّهم ﴿مِن رَحْمَتِنا﴾ أيْ شَيْئًا عَظِيمًا جِدًّا، بِالبَرَكَةِ في الأمْوالِ والأوْلادِ وإجابَةِ الدُّعاءِ، واللُّطْفِ في القَضاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن خَيْرَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿وجَعَلْنا لَهُمْ﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ أيْ ذِكْرًا صادِقًا رَفِيعَ القَدْرِ جِدًّا يُحْمَدُونَ بِهِ ويُثْنى عَلَيْهِمْ مِن جَمِيعِ [أهْلِ -] المِلَلِ عَلى كَرِّ الأعْصارِ، ومَرِّ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وعَبَّرَ بِاللِّسانِ عَمّا يُوجَدُ بِهِ، وفي ذَلِكَ تَرْغِيبٌ في الهِجْرَةِ ثانِيًا بَعْدَ ما رَغَّبَ فِيها بِقِصَّةِ أهْلِ الكَهْفِ أوَّلًا، وأشارَ إلَيْها بِقَوْلِهِ في ”سُبْحانَ“ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] - الآيَةِ.
19:51Page 308
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مُوسَىٰٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ مُخۡلَصٗا وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥١
And mention in the Book, Moses. Indeed, he was chosen, and he was a messenger and a prophet.1
ولَمّا كانَ مُوسى أوَّلَ مَن نَوَّهَ اللَّهُ بِأسْمائِهِمْ، عَلى لِسانِهِ في التَّوْراةِ، وأظْهَرَ مَحامِدَهُمْ، وشَهَرَ مَناقِبَهُمْ، وتَوارَثَ ذَلِكَ أبْناؤُهم مِنهُ حَتّى شاعَ أمْرُهم وذاعَ، ومَلَأ الأسْماعَ، وطارَ في الأقْطارِ، حَتّى عَمَّ البَرارِيَ والبِحارَ، عَقَّبَ ذِكْرَهم بِذِكْرِهِ فَقالَ: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ﴾ (p-٢١١)أيِ الَّذِي لا كِتابَ مِثْلُهُ في الكَمالِ ﴿مُوسى﴾ أيِ الَّذِي أنْقَذَ اللَّهُ بِهِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العُبُودِيَّةِ والذُّلِّ حَتّى تَمَكَّنُوا مِن آثارِ آبائِهِمْ، وكانَ مُوافِقًا لِأبِيهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في أنَّ كُلًّا مِنهُما أرادَ مَلِكُ زَمانِهِ الَّذِي ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ قَتْلَهُ خَوْفًا عَلى مُلْكِهِ مِنهُ، فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنهُ، وأمْرُ مُوسى أعْجَبُ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أنْجاهُ مِنَ الذَّبْحِ بِالذَّبّاحِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذِكْرَهُ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ﴾ أيْ كَوْنًا عَرِيقًا فِيهِ ﴿مُخْلَصًا﴾ [لِلَّهِ تَعالى -] في تَوْحِيدِهِ وجَمِيعِ أعْمالِهِ [- كَما أشارَتْ إلَيْهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ - مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ في شَيْءٍ، في ذَلِكَ -] لِأنَّ اللَّهَ أخْلَصَهُ لَهُ كَما في قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ بِالفَتْحِ ﴿وكانَ رَسُولا﴾ إلى بَنِي إسْرائِيلَ والقِبْطِ ﴿نَبِيًّا﴾ يُنْبِئُهُ اللَّهُ بِما يُرِيدُ مِن وحْيِهِ لِيُنْبِئَ بِهِ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ، فَيَرْفَعُ بِذَلِكَ قَدْرَهُ، فَصارَ الإخْبارُ بِالنُّبُوَّةِ عَنْهُ مَرَّتَيْنِ: إحْداهُما في ضِمْنِ ”رسولًا“ والأُخْرى صَرِيحًا مَعَ إفْهامِ العُلُوِّ بِاشْتِقاقِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ، وبِكَوْنِ النَّبَإ لا يُطْلَقُ عَلَيْهِ غالِبًا إلّا عَلى خَبَرٍ عَظِيمٍ، فَصارَ المُرادُ: رَسُولًا عالِيًا مِقْدارُهُ ويُخْبِرُ بِالأخْبارِ الجَلِيلَةِ، وفِيهِ دَفْعٌ لِما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّهُ رَسُولٌ عَنْ بَعْضِ رُسُلِهِ كَما في أصْحابِ يَس؛ وعَطَفَ عَلى ذَلِكَ دَلِيلَهُ الدّالَّ عَلى ما صُدِّرَتْ بِهِ السُّورَةُ مِنَ الرَّحْمَةِ، فَرَحِمَهُ بِتَأْنِيسِ وحْشَتِهِ وتَأْهِيلِ غُرْبَتِهِ بِتَلْذِيذِهِ بِالخِطابِ وإعْطائِهِ الكِتابَ (p-٢١٢)فَقالَ:
19:52Page 309
وَنَٰدَيۡنَٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنِ وَقَرَّبۡنَٰهُ نَجِيّٗا ٥٢
And We called him from the side of the mount1 at [his] right and brought him near, confiding [to him].
﴿ونادَيْناهُ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مِن جانِبِ الطُّورِ﴾ أيِ الجانِبِ ﴿الأيْمَنِ﴾ فَأنْبَأْناهُ هُنالِكَ - حِينَ كانَ مُتَوَجِّهًا إلى مِصْرَ - بِأنَّهُ رَسُولُنا، ثُمَّ واعَدْناهُ إلَيْهِ بَعْدَ إغْراقِ آلِ فِرْعَوْنَ، فَكانَ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِهِ مِنَ العَجائِبِ في رَحْمَتِهِمْ بِإنْزالِ الكِتابِ، والإلْذاذِ بِالخِطابِ، مِن جَوْفِ السَّحابِ، وفي إماتَتِهِمْ لَمّا طَلَبُوا الرُّؤْيَةَ، ثُمَّ إحْيائِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ ما يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ عَلى ما هو مَذْكُورٌ في التَّوْراةِ، وتَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنهُ في هَذا الكِتابِ ﴿وقَرَّبْناهُ﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ تَقْرِيبَ تَشْرِيفٍ حالَ كَوْنِهِ ﴿نَجِيًّا﴾ نُخْبِرُهُ مِن أمْرِنا بِلا واسِطَةٍ [مِنَ النَّجْوى وهي السِّرُّ والكَلامُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ كالسِّرِّ، والتَّشاوُرُ كَما في يُوسُفَ ويَأْتِي في المُجادَلَةِ -]
19:53Page 309
وَوَهَبۡنَا لَهُۥ مِن رَّحۡمَتِنَآ أَخَاهُ هَٰرُونَ نَبِيّٗا ٥٣
And We gave him out of Our mercy his brother Aaron as a prophet.
﴿ووَهَبْنا لَهُ﴾ أيْ هِبَةً تَلِيقُ بِعَظَمَتِنا ﴿مِن رَحْمَتِنا﴾ لَهُ لَمّا سَألَنا ﴿أخاهُ﴾ أيْ مُعاضَدَةَ أخِيهِ وبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿هارُونَ﴾ حالَ كَوْنِهِ ﴿نَبِيًّا﴾ أوْ هو بَدَلٌ أيْ نُبُوَّتَهُ شَدَدْنا بِهِ أزْرَهُ، وقَوَّيْنا بِهِ أمْرَهُ، وكانَ يَخْلُفُهُ في قَوْمِهِ عِنْدَ ذَهابِهِ إلى ساحَةِ المُناجاةِ، ومَعَ ذَلِكَ فَأشْرَكُوا بِي صُورَةَ عِجْلٍ، فَلا تَعْجَبْ مِن غُرُورِهِمْ لِلْعَرَبِ مَعَ مُباشَرَتِهِمْ لِهَذِهِ العَظائِمِ.
19:54Page 309
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِسۡمَٰعِيلَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥٤
And mention in the Book, Ishmael. Indeed, he was true to his promise, and he was a messenger and a prophet.
ولَمّا كانَ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو الَّذِي ساعَدَ أباهُ (p-٢١٣)إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في بِناءِ البَيْتِ الَّذِي كانَ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي أبْقى اللَّهُ بِها ذِكْرَهُ، وشَهَرَ أمْرَهُ وكانَ مُوافِقًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في ظُهُورِ آيَةِ الماءِ الَّذِي بِهِ حَياةُ كُلِّ شَيْءٍ وإنْ كانَتْ آيَةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ انْقَضَتْ بِانْقِضائِهِ، وآيَتُهُ هو باقِيَةٌ إلى أنْ يَرِثَ اللَّهُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها، وهي الَّتِي كانَتْ سَبَبَ حَياتِهِ وماؤُها بِبَرَكَتِهِ أفْضَلُ مِياهِ الأرْضِ، وجَعَلَ سُبْحانَهُ آيَةَ الماءِ الَّتِي أظْهَرَها لَهُ سَبَبَ حِفْظِهِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والوَحْشِ وسائِرِ المُفْسِدِينَ، إشارَةً إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ يُحْيِي بِوَلَدِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ - الَّذِي غَذّاهُ بِذَلِكَ الماءِ ورَبّاهُ عِنْدَ ذَلِكَ البَيْتِ إلى أنِ اصْطَفاهُ بِرِسالَتِهِ، فَحَسَدَتْهُ اليَهُودُ وأمَرَتْ بِالتَّعَنُّتِ عَلَيْهِ - ما لَمْ يَحْيَ بِغَيْرِهِ، ويَجْعَلُهُ قُطْبَ الوُجُودِ [كَما خَصَّهُ - مِن بَيْنِ آلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالبَيْتِ الَّذِي هو كَذَلِكَ قُطْبُ الوُجُودِ -]، ويَشْفِي بِهِ مِن داءِ الجَهْلِ، ويُغْنِي بِهِ مِن مَرِيرِ الفَقْرِ، كَما جَعَلَ ماءَ زَمْزَمَ طَعامَ طُعْمٍ وشِفاءَ سُقْمٍ، وكانَ ﷺ آخِرَ مَن شَيَّدَ قَدْرَهُمْ، وأعْظَمَ مَن أعْلى ذِكْرَهُمْ، عَقَّبَ ذِكْرَهُ بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ﴾ أباكَ الأقْرَبَ ﴿إسْماعِيلَ﴾ ابْنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ الَّذِي هم مُعْتَرِفُونَ بِنُبُوَّتِهِ، ومُفْتَخِرُونَ بِرِسالَتِهِ وأُبُوَّتِهِ، فَلَزِمَ بِذَلِكَ فَسادُ تَعْلِيلِهِمْ إنْكارَ نُبُوَّتِكَ بِأنَّكَ مِنَ البَشَرِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذِكْرَهُ والتَّنْوِيهَ بِقَدْرِهِ بِقَوْلِهِ مُعْلِمًا بِصُعُوبَةِ الوَفاءِ بِالتَّأْكِيدِ: (p-٢١٤)﴿إنَّهُ كانَ﴾ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿صادِقَ الوَعْدِ﴾ في حَقِّ اللَّهِ وغَيْرِهِ لِمَعُونَةِ اللَّهِ لَهُ عَلى ذَلِكَ، بِسَبَبِ أنَّهُ لا يَعِدُ وعْدًا إلّا مَقْرُونًا بِالِاسْتِثْناءِ كَما قالَ لِأبِيهِ حِينَ أخْبَرَهُ بِأمْرِ ذَبْحِهِ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] [فَكُنْ أبِي كَذَلِكَ -] ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] وخَصَّهُ بِالمَدْحِ بِهِ - وإنْ كانَ الأنْبِياءُ كُلُّهم كَذَلِكَ - لِقِصَّةِ الذَّبْحِ فَلا يَلْزَمُ مِنهُ تَفْضِيلُهُ ﴿وكانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ نَبَّأهُ اللَّهُ بِأخْبارِهِ، وأرْسَلَهُ إلى قَوْمِهِ جُرْهُمٍ قالَهُ الأصْبَهانِيُّ. وأتى أهْلَ البَرارِي بِدِينِ أبِيهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأحْياها اللَّهُ بِنُورِ الإيمانِ النّاشِئِ عَنْ رُوحِ العِلْمِ ووَصَفَهُ بِالرِّسالَةِ زِيادَةً عَلى وصْفِ أخِيهِ إسْحاقَ عَلَيْهِما السَّلامُ وتَقَدَّمَ في أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سِرُّ الجَمْعِ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ؛ وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وجامِعِ التِّرْمِذِيِّ - عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ اللَّهَ اصْطَفى كِنانَةَ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ”». وفي رِوايَةِ التِّرْمِذِيِّ «“أنَّ اللَّهَ اصْطَفى مِن ولَدِ إبْراهِيمَ إسْماعِيلَ»
19:55Page 309
وَكَانَ يَأۡمُرُ أَهۡلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرۡضِيّٗا ٥٥
And he used to enjoin on his people prayer and zakāh and was to his Lord pleasing [i.e., accepted by Him].
﴿وكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ﴾ الَّتِي هي طُهْرَةُ البَدَنِ وقُرَّةُ العَيْنِ وخَيْرُ العَوْنِ عَلى جَمِيعِ المَآرِبِ (p-٢١٥)﴿والزَّكاةِ﴾ الَّتِي هي طُهْرَةُ المالِ، كَما أوْصى اللَّهُ بِذَلِكَ جَمِيعَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أوْصى بِذَلِكَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وكانَ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ لِعِبادَتِهِ عَلى حَسَبِ ما أقامَتْهُ رُبُوبِيَّتُهُ ﴿مَرْضِيًّا﴾ فاقْتَدِ أنْتَ بِهِ فَإنَّهُ مِن أجَلِّ آبائِكَ، لِتَجْمَعَ بَيْنَ طَهارَةِ القَوْلِ والبَدَنِ والمالِ، فَتَنالَ رُتْبَةَ الرِّضا.
19:56Page 309
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِدۡرِيسَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيّٗا ٥٦
And mention in the Book, Idrees. Indeed, he was a man of truth and a prophet.
ولَمّا كانَ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ رُفِعَ بِالسُّكْنى حَيًّا إلى أعْلى مَكانٍ في الأرْضِ رُتْبَةً، وكانَ أوَّلَ نَبِيٍّ رَمى بِالسِّهامِ، وكانَ إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ رِفْعَتِهِ إلى المَكانِ العَلِيِّ - أوَّلَ مَنِ اتَّخَذَ السِّلاحَ وقاتَلَ الكُفّارَ، وأوَّلَ مَن نَظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ والحِسابِ، وخَطَّ بِالقَلَمِ، وخاطَ الثِّيابَ ولَبِسَ [الجُبَّةَ -] وكانَ أغْرَبَهم قِصَّةً، وأعْجَبَهم أمْرًا، وأقْدَمَهم زَمَنًا، خَتَمَ بِهِ هَذِهِ القِصَصَ [تَأْيِيدًا لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ، بِما بَيَّنَ لَهُ مِنَ القِصَصِ -] الَّتِي هي أغْرَبُ مِمّا أمَرَ اليَهُودُ بِالتَّعَنُّتِ فِيهِ، وإشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُؤْتِي أتْباعَهُ مِن عُلُومِ إدْرِيسَ الأرْضِيَّةِ والسَّماوِيَّةِ مِمّا يَسْتَحِقُّ أنْ يُحْفَظَ بِالخَطِّ ويُودَعَ بُطُونَ الكُتُبِ لِضِيقِ الصُّدُورِ عَنْ حِفْظِهِ ما لَمْ يُؤْتِهِ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ، وأنَّهُ يَجْمَعُ شَمْلَهُمْ، وتَرْهِيبًا لِلْمُتَعَنِّتِينَ بِأنَّهم إنْ لَمْ يَنْتَهُوا وضَعَ فِيهِمُ السِّلاحَ كَما فَعَلَ إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِكُفّارِ زَمانِهِ فَقالَ: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ﴾ [أيِ -] الجامِعِ (p-٢١٦)لِكُلِّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن قِصَصِ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ ﴿إدْرِيسَ﴾ أيِ الَّذِي هو أبْعَدُ مِمَّنْ تَعَنَّتَ بِهِمُ اليَهُودُ زَمانًا، وأخْفى مِنهم شَأْنًا، وهو جَدُّ أبِي نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ واسْمُهُ حَنُوخُ بِمُهْمَلَةٍ ونُونٍ وآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ ﴿إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا﴾ أيْ صادِقًا في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ، ومُصَدِّقًا بِما أتاهُ عَنِ اللَّهِ مِن آياتِهِ عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ ﴿نَبِيًّا﴾ يُنْبِئُهُ اللَّهُ تَعالى بِما يُوحِيهِ [إلَيْهِ -] مِنَ الأمْرِ العَظِيمِ، رِفْعَةً لِقَدْرِهِ، فَيُنْبِئُ بِهِ النّاسَ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences