Al-Biqa'iMaryam · 19:57–65

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Maryam 19:57–65

19:57Page 309

وَرَفَعۡنَٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا ٥٧

And We raised him to a high station.

﴿ورَفَعْناهُ﴾ جَزاءً مِنّا لَهُ عَلى تَقْواهُ وإحْسانِهِ، رِفْعَةً تَلِيقُ بِعَظَمَتِنا، فَأحْلَلْناهُ ﴿مَكانًا عَلِيًّا﴾ أيِ الجَنَّةَ أوِ السَّماءَ الرّابِعَةَ، وهي الَّتِي رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ بِها لَيْلَةَ الإسْراءِ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في المَعارِفِ: وفي التَّوْراةِ أنَّ أخْنُوحَ أحْسَنَ قُدّامَ اللَّهِ فَرَفَعَهُ إلَيْهِ - انْتَهى. وفي نُسْخَةِ تَرْجَمَةِ التَّوْراةِ وهي قَدِيمَةٌ جِدًّا وقابَلْتُها مَعَ بَعْضِ فُضَلاءِ الرَّبّانِيِّينَ مِنَ اليَهُودِ وعَلى تَرْجَمَةِ سَعِيدٍ الفَيُّومِيِّ بِالمَعْنى [وكانَ هو القارِئَ -] ما نَصُّهُ: وكانَتْ جَمِيعُ حَياةِ حَنُوخَ ثَلاثَمِائَةٍ وخَمْسًا وسِتِّينَ سَنَةً، فَأرْضى حَنُوخُ اللَّهَ فَفُقِدَ لِأنَّ اللَّهَ غَيَّبَهُ، وفي نُسْخَةٍ (p-٢١٧)أُخْرى: لِأنَّ اللَّهَ قَبِلَهُ، وفي أُخْرى: لِأنَّ اللَّهَ أخَذَهُ. وهو قَرِيبٌ مِمّا قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، لِأنَّ أصْلَ الكَلامِ عِبْرانِيٌّ، وإنَّما نَقَلَهُ إلى العَرَبِيِّ المُتَرْجِمُونَ، فَكُلٌّ تَرْجَمَ عَلى قَدْرِ فَهْمِهِ مِن ذَلِكَ اللِّسانِ، ويُؤَيِّدُ أنَّ المُرادَ الجَنَّةُ [ما -] في مَجْمَعِ الزَّوائِدِ لِلْحافِظِ نُورِ الدِّينِ الهَيْثَمِيِّ عَنْ مُعْجَمَيِ الطَّبَرانِيِّ - الأوْسَطِ والأصْغَرِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَوْضُوعًا: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ واسِطٍ ثَنا إبْراهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خالِدٍ المِصِّيصِيُّ ثَنا حَجّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِي غَسّانٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي رافِعٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ صَدِيقًا لِمَلَكِ المَوْتِ فَسَألَهُ أنْ يُرِيَهُ الجَنَّةَ والنّارَ، فَصَعِدَ بِإدْرِيسَ فَأراهُ النّارَ فَفَزِعَ مِنها، وكادَ يُغْشى عَلَيْهِ فالتَفَّ عَلَيْهِ مَلَكُ المَوْتِ بِجَناحِهِ، فَقالَ مَلَكُ المَوْتِ: ألَيْسَ قَدْ رَأيْتَها؟ قالَ: بَلى! ولَمْ أرَ كاليَوْمِ قَطُّ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ حَتّى أراهُ الجَنَّةَ فَدَخَلَها فَقالَ لَهُ مَلَكُ المَوْتِ: انْطَلِقْ! قَدْ رَأيْتَها، قالَ: إلى أيْنَ؟ قالَ [مَلَكُ المَوْتِ -]: حَيْثُ كُنْتَ، قالَ إدْرِيسُ: لا واللَّهِ! لا أخْرُجُ مِنها بَعْدَ إذْ دَخَلْتُها، فَقِيلَ لِمَلَكِ المَوْتِ: ألَيْسَ أنْتَ أدْخَلْتَهُ [إيّاها -] وأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ دَخَلَها أنْ يَخْرُجَ مِنها» .

وقالَ: لا يُرْوى عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ إلّا بِهَذا الإسْنادِ، وقالَ الحافِظُ نُورُ الدِّينِ: إبْراهِيمُ المِصِّيصِيُّ مَتْرُوكٌ. (p-٢١٨)قُلْتُ وفي لِسانِ المِيزانِ لِتِلْمِيذِهِ شَيْخِنا حافِظِ العَصْرِ ابْنِ حَجَرٍ عَنِ الذَّهَبِيِّ أنَّهُ كَذّابٌ، وعَنِ ابْنِ حِبّانَ أنَّهُ كانَ يُسَوِّي الحَدِيثَ، أيْ يُدَلِّسُ تَدْلِيسَ التَّسْوِيَةِ. وفي تَفْسِيرِ البَغْوِيِّ عَنْ وهْبٍ قَرِيبٌ مِن هَذا، وفِيهِ أنَّهُ سَألَ مَلَكَ المَوْتِ أنْ يَقْبِضَ رُوحَهُ ويَرُدَّها إلَيْهِ بَعْدَ ساعَةٍ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنْ يَفْعَلَ، وفِيهِ أنَّهُ احْتَجَّ في امْتِناعِهِ مِنَ الخُرُوجِ بِأنَّ كُلَّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ وقَدْ ذاقَهُ، وأنَّهُ لا بُدَّ مِن وُرُودِ النّارِ وقَدْ ورَدَها، وأنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ يَخْرُجُ مِنَ الجَنَّةِ، فَأوْحى اللَّهُ إلى مَلَكِ المَوْتِ: بِإذْنِي دَخَلَ الجَنَّةَ - يَعْنِي: فَخَلِّ سَبِيلَهُ - فَهو حَيٌّ هُناكَ. وفي تَفْسِيرِ البَغْوِيِّ أيْضًا عَنْ كَعْبٍ وغَيْرِهِ أنَّ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَشى ذاتَ يَوْمٍ في حاجَةٍ فَأصابَهُ وهَجُ الشَّمْسِ فَقالَ: يا رَبُّ! فَكَيْفَ بِمَن يَحْمِلُها؟ اللَّهُمَّ! خَفِّفْ عَنْهُ مِن ثِقَلِها، فَخَفَّفَ عَنْهُ فَسَألَ رَبَّهُ عَنِ السَّبَبِ فَأخْبَرَهُ فَسَألَ أنْ يَكُونَ بَيْنَهُما خُلَّةٌ، فَأتاهُ فَسَألَهُ إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَسْألَ مَلَكَ المَوْتِ أنْ يُؤَخِّرَ أجَلَهُ، فَقالَ: لا يُؤَخِّرُ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها، وأنا مُكَلِّمُهُ، فَرَفَعَ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَوَضَعَهُ عِنْدَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ، ثُمَّ أتى مَلَكَ المَوْتِ وكَلَّمَهُ فَقالَ: لَيْسَ ذَلِكَ إلَيَّ، ولَكِنْ [إنْ -] أحْبَبْتَ أعْلَمْتُهُ أجَلَهُ (p-٢١٩)فَيَتَقَدَّمُ في نَفْسِهِ، قالَ: نَعَمْ! فَنَظَرَ في دِيوانِهِ فَقالَ: إنَّكَ كَلَّمْتَنِي في إنْسانٍ ما أراهُ يَمُوتُ أبَدًا، قالَ: وكَيْفَ [ذَلِكَ -]؟ قالَ: لا أجِدُهُ يَمُوتُ إلّا عِنْدَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ، قالَ: فَإنِّي أتَيْتُكَ وتَرَكْتُهُ هُناكَ، قالَ: انْطَلِقْ فَلا أراكَ تَجِدُهُ إلّا [و -] قَدْ ماتَ، فَواللَّهِ ما بَقِيَ مِن أجَلِ إدْرِيسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - شَيْءٌ، فَرَجَعَ المَلَكُ فَوَجَدَهُ مَيِّتًا. ومِن جَيِّدِ المُناسَباتِ أنَّ إسْماعِيلَ وإدْرِيسَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ اشْتَرَكا في البَيانِ بِالعِلْمِ واللِّسانِ، فَإسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلُ [مَن أجادَ البَيانَ بِاللِّسانِ، وإدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ -] أوَّلُ مَن أعْرَبَ الخِطابَ بِالكِتابِ، فَقَدْ رَوى الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أوَّلُ مَن فُتِقَ لِسانُهُ بِهَذِهِ العَرَبِيَّةِ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ»

ولِأحْمَدَ عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أوَّلُ مَن خَطَّ بِالقَلَمِ إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ» .

19:58Page 309

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٖ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنۡ هَدَيۡنَا وَٱجۡتَبَيۡنَآۚ إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُ ٱلرَّحۡمَٰنِ خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَبُكِيّٗا۩ ٥٨

Those were the ones upon whom Allāh bestowed favor from among the prophets of the descendants of Adam and of those We carried [in the ship] with Noah, and of the descendants of Abraham and Israel [i.e., Jacob], and of those whom We guided and chose. When the verses of the Most Merciful were recited to them, they fell in prostration and weeping.

ولَمّا انْقَضى كَشْفُ هَذِهِ الأخْبارِ، العَلِيَّةِ المِقْدارِ، الجَلِيلَةِ الأسْرارِ، شَرَعَ سُبْحانَهُ يَنْسُبُ أهْلَها بِأشْرَفِ نَسَبِهِمْ، ويَذْكُرُ أمْتَنَ سَبَبِهِمْ هَزًّا (p-٢٢٠)لِمَن وافَقَهم في النَّسَبِ إلى المُوافَقَةِ في السَّبَبِ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الرُّتَبِ، الشُّرَفاءُ النَّسَبِ ﴿الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ﴾ بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي بِها أقامَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهم في ظَهْرِهِ، مَعَ ما طَبَعَهُ عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ المُتَضادَّةِ حَتّى نَجّاهُ مِن مَكْرِ إبْلِيسَ، ونَجّى بِها نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ وهم في صُلْبِهِ مِن ذَلِكَ الكَرْبِ العَظِيمِ، وإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهم في قُواهُ مَعَ اضْطِرامِ النّارِ وإطْفاءِ السِّنِّ وإصْلادِ العَظْمِ، وأعْلى بِها إسْرائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَنِيهِ في سَوْطِ الفِراقِ وامْتِهانِ العُبُودِيَّةِ وانْتِهاكِ الِاتِّهامِ حَتّى كانَ أبْناؤُهُ مَعْدِنَ المُلُوكِ والأنْبِياءِ، ومَحَلَّ الأتْقِياءِ والأصْفِياءِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن جَلِيلِ الأنْبِياءِ وعَظِيمِ الِاصْطِفاءِ والِاجْتِباءِ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ بِما خَصَّهم بِهِ مِن مَزِيدِ القُرْبِ إلَيْهِ، وعَظِيمِ المَنزِلَةِ لَدَيْهِ؛ وبَيَّنَ المَوْصُولَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ أيِ المُصْطَفَيْنَ لِلنُّبُوَّةِ الَّذِينَ أنْبَأهُمُ اللَّهُ بِدَقائِقِ الحِكَمِ، ورَفَعَ مَحالَّهم بَيْنَ الأُمَمِ، وأنْبَؤُوا النّاسَ بِجَلائِلِ الكَلِمِ، وأمَرُوهم بِطاهِرِ الشِّيَمِ.

ولَمّا كانُوا بَعْضَ بَنِي آدَمَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ أنّا كَرَّمْناهُمْ، قالَ إشارَةً إلى ما في ذَلِكَ مِنَ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ وهم يَرَوْنَها: ﴿مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ صَفِيِّنا أبِي البَشَرِ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ مِنَ التُّرابِ بِيَدِهِ، وأسْجَدَ لَهُ مَلائِكَتَهُ، وإدْرِيسُ أحَقُّهم بِذَلِكَ.

ولَمّا كانَ في إنْجاءِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وإغْراقِ قَوْمِهِ مِنَ القُدْرَةِ الباهِرَةِ ما لا يَخْفى، نَبَّهَ عَلَيْهِ بِنُونِ العَظَمَةِ في قَوْلِهِ مُشِيرًا إلى أعْظَمِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ (p-٢٢١)بِالتَّبْعِيضِ، وإلى أنَّ نَبِيَّهم مِن ذُرِّيَّتِهِ كَما كانَ هو مِن ذُرِّيَّةِ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي هو مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ، فَكَما كانَ كُلٌّ مِنهم رَسُولًا فَكَذَلِكَ هو وإبْراهِيمُ أقْرَبُهم إلى ذَلِكَ: ﴿ومِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ صَفِيِّنا أوَّلِ رَسُولٍ أرْسَلْناهُ بَعْدَ افْتِراقِ أهْلِ الأرْضِ وإشْراكِهِمْ، مِن خُلَّصِ العِبادِ، وأهْلِ الرَّشادِ، وجَعَلْناهُ شَكُورًا، وإبْراهِيمُ أقْرَبُهم إلى ذَلِكَ ﴿ومِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ﴾ خَلِيلِنا الَّذِي كانَ لَهُ في إعْدامِ الأنْدادِ ما اشْتَهَرَ بِهِ مِن فَضْلِهِ بَيْنَ العِبادِ، وإسْماعِيلُ وإسْحاقُ أوْلاهم بِذَلِكَ، ثُمَّ يَعْقُوبُ ﴿وإسْرائِيلَ﴾ صَفِيِّنا، وهُمُ الباقُونَ: مُوسى وهارُونُ وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ بِنْتِ داوُدَ - عَلى جَمِيعِهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ [فَكَما كانَ هَؤُلاءِ رُسُلًا وهم مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ الَّذِي هو مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ فَكَذا نَبِيُّكُمُ الَّذِي هو مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ الَّذِي هو مِن إبْراهِيمَ لِصُلْبِهِ وهو أوَّلُ أوْلادِهِ كَما كانَ إسْرائِيلُ مِن ذُرِّيَّتِهِ، فالإرْسالُ مِن ذُرِّيَّةِ مَن هو ابْنُهُ لِصُلْبِهِ أوْلى مِنَ الإرْسالِ مِن ذُرِّيَّةِ مَن بَيْنَهُ وبَيْنَهُ واسِطَةٌ، وإلّا كانَ بَنُو إسْرائِيلَ أشْرَفَ مِنكم وأبُوهم أشْرَفَ مِن أبِيكُمْ، فَلا تَرُدُّوا الكَرامَةَ، يا مَن يَتَنافَسُونَ في المُفاخَرَةِ والزَّعامَةِ -] ﴿ومِمَّنْ هَدَيْنا﴾ إلى أقْوَمِ الطُّرُقِ ﴿واجْتَبَيْنا﴾ أيْ فَعَلْنا بِهِمْ فِعْلَ مَن يَتَخَيَّرُ الشَّيْءَ ويَنْتَقِيهِ بِأنْ أسْبَغْنا عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ ما يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ؛ وعَطَفَ الأوْصافَ بِالواوِ إشارَةً إلى التَّمَكُّنِ فِيها.

(p-٢٢٢)ولَمّا ذَكَرَ ما حَباهم بِهِ، ذَكَرَ ما تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ [مُسْتَأْنِفًا -] ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ﴾ العامِّ النِّعْمَةِ، فَكَيْفَ بِهِمْ إذا أعْلاهم [جَلالٌ أوْ خَصَّتْهم رَحْمَةٌ -] مِن جَلائِلِ النِّعَمِ، مِن فَيْضِ الجُودِ والكَرَمِ، [فَسَمِعُوا خُصُوصَ هَذا القُرْآنِ -] ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ لِلْمُنْعِمِ عَلَيْهِمْ تَقَرُّبًا إلَيْهِ، لِما لَهم مِنَ البَصائِرِ المُنِيرَةِ في ذِكْرِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ وإحْسانِهِ إلَيْهِمْ ﴿وبُكِيًّا﴾ خَوْفًا مِنهُ وشَوْقًا إلَيْهِ، فَوَصَفَهم بِسُرْعَةِ الخُشُوعِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ النّاشِئِ عَنْ دَوامِ الخُضُوعِ والنّاشِئِ عَنْهُ الإسْراعُ بِالسُّجُودِ في حالَةِ البُكاءِ، وجَعَلَهُما حالَتَيْنِ بِالعَطْفِ بِالواوِ لِعَراقَةِ المُتَحَلِّي بِهِما في كُلٍّ مِنهُما عَلى انْفِرادِهِ، وعَبَّرَ بِالِاسْمِ في كُلٍّ مِنَ السُّجُودِ والبُكاءِ، إشارَةً إلى أنَّ خَوْفَهم دائِمٌ كَما أنَّ خُضُوعَهم دائِمٌ لِعَظَمَةِ الكَبِيرِ الجَلِيلِ، لِأنَّ تِلْكَ الحَضْرَةَ لا تَغِيبُ عَنْهم أصْلًا، وإنْ حَصَلَ غَيْرُ البُكاءِ فَلِلتَّأْنِيسِ لِمَن أُرْسِلُوا إلَيْهِ لِيُوصِلُوهُ إلى قَرِيبٍ مِن رُتْبَتِهِمْ بِحُسْنِ عِشْرَتِهِمْ عَلى تَفاوُتِ المَراتِبِ، وتَبايُنِ المَطالِبِ، وحَذَفَ ذِكْرَ الأذْقانِ لِدَلالَتِها (p-٢٢٣)- كَما تَقَدَّمَ في سُبْحانَ - عَلى نَوْعِ دَهْشَةٍ، فَهي - وإنْ أعْلَتْ صاحِبَها عَمَّنْ لَمْ يَبْلُغْها - حالَّةٌ دُونَ مَقامِ الرّاسِخِينَ في حَضْرَةِ الجَلالِ، لِأنَّهم - مَعَ كَوْنِهِمْ في الذِّرْوَةِ مِن مَقامِ الخَوْفِ - في أعْلى دَرَجاتِ الكَمالِ مِن حُضُورِ الفِكْرِ وانْشِراحِ الصَّدْرِ - لِتَلَقِّي وارِداتِ الحَقِّ وإلْقائِها إلى الخَلْقِ، انْظُرْ إلى ثَباتِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِعُلُوِّ مَقامِهِ عَنْ غَيْرِهِ - عِنْدَ وفاةِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أنَّهُ أوْفاهم مِنَ المَحَبَّةِ مَشْرَبًا، وأصْفاهم مَوْرِدًا، وأوْفَرُهم حُزْنًا، وأكْثَرُهم غَمًّا وهَمًّا، حَتّى أنَّهُ اعْتَراهُ لِذَلِكَ مَرَضُ السُّلِّ حَتّى ماتَ بِهِ وجْدًا وأسَفًا [ومِن هُنا تَعْلَمُ السِّرَّ في إرْسالِ النَّبِيِّ ﷺ الأنْبِجانِيَّةَ الَّتِي ألْهَتْ في الصَّلاةِ بِأعْلامِها إلى أبِي جَهْمٍ لِأنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رُبَّما كانَ مِن أهْلِ الجَمْعِ في الصَّلاةِ فَلا يَرى غَيْرَهُ سُبْحانَهُ فَناءً عَنْ كُلِّ فانٍ بِخِلافِ النَّبِيِّ فَإنَّهُ لِكَمالِهِ مُتَمَكِّنٌ في كُلٍّ مِن مَقامَيِ الجَمْعِ والفَرْقِ في كُلِّ حالَةٍ ولِهَذا يَرى مَن خَلْفَهُ في الصَّلاةِ ولا يَخْفى عَلَيْهِ خُشُوعُهم -].

19:59Page 309

۞ فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا ٥٩

But there came after them successors [i.e., later generations] who neglected prayer and pursued desires; so they are going to meet evil1 -

ولَمّا كانَ مِنَ المَقاصِدِ العَظِيمَةِ تَبْكِيتُ اليَهُودِ، لِأنَّهم أهْلُ الكِتابِ وعِنْدَهم مِن عُلُومِ الأنْبِياءِ [ما -] لَيْسَ عِنْدالعَرَبِ وقَدِ اسْتَرْشَدُوهم واسْتَنْصَحُوهُمْ، فَقَدْ كانَ أوْجَبُ الواجِباتِ عَلَيْهِمْ مَحْضَ النُّصْحِ لَهُمْ، فَأبْدى سُبْحانَهُ مِن تَبْكِيتِهِمْ ما تَقَدَّمَ إلى أنْ خَتَمَهُ بِأنَّ جَمِيعَ الأنْبِياءِ كانُوا لِلَّهِ (p-٢٢٤)سُجَّدًا ولِأمْرِهِ خُضَّعًا، عَقَّبَ ذَلِكَ بِتَوْبِيخٍ هو أعْظَمُ داخِلٍ فِيهِ وهو أشَدُّ مِمّا تَقَدَّمَ لِمَن خافَ اللَّهَ ورُسُلَهُ فَقالَ: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ في بَعْضِ الزَّمانِ الَّذِي بَعْدَ هَؤُلاءِ الأصْفِياءِ سَرِيعًا ﴿خَلْفٌ﴾ هم في غايَةِ الرَّداءَةِ ﴿أضاعُوا الصَّلاةَ﴾ النّاهِيَةَ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ الَّتِي هي طُهْرَةُ الأبْدانِ، وعِصْمَةُ الأدْيانِ، وأعْظَمُ الأعْمالِ، بِتَرْكِها أوْ تَأْخِيرِها عَنْ وقْتِها والإخْلالِ بِحُدُودِها، فَكانُوا لِما سِواها أضْيَعَ، فَأظْلَمَتْ قُلُوبُهم فَأعْرَضُوا عَنْ داعِي العَقْلِ ﴿واتَّبَعُوا﴾ أيْ بِغايَةِ جُهْدِهِمُ ﴿الشَّهَواتِ﴾ الَّتِي تُوجِبُ العارَ في الدُّنْيا والنّارَ في الآخِرَةِ، فَلا يَقْرَبُها مَن يَسْتَحِقُّ أنْ يُعَدَّ بَيْنَ الرِّجالِ، مِن تَغْيِيرِ أحْكامِ الكِتابِ وتَبْدِيلِ ما فِيهِ مِمّا تُخالِفُ الأهْواءَ كالرَّجْمِ في الزِّنا، وتَحْرِيمِ الرِّشى والرِّبا، ونَحْوِ ذَلِكَ، وأعْظَمُهُ كَتْمُ البِشارَةِ بِالنَّبِيِّ العَرَبِيِّ الَّذِي هو مِن ولَدِ إسْماعِيلَ ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ﴾ أيْ يُلابِسُونَ - وعْدًا لا خُلْفَ فِيهِ بَعْدَ طُولِ المُهْلَةِ - جَزاءَ فِعْلِهِمْ هَذا ﴿غَيًّا﴾ أيْ شَرًّا يَتَعَقَّبُ ضَلالًا عَظِيمًا، فَلا يَزالُونَ في عَمىً عَنْ طَرِيقِ الرَّشادِ لا يَسْتَطِيعُونَ إلَيْهِ سَبِيلًا، وهم عَلى بَصِيرَةٍ مِن أنَّهم عَلى خَطَإٍ وضَلالٍ، ولَكِنَّهم مَقْهُورُونَ عَلى ذَلِكَ بِما زُيِّنَ لَهم مِنهُ حَتّى صارَتْ لَهم فِيهِ أتَمُّ رَغْبَةٍ، وذَلِكَ أعْظَمُ الشَّرِّ، ولَمْ يَزَلْ سُبْحانَهُ يَسْتَدْرِجُهم بِالنِّعَمِ إلى (p-٢٢٥)أنْ قَطَعُوا بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ حَتّى أناخَتْ بِهِمْ سَطَواتُ العِزَّةِ، فَأُخِذُوا عَلى غِرَّةٍ، ولا أنْكَأ مِنَ الأخْذِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ بَعْدَ تَوْطِينِ النَّفْسِ عَلى الفَوْزِ، وهو مِن وادِي قَوْلِهِ

﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] مَعَ قَوْلِهِ ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] وجَزاءُ مَن كانَ هَذا دَيْدَنَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مَعْرُوفٌ لِكُلِّ مَن لَهُ أدْنى بَصِيرَةٍ أنَّهُ العارُ ثُمَّ النّارُ، وأيْضًا فَإنَّ مَن ضَلَّ أخْطَأ طَرِيقَ الفَلاحِ مِنَ الجَنَّةِ وغَيْرِها فَخابَ، ومَن خابَ فَقَدْ هَلَكَ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ الجِبائِيُّ: والغَيُّ هو الخَيْبَةُ في اللُّغَةِ - انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالغَيِّ الهَلاكُ، إمّا مِن قَوْلِهِمْ - أُغْوِيَّةٌ - وزْنُ أُثْفِيَّةٍ - أيْ مَهْلَكَةٌ، وإمّا مِن تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ ما يَلْزَمُهُ.

19:60Page 309

إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا ٦٠

Except those who repent, believe and do righteousness; for those will enter Paradise and will not be wronged at all.

ولَمّا أخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِالخَيْبَةِ، فَتَحَ لَهم بابَ التَّوْبَةِ، وحَداهم إلى غَسْلِ هَذِهِ الحَوْبَةِ، بِقَوْلِهِ: ﴿إلا مَن تابَ﴾ أيْ مِمّا [هُوَ -] عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ، بِإيثارِ سَفْسافِ الأعْمالِ، عَلى أوْصافِ الكَمالِ، فَحافَظَ عَلى الصَّلاةِ، وكَفَّ نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَواتِ -] ﴿وآمَنَ﴾ بِما أُخِذَ عَلَيْهِ [بِهِ -] العَهْدُ ﴿وعَمِلَ﴾ بَعْدَ إيمانِهِ تَصْدِيقًا لَهُ ﴿صالِحًا﴾ مِنَ الصَّلَواتِ والزَّكاةِ وغَيْرِها،[ولَمْ يُؤَكِّدْهُما لِما أفْهَمَتْهُ التَّوْبَةُ مِن إظْهارِ عَمَلِ الصَّلاةِ الَّتِي هي أُمُّ العِباداتِ -] ﴿فَأُولَئِكَ﴾ العالُو الهِمَمِ، الطّاهِرُو الشِّيَمِ ﴿يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ ﴿ولا يُظْلَمُونَ﴾ مِن ظالِمٍ ما (p-٢٢٦)﴿شَيْئًا﴾ مِن أعْمالِهِمْ؛

19:61Page 309

جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّهُۥ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَأۡتِيّٗا ٦١

[Therein are] gardens of perpetual residence which the Most Merciful has promised His servants in the unseen. Indeed, His promise has ever been eminent.1

ثُمَّ بَيَّنَها بِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ أيْ إقامَةٍ لا ظَعْنَ عَنْها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ الشّامِلُ النِّعَمِ ﴿عِبادَهُ﴾ الَّذِينَ هو أرْحَمُ بِهِمْ مِنَ الوالِدَةِ بِوَلَدِها؛ وعَبَّرَ عَنْهم بِوَصْفِ العُبُودِيَّةِ لِلْإشْعارِ بِالتَّحَنُّنِ، وعْدًا كائِنًا ﴿بِالغَيْبِ﴾ الَّذِي لا اطِّلاعَ لَهم عَلَيْهِ أصْلًا إلّا مِن قِبَلِنا، فَآمَنُوا بِهِ فاسْتَحَقُّوا ذَلِكَ بِفَضْلِهِ سُبْحانَهُ عَلى إيمانِهِمْ بِالغَيْبِ.

ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ الوُعُودِ الغائِبَةِ - عَلى ما يَتَعارَفُهُ النّاسُ بَيْنَهُمُ - احْتِمالُ عَدَمِ الوُقُوعِ، بَيَّنَ أنَّ وعْدَهُ لَيْسَ كَذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ﴾ أيْ كَوْنًا هو سُنَّةٌ ماضِيَةٌ ﴿وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ أيْ مَقْصُودًا بِالفِعْلِ، فَلا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا﴾ [الإسراء: ١٠٨]

19:62Page 309

لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوًا إِلَّا سَلَٰمٗاۖ وَلَهُمۡ رِزۡقُهُمۡ فِيهَا بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا ٦٢

They will not hear therein any ill speech - only [greetings of] peace - and they will have their provision therein, morning and afternoon.

ولَمّا كانَتِ الجَنَّةُ دارَ الحَقِّ، وكانَ أنْكَأ شَيْءٍ لِذَوِي الأقْدارِ الباطِلُ، وكانَ أقَلَّ ما يَنْكَأُ مِنهُ سَماعُهُ، نَفى ذَلِكَ عَنْها عَلى أبْلَغِ وجْهٍ فَقالَ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ أيْ شَيْئًا ما مِنَ الباطِلِ الَّذِي لا ثَمَرَةَ لَهُ. ولَمّا كانَتِ السَّلامَةُ ضِدَّ الباطِلِ مِن كُلِّ وجْهٍ، قالَ: ﴿إلا﴾ [أيْ لَكِنْ -] ﴿سَلامًا﴾ لا عَطَبَ مَعَهُ ولا عَيْبَ ولا نَقْصَ أصْلًا فِيهِ، وأوْرَدَ عَلى صُورَةِ الِاسْتِثْناءِ مِن بابِ قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ

(p-٢٢٧)ويَحْسُنُ أنْ يُرادَ بِاللَّغْوِ مُطْلَقُ الكَلامِ؛ قالَ في القامُوسِ: لَغا لَغْوًا: تَكَلَّمَ. أيْ لا يَسْمَعُونَ فِيها كَلامًا [إلّا -] كَلامًا يَدُلُّ عَلى السَّلامَةِ، ولا يَسْمَعُونَ شَيْئًا يَدُلُّ عَلى عَطَبِ أحَدٍ مِنهم ولا عَطَبِ شَيْءٍ فِيها.

ولَمّا كانَ الرِّزْقُ مِن أسْبابِ السَّلامَةِ قالَ: ﴿ولَهم رِزْقُهُمْ﴾ أيْ عَلى قَدْرِ ما يَتَمَنَّوْنَهُ ويَشْتَهُونَهُ عَلى وجْهٍ لا بُدَّ مِن إتْيانِهِ ولا كُلْفَةَ عَلَيْهِمْ فِيهِ ولا يُمَنُّ عَلَيْهِمْ بِهِ ﴿فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ أيْ دَوامًا، لا يَحْتاجُونَ إلى طَلَبِهِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، وفي تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّزّاقِ عَنْ مُجاهِدٍ: ولَيْسَ فِيها بُكْرَةٌ ولا عَشِيٌّ، لَكِنَّهم يُؤْتَوْنَ بِهِ عَلى ما كانُوا يَشْتَهُونَ في الدُّنْيا. أيْ أنَّهم خُوطِبُوا بِما يَعْرِفُونَ [كَما أشارَ إلَيْهِ تَأْخِيرُ الظَّرْفِ إذْ لَوْ قُدِّمَ لَأوْهَمَ بُعْدَهم عَنْ ذَلِكَ بِالجَنَّةِ -].

19:63Page 309

تِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنۡ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّٗا ٦٣

That is Paradise, which We give as inheritance to those of Our servants who were fearing of Allāh.

ولَمّا بايَنَتْ بِهَذِهِ الأوْصافِ دارَ الباطِلِ، أشارَ إلى عُلُوِّ رُتْبَتِها [وما -] هو سَبَبُها بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ﴾ بِأداةِ البُعْدِ لِعُلُوِّ قَدْرِها، وعِظَمِ أمْرِها ﴿الَّتِي نُورِثُ﴾ أيْ نُعْطِي عَطاءَ الإرْثِ الَّذِي لا نَكَدَ فِيهِ مِن حِينِ التَّأهُّلِ لَهُ بِالمَوْتِ ولا كَدَّ ولا اسْتِرْجاعَ ﴿مِن عِبادِنا﴾ الَّذِينَ أخْلَصْناهم لَنا، فَخَلُصُوا عَنِ الشِّرْكِ نِيَّةً وعَمَلًا ﴿مَن كانَ﴾ أيْ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿تَقِيًّا﴾ أيْ مُبالِغًا في التَّقْوى، فَهو في غايَةِ الخَوْفِ مِنّا لِاسْتِحْضارِهِ أنَّهُ عَبْدٌ؛ قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: وما تَقَرَّبَ أحَدٌ إلى رَبِّهِ بِشَيْءٍ أزْيَنَ عَلَيْهِ مِن مُلازَمَةِ العُبُودِيَّةِ وإظْهارِ الِافْتِقارِ، والعَبْدُ يَكُونُ ذَلِيلًا بِأوْصافِهِ، (p-٢٢٨)عَزِيزًا بِأوْصافِ الحَقِّ تَعالى - انْتَهى.

وذَلِكَ إشارَةٌ إلى سَبَبِ إيراثِها التَّقْوى.

19:64Page 309

وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمۡرِ رَبِّكَۖ لَهُۥ مَا بَيۡنَ أَيۡدِينَا وَمَا خَلۡفَنَا وَمَا بَيۡنَ ذَٰلِكَۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّٗا ٦٤

[Gabriel said],1 "And we [angels] descend not except by the order of your Lord. To Him belongs that before us and that behind us and what is in between. And never is your Lord forgetful -

ولَمّا كَرَّرَ سُبْحانَهُ الوَصْفَ بِالتُّقى في هَذِهِ السُّورَةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وخَتَمَهُ بِأنَّهُ سَبَبٌ لِلْمَقْصُودِ بِالذّاتِ، وهو الرّاحَةُ الدّائِمَةُ بِالوِراثَةِ لِدارِ الخُلْدِ عَلى وجْهِ الإقامَةِ المُسْتَمِرَّةِ، وصِفَةِ المِلْكِ الَّذِي لا كَدَرَ فِيهِ بِوَجْهٍ ولا تَخَلُّفَ عَنْ مُرادٍ، أتْبَعَهُ ما بَعْدَهُ إشارَةً إلى ما تُنالُ بِهِ التَّقْوى، وهو الوُقُوفُ مَعَ الأمْرِ مُراقَبَةً لِلْأمْرِ عَلى ﴿وبِالحَقِّ أنْـزَلْناهُ﴾ [الإسراء: ١٠٥] لِأنَّهُ لَمّا كانَ العِلْمُ واقِعًا بِأنَّ جَمِيعَ سُورَةِ الكَهْفِ شارِحَةٌ لِمَسْألَتَيْنِ مِن مَسائِلِ قُرَيْشٍ، وبَعْضَ سُورَةِ سُبْحانَ شارِحٌ لِلثّالِثَةِ، ولِطُولِ الفَصْلِ صُدِّرَتْ قِصَّةُ ذِي القَرْنَيْنِ بِقَوْلِهِ ﴿ويَسْألُونَكَ﴾ [الكهف: ٨٣] إعْلامًا بِعَطْفِها عَلى مَسْألَةِ الرُّوحِ المُصَدَّرَةِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وجاءَتْ سُورَةُ [مَرْيَمَ] كاشِفَةً - تَبْكِيتًا لِأهْلِ الكِتابِ الكاتِمِينَ لِلْحَقِّ - عَنْ أغْرَبَ مِن تِلْكَ القِصَصِ [وأقْدَمَ زَمانًا -] وأعْظَمَ شَأْنًا مِن أخْبارِ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ ومَن أسْرَعَ التَّبْدِيلَ بَعْدَهم بِإضاعَةِ الصَّلاةِ واتِّباعِ الشَّهَواتِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ هَذا كُلَّهُ مُرَتَّبٌ لِإجابَةِ سُؤالِهِمْ وأنَّهُ كَلامُ اللَّهِ قَطْعًا، إذْ لَوْ كانَ مِن عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ ما وعَدَهُمُ الإجابَةَ في الغَدِ إلّا وهو قادِرٌ عَلَيْها، لِما هو مَعْلُومٌ قَطْعًا مِن رَزانَةِ عَقْلِهِ، وغَزارَةِ فِطْنَتِهِ، ومَتانَةِ رَأْيِهِ، ولَوْ قَدِرَ عَلى ذَلِكَ ما تَرَكَهم يَتَكَلَّمُونَ في عِرْضِهِ بِما المَوْتُ أسْهَلُ مِنهُ، [لِما عُلِمَ مِنهُ -] مِنَ الشَّهامَةِ والأنَفَةِ والبُعْدِ عَمّا يُقارِبُ الشَّيْنَ، وبانَ بِذَلِكَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وعَزَّ شَأْنُهُ ما أجْمَلَ أمْرَ الرُّوحِ (p-٢٢٩)ولا أخَّرَ الإجابَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً أوْ أقَلَّ أوْ أكْثَرَ مِن عَجْزٍ ولا جَهْلٍ، وثَبَتَ بِذَلِكَ كُلِّهِ وبِما بَيَّنَ مِن صُنْعِهِ لِأهْلِ الكَهْفِ ولِذِي القَرْنَيْنِ وفي وِلادَةِ يَحْيى وعِيسى وإسْحاقَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَمامَ قُدْرَتِهِ المُسْتَلْزِمَ لِكَمالِ عِلْمِهِ، وكانَ الإخْبارُ عَنْ ذَلِكَ مُطابِقًا لِلْواقِعِ الَّذِي ثَبَتَ بَعْضُهُ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ وبَعْضُهُ بِأدِلَّةِ العَقْلِ القاطِعَةِ، ثَبَتَ مَضْمُونُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبِالحَقِّ أنْـزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَـزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥] وأنَّ هَذا الكِتابَ قَيِّمٌ لا عِوَجَ فِيهِ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ الجَوابَ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِجِبْرَئِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «لَقَدْ أبْطَأْتَ عَلَيَّ يا جِبْرَئِيلُ حَتّى سُؤْتُ ظَنًّا» ونَحْوِهِ مِمّا ذُكِرَ في أسْبابِ النُّزُولِ، فَقالَ عَلى لِسانِ جِبْرَئِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وما نَتَنَـزَّلُ﴾ أيْ أنا ولا أحَدٌ مِنَ المَلائِكَةِ بِإنْزالِ الكِتابِ ولا غَيْرِهِ ﴿إلا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ المُحْسِنِ إلَيْكَ في جَمِيعِ الأمْرِ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ لِئَلّا يَقَعَ في بَعْضِ الأوْهامِ أنَّهُ حَقٌّ في نَفْسِهِ، ولَكِنَّهُ نَزَلَ بِغَيْرِ أمْرِهِ سُبْحانَهُ، ووَقَعَ الخِطابُ مُقْتَرِنًا بِالوَصْفِ المُفْهِمِ لِمَزِيدِ الإكْرامِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِهِ ﷺ وإشارَةً إلى أنَّهُ مُحْسَنٌ إلَيْهِ، ولَفْظُ التَّنَزُّلِ مُشِيرٌ إلى الإكْرامِ، وهو التَّرَدُّدُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ووَقْتًا غِبَّ وقْتٍ، ولا يَكُونُ إلّا لِذَلِكَ لِأنَّ النُّزُولَ لِلْعَذابِ يُقْضى بِهِ الأمْرُ في مِثْلِ لَمْحِ البَصَرِ، وكانَ هَذا عَقِبَ ذِكْرِ القِيامَةِ بِذِكْرِ الجَنَّةِ كَما كانَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ عَقِبَ

﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ [الإسراء: ٧] و[كَما -] كانَ خِتامُ مَسائِلِهِمْ بِذِكْرِ الآخِرَةِ في قَوْلِهِ (p-٢٣٠)﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ﴾ [الكهف: ٩٨] - إلى آخِرِ السُّورَةِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أشَدَّ تَثْبِيتًا لِلْبَعْثِ وأعْظَمَ تَأْكِيدًا، وإنِ اسْتَطَلْتَ هَذا العَطْفَ مَعَ بُعْدِ ما بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ واسْتَعْظَمْتَهُ واسْتَنْكَرْتَهُ لِذَلِكَ واسْتَبْعَدْتَهُ فَقُلْ: لَمّا كَشَفَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَنْ هَذِهِ القِصَصِ الغَرِيبَةِ، وكانَ المُتَعَنِّتُونَ رُبَّما قالُوا: نُرِيدُ أنْ يُخْبِرَنا هَذا الَّذِي يَنْزِلُ عَلَيْكَ بِجَمِيعِ أنْباءِ الأقْدَمِينَ وأخْبارِ الماضِينَ، قالَ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ أنْ قِيلَ: ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ بِأخْبارِ هَؤُلاءِ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ، وما نَتَنَزَّلُ فِيما يَأْتِي أيْضًا إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا﴾ أيْ مِنَ المَكانِ والزَّمانِ وما فِيهِما ﴿وما خَلْفَنا﴾ مِن ذَلِكَ ﴿وما بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وهو نَحْنُ والمَكانُ والزَّمانُ اللَّذانِ نَحْنُ بِهِما وما فَوْقَهُ وتَحْتَهُ، ونَحْنُ نَعْلَمُ ذَلِكَ ونَعْمَلُ عَلى حَسَبِ ما نَعْلَمُ، فَلا نَتَصَرَّفُ في مُلْكِهِ إلّا بِأمْرِهِ ﴿وما كانَ﴾ عَلى تَقْدِيرٍ مِنَ التَّقادِيرِ ﴿رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ أيْ ذا نِسْيانٍ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَيَتْرُكُ تَفْصِيلَ أمْرِ الرُّوحِ، ويُؤَخِّرُ الجَوابَ عَنِ الوَقْتِ الَّذِي وعَدْتَهم فِيهِ لِخَفاءِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ عَلَيْهِ، ولا يَنْسى ما يُصْلِحُكَ فَيَحْتاجُ إلى مُذَكِّرٍ بِهِ، ولا يَنْسى أحَدًا مِنّا فَيَنْزِلُ في وقْتِ نِسْيانِهِ لَهُ بَلْ هو دائِمُ الِاطِّلاعِ عَلى حَرَكَتِنا وسَكَناتِنا، فَنَحْنُ لَهُ في غايَةِ المُراقَبَةِ، وهو سُبْحانَهُ يُصَرِّفُنا بِحَسَبِ الحِكْمَةِ في كُلِّ وقْتٍ تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ، لا يَكُونُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ إلّا في الوَقْتِ الَّذِي حَدَّهُ لَهُ وأرادَهُ فِيهِ، ولا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ وإنْ دَقَّ عَنْ مُرادِهِ. ويَجُوزُ أنْ يُقالَ في التَّعْبِيرِ بِصِيغَةِ فَعِيلٍ [أنَّهُ لا يَتَمَكَّنُ العَبْدُ مِنَ الغَيْبَةِ (p-٢٣١)عَنِ السَّيِّدِ بِغَيْرِ إذْنِهِ إلّا إنْ كانَ بِحَيْثُ يُمْكِنُ أنْ يَغْفُلَ وأنْ تَطُولَ غَفْلَتُهُ وتَعْظُمَ لِكَوْنِهِ مَجْبُولًا عَلَيْها، أوْ أنَّهُ -] لَمّا اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ في أمْرِ الأسْئِلَةِ الَّتِي سَألُوا عَنْها مِنَ الرُّوحِ وما مَعَها خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً أوْ أكْثَرَ أوْ أقَلَّ - عَلى اخْتِلافِ الرِّواياتِ، فَكانَ ذَلِكَ مُوهِمًا لِلْأغْبِياءِ أنَّهُ نِسْيانٌ، وكانَ مِثْلُ ذَلِكَ لا يَفْعَلُهُ إلّا كَثِيرُ النِّسْيانِ، نَفى هَذا الوَهْمَ بِما اقْتَضاهُ مِنَ الصِّيغَةِ ونَفى قَلِيلَ ذَلِكَ وكَثِيرَهُ في السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَها ضَمًّا لِدَلِيلِ العَقْلِ بِقَوْلِهِ

﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] لِما اقْتَضاهُ السِّياقُ، فَأتى في كُلِّ أُسْلُوبٍ بِما يُناسِبُهُ مَعَ الوَفاءِ بِما يَجِبُ مِن حَقِّ الِاعْتِقادِ، وهَذِهِ الآيَةُ مَعَ ﴿وبِالحَقِّ أنْـزَلْناهُ﴾ [الإسراء: ١٠٥] و﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ﴾ [الإسراء: ٨٨] مِثْلُ ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ [هود: ١٣] - الآيَتَيْنِ في [سُورَةِ هُودٍ] عَلَيْهِ السَّلامُ، عَلى ما قَدَّمْتُ في بَيانِهِ غَيْرَ أنَّ ما جُمِعَ هُناكَ فُصِّلَ هُنا في أوَّلِ الجَوابِ عَلى أسْئِلَتِهِمْ بِآيَةِ ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ﴾ [الإسراء: ٨٨] وأثْنائِهِ بِآيَةِ ﴿وبِالحَقِّ أنْـزَلْناهُ﴾ [الإسراء: ١٠٥] وآخِرِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِتَكُونَ الآياتُ رابِطَةً عَلى هَذِهِ الأجْوِبَةِ وتَوابِعِها وضابِطَةً لَها كالشُّهُبِ والحَرَسِ الشَّدِيدِ بِالنِّسْبَةِ إلى السَّماءِ، فَلا يَبْغِيها مُتَعَنِّتٌ مِن جِهَةٍ مِن جِهاتِها كَيْدًا إلّا رُدَّ خاسِئًا، ولا يَرْمِيها بِقادِحٍ إلّا كانَ رَمْيُهُ خاطِئًا.

19:65Page 310

رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا فَٱعۡبُدۡهُ وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَٰدَتِهِۦۚ هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُۥ سَمِيّٗا ٦٥

Lord of the heavens and the earth and whatever is between them - so worship Him and have patience for His worship. Do you know of any similarity to Him?"

ولَمّا وُصِفَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِنُفُوذِ الأمْرِ واتِّساعِ العِلْمِ عَلى وجْهٍ ثَبَتَ (p-٢٣٢)بِهِ ما أخْبَرَ بِهِ عَنِ الجَنَّةِ، فَثَبَتَ أمْرُ البَعْثِ، أتْبَعَ ذَلِكَ ما يُقَرِّرُهُ عَلى وجْهٍ أصْرَحَ مِنهُ وأعَمَّ فَقالَ مُبْدِلًا مِن ”رَبُّكَ“: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ اللَّتَيْنِ نَحْنُ مِن جُمْلَةِ ما فِيهِما مِن عِبادِهِ ﴿وما بَيْنَهُما﴾ مِنّا ومِن غَيْرِنا مِنَ الأحْياءِ وغَيْرِها ﴿فاعْبُدْهُ﴾ بِالمُراقَبَةِ الدّائِمَةِ عَلى ما يَنْبَغِي لَهُ مِن مِثْلِكَ ﴿واصْطَبِرْ﴾ أيِ اصْبِرْ [صَبْرًا عَظِيمًا-] بِغايَةِ جُهْدِكَ عَلى كُلِّ ما يَنْبَغِي الِاصْطِبارُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ ﴿لِعِبادَتِهِ﴾ [أيْ لِأجْلِها فَإنَّها لا تَكُونُ إلّا عَنْ مُجاهَدَةٍ شَدِيدَةٍ: ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ -] بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أيْ مُتَّصِفًا بِوَصْفٍ مِن أوْصافِهِ اتِّصافًا حَقِيقِيًّا، أوْ مُسَمّىً بِاسْمِهِ، العَلَمِ الواقِعِ مَوْقِعًا لِأنَّهُ لا مُماثِلَ لَهُ حَتّى ولا في مُجَرَّدِ الِاسْمِ، وإيرادُهُ بِصُورَةِ الِاسْتِفْهامِ كالدَّعْوى بِدَلِيلِها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском