Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:6–20
19:6Page 305
يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنۡ ءَالِ يَعۡقُوبَۖ وَٱجۡعَلۡهُ رَبِّ رَضِيّٗا ٦
Who will inherit me1 and inherit from the family of Jacob. And make him, my Lord, pleasing [to You]."
﴿يَرِثُنِي﴾ في جَمِيعِ ما أنا فِيهِ مِنَ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ والعَمَلِ ﴿ويَرِثُ﴾ زِيادَةً عَلى ذَلِكَ ﴿مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ جَدِّنا مِمّا خَصَصْتَهم بِهِ مِنَ المِنَحِ، وفَضَّلْتَهم بِهِ مِنَ النِّعَمِ، مِن مَحاسِنِ الأخْلاقِ ومَعالِي الشِّيَمِ، وخَصَّ اسْمَ يَعْقُوبَ اقْتِداءً بِهِ نَفْسِهِ إذْ قالَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٦] ولِأنَّ إسْرائِيلَ صارَ عَلَمًا عَلى الأسْباطِ كُلِّهِمْ، (p-١٧٠)وكانَتْ قَدْ غَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الأحْداثُ؛ وقَدِ اسْتَشْكَلَ القاضِي العَضُدُ في ”الفَوائِدِ الغِياثِيَّةِ“ كَوْنَ ”يَرِثُ“ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ صِفَةً بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ عَدَمُ إجابَةِ دُعائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ قُتِلَ في حَياتِهِ، ولا يَكُونُ وارِثًا إلّا إذا تَخَلَّفَ بَعْدَهُ، وقَدْ قالَ تَعالى ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى﴾ [الأنبياء: ٩٠] قالَ: فَتُجْعَلُ اسْتِئْنافِيَّةً، ولا يَلْزَمُ حِينَئِذٍ إلّا خُلْفُ ظَنِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ - هَكَذا نُقِلَ لِي عَنْهُ، وأنا أُجِلُّهُ عَنْ ذَلِكَ، لِأنَّهُ [لا -] يَلْزَمُ تَخَلُّفُ دُعائِهِ ولا يَتَجَرَّأُ عَلى عَلِيِّ مَقامِهِ بِإخْلافِ ظَنِّهِ، لِأنَّ الإخْبارَ عَنْ قَتْلِهِ قَبْلَهُ إنْ كانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وصَحَّ السَّنَدُ، كانَ [تَسْمِيَةُ -] العِلْمِ الَّذِي أخَذَهُ عَنْهُ في حَياتِهِ إرْثًا مَجازًا مُرْسَلًا بِاعْتِبارِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ في الجُمْلَةِ، لا سِيَّما مَعَ جَوازِ أنْ يَكُونَ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَّمَهُ لِمَن عاشَ بَعْدَ أبِيهِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمّى العِلْمَ إرْثًا عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «العُلَماءُ ورَثَةُ الأنْبِياءِ» ولا شَكَّ أنَّ مِن ضَرُورَةِ تَعَلُّمِ العِلْمِ حَياةَ المَأْخُوذِ عَنْهُ، ولَمْ يَرِدْ مَنعٌ مِن تَسْمِيَتِهِ إرْثًا حالَ الأخْذِ، هَذا إذا صَحَّ (p-١٧١)أنَّ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ ماتَ قَبْلَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ، وحِينَئِذٍ يُؤَوَّلُ ﴿مِن ورائِي﴾ [مريم: ٥] بِما غابَ عَنْهُ، أيْ عَجَزْتُ عَنْ تَتَبُّعِ أفْعالِ المَوالِي بِنَفْسِي في حالِ الكِبَرِ، وخِفْتُ سُوءَ فِعْلِهِمْ إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِي وغابُوا عَنِّي، فَهَبْ لِي ولَدًا يَكُونُ مُتَّصِفًا بِصِفاتِي، فَكانَ ما سَألَهُ، وإنْ لَمْ يَصِحَّ مَوْتُهُ قَبْلَهُ بِالطَّرِيقِ المَذْكُورِ لَمْ يَصِحَّ أصْلًا، ويَنْتَفِي الِاعْتِراضُ رَأْسًا، فَإنَّ التَّوارِيخَ القَدِيمَةَ إنَّما هي عَنِ اليَهُودِ فَهي لا شَيْءَ، مَعَ أنَّ البَغْوِيَّ نَقَلَ في أوَّلِ [تَفْسِيرِ -] سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ ما يَقْتَضِي مَوْتَ زَكَرِيّا قَبْلَ يَحْيى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّهُ قالَ: آخِرُ مَن بَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ مِن أنْبِيائِهِمْ زَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانُوا مِن بَيْتِ آلِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَماتَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: قُتِلَ، فَلَمّا رَفَعَ اللَّهُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ وقَتَلُوا يَحْيى ابْتَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَلِكًا مِن مُلُوكِ بابِلَ يُقالُ لَهُ خُرْدُوشُ فَسارَ إلَيْهِمْ بِأهْلِ بابِلَ حَتّى دَخَلَ عَلَيْهِمُ الشّامَ، فَلَمّا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ أمَرَ رَأْسًا مِن رُؤُوسِ جُنُودِهِ يُدْعى بَيُوزَرْدانَ صاحِبَ الفِيلِ فَقالَ: إنِّي كُنْتُ قَدْ حَلَفْتُ بِإلَهِي: لَئِنْ أنا ظَهَرْتُ (p-١٧٢)عَلى أهْلِ بَيْتِ المَقْدِسِ لَأُقَتِّلَنَّهم حَتّى تَسِيلَ دِماؤُهم في وسَطِ عَسْكَرِي إلّا أنْ لا أجِدَ أحَدًا أقْتُلُهُ، فَأمَرَهُ أنْ يَقْتُلَهم حَتّى يَبْلُغَ ذَلِكَ مِنهُمْ، وأنَّ بَيُوزَرْدانَ دَخَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ فَقامَ في البُقْعَةِ الَّتِي كانُوا يُقَرِّبُونَ فِيها قُرْبانَهُمْ، فَوَجَدَ فِيها دَمًا يَغْلِي فَقالَ: يا بَنِي إسْرائِيلَ! ما شَأْنُ هَذا الدَّمِ [يَغْلِي -]؟ قالُوا: هَذا دَمُ قُرْبانٍ لَنا قَرَّبْناهُ فَلَمْ يُقْبَلْ مِنّا، فَقالَ: ما صَدَقْتُمُونِي، قالُوا: لَوْ كانَ كَأوَّلِ زَمانِنا لَتُقُبِّلَ مِنّا، ولَكِنْ قَدِ انْقَطَعَ مِنّا المُلْكُ والوَحْيُ فَلِذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ مِنّا، فَذَبَحَ مِنهم بَيُوزَرْدانُ عَلى ذَلِكَ الدَّمِ سَبْعَمِائَةٍ وسَبْعِينَ رَجُلًا مِن رُؤُوسِهِمْ فَلَمْ يَهْدَأْ، فَأتى بِسَبْعِمِائَةِ غُلامٍ مِن غِلْمانِهِمْ فَذَبَحَهم عَلى الدَّمِ فَلَمْ يَهْدَأْ، فَأمَرَ بِسَبْعَةِ آلافٍ مِن شِيبِهِمْ وأزْواجِهِمْ فَذَبَحَهم عَلى الدَّمِ فَلَمْ يَبْرُدْ، فَلَمّا رَأى بَيُوزَرْدانُ أنَّ الدَّمَ لا يَهْدَأُ قالَ لَهُمْ: يا بَنِي إسْرائِيلَ! ويْلَكُمُ! اصْدُقُونِي واصْبِرُوا عَلى أمْرِ رَبِّكُمْ، فَقَدْ طالَ ما مَلَكْتُمُ الأرْضَ تَفْعَلُونَ فِيها ما شِئْتُمْ قَبْلَ أنْ لا أتْرُكَ مِنكم نافِخَ نارِ أُنْثى ولا ذَكَرٍ إلّا قَتَلْتُهُ، فَلَمّا رَأوُا الجِدَّ وشِدَّةَ القَتْلِ [صَدَقُوا الخَبَرَ -] فَقالُوا: إنَّ هَذا دَمُ نَبِيٍّ كانَ يَنْهانا عَنْ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ مِن سُخْطِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَلَوْ أطَعْناهُ فِيها لَكانَ أرْشَدَ لَنا (p-١٧٣)وكانَ يُخْبِرُنا بِأمْرِكم فَلَمْ نُصَدِّقْهُ فَقَتَلْناهُ فَهَذا دَمُهُ، فَقالَ لَهم بَيُوزَرْدانُ: ما كانَ اسْمُهُ؟ قالُوا: يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا، قالَ: الآنَ صَدَقْتُمُونِي، بِمِثْلِ هَذا يَنْتَقِمُ مِنكم رَبُّكُمْ، فَلَمّا رَأى بَيُوزَرْدانُ أنَّهم صَدَقُوهُ خَرَّ ساجِدًا وقالَ لِمَن حَوْلَهُ: أغْلِقُوا أبْوابَ المَدِينَةِ وأخْرِجُوا مَن كانَ هَهُنا مِن جَيْشِ خُرْدُوشَ، وخَلا في بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ قالَ: يا يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا! قَدْ عَلِمَ رَبِّي ورَبُّكَ ما قَدْ أصابَ قَوْمَكَ مِن أجْلِكَ وما قُتِلَ مِنهم فاهْدَأْ بِإذْنِ اللَّهِ قَبْلَ أنْ لا أُبْقِي مِن قَوْمِكَ أحَدًا، فَهَدَأ الدَّمُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، ورَفَعَ بَيُوزَرْدانُ عَنْهُمُ القَتْلَ وقالَ: آمَنتُ بِالَّذِي آمَنَ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأيْقَنْتُ أنَّهُ لا رَبَّ غَيْرُهُ، وقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ خُرْدُوشَ أمَرَنِي أنْ أقْتُلَ مِنكم حَتّى تَسِيلَ دِماؤُكم وسَطَ عَسْكَرِهِ، وإنِّي لَسْتُ أسْتَطِيعُ أنْ أعْصِيَهُ، قالُوا لَهُ: افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ، فَأمَرَهم فَحَفَرُوا خَنْدَقًا وأمَرَ بِأمْوالِهِمْ مِنَ الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ والإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ، فَذَبَحَها حَتّى سالَ الدَّمُ في العَسْكَرِ، وأمَرَ بِالقَتْلى الَّذِينَ قُتِلُوا قَبْلَ ذَلِكَ فَطُرِحُوا عَلى ما قَتَلَ مِن مَواشِيهِمْ، فَلَمْ يَظُنَّ خُرْدُوشُ إلّا أنَّ ما في الخَنْدَقِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَلَمّا بَلَغَ الدَّمُ عَسْكَرَهُ أرْسَلَ إلى بَيُوزَرْدانَ أنِ ارْفَعْ عَنْهُمُ القَتْلَ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلى بابِلَ وقَدْ أفْنى بَنِي إسْرائِيلَ أوْ كادَ. (p-١٧٤)فَهَذا كَما تَرى ظاهِرٌ في أنَّ يَحْيى تَخَلَّفَ بَعْدَ أبِيهِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وكَذا ما تَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ عَنِ الإنْجِيلِ في قِصَّةِ وِلادَتِهِ.
ولَمّا خَتَمَ دُعاءَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْهُ رَبِّ﴾ [أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ -] ﴿رَضِيًّا﴾ أيْ بِعَيْنِ الرِّضا مِنكَ دائِمًا حَتّى يَلْقاكَ عَلى ذَلِكَ، قِيلَ في جَوابِ مِن كَأنَّهُ قالَ: ماذا قالَ لَهُ رَبُّهُ الَّذِي أحْسَنَ الظَّنَّ بِهِ؟:
19:7Page 305
يَٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ ٱسۡمُهُۥ يَحۡيَىٰ لَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ مِن قَبۡلُ سَمِيّٗا ٧
[He was told],1 "O Zechariah, indeed We give you good tidings of a boy whose name will be John. We have not assigned to any before [this] name."
﴿يا زَكَرِيّا إنّا﴾ أيْ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿نُبَشِّرُكَ﴾ إجابَةً لِدُعائِكَ؛ وقِراءَةُ الجَماعَةِ غَيْرِ حَمْزَةَ بِالتَّشْدِيدِ أوْفَقُ مِن قِراءَةِ حَمْزَةَ لِلتَّأْكِيدِ الَّذِي جِيءَ بِهِ، لِأنَّ المُبَشَّرَ بِهِ لِغَرابَتِهِ جَدِيرٌ بِالإنْكارِ ﴿بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ ثُمَّ وصَفَهُ بِما عُرِفَ بِهِ أنَّ مِمّا شَرَّفَهُ بِهِ أنِ ادَّخَرَ لَهُ هَذا الِاسْمَ فَقالَ: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ﴾ فِيما مَضى، ولَعَلَّهُ أتى بِالجارِّ الدّالِّ عَلى التَّبْعِيضِ تَخْصِيصًا لِزَمانِ بَنِي إسْرائِيلَ قَوْمِهِ [فَقالَ -]: ﴿مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما قالَ في جَوابِ هَذِهِ البِشارَةِ العُظْمى؟ فَقِيلَ:
19:8Page 305
قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا وَقَدۡ بَلَغۡتُ مِنَ ٱلۡكِبَرِ عِتِيّٗا ٨
He said, "My Lord, how will I have a boy when my wife has been barren and I have reached extreme old age?"
﴿قالَ﴾ عالِمًا بِصِدْقِها طالِبًا لِتَأْكِيدِها، والتَّلْذِيذِ بِتَرْدِيدِها، وهَلْ ذَلِكَ مِنَ امْرَأتِهِ أوْ غَيْرِها؟ وهَلْ إذا كانَ مِنها يَكُونانِ عَلى حالَتِهِما مِنَ الكِبَرِ أوْ غَيْرِها غَيْرَ طائِشٍ ولا عَجِلٍ ﴿رَبِّ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيَّ بِإجابَةِ دُعائِي دائِمًا ﴿أنّى﴾ أيْ (p-١٧٥)مِن أيْنَ وكَيْفَ وعَلى أيِّ حالٍ ﴿يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ يُولَدُ لِي عَلى غايَةِ القُوَّةِ والنَّشاطِ والكَمالِ في الذُّكُورَةِ ﴿وكانَتِ﴾ [أيْ -] والحالُ أنَّهُ كانَتِ ﴿امْرَأتِي﴾ إذْ كانَتْ شابَّةً ﴿عاقِرًا﴾ غَيْرَ قابِلَةٍ لِلْوَلَدِ عادَةً وأنا وهي شابّانِ فَلَمْ يَأْتِنا ولَدٌ لِاخْتِلالِ أحَدِ السَّبَبَيْنِ فَكَيْفَ بِها وقَدْ أسَنَّتْ! ﴿وقَدْ بَلَغْتُ﴾ أنا ﴿مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ أيْ أمْرًا [فِي اليُبْسِ -] مُجاوِزًا لِلْحَدِّ هو غايَةٌ في الكِبَرِ ما بَعْدَها غايَةٌ، وقَدْ حَصَلَ مِن ذَلِكَ مِنَ الضَّعْفِ ويُبْسِ الأعْضاءِ وقَحْلِها ما يَمْنَعُ في العادَةِ مِن حُصُولِ الوَلَدِ مُطْلَقًا لِاخْتِلالِ السَّبَبَيْنِ مَعًا فَضْلًا عَنْ أنْ يَصْلُحَ لِأنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِغُلامٍ؛ قالَ [ البَغْوِيُّ -] في [آلِ عِمْرانَ ]: وقالَ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَ ابْنَ عِشْرِينَ ومِائَةِ سَنَةٍ، وكانَتِ امْرَأتُهُ بِنْتَ ثَمانٍ وتِسْعِينَ سَنَةً؛ وقالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: إنَّ هَذا عَلى الِاسْتِخْبارِ أيُعْطِيهِ اللَّهُ الوَلَدَ بِتِلْكَ الحالِ أمْ يَقْلِبُهُ شابًّا؟ ولِلَّهِ تَعالى في كُلِّ صُنْعٍ تَدْبِيرانِ: أحَدُهُما المَعْرُوفُ الَّذِي يَسْلُكُهُ النّاسُ مِن (p-١٧٦)تَوْجِيهِ الأسْبابِ إلى المُسَبَّباتِ، والآخَرُ يَتَعَلَّقُ بِالقُدْرَةِ المَحْضَةِ، ولا يَعْرِفُهُ إلّا أهْلُ الِاسْتِبْصارِ - انْتَهى.
19:9Page 305
قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞ وَقَدۡ خَلَقۡتُكَ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ تَكُ شَيۡـٔٗا ٩
[An angel] said, "Thus [it will be]; your Lord says, 'It is easy for Me, for I created you before, while you were nothing.'"
﴿قالَ كَذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ؛ ثُمَّ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبُّكَ﴾ [أيِ -] الَّذِي عَوَّدَكَ بِالإحْسانِ، [وذَكَرَ مَقُولَ القَوْلِ فَقالَ -]: ﴿هُوَ﴾ أيْ خَلْقُ يَحْيى مِنكُما عَلى هَذِهِ الحالَةِ ﴿عَلَيَّ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿هَيِّنٌ﴾ لا فَرْقَ عِنْدِي بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ﴾ أيْ قَدَّرْتُكَ وصَوَّرْتُكَ [وأوْجَدْتُكَ -].
ولَمّا كانَ القَصْدُ تَشْبِيهَ حالِهِ بِالإتْيانِ مِنهُ بِوَلَدٍ عَلى ضَعْفِ السَّبَبِ بِتَقْدِيرِهِ مِنَ النُّطْفَةِ عَلى ضَعْفِ سَبَبِيَّتِها [لِكَوْنِها -] تارَةً تُثْمِرُ وتارَةً لا، وهو الأغْلَبُ، أتى بِالجارِّ إشارَةً إلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ [أيْ قَبْلَ -] هَذا الزَّمانِ ﴿ولَمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّكَ لَمْ. ولَمّا كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ شَدِيدَ التَّشَوُّفِ لِما يُلْقى عَلَيْهِ مِنَ المَعْنى في هَذِهِ البُشْرى، أوْجَزَ لَهُ حَتّى بِحَذْفِ النُّونِ [ولِيُثْبِتَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِن ذاتِهِ إلّا العَدَمُ المَحْضُ، ويَنْفِيَ أنْ يَكُونَ لَهُ مِن ذاتِهِ وُجُودٌ ولَوْ عَلى أقَلِّ دَرَجاتِ الكَوْنِ لِاقْتِضاءِ حالِهِ في هَذا التَّعَجُّبِ لِتَذْكِيرِهِ في ذَلِكَ فَقالَ -]: ﴿تَكُ شَيْئًا﴾ (p-١٧٧)أيْ [يُعْتَدُّ بِهِ -]، ثُمَّ أبْرَزْتُكَ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ حِينَ أرَدْتُ، فَتَحَقَّقَ بِهَذا أنَّهُ مِنَ امْرَأتِهِ هَذِهِ العاقِرِ في حالِ كَوْنِهِما شَيْخَيْنِ،
19:10Page 305
قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَ لَيَالٖ سَوِيّٗا ١٠
[Zechariah] said, "My Lord, make for me a sign." He said, "Your sign is that you will not speak to the people for three nights, [being] sound."1
ثُمَّ قِيلَ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ما قالَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ؟: ﴿قالَ رَبِّ﴾ أيْ [أيُّها -] المُحْسِنُ إلَيَّ بِالتَّقْرِيبِ! ﴿اجْعَلْ لِي﴾ عَلى ذَلِكَ ﴿آيَةً﴾ أيْ عَلامَةً تَدُلُّنِي عَلى وُقُوعِهِ ﴿قالَ﴾ أيِ اللَّهُ: ﴿آيَتُكَ﴾ عَلى وُقُوعِ ذَلِكَ ﴿ألا تُكَلِّمَ النّاسَ﴾ أيْ لا تَقْدِرَ عَلى كَلامِهِمْ.
ولَمّا بُدِئَتِ السُّورَةُ بِالرَّحْمَةِ، وكانَ اللَّيْلُ مَحَلَّ تَنَزُّلِها «يَنْزِلُ رَبُّنا كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا فَيَقُولُ» - الحَدِيثُ، قالَ: ﴿ثَلاثَ لَيالٍ﴾ [أيْ بِأيّامِها - كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِالأيّامِ في آلِ عِمْرانَ -] حالَ كَوْنِكَ ﴿سَوِيًّا﴾ مِن غَيْرِ خَرَسٍ ولا مَرَضٍ ولا حُبْسَةٍ عَنْ مُطْلَقِ الكَلامِ، بَلْ تُناجِي رَبَّكَ فِيها بِتَسْبِيحِهِ وتَحْمِيدِهِ وتِلاوَةِ كِتابِهِ وكُلِّ ما أرَدْتَ مِن مِثْلِ ذَلِكَ وكَذا مَن عَدا النّاسِ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ مِن صالِحِ عِبادِ اللَّهِ، وجُعِلَتِ الآيَةُ الدّالَّةُ عَلَيْهِ سُكُوتًا عَنْ غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ دَلالَةً عَلى إخْلاصِهِ وانْقِطاعِهِ بِكُلِّيَّتِهِ إلى اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ
19:11Page 305
فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنَ ٱلۡمِحۡرَابِ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ أَن سَبِّحُواْ بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا ١١
So he came out to his people from the prayer chamber and signaled to them to exalt [Allāh] in the morning and afternoon.
﴿فَخَرَجَ﴾ عَقِبَ إعْلامِ اللَّهِ لَهُ بِهَذا ﴿عَلى قَوْمِهِ﴾ [أيْ عالِيًا عَلى العِلْيَةِ مِنهم -] ﴿مِنَ المِحْرابِ﴾ الَّذِي كانَ فِيهِ وهو صَدْرُ الهَيْكَلِ وأشْرَفُ ما فِيهِ، وهو مُنْطَلِقُ اللِّسانِ بِذِكْرِ اللَّهِ مُنْحَبِسُهُ (p-١٧٨)عَنْ كَلامِ النّاسِ ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ أيْ أشارَ بِشَفَتَيْهِ مِن غَيْرِ نُطْقٍ: قالَ الإمامُ أبُو الحَسَنِ الرُّمّانِيُّ في [آلِ عِمْرانَ ]: والرَّمْزُ: الإيماءُ بِالشَّفَتَيْنِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الإيماءِ بِالحاجِبَيْنِ والعَيْنَيْنِ واليَدَيْنِ، والأوَّلُ أغْلَبُ؛ قالَ: وأصْلُهُ الحَرَكَةُ. وسَبَقَهُ إلى ذَلِكَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فَقالَ: وأمّا الرَّمْزُ فَإنَّ الأغْلَبَ مِن مَعانِيهِ عِنْدَ العَرَبِ الإيماءُ بِالشَّفَتَيْنِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الإيماءِ بِالحاجِبَيْنِ والعَيْنَيْنِ أحْيانًا، وذَلِكَ غَيْرُ كَثِيرٍ فِيهِمْ، وقَدْ يُقالُ لِلْخَفِيِّ مِنَ الكَلامِ الَّذِي مِثْلُ الهَمْسِ بِخَفْضِ الصَّوْتِ [الرَّمْزُ -]. ثُمَّ نَقَلَ أنَّ المُرادَ بِهِ هُنا تَحَرُّكُ الشَّفَتَيْنِ عَنْ مُجاهِدٍ - انْتَهى. وهو ظاهِرٌ أيْضًا في الوَحْيِ لِأنَّهُ مُطْلَقُ الإشارَةِ والكِنايَةِ والكَلامِ الخَفِيِّ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ وحْيُهُ بِكُلٍّ مِنهُما، لا يَقْدِرُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ في مُخاطَبَتِهِ لِلنّاسِ، فَإذا تَوَجَّهَ إلى مُناجاةِ رَبِّهِ سُبْحانَهُ انْطَلَقَ أحْسَنَ انْطِلاقٍ ﴿أنْ سَبِّحُوا﴾ أيْ أوْجِدُوا التَّنْزِيهَ والتَّقْدِيسَ لِلَّهِ تَعالى بِالصَّلاةِ وغَيْرِها ﴿بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ فَحَمَلَتِ امْرَأتُهُ كَما قُلْنا فَوَلَدَتْ ولَدًا فَسَمّاهُ يَحْيى كَما بَشَّرْناهُ بِهِ فَكَبِرَ حَتّى مَيَّزَ فَقُلْنا:
19:12Page 306
يَٰيَحۡيَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحُكۡمَ صَبِيّٗا ١٢
[Allāh said], "O John, take the Scripture [i.e., adhere to it] with determination." And We gave him judgement [while yet] a boy
﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ﴾ أيِ التَّوْراةَ ﴿بِقُوَّةٍ﴾
ولَمّا كانَتِ النُّبُوَّةُ لا يُسْتَضْلَعُ بِأمْرِها ويُقْوى عَلى حَمْلِها إلّا عِنْدَ اسْتِحْكامِ العَقْلِ بِبُلُوغِ الأشُدِّ. وكانَ التَّطْوِيقُ عَلى أمْرِها قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ العَظَمَةِ بِمَكانٍ، دَلَّ عَلَيْهِ النُّونُ في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ﴾ بِما لَنا مِنَ (p-١٧٩)العَظَمَةِ ﴿الحُكْمَ﴾ أيِ النُّبُوَّةَ [والفَهْمَ لِلتَّوْراةِ ] ﴿صَبِيًّا﴾ لِغَلَبَةِ الرُّوحِ عَلَيْهِ، وهَذِهِ الخارِقَةُ لَمْ تَقْتَضِ الحِكْمَةُ أنْ تَكُونَ لِنَبِيِّنا ﷺ لِأنَّ قَوْمَهُ لا عَهْدَ لَهم بِالنُّبُوَّةِ، فَكانُوا إذا كَذَّبُوا لا يَكُونُ لَهم مِن أنْفُسِهِمْ ما يَلْزَمُهم مِنَ التَّناقُضِ، فَعُوِّضَ أعْظَمَ مِن ذَلِكَ بِغَرائِزِ الصِّدْقِ الَّتِي أوْجَبَتْ لَهُ تَسْمِيَتَهُ بِالأمِينِ لِيَكُونُوا بِذَلِكَ مُكَذِّبِينَ لِأنْفُسِهِمْ في تَكْذِيبِهِمْ لَهُ. وبِمَزِيدِ إبْقاءِ مُعْجِزَتِهِ القُرْآنِيَّةِ بَعْدَهُ تَدْعُو النّاسَ إلى دِينِهِ [دُعاءً لا مَرَدَّ لَهُ -]
19:13Page 306
وَحَنَانٗا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةٗۖ وَكَانَ تَقِيّٗا ١٣
And affection from Us and purity, and he was fearing of Allāh
”و“ آتَيْناهُ ”حنانًا“ أيْ رَحْمَةً وهَيْبَةً ووَقارًا ورِقَّةَ قَلْبٍ ورِزْقًا وبَرَكَةً ﴿مِن لَدُنّا﴾ مِن مُسْتَقْرَبِ المُسْتَغْرَبِ مِن عَظَمَتِنا بِلا واسِطَةِ تَعْلِيمٍ ولا تَجْرِبَةٍ ﴿وزَكاةً﴾ أيْ طَهارَةً في نِيَّتِهِ تَفِيضُ عَلى أفْعالِهِ وأقْوالِهِ ﴿وكانَ﴾ أيْ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿تَقِيًّا﴾ خَوّافًا لِلَّهِ تَعالى
19:14Page 306
وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَيۡهِ وَلَمۡ يَكُن جَبَّارًا عَصِيّٗا ١٤
And dutiful to his parents, and he was not a disobedient tyrant.
﴿وبَرًّا﴾ أيْ واسِعَ الأخْلاقِ مُحْسِنًا ﴿بِوالِدَيْهِ ولَمْ يَكُنْ﴾ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿جَبّارًا﴾ عَلَيْهِما ولا عَلى غَيْرِهِما؛ ثُمَّ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَصِيًّا﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ يَفْعَلُ فِعْلَ الجَبّارِينَ مِنَ الغِلْظَةِ والقَتْلِ والبَطْشِ بِمَن يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ كَما قالَ تَعالى لِخاتَمِ النَّبِيِّينَ ﷺ ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] فَكانَ مُطِيعًا لِلَّهِ قائِمًا بِحُقُوقِهِ وحُقُوقِ عِبادِهِ عَلى ما يَنْبَغِي، فَهَنِيئًا لَهُ ما أعْطاهُ مِن (p-١٨٠)هَذِهِ الخِلالِ القاضِيَةِ بِالكَمالِ، والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ يُفْهِمُ أنَّ المَنفِيَّ الجَبْلُ عَلَيْها، وما دُونَها يُذْهِبُهُ اللَّهُ بِغَسْلِ القَلْبِ أوْ غَيْرِهِ
19:15Page 306
وَسَلَٰمٌ عَلَيۡهِ يَوۡمَ وُلِدَ وَيَوۡمَ يَمُوتُ وَيَوۡمَ يُبۡعَثُ حَيّٗا ١٥
And peace be upon him the day he was born and the day he dies and the day he is raised alive.
﴿وسَلامٌ﴾ [أيْ -] أيُّ سَلامٍ ﴿عَلَيْهِ﴾ مِنّا ﴿يَوْمَ وُلِدَ﴾ مِن كُلِّ سُوءٍ يَلْحَقُ بِالوِلادَةِ وما بَعْدَها في شَيْءٍ مِن أمْرِ الدِّينِ ﴿ويَوْمَ يَمُوتُ﴾ مِن كَرْبِ المَوْتِ وما بَعْدَهُ، ولَعَلَّهُ نَكَّرَ السَّلامَ لِأنَّهُ قُتِلَ فَما سَلِمَ بَدَنُهُ بِخِلافِ ما يَأْتِي في عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ويَوْمَ يُبْعَثُ﴾ مِن كُلِّ ما يُخافُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿حَيًّا﴾ حَياةً هي الحَياةُ لِلِانْتِفاعِ بِها، إجابَةً لِدَعْوَةِ أبِيهِ في أنْ يَكُونَ رَضِيًّا، وخَصَّ هَذِهِ الأوْقاتَ لِأنَّ مَن سَلِمَ فِيها سَلِمَ في غَيْرِها لِأنَّها أصْعَبُ مِنهُ؛ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كُلُّ بَنِي آدَمَ يَلْقى [اللَّهَ -] يَوْمَ القِيامَةِ بِذَنْبٍ وقَدْ يُعَذِّبُهُ عَلَيْهِ إنْ شاءَ أوْ يَرْحَمُهُ إلّا يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَّلامُ فَإنَّهُ كانَ سَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ، وأهْوى النَّبِيُّ ﷺ إلى قَذاةٍ مِنَ الأرْضِ فَأخَذَها وقالَ: ذَكَرُهُ مِثْلُ هَذِهِ القَذاةِ»
قالَ الهَيْثَمِيُّ: وفِيهِ حَجّاجُ بْنُ سُلَيْمانَ الرُّعَيْنِيُّ وثَّقَهُ ابْنُ حِبّانَ [وغَيْرُهُ وضَعَّفَهُ أبُو زُرْعَةَ وغَيْرُهُ، وبَقِيَّةُ رِجالِهِ ثِقاتٌ -]، وأخْرَجَهُ أيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ (p-١٨١)ذِكْرُ الذَّكَرِ، ولَفْظُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كُنْتُ في حَلْقَةٍ [فِي -] المَسْجِدِ نَتَذاكَرُ فَضائِلَ الأنْبِياءِ - فَذَكَرَهُ حَتّى قالَ: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «"ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أحَدٌ خَيْرًا مِن يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا، قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ! وكَيْفَ ذاكَ؟ قالَ: ألَمْ تَسْمَعُوا اللَّهَ كَيْفَ نَعَتَهُ في القُرْآنِ؟ ﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ﴾ [مريم: ١٢] - إلى قَوْلِهِ: [حَيًّا -]،
﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩] لَمْ يَعْمَلْ سَيِّئَةً ولَمْ يَهُمَّ بِها». ورَواهُ أيْضًا البَزّارُ وفِيهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ ضَعَّفَهُ الجُمْهُورُ - وقَدْ [وُثِّقَ -]، وبَقِيَّةُ رِجالِهِ ثِقاتٌ. وأشارَ سُبْحانَهُ بِالتَّنَقُّلِ في هَذِهِ الأطْوارِ إلى مَوْضِعِ الرَّدِّ عَلى مَنِ ادَّعى لِلَّهِ ولَدًا مِن حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ قاضٍ عَلى الوَلَدِ نَفْسِهِ وعَلى أبِيهِ بِالحاجَةِ، وذَلِكَ مانِعٌ لِكُلٍّ مِنَ الوَلَدِ والوالِدِ مِنَ الصَّلاحِيَةِ لِمَرْتَبَةِ الإلَهِيَّةِ المُنَزَّهَةِ عَنِ الحاجَةِ، وقَدْ مَضى في آلِ عِمْرانَ ما تَجِبُ مُراجَعَتُهُ.
19:16Page 306
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانٗا شَرۡقِيّٗا ١٦
And mention, [O Muḥammad], in the Book [the story of] Mary, when she withdrew from her family to a place toward the east.
ولَمّا كانَ حاصِلُ القِصَّةِ أنَّهُ ولَدٌ أخْرَجَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ سَبَبٍ هو في ضَعْفِهِ قَرِيبٌ مِنَ العَدَمِ، أمّا مِن جِهَتِهِ فَبُلُوغُهُ إلى حَدٍّ مِنَ السِّنِّ وحالٍ في المِزاجِ لا يَقْبَلُ حَرَكَةَ الجِماعِ عادَةً، وأمّا مِن جِهَةِ زَوْجَتِهِ فَلِزِيادَتِها مَعَ يَأْسِها بِبُلُوغِها إلى نَحْوِ ذَلِكَ السِّنِّ بِكَوْنِها عاقِرًا لَمْ تَقْبَلْ حَبَلًا قَطُّ، (p-١٨٢)أتْبَعَهُ بِقِصَّةٍ هي أغْرَبُ مِن قِصَّتِهِ بِكَوْنِها لَيْسَ فِيها إلّا سَبَبٌ واحِدٌ وهو المَرْأةُ، وعُدِمَ فِيها سَبَبُ الذُّكُورِيَّةِ أصْلًا، إشارَةً إلى أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ ما يَشاءُ تارَةً بِسَبَبٍ قَوِيٍّ، وتارَةً بِسَبَبٍ ضَعِيفٍ، وتارَةً بِلا سَبَبٍ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ مُسْتَغْنِيًا عَنِ الوَلَدِ؛ ولَمّا كانَ عَلى اليَهُودِ الآمِرِينَ بِالسُّؤالِ تَعَنُّتًا عَنْ قِصَّتَيْ أصْحابِ الكَهْفِ وذِي القَرْنَيْنِ أنْ يَنْصَحُوا العَرَبَ بِالإعْلامِ بِأنَّ دِينَهم باطِلٌ لِشِرْكِهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلُوا فَكانُوا جَدِيرِينَ بِالتَّبْكِيتِ، وكانَتْ قِصَّةُ زَكَرِيّا أعْظَمَ في تَبْكِيتِهِمْ بِمُباشَرَتِهِمْ لِقَتْلِهِ وقَتْلِ ولَدِهِ يَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ، قَدَّمَها في الذِّكْرِ، وتَوْطِئَةً لِأمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما مَضى بَيانُهُ في [آلِ عِمْرانَ ] إلْزامًا لَهم بِالِاعْتِرافِ بِهِ، ولِلنَّصارى بِالِاعْتِرافِ بِأنَّهُ عَبْدٌ، كَما اعْتَرَفَ كُلٌّ مِنهُما بِأمْرِ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ بِما جَمَعَ بَيْنَهُما مِن خَرْقِ العادَةِ، وكانَتْ قِصَّةُ يَحْيى أوْلى مِن قِصَّةِ إسْحاقَ عَلَيْهِما السَّلامُ لِما تَقَدَّمَ، ولِمُشاهَدَةِ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ لِأمْرِهِ وأمْرِ يَحْيى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما لَهُما مِنَ الاتِّحادِ في الزَّمَنِ مَعَ ما لَهُما مِن قُرْبِ النَّسَبِ، ولَمّا كانَتْ قِصَّةُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أغْرَبَ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِتَغْيِيرِ السِّياقِ فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ هَذا لَهُمْ: ﴿واذْكُرْ﴾ - بِلَفْظِ الأمْرِ ﴿فِي الكِتابِ مَرْيَمَ﴾ ابْنَةَ عِمْرانَ خالَةَ يَحْيى - كَما في الصَّحِيحِ (p-١٨٣)مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ [عَنْ مالِكِ -] بْنِ صَعْصَعَةَ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في حَدِيثِ الإسْراءِ: «فَلَمّا خَلُصْتُ فَإذا يَحْيى وعِيسى وهُما ابْنا خالَةٍ» ثُمَّ أبْدَلَ مِن ﴿مَرْيَمَ﴾ بَدَلَ اشْتِمالٍ قَوْلَهُ: ﴿إذِ﴾ أيِ اذْكُرْ ما اتَّفَقَ لَها حِينَ ﴿انْتَبَذَتْ﴾ أيْ كَلَّفَتْ نَفْسَها أنِ اعْتَزَلَتْ وانْفَرَدَتْ ﴿مِن أهْلِها﴾ حالَّةً ﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ عَنْ مَكانِهِمْ، فَكانَ انْفِرادُها في جِهَةِ مَطالِعِ الأنْوارِ إشارَةً إلى ما يَأْتِيها مِنَ الرُّوحِ الإلَهِيِّ
19:17Page 306
فَٱتَّخَذَتۡ مِن دُونِهِمۡ حِجَابٗا فَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرٗا سَوِيّٗا ١٧
And she took, in seclusion from them, a screen. Then We sent to her Our Angel [i.e., Gabriel], and he represented himself to her as a well-proportioned man.
﴿فاتَّخَذَتْ﴾ أيْ أخَذَتْ بِقَصْدٍ وتَكَلُّفٍ، ودَلَّ عَلى قُرْبِ المَكانِ بِالإتْيانِ بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن دُونِهِمْ﴾ أيْ أدْنى مَكانٍ في مَكانِهِمْ لِانْفِرادِها لِلِاغْتِسالِ أوْ غَيْرِهِ ﴿حِجابًا﴾ يَسْتُرُها ﴿فَأرْسَلْنا﴾ لِأمْرٍ يَدُلُّ عَلى عَظَمَتِنا ﴿إلَيْها رُوحَنا﴾ جِبْرائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيُعْلِمَها بِما يُرِيدُ اللَّهُ بِها مِنَ الكَرامَةِ بِوِلادَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أبٍ، لِئَلّا يَشْتَبِهَ عَلَيْها الأمْرُ، [و -] يَتَشَعَّبَ بِها الفِكْرُ، فَتَقْتُلَ نَفْسَها غَمًّا ﴿فَتَمَثَّلَ لَها﴾ أيْ تَشَبَّحَ وهو رُوحانِيٌّ بِصُورَةِ الجِسْمانِيِّ ﴿بَشَرًا سَوِيًّا﴾ في خَلْقِهِ حَسَنَ الشَّكْلِ لِئَلّا تَشْتَدَّ نَفْرَتُها [ورَوْعُها -] مِنهُ؛ ثُمَّ أخْرَجَ القِصَّةَ مَخْرَجَ الِاسْتِئْنافِ فَقالَ دالًّا عَلى حَزْمِها وخُلُوصِ تَعَبُّدِها لِلَّهِ والتِجائِها إلَيْهِ وشُهُودِها لَهُ بِحَيْثُ لا تَرْكَنُ إلى سِواهُ:
19:18Page 306
قَالَتۡ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّٗا ١٨
She said, "Indeed, I seek refuge in the Most Merciful from you, [so leave me], if you should be fearing of Allāh."
﴿قالَتْ﴾ (p-١٨٤)ولَمّا كانَ عَلى أنْهى ما يَكُونُ مِنَ الجَمالِ والخِلالِ الصّالِحَةِ والكَمالِ، فَكانَ بِحَيْثُ يُسْتَبْعَدُ غايَةَ الِاسْتِبْعادِ أنْ يُتَعَوَّذَ مِنهُ أكَّدَتْ فَقالَتْ: ﴿إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ﴾ رَبِّي الَّذِي رَحْمَتُهُ عامَّةٌ لِجَمِيعِ عِبادِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَهُ بِنا خُصُوصِيَّةٌ في إسْباغِ الرَّحْمَةِ وإتْمامِ النِّعْمَةِ ﴿مِنكَ﴾ ولَمّا تَفَرَّسَتْ فِيهِ - بِما أنارَ اللَّهُ مِن بَصِيرَتِها وأصْفى [مِن -] سَرِيرَتِها - التَّقْوى، ألْهَبَتْهُ وهَيَّجَتْهُ لِلْعَمَلِ بِمَضْمُونِ هَذِهِ الِاسْتِعاذَةِ بِقَوْلِها: ﴿إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾
19:19Page 306
قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمٗا زَكِيّٗا ١٩
He said, "I am only the messenger of your Lord to give you [news of] a pure boy [i.e., son]."
﴿قالَ﴾ جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُجِيبًا لَها بِما مَعْناهُ: إنِّي لَسْتُ مِمَّنْ تَخْشَيْنَ [أنْ يَكُونَ مُتَّهَمًا -]، مُؤَكِّدًا لِأجْلِ اسْتِعاذَتِها،
﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ أيِ الَّذِي عُذْتِ بِهِ أيْ فَأنا [لَسْتُ مُتَّهَمًا -]، مُتَّصِفٌ بِما ذَكَرْتِ وزِيادَةِ الرِّسَلِيَّةِ، وعَبَّرَ بِاسْمِ الرَّبِّ المُقْتَضِي لِلْإحْسانِ لُطْفًا بِها، ولِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مُصَدَّرَةٌ بِالرَّحْمَةِ، ومِن أعْظَمِ مَقاصِدِها تَعْدادُ النِّعَمِ عَلى خُلَّصِ عِبادِهِ ﴿لأهَبَ﴾ بِأمْرِهِ أوْ لِيَهَبَ هو عَلى القِراءَةِ الأُخْرى ﴿لَكِ﴾ وقَدَّمَ المُتَعَلِّقَ تَشْوِيقًا إلى المَفْعُولِ لِيَكُونَ أوْقَعَ في النَّفْسِ؛ ثُمَّ بَيَّنَهُ مُعَبِّرًا بِما هو أكْثَرُ خَيْرًا وأقْعَدُ في بابِ البُشْرى وأنْسَبُ لِمَقْصُودِ السُّورَةِ مَعَ أنَّهُ لا يُنافِي ما ذَكَرَ في [آلِ عِمْرانَ ] بِقَوْلِهِ: (p-١٨٥)﴿غُلامًا﴾ أيْ ولَدًا ذَكَرًا في [غايَةِ -] القُوَّةِ والرُّجُولِيَّةِ ﴿زَكِيًّا﴾ طاهِرًا مِن كُلِّ ما يُدَنِّسُ البَشَرَ: نامِيًا عَلى الخَيْرِ والبَرَكَةِ
19:20Page 306
قَالَتۡ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞ وَلَمۡ أَكُ بَغِيّٗا ٢٠
She said, "How can I have a boy while no man has touched me and I have not been unchaste?"
﴿قالَتْ﴾ مَرْيَمُ: ﴿أنّى﴾ أيْ مِن أيْنَ وكَيْفَ ﴿يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ ألِدُهُ ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ بِنِكاحٍ أصْلًا حَلالٍ ولا غَيْرِهِ بِشُبْهَةٍ ولا غَيْرِها.
ولَمّا هالَها هَذا الأمْرُ، أدّاها الحالُ إلى غايَةِ الإسْراعِ في إلْقاءِ ما تُرِيدُ مِنَ المَعانِي لَها [لَعَلَّها -] تَسْتَرِيحُ مِمّا تَصَوَّرَتْهُ، فَضاقَ عَلَيْها المَقامُ، فَأوْجَزَتْ حَتّى بِحَذْفِ النُّونِ مِن ”كانَ“ ولِتُفْهِمَ أنَّ هَذا المَعْنى مَنفِيٌّ كَوْنُهُ عَلى أبْلَغِ وُجُوهِهِ فَقالَتْ ﴿ولَمْ أكُ﴾ ولَمّا كانَ المَوْلُودُ سِرَّ مَن يَلِدُهُ، وكانَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِما هو مِن مادَّةِ الغُلْمَةِ دالًّا عَلى غايَةِ الكَمالِ في الرُّجُولِيَّةِ المُقْتَضِي لِغايَةِ القُوَّةِ في أمْرِ النِّكاحِ نَفَتْ أنْ يَكُونَ فِيها شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَقالَتْ: ﴿بَغِيًّا﴾ أيْ [لِيَكُونَ -] دَأْبِي الفُجُورَ، ولَمْ يَأْتِ ”بَغِيَّةً“ لِغَلَبَةِ إيقاعِهِ عَلى النِّساءِ، فَكانَ مِثْلَ حائِضٍ وعاقِرٍ في عَدَمِ الإلْباسِ [ولِأنَّ بَغِيَّةً، لا يُقالُ إلّا لِلْمُتَلَبِّسَةِ بِهِ -]
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences