Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:124–131
2:124Page 19
۞ وَإِذِ ٱبۡتَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٖ فَأَتَمَّهُنَّۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامٗاۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِيۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهۡدِي ٱلظَّٰلِمِينَ ١٢٤
And [mention, O Muḥammad], when Abraham was tried by his Lord with words [i.e., commands] and he fulfilled them. [Allāh] said, "Indeed, I will make you a leader for the people." [Abraham] said, "And of my descendants?" [Allāh] said, "My covenant does not include the wrongdoers."
ولَمّا عابَ سُبْحانَهُ أهْلَ الضَّلالِ وكانَ جُلُّهم مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وجَمِيعُ طَوائِفِ المَلَلِ تُعَظِّمُهُ ومِنهُمُ العَرَبُ وبَيْتُهُ الَّذِي بَناهُ أكْبَرُ مَفاخِرِهِمْ وأعْظَمُ مَآثِرِهِمْ ذَكَّرَ الجَمِيعَ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ تَذْكِيرًا يُؤَدِّي إلى ثُبُوتِ هَذا الدِّينِ بِاطِّلاعِ هَذا النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي لَمْ يُخالِطْ عالِمًا قَطُّ عَلى ما لا يَعْلَمُهُ إلّا خَواصُّ العُلَماءِ، وذَكَرَ البَيْتَ الَّذِي بَناهُ فَجَعَلَهُ اللَّهُ عِمادَ صَلاحِهِمْ، وأمَرَ بِأنْ يَتَّخِذَ بَعْضَ ما هُناكَ مُصَلًّى تَعْظِيمًا لِأمْرِهِ وتَفْخِيمًا لِعَلِيِّ قَدْرِهِ؛ وفي التَّذْكِيرِ بِوَفائِهِ بَعْدَ ذِكْرِ الَّذِينَ وفَّوْا بِحَقِّ التِّلاوَةِ وبَعْدَ دَعْوَةِ بَنِي إسْرائِيلَ عامَّةً إلى الوَفاءِ بِالشُّكْرِ حَثٌّ عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ، وكَذا في ذِكْرِ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ هَزٌّ لِجَمِيعِ مَن يُعَظِّمُهُ إلى اتِّباعِهِ في ذَلِكَ.
وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا وصَلَ الحَقُّ تَعالى بِالدَّعْوَةِ العامَّةِ الأُولى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ [البقرة: ٢١] ذَكَرَ أمْرَ آدَمَ وافْتِتاحِ اسْتِخْلافِهِ لِيَقَعَ بِذَلِكَ جَمْعُ النّاسِ كافَّةً في طَرَفَيْنِ في اجْتِماعِهِمْ في أبٍ واحِدٍ (p-١٤٩)ولِدِينٍ واحِدٍ نَظَمَ تَعالى بِذَلِكَ وصْلَ خِطابِ أهْلِ الكِتابِ بِذِكْرِ إبْراهِيمَ، لِيَقَعَ بِذَلِكَ اجْتِماعُهم أيْضًا في أبٍ واحِدٍ ومِلَّةٍ واحِدَةٍ اخْتِصاصًا بِتَبَعِيَّةِ الإمامَةِ الإبْراهِيمِيَّةِ مِن عُمُومِ تَبَعِيَّةِ الخِلافَةِ الآدَمِيَّةِ تَنْزِيلًا لِلْكِتابِ وتَرْفِيعًا لِلْخَلْقِ إلى عُلُوِّ اخْتِصاصِ الحَقِّ، فَكَما ذَكَرَ تَعالى في الِابْتِداءِ تَذْكِيرًا مَعْطُوفًا عَلى أُمُورٍ تَجاوَزَها الإفْصاحُ مِن أمْرِ آدَمَ عَطَفَ أيْضًا التَّذْكِيرَ بِابْتِداءِ أمْرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أُمُورٍ تَجاوَزَها الإفْصاحُ هي أخَصُّ مِن مُتَجاوَزِ الأوَّلِ كَما أنَّ إفْصاحَها أخَصُّ مِن إفْصاحِها وأعْلى رُتْبَةً مِن حَيْثُ إنَّ الخَلْقَ والأمْرَ مَبْدُوءٌ مِن حَدٍّ لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ يَتَكامَلُ إلى غايَةٍ لَيْسَ وراءَها مَرْمًى فَقالَ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ﴾ انْتَهى. والمَعْنى أنَّهُ عامَلَهُ بِالأمْرِ بِأُمُورٍ شاقَّةٍ مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ المُمْتَحِنِ، وقالَ: (p-١٥٠)﴿رَبُّهُ﴾ أيِ: المُحْسِنُ إلَيْهِ إشْعارًا بِأنَّ تَكْلِيفَ العِبادِ هو غايَةُ الإحْسانِ إلَيْهِمْ وفي ابْتِداءِ قِصَّتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ بَيانٌ لِأنَّ أسْنى أحْوالِ العِبادِ الإذْعانُ والتَّسْلِيمُ لِمَن قامَتِ الأدِلَّةُ عَلى صِدْقِهِ والمُبادَرَةِ لِأمْرِهِ دُونَ اعْتِراضٍ ولا تَوَقُّفٍ ولا بَحْثٍ عَنْ عِلَّةٍ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى تَبْكِيتِ المُدَّعِينَ لِاتِّباعِهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ اعْتَرَضُوا في ذَبْحِ البَقَرَةِ وارْتَكَبُوا غايَةَ التَّعَنُّتِ مَعَ ما في ذَبْحِها مِن وُجُوهِ الحِكَمِ بَعْدَ أنْ أساؤُوا الأدَبَ عَلى نَبِيِّهِمْ في ذَلِكَ وفي غَيْرِهِ في أوَّلِ أمْرِهِمْ وأثْنائِهِ وآخِرِهِ فَأوْرَثَهم ذَلِكَ نَكالًا وبُعْدًا، فَظَهَرَ أنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ حالُ إبْراهِيمَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ مِنَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّهُمُ المُنْعَمُ عَلَيْهِمْ؛ والظّاهِرُ عَطْفُ ”إذْ“ عَلى ”نِعْمَتِي“ في قَوْلِهِ ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٢٢] أيْ: واذْكُرُوا إذِ ابْتَلى أباكم إبْراهِيمَ فَأتَمَّ ما ابْتَلاهُ بِهِ فَما لَكم أنْتُمْ لا تَقْتَدُونَ بِهِ فَتَفْعَلُوا عِنْدَ الِابْتِلاءِ فِعْلَهُ في إيفاءِ العَهْدِ والثَّباتِ عَلى الوَعْدِ لِأُجازِيَكم عَلى ذَلِكَ جَزائِي لِلْمُحْسِنِينَ، والإتْمامُ التَّوْفِيَةُ لِما لَهُ صُورَةٌ تَلْتَئِمُ مِن أجْزاءٍ وآحادٍ - قالَهُ الحَرالِّيُّ.
فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما جُوزِيَ عَلى شُكْرِهِ بِالإتْمامِ قَبْلُ ؟ ﴿قالَ﴾ لَهُ رَبُّهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”قالَ“ بَيانًا لابْتَلى ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ﴾ أيْ: كافَّةً ﴿إمامًا﴾ كَما كانَتْ خِلافَةُ أبِيهِ آدَمَ لِبَنِيهِ كافَّةً، والإمامُ ما يُتْبَعُ هِدايَةً إلى سَدادٍ، (p-١٥١)قالَهُ الحَرالِّيُّ. واسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿قالَ﴾ أيْ: إبْراهِيمُ ﴿ومِن﴾ أيْ: واجْعَلْ مِن ﴿ذُرِّيَّتِي﴾ أئِمَّةً ﴿قالَ لا يَنالُ﴾ أيْ: قَدْ أجَبْتُكَ وعاهَدْتُكَ بِأنْ أُحْسِنَ إلى ذُرِّيَّتِكَ لَكِنْ لا يَنالُ ﴿عَهْدِي﴾ الَّذِي عَهِدْتُهُ إلَيْكَ بِالإمامَةِ ﴿الظّالِمِينَ﴾ مِنهم، لِأنَّهم نَفَوْا أنْفُسَهم عَنْكَ في أُبُوَّةِ الدِّينِ؛ وفي ذَلِكَ أتَمُّ تَرْغِيبٍ في التَّخَلُّقِ بِوَفائِهِ لا سِيَّما لِلَّذِينِ دُعُوا قَبْلَها إلى الوَفاءِ بِالعَهْدِ، وإشارَةٌ إلى أنَّهم إنْ شَكَرُوا أبْقى رِفْعَتَهم كَما أدامَ رِفْعَتَهُ، وإنْ ظَلَمُوا لَمْ تَنَلْهم دَعْوَتُهُ فَضَرَبْتُ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةَ وما مَعَها ولا يَجْزِي أحَدٌ عَنْهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ؛ والذُّرِّيَّةُ مِمّا يَجْمَعُ مَعْنى الذَّرِّ والدَّرْءِ، والذُّرِّيُّ مُخْتَلِفٌ كَوْنُهُ عَلى وُجُوهِ اشْتِقاقِهِ، فَيَكُونُ فَعْلُولَةً كَأنَّهُ ذَرُورَةٌ ثُمَّ خُفِّفَ بِقَلْبِ الرّاءِ ياءً اسْتِثْقالًا لِلتَّضْعِيفِ ثُمَّ كُسِرَ ما قَبْلَ الياءَيْنِ تَحْقِيقًا لَهُما. لِأنَّهُ اجْتَمَعَ بَعْدَ القَلْبِ واوٌ وياءٌ سُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، أوْ تَكُونُ فِعْلِيَّةً مِنَ الذَّرِّ مَنسُوبًا، ومِنَ الذَّرِّ مُخَفَّفُ فَعُولَةٍ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً ثُمَّ الواوِ ياءً لِاجْتِماعِها مَعَها سابِقَةً إحْداهُما (p-١٥٢)بِالسُّكُونِ ثُمَّ الإدْغامُ، أوْ فَعِيلَةٌ إنْ يَكُنْ في الكَلامِ لِما فِيهِ مِن ثِقَلِ اجْتِماعِ الضَّمِّ والكَسْرِ - قالَهُ الحَرالِّيُّ، وفِيهِ تَصَرُّفٌ.
2:125Page 19
وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ مَثَابَةٗ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنٗا وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗىۖ وَعَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ١٢٥
And [mention] when We made the House [i.e., the Kaʿbah] a place of return for the people and [a place of] security. And take, [O believers], from the standing place of Abraham a place of prayer. And We charged Abraham and Ishmael, [saying], "Purify My House for those who perform ṭawāf1 and those who are staying [there] for worship and those who bow and prostrate [in prayer]."
ولَمّا كانَ مِن إمامَتِهِ اتِّباعُ النّاسِ لَهُ في حَجِّ البَيْتِ الَّذِي شَرَّفَهُ اللَّهُ بِبِنائِهِ قالَ إثْرَ ذَلِكَ ناعِيًا عَلى أهْلِ الكِتابِ مُخالَفَتَهُ وتَرْكَ دِينِهِ ومُوَطِّئًا لِأمْرِ القِبْلَةِ: ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ﴾ أيِ: الَّذِي بَناهُ إبْراهِيمُ بِأُمِّ القُرى ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ أيْ: مَرْجِعًا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ بِكُلِّيّاتِهِمْ. كُلَّما تَفَرَّقُوا عَنْهُ اشْتاقُوا إلَيْهِ هم أوْ غَيْرُهم آيَةً عَلى رُجُوعِهِمْ مِنَ الدُّنْيا إلى رَبِّهِمْ. قالَ الحَرالِّيُّ: وهو مَفْعِلَةٌ مِنَ الثَّوْبِ وهو الرُّجُوعُ تَرامِيًا إلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ. وفي صِيغَةِ المَفْعِلَةِ دَوامُ المُعاوَدَةِ مُثابَرَةً ﴿وأمْنًا﴾ لِكَوْنِهِ بَيْتَ المَلِكِ. (p-١٥٣)مِن حَرْبِ الدُّنْيا ومِن عَذابِ الآخِرَةِ إلّا في حَقِّ مَنِ اسْتَثْناهُ اللَّهُ مِنَ الكافِرِينَ فِعْلًا بِالشِّرْكِ وقُوَّةً بِالإلْحادِ، والأمْنُ بَراءَةُ عَيْبٍ مِن تَطْرُّقِ أذًى إلَيْهِ - قالَهُ الحَرالِّيُّ. وقَدْ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَرى الرَّجُلُ قاتِلَ أبِيهِ في الحَرَمِ فَلا يَتَعَرَّضُ لَهُ. قالَ الأصْبِهانِيُّ: وهَذا شَيْءٌ تَوارَثُوهُ مِن زَمَنِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَرَأ عَلَيْهِ إلى أيّامِ النَّبِيِّ ﷺ، فاليَوْمَ مَن أصابَ في الحَرَمِ جَرِيرَةً أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ بِالإجْماعِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَتابَ النّاسُ عَلَيْهِ ائْتِمامًا بِبانِيهِ وآمَنُوا بِدَعْوَتِهِ فِيهِ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واتَّخِذُوا﴾ وعَلى قِراءَةِ الأمْرِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَتُوبُوا إلَيْهِ أيُّها النّاسُ ائْتِمامًا بِهِ واتَّخِذُوا ﴿مِن مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ خَلِيلِنا ﴿مُصَلًّى﴾ وهو مُفَعَّلٌ لِما تُداوَمُ فِيهِ الصَّلاةُ، ومَقامُ إبْراهِيمَ هو الحَجَرُ الَّذِي قامَ عَلَيْهِ حِينَ جاءَ لِزِيارَةِ ولَدِهِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَغَسَلَتِ امْرَأةُ إسْماعِيلَ رَأْسَهُ وهو مُعْتَمِدٌ بِرِجْلِهِ عَلَيْهِ وهو راكِبٌ، غَسَلَتْ شِقَّ رَأْسِهِ [الأيْمَنَ ] وهو مُعْتَمِدٌ عَلى الحَجَرِ بِرِجْلِهِ اليُمْنى، ثُمَّ (p-١٥٤)أدارَتِ الحَجَرَ إلى الجانِبِ الأيْسَرِ وغَسَلَتْ شِقَّهُ الأيْسَرَ، فَغاصَتْ رِجْلاهُ فِيهِ؛ ولِهَذا أثَرُ قَدَمَيْهِ مُخْتَلِفٌ، أصابِعُ هَذِهِ عِنْدَ عَقِبِ هَذِهِ، وهو قَبْلَ أنْ يَبْنِيَ البَيْتَ - واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
﴿وعَهِدْنا﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ”جَعْلنا“ ﴿إلى إبْراهِيمَ﴾ الوَفِيِّ ﴿وإسْماعِيلَ﴾ ابْنِهِ الصّادِقِ الوَعْدِ، وفي ذِكْرِهِ إفْصاحٌ بِإجابَةِ دَعْوَتِهِ فِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] وإشارَةٌ إلى أنَّ في ذُرِّيَّتِهِ مَن يَخْتِمُ الأُمَمَ بِأُمَّتِهِ ويَكُونُ اسْتِقْبالُهُ بَيْتَهُ في أجَلِّ العِباداتِ مِن شِرْعَتِهِ وأتَمَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ أيْ: عَنْ كُلِّ رِجْسٍ حِسِّيٍّ ومَعْنَوِيٍّ، فَلا يُفْعَلُ بِحَضْرَتِهِ شَيْءٌ لا يَلِيقُ في الشَّرْعِ؛ والبَيْتُ مَوْضِعُ المَبِيتِ المَخْصُوصُ مِنَ الدّارِ المَخْصُوصَةِ مِنَ المَنزِلِ المُخْتَصِّ مِنَ البَلَدِ - قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿لِلطّائِفِينَ﴾ بِهِ الَّذِينَ فِعْلُهم فِعْلُ العارِفِ بِأنَّهُ لَيْسَ وراءَ اللَّهِ مَرْمى ولا مَهْرَبَ مِنهُ إلّا إلَيْهِ ﴿والعاكِفِينَ﴾ فِيهِ، والعُكُوفُ الإقْبالُ عَلى الشَّيْءِ ومُلازَمَتُهُ والِاقْتِصارُ عَلَيْهِ، والطَّوافُ التَّحْلِيقُ بِالشَّيْءِ في غَيْبٍ أوْ لِمَعْنى غَيْبٍ - قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (p-١٥٥)قالَ الحَرالِّيُّ: وفي ذِكْرِ الرُّكُوعِ تَخْصِيصٌ لِلْعَرَبِ الَّذِينَ إنَّما شُرِعَ الرُّكُوعُ في دِينِهِمْ، وفي ذَلِكَ تَبْكِيتٌ لِمَن أخْرَجَ المُؤْمِنِينَ ومَنَعَهم مِنَ البَيْتِ، وفي تَكْرِيرِ تَفْصِيلِ هَذِهِ الآياتِ بِإذْ تَنْبِيهٌ عَلى تَوْبِيخِهِمْ بِتَرْكِ دِينِهِ وهو الخَلِيلُ واتِّباعِ مَن لا يَعْلَمُ وهو العَدُوُّ.
2:126Page 19
وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنٗا وَٱرۡزُقۡ أَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُم بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلٗا ثُمَّ أَضۡطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٢٦
And [mention] when Abraham said, "My Lord, make this a secure city and provide its people with fruits - whoever of them believes in Allāh and the Last Day." [Allāh] said, "And whoever disbelieves - I will grant him enjoyment for a little; then I will force him to the punishment of the Fire, and wretched is the destination."
ولَمّا ذَكَرَ أمْرَ البَيْتِ الشَّرِيفِ فِيما تَكَفَّلَ بِهِ سُبْحانَهُ وفِيما أمَرَ بِهِ الخَلِيلَ ووَلَدَهُ عَلَيْهِما السَّلامُ مِن تَطْهِيرِهِ ذَكَّرَ بِاهْتِمامِهِ بِأهْلِهِ ودُعائِهِ لَهم مُبَكِّتًا لِمَن عَقَّهُ مِن ذُرِّيَّتِهِ بِالتَّصْرِيحِ بِكُفْرِهِمْ بِيَوْمِ الجَزاءِ الآمِرُ بِكُلِّ خَيْرٍ الزّاجِرُ عَنْ كُلِّ ضَيْرٍ فَقالَ: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ﴾ فَأسْقَطَ أداةَ البُعْدِ إنْباءً بِقُرْبِهِ كَما هو حالُ أهْلِ الصَّفْوَةِ ﴿اجْعَلْ هَذا﴾ أيِ: المَوْضِعَ الَّذِي جَعَلْتَ فِيهِ بَيْتَكَ وأمَرْتَنِي بِأنْ أسْكَنْتُهُ مِن ذُرِّيَّتِي.
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْمَنعِ مِنَ المَسْجِدِ ولِلسَّعْيِ في خَرابِهِ وكانَ ذَلِكَ شامِلًا بِعُمُومِهِ لِلْبادِي ولِذَلِكَ قَرَّرَ أنَّهُ مَثابَةٌ لِلنّاسِ عامَّةً وأمْنٌ كانَ الأنْسَبُ تَنْكِيرَ البَلَدِ فَقالَ: ﴿بَلَدًا﴾ يَأْنَسُ مَن يَحِلُّ بِهِ ﴿آمِنًا﴾ إفْصاحًا بِما أفْهَمَهُ ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ﴾ [البقرة: ١٢٥] الآيَةَ، والمَعْنى أنَّكم عَقَقْتُمْ أعْظَمَ آبائِكم في دَعْوَتَيْهِ كِلْتَيْهِما: في كَوْنِهِ بَلَدًا فَإنَّهُ إذا انْقَطَعَ النّاسُ عَنْ أهْلِهِ خَرِبَ، وفي كَوْنِهِ آمِنًا، وهَذا بِخِلافِ ما يَأْتِي في سُورَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
(p-١٥٦)ولَمّا ذَكَرَ القَرارَ والأمْنَ أتْبَعَهُ الرِّزْقَ وقالَ: ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ﴾ وقالَ: ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: مِنَ الحُبُوبِ، لِما في تَعاطِيها مِنَ الذُّلِّ المُنافِي لِلْأمْنِ، لِما رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى سِكَّةَ حَرْثٍ فَقالَ: ”ما دَخَلَتْ هَذِهِ بَيْتًا إلّا ذَلَّ“» وقالَ: ﴿مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ﴾ الجامِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾ تَقْيِيدًا لِدَعْوَةِ الرِّزْقِ بِما قُيِّدَتْ بِهِ دَعْوَةُ الإمامَةِ تَأدُّبًا مَعَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] ﴿قالَ﴾ اللَّهُ تَعالى مُعَلِّمًا أنَّ شُمُولَ الرَّحْمانِيَّةِ بِأمْنِ الدُّنْيا ورِزْقِها لِجَمِيعِ عَمَرَةِ الأرْضِ ﴿ومَن كَفَرَ﴾ أيْ: أُنِيلُهُ أيْضًا ما ألْهَمْتُكَ مِنَ الدُّعاءِ بِالأمْنِ والرِّزْقِ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾ تَخْسِيسًا لَهُ بِما أفْهَمَهُ لَفْظُ المَتاعِ بِكَوْنِهِ كَما مَضى مِن أسْماءِ الجِيفَةِ الَّتِي إنَّما هي مَنالُ المُضْطَرِّ عَلى شُعُورٍ يَرْفُضُهُ عَلى قُرْبٍ مِن مُتَرَجِّي الغَناءِ عَنْها، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (p-١٥٧)﴿قَلِيلا﴾ لَكِنَّ فِيهِ إيماءً إلى أنَّهُ يَكُونُ أطْيَبَ حالًا في الدُّنْيا وأوْسَعَ رِزْقًا مِنَ المُؤْمِنِ، وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أضْطَرُّهُ﴾ بِما لِي مِنَ العَظَمَةِ الباهِرَةِ ﴿إلى عَذابِ النّارِ﴾ أيْ: بِما أسْتَدْرِجُهُ بِهِ مِنَ النِّعَمِ الحامِلَةِ لَهُ عَلى المَعاصِي الَّتِي هي أسْبابُ النِّقَمِ، وفي التَّعْبِيرِ بِلَفْظِ الِاضْطِرارِ إلى ما لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ أحَدٌ بِاخْتِيارٍ إشْعارٌ بِإجْبارِ اللَّهِ خَلْقَهُ عَلى ما يَشاءُ مِنهم مِن إظْهارِ حِكْمَتِهِ وأنَّ أحَدًا لا يَقْدِرُ عَلى حَرَكَةٍ ولا سُكُونٍ إلّا بِمَشِيئَتِهِ؛ والِاضْطِرارُ الإلْجاءُ إلى ما فِيهِ ضَرَرٌ بِشِدَّةٍ وقَسْرٍ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَبِئْسَ المَتاعُ ما ذُكِرَ لَهُ في الدُّنْيا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيِ: العَذابُ لَهُ في الآخِرَةِ، وهو مَفْعَلٌ مِمّا مِنهُ التَّصْيِيرُ وهو التَّنْقِيلُ في أطْوارٍ وأحْوالٍ يَنْتَهِي إلى غايَةٍ تَجِبُ أنْ تَكُونَ غَيْرَ حالَةِ الشَّيْءِ الأُولى بِخِلافِ المَرْجِعِ.
2:127Page 20
وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٢٧
And [mention] when Abraham was raising the foundations of the House and [with him] Ishmael, [saying], "Our Lord, accept [this] from us. Indeed, You are the Hearing,1 the Knowing.2
ولَمّا ذَكَرَ بِما مَهَّدَهُ مِن أمْرِ البَيْتِ دِينًا ودُنْيا أتْبَعَهُ بِبِنائِهِ مُشِيرًا إلى ما حَباهم بِهِ مِنَ النِّعْمَةِ وما قابَلُوهُ بِهِ مِن كُفْرِها بِاخْتِيارِهِمْ لِأنْ يَكُونُوا مِن غَيْرِ الأُمَّةِ المُسْلِمَةِ الَّتِي دَعا لَها لَمّا دَعا لِلرَّسُولِ فَقالَ عاطِفًا عَلى ”إذِ ابْتَلى“ تَعْدِيدًا لِوُجُوهِ النِّعَمِ عَلى العَرَبِ بِأبِيهِمُ الأعْظَمِ اسْتِعْطافًا إلى التَّوْحِيدِ ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ﴾ أيِ: اذْكُرِ الوَقْتَ الَّذِي يُباشِرُ بِالرَّفْعِ ﴿القَواعِدَ (p-١٥٨)مِنَ البَيْتِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: عَدَّدَ تَعالى وُجُوهَ عِنايَتِهِ بِسابِقَةِ العَرَبِ في هَذِهِ الآياتِ كَما عَدَّدَ وُجُوهَ نِعْمَتِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في سابِقَةِ الخِطابِ، فَكانَتْ هَذِهِ في أمْرِ إقامَةِ دِينِ اللَّهِ، وكانَتْ تِلْكَ في مُحاوَلَةِ مُدافَعَتِهِ، لِيَظْهَرَ بِذَلِكَ تَفاوُتُ ما بَيْنَ الِاصْطِفاءِ والعِنايَةِ، والقاعِدَةُ ما يَقْعُدُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ أيْ: يَسْتَقِرُّ ويَثْبُتُ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها سافاتُ البِناءِ، لِأنَّ كُلَّ سافٍ قاعِدَةٌ لِلَّذِي يُبْنى عَلَيْهِ - قالَهُ الأصْبِهانِيُّ.
ولَمّا أفْرَدَ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا الرَّفْعَ إظْهارًا لِشَرَفِهِ بِكَوْنِهِ هو السَّبَبُ الأعْظَمُ في ذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ ولَدَهُ فَقالَ: ﴿وإسْماعِيلُ﴾ أيْ: يَرْفَعُ القَواعِدَ أيْضًا، ووَصَلَ بِهَذا العَمَلِ الشَّرِيفِ قَوْلَهُ: ﴿رَبَّنا﴾ مُرادًا فِيهِ القَوْلُ مَحْذُوفًا مِنهُ أداةُ البُعْدِ: أيْ: يَقُولانِ: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ أيْ: عَمِلْنا بِفَضْلِكَ ولا تَرُدَّهُ عَلَيْنا، إشْعارًا بِالِاعْتِرافِ بِالتَّقْصِيرِ لِحَقارَةِ العَبْدِ وإنِ اجْتَهَدَ في جَنْبِ عَظَمَةِ مَوْلاهُ. ولَمّا تَضَمَّنَ سُؤالُ القَبُولِ المُشْعِرُ بِخَوْفِ الرَّدِّ عِلْمَ النّاقِدِ البَصِيرِ بِالتَّقْصِيرِ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ﴾ وأكَّدَهُ (p-١٥٩)بِقَوْلِهِ: ﴿أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ أيْ: فَإنْ كُنْتَ سَمِعْتَ أوْ عَلِمْتَ مِنّا حُسْنًا فَرُدَّهُ حُسْنًا، وإنْ كُنْتَ سَمِعْتَ أوْ عَلِمَتْ غَيْرَ ذَلِكَ مِن نَحْوِ قَوْلٍ ناشِئٍ عَنِ اخْتِلاجٍ في النَّفْسِ بِما سَبَّبَهُ كَلالٌ أوْ إعْياءٌ فاغْفِرْهُ.
2:128Page 20
رَبَّنَا وَٱجۡعَلۡنَا مُسۡلِمَيۡنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٗ مُّسۡلِمَةٗ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٢٨
Our Lord, and make us Muslims [in submission] to You and from our descendants a Muslim nation [in submission] to You. And show us our rites [of worship] and accept our repentance. Indeed, You are the Accepting of Repentance, the Merciful.
ولَمّا سَألَ القَبُولَ سَألَ الزِّيادَةَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا﴾ عَلى ما مَضى مِن طُرُزِ دُعاءِ المُقَرَّبِينَ بِإسْقاطِ أداةِ البُعْدِ ﴿واجْعَلْنا﴾ أيْ: أنا وابْنِي هَذا الَّذِي أعانَنِي ﴿مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا تَحَقَّقَ مَرْجُوُّ الإيمانِ في ذُرِّيَّتِهِ في قَوْلِهِ: ﴿مَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٦] طَلَبَ التَّكْمِلَةَ بِإسْلامِ الوَجْهِ والمَسْألَةِ لَهُ ولِابْنِهِ ولِمَن رُزِقَ الإيمانَ مِن ذُرِّيَّتِهِ وذُرِّيَّةِ ابْنِهِ، فَإنَّ الإسْلامَ لَمّا كانَ ظاهِرَ الدِّينِ كانَ سَرِيعَ الِانْثِلامِ لِأجْلِ مُضايَقَةِ أمْرِ (p-١٦٠)الدُّنْيا، وإنَّما يَتِمُّ الإسْلامُ بِسَلامَةِ الخَلْقِ مِن يَدِ العَبْدِ ولِسانِهِ والإلْقاءِ بِكُلِّ ما بِيَدِهِ لِرَبِّهِ مِمّا يُنازِعُ فِيهِ وُجُودُ النَّفْسِ ومُتَضايَقُ الدُّنْيا، ولِذَلِكَ هو مَطْلَبٌ لِأهْلِ الصَّفْوَةِ في خاتِمَةِ العُمُرِ لِيَكُونَ الخُرُوجُ مِنَ الدُّنْيا عَنْ إلْقاءٍ لِلْحَقِّ وسَلامٍ لِلْخَلْقِ كَما قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١] وطَلَبَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ أنْ يَكُونُوا بِحَيْثُ يَؤُمُّ بَعْضُهم بَعْضًا.
ولَمّا كانَ المُسْلِمُ مُضْطَرًّا إلى العِلْمِ قالَ: ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ وفي ذَلِكَ ظُهُورٌ لِشَرَفِ عَمَلِ الحَجِّ حَيْثُ كانَ مُتَلَقِّي عَنِ اللَّهِ بِلا واسِطَةٍ لِكَوْنِهِ عَلَمًا عَلى آتِي يَوْمِ الدِّينِ حَيْثُ لا واسِطَةَ هُناكَ بَيْنَ الرَّبِّ والعِبادِ.
والمَنسَكُ مَفْعَلٌ مِنَ النُّسُكِ وهو ما يُفْعَلُ قُرْبَةً وتَدَيُّنًا. تُشارِكُ حُرُوفُهُ حَرْفَ السُّكُونِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ. ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَحَلَّ العَجْزِ فَهو أضَرُّ شَيْءٍ إلى التَّوْفِيقِ قالَ: ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾ إنْباءً بِمَطْلَبِ التَّوْبَةِ إثْرَ الحَسَنَةِ كَما هو مَطْلَبُ العارِفِينَ بِاللَّهِ المُتَّصِلِينَ بِالحَسَناتِ رَجْعًا بِها إلى مَن لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ، ثُمَّ عَلَّلَ طَمَعَهُ في ذَلِكَ بِأنَّ عادَتَهُ تَعالى التَّطَوُّلُ والفَضْلُ فَقالَ: ﴿إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ﴾ أيِ: الرَّجّاعُ بِعِبادِهِ إلى مَوْطِنِ النَّجاةِ مِن حَضْرَتِهِ بَعْدَ ما سَلَّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهم بِغَوايَتِهِ لِيَعْرِفُوا فَضْلَهُ عَلَيْهِمْ وعَظِيمَ قُدْرَتِهِ ثُمَّ أتْبَعَهُ (p-١٦١)وصْفًا هو كالتَّعْلِيلِ لَهُ فَقالَ: ﴿الرَّحِيمُ﴾
2:129Page 20
رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٢٩
Our Lord, and send among them a messenger from themselves who will recite to them Your verses and teach them the Book and wisdom and purify them. Indeed, You are the Exalted in Might,1 the Wise."
ولَمّا طَلَبَ ما هو لَهُ في مَنصِبِ النُّبُوَّةِ مِن تَعْلِيمِ اللَّهِ لَهُ المَناسِكَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ طَلَبَ لِذُرِّيَّتِهِ مِثْلَ ذَلِكَ بِواسِطَةِ مَن جَرَتِ العادَةُ بِهِ لِأمْثالِهِمْ فَقالَ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ﴾ أيِ: الأُمَّةِ المُسْلِمَةِ الَّتِي مِن ذُرِّيَّتِي وذُرِّيَّةِ ابْنِي إسْماعِيلَ ﴿رَسُولا مِنهُمْ﴾ لِيَكُونَ أرْفَقَ بِهِمْ وأشْفَقَ عَلَيْهِمْ ويَكُونُوا هم أجْدَرَ بِاتِّباعِهِ والتَّرامِي في نَصْرِهِ، وذَلِكَ الرَّسُولُ هو مُحَمَّدٌ ﷺ، فَإنَّهُ لَمْ يَبْعَثْ مِن ذُرِّيَّتِهِما بِالكِتابِ غَيْرَهُ، فَهو دَعْوَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أبِي العَرَبِ وأكْرَمِ ذُرِّيَّتِهِ؛ فَفي ذَلِكَ أعْظَمُ ذَمٍّ لَهم بِعَداوَتِهِ مَعَ كَوْنِهِ مُرْسَلًا لِتَطْهِيرِهِمْ بِالكِتابِ الَّذِي هو الهُدى لا رَيْبَ فِيهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَتْلُو﴾ أيْ: يَقْرَأُ مُتابِعًا مُوِاصِلًا ﴿عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ أيْ: عَلاماتَكَ الدّالاتِ عَلَيْكَ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ نَزَلَ بِها الكِتابُ أوِ اسْتُنْبِطَتْ مِنهُ ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾ الكامِلَ الشّامِلَ لِكُلِّ كِتابٍ ”أُوتِيتُ جَوامِعَ الكَلِمِ“ ﴿والحِكْمَةَ﴾ وهي كُلُّ أمْرٍ يُشَرِّعُهُ لَهم فَيَحْفَظُهم في صِراطَيْ مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ مِنَ الزَّيْغِ المُؤَدِّي إلى الضَّلالِ المُوجِبِ لِلْهَلاكِ.
ولَمّا كانَ ظاهِرُ دَعْوَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ البَعْثَ في الأُمَّةِ المُسْلِمَةِ (p-١٦٢)كانُوا إلى تَعْلِيمِ ما ذُكِرَ أحْوَجَ مِنهم إلى التَّزْكِيَةِ فَإنَّ أصْلَها مَوْجُودٌ بِالإسْلامِ فَأخَّرَ قَوْلَهُ: ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ: يُطَهِّرُ قُلُوبَهم بِما أُوتِيَ مِن دَقائِقِ الحِكْمَةِ، فَتَرْتَقِي بِصَفائِها، ولُطْفِها مِن ذُرْوَةِ الدِّينِ إلى مَحَلٍّ يُؤَمِّنُ عَلَيْها فِيهِ أنْ تَرْتَدَّ عَلى أدْبارِها وتُحَرِّفَ كِتابَها كَما فَعَلَ مِن تَقَدُّمِها، والتَّزْكِيَةُ إكْسابُ الزَّكاةِ، وهي نَماءُ النَّفْسِ بِما هو لَها بِمَنزِلَةِ الغِذاءِ لِلْجِسْمِ - قالَهُ الحَرالِّيُّ.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ في سُورَةِ الجُمُعَةِ بَعْثَهُ في الأُمِّيِّينَ عامَّةً اقْتَضى المَقامُ تَقْدِيمَ التَّزْكِيَةِ الَّتِي رَأْسُها البَراءَةُ مِنَ الشِّرْكِ الأكْبَرِ لِيَقْبَلُوا ما جاءَهم مِنَ العِلْمِ، وأمّا تَقْدِيمُها في آلِ عِمْرانَ مَعَ ذِكْرِ البَعْثِ لِلْمُؤْمِنِينَ فَلِاقْتِضاءِ الحالِ بِالمُعاتَبَةِ عَلى الإقْبالِ عَلى الغَنائِمِ الَّذِي كانَ سَبَبَ الهَزِيمَةِ لِكَوْنِها إقْبالًا عَلى الدُّنْيا الَّتِي هي أُمُّ الأدْناسِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ﴾ أيِ: الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يُغالِبُهُ شَيْءٌ، لِأنَّ العِزَّةَ كَما قالَ الحَرالِّيُّ: الغَلَبَةُ الآتِيَةُ عَلى كُلِّيَّةِ الظّاهِرِ والباطِنِ،
﴿الحَكِيمُ﴾ أيِ: الَّذِي يَتَيَقَّنُ ما أرادَ فَلا يَتَأتّى نَقْضُهُ، ولا مُتَّصِفٌ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ غَيْرُكَ؛ وفي ذَلِكَ إظْهارٌ عَظِيمٌ لِشَرَفِ العِلْمِ وطَهارَةِ الأخْلاقِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يُنالُ إلّا بِمُجاهَداتٍ لا يُطِيقُها البَشَرُ ولا تُدْرَكُ أصْلًا إلّا بِجِدٍّ تُطَهِّرُهُ العِزَّةُ (p-١٦٣)وتَرْتِيبٍ أبْرَمَتْهُ الحِكْمَةُ؛ هَذا لِمُطْلَقِ ذَلِكَ فَكَيْفَ بِما يَصْلُحُ مِنهُ لِلرِّسالَةِ ؟ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَكْبِتُ أعْداءَ الرُّسُلِ وإنْ زادَ عَدُّهم وعَظُمَ جَدُّهم. ويُحْكِمْ أُمُورَهم فَلا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ نَقْضَ شَيْءٍ مِنها.
2:130Page 20
وَمَن يَرۡغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبۡرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَقَدِ ٱصۡطَفَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٣٠
And who would be averse to the religion of Abraham except one who makes a fool of himself. And We had chosen him in this world, and indeed he, in the Hereafter, will be among the righteous.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن يَرْغَبُ في مُخالَفَةِ مَن يُرْسِلُهُ مَن هو بِهَذِهِ الصِّفَةِ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾ المُسْتَقِيمِ الطَّرِيقَةِ، الطّاهِرِ الخَلِيقَةِ، الشَّفِيقِ عَلى ذُرِّيَّتِهِ، البانِي لَهم أعْظَمَ المَفاخِرِ، المُجْتَهِدِ لَهم في جَلِيلِ المَناقِبِ والمَآثِرِ ﴿إلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أيِ: امْتَهَنَها واحْتَقَرَها واسْتَخَفَّ بِها، أيْ: فَعَلَ بِها ما أدّى إلى ذَلِكَ؛ وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِمُعانِدِي أهْلِ الكِتابِ. قالَ الحَرالِّيُّ: والسَّفاهَةُ خِفَّةُ الرَّأْيِ: في مُقابَلَةِ ما يُرادُ مِنهُ مِنَ المَتانَةِ والقُوَّةِ، وفي نَصْبٍ النَّفْسِ إنْباءٌ بِلَحاقِ السَّفاهَةِ بِكُلِّيَّةِ ذِي النَّفْسِ، لِأنَّ مَن سَفَهَتْ نَفْسُهُ اخْتَصَّ السَّفَهُ بِها، ومَن سَفَّهَ نَفْسَهُ - بِالنَّصْبِ - اسْتَغْرَقَتِ السَّفاهَةُ ذاتَهُ وكُلِّيَّتَهُ وكانَ بَدْءُ ذَلِكَ وعادِيَتُهُ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ، يُفْهِمُ ذَلِكَ نَصْبُها، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ جَعَلَ النَّفْسَ مَبْدَأ كُلِّ شَرٍّ أبْداهُ في ذاتِ ذِي النَّفْسِ، فَإنَّهُ تَعالى يُعْطِي الخَيْرَ بِواسِطَةٍ وبِغَيْرِ واسِطَةٍ، ولا يُحْذى الشَّرُّ إلّا بِواسِطَةِ نَفْسٍ لِيَكُونَ في ذَلِكَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ؛ وإنَّما اسْتَحَقَّ السَّفاهَةَ مَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ لِظُهُورِ شاهِدِها في العَقْلِ وعَظِيمِ بَرَكَتِها في التَّجْرِبَةِ، لِأنَّ مَن ألْقى (p-١٦٤)بِيَدِهِ لَمْ يُؤاخَذْ في كُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن رُتَبِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلا عُذْرَ لِمَن رَغِبَ عَنْ ذَلِكَ، لِظُهُورِهِ في شاهِدَيِ العَقْلِ والحِسِّ اللَّذَيْنِ هُما أظْهَرُ حُجَجِ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣]
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلَقَدْ آتَيْناهُ مِنَ المَزايا ما قَدَّمْنا لَكم مِمّا لا يَعْدِلُ عَنْهُ ذُو مُسْكَةٍ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ﴾ فَذَكَّرَهُ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ تَعْظِيمًا لَهُ، فَإنَّ العَبْدَ يَشْرُفُ بِشَرَفِ سَيِّدِهِ، وتَشْرِيفًا لِاصْطِفائِهِ فَإنَّ الصَّنْعَةَ تَجِلُّ بِجَلالَةِ مُبْدِعِها ﴿فِي الدُّنْيا﴾ بِما ذَكَرْناهُ مِن كِرِيمِ المَآثِرِ الَّتِي يَجْمَعُها إسْلامُهُ؛ وهو افْتِعالٌ مِنَ الصَّفْوَةِ وهي ما خَلَصَ مِنَ اللَّطِيفِ عَنْ كَثِيفِهِ ومُكَدَّرِهِ، وفي صِيغَةِ الِافْتِعالِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّعَمُّدِ والقَصْدِ ما يَزِيدُ فِيما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ الشَّرَفِ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ وفي هَذا أكْبَرُ تَفْخِيمٍ لِرُتْبَةِ الصَّلاحِ حَيْثُ جَعَلَهُ مِنَ (p-١٦٥)المُتَّصِفِينَ بِها، فَهو حَقِيقٌ بِالإمامَةِ لِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ في الدّارَيْنِ، فَفي ذَلِكَ أعْظَمُ تَرْغِيبٍ في اتِّباعِ دِينِهِ والِاهْتِداءِ بِهَدْيِهِ، وأشَدُّ ذَمٍّ لِمَن خالَفَهُ؛ وكُلُّ ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لِأهْلِ الكِتابِ بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِأمْرِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ وما هو سَبَبٌ لَهُ، وإقامَةٌ لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ أكْثَرَ ذَلِكَ مَعْطُوفٌ عَلى ”اذْكُرُوا“ قَوْلَهُ: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٢]
2:131Page 20
إِذۡ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسۡلِمۡۖ قَالَ أَسۡلَمۡتُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٣١
When his Lord said to him, "Submit," he said, "I have submitted [in Islām]1 to the Lord of the worlds."
ولَمّا ذَكَرَ إمامَتَهُ ذَكَرَ ما يُؤْتَمُّ بِهِ فِيهِ وهو سَبَبُ اصْطِفائِهِ وصَلاحِهِ وذَلِكَ دِينُهُ، وما أوْصى بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَنِيهِ، وما أوْصى بِهِ بَنُوهُ بَنِيهِمْ سَلَفًا لِخَلَفٍ ولا سِيَّما يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ المُنَوَّهَ بِنِسْبَةِ أهْلِ الكِتابِ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿إذْ﴾ أيِ: اصْطَفَيْناهُ بِعَظَمَتِنا لِأنَّهُ قالَ لَهُ رَبُّهُ ﴿أسْلِمْ﴾ أيْ: لِإحْسانِ رَبِّكَ إلَيْكَ، وحُذِفَ المَفْعُولُ لِيَتَناوَلَ كُلَّ ما يَصِحُّ إسْلامُهُ إلى المُسْلَمِ إلَيْهِ وقَصَرَهُ عَلَيْهِ وتَخَلّى المُسْلِمُ عَنْهُ ﴿قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ أيِ: المُحْسِنِ إلَيَّ وإلى جَمِيعِ الخَلائِقِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences