Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:10–19
2:10Page 3
فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ ١٠
In their hearts is disease, so Allāh has increased their disease;1 and for them is a painful punishment because they [habitually] used to lie.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ سَبَبَ الغَفْلَةِ عَنْ هَذا الظّاهِرِ كَوْنُ آلَةِ إدْراكِهِمْ مَرِيضَةً، شَغَلَها المَرَضُ عَنْ إدْراكِ ما يَنْفَعُها فَهي لا تَجْنَحُ إلّا إلى ما يُؤْذِيها، كالمَرِيضِ لا تَمِيلُ نَفْسُهُ إلى غَيْرِ مَضارِّها، فَقالَ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ما سَبَبُ فِعْلِهِمْ هَذا مِنَ الخِداعِ وعَدَمِ الشُّعُورِ ؟ ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ مِن (p-١٠٩)أصْلِ الخِلْقَةِ يُوهِنُ قُوى الإيمانِ فِيها ويُوجِبُ ضَعْفَ أفْعالِهِمُ الإسْلامِيَّةِ وخَلَلِها، لِأنَّ المَرَضَ كَما قالَ الحَرالِّيُّ: ضَعْفٌ في القُوى يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ خَلَلٌ في الأفْعالِ ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ بِما لَهُ مِن صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ لِمُخادَعَتِهِمْ بِما يَرَوْنَ مِن عَدَمِ تَأْثِيرِها ﴿مَرَضًا﴾ أيْ سُوءَ اعْتِقادٍ بِما يَزِيدُ مِن خِداعِهِمْ، وألَمًا في قُلُوبِهِمْ بِما يَرَوْنَ مِن خَيْبَةِ مَطْلُوبِهِمْ، فانْسَدَّ عَلَيْهِمْ بابُ الفَهْمِ والسَّدادِ جُمْلَةً، والزِّيادَةُ قالَ الحَرالِّيُّ اسْتِحْداثُ أمْرٍ لَمْ يَكُنْ في مَوْجُودِ الشَّيْءِ. انْتَهى.
﴿ولَهُمْ﴾ [البقرة: ٧] أيْ مَعَ ضَرَرِ الغَباوَةِ في الدُّنْيا المُلْحِقَةِ بِالبَهائِمِ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ في الآخِرَةِ أيْ شَدِيدُ الألَمِ وهو الوَجَعُ اللّازِمُ. قالَهُ الحَرالِّيُّ ﴿وبِما كانُوا﴾ [التوبة: ٧٧] قالَ الحَرالِّيُّ: مِن كانَ الشَّيْءُ، وكانَ الشَّيْءُ كَذا: إذا ظَهَرَ وُجُودُهُ وتَمَّتْ صُورَتُهُ أوْ ظَهَرَ ذَلِكَ الكَذا مِن ذاتِ نَفْسِهِ. انْتَهى.
﴿يَكْذِبُونَ﴾ أيْ يُوقِعُونَ الكَذِبَ وهو الإخْبارُ عَنْ أنْفُسِهِمْ بِالإيمانِ مَعَ تَلَبُّسِهِمْ بِالكُفْرانِ، والمَعْنى عَلى قِراءَةِ التَّشْدِيدِ: يُبالِغُونَ (p-١١٠)فِي الكَذِبِ، أوْ يَنْسِبُونَ الصّادِقَ إلى الكَذِبِ، وذَلِكَ أشْنَعُ الكَذِبِ.
2:11Page 3
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ ١١
And when it is said to them, "Do not cause corruption on the earth," they say, "We are but reformers."
ولَمّا أخْبَرَ تَعالى عَنْ بَواطِنِهِمْ، أتْبَعَهُ مِنَ الظّاهِرِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَبَيَّنَ أنَّهم إذا نَهَوْا عَنِ الفَسادِ العامِّ ادَّعَوُا الصَّلاحَ العامَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ وبِناؤُهُ لِلْمَجْهُولِ إشارَةٌ إلى عِصْيانِهِمْ لِكُلِّ قائِلٍ كائِنًا مَن كانَ ﴿لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ أيْ بِما نَرى لَكم مِنَ الأعْمالِ الخَبِيثَةِ،، والفَسادُ انْتِقاضُ صُورَةِ الشَّيْءِ. قالَهُ الحَرالِّيُّ،
﴿قالُوا﴾ قاصِرِينَ فِعْلَهم عَلى الصَّلاحِ نافِينَ عَنْهُ كُلَّ فَسادٍ مُباهِتِينَ غَيْرَ مُكْتَرِثِينَ ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ والإصْلاحُ تَلافِي خَلَلِ الشَّيْءِ. قالَهُ الحَرالِّيُّ.
2:12Page 3
أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ ١٢
Unquestionably, it is they who are the corrupters, but they perceive [it] not.
ولَمّا كانَ حالُهم مَبْنِيًّا عَلى الخِداعِ بِإظْهارِ الخَيْرِ وإبِطانِ الشَّرِّ وكانُوا يَرَوْنَ إفْسادَهم لِما لَهم مِن عَكْسِ الإدْراكِ إصْلاحًا فَكانُوا يُناظِرُونَ عَلَيْهِ (p-١١١)بِأنْواعِ الشُّبَهِ؛ كانَ قَوْلُهم رُبَّما غَرَّ مَن سَمِعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ غِرٌّ كَرِيمٌ والكافِرَ خِبٌّ لَئِيمٌ، فَقالَ تَعالى مُحَذِّرًا مِن حالِهِمْ مُثْبِتًا لَهم ما نَفَوْهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ مِنَ الفَسادِ وقاصِرًا لَهُ عَلَيْهِمْ ﴿ألا إنَّهم هُمُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿المُفْسِدُونَ﴾ أيِ الكامِلُو الإفْسادِ البالِغُونَ مِنَ العَراقَةِ فِيهِ ما يَجْعَلُ إفْسادَ غَيْرِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى إفْسادِهِمْ عَدَمًا لِما في ذَلِكَ مِن خَرابِ ذاتِ البَيْنِ وأخْذِ المُؤْمِنِ مِنَ المَأْمَنِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ حالُ الطُّمَأْنِينَةِ بِالإيمانِ إصْلاحًا وجَبَ أنْ يَكُونَ اضْطِرابُهم فِيهِ إفْسادًا لا سِيَّما مَعَ ظَنِّهِمْ أنَّ كَوْنَهم مَعَ هَؤُلاءِ تارَةً ومَعَ هَؤُلاءِ تارَةً مِنَ الحِكْمَةِ والإصْلاحِ وهو عَيْنُ الإفْسادِ لِأنَّهُ بِالحَقِيقَةِ مُخالَفَةُ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ فَقَدْ أفْسَدُوا طَرَفَيِ الإيمانِ والكُفْرِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: ما يُصْلِحُ المُنافِقُ؛ لِأنَّهُ لا حَبِيبَ مُصافٍ ولا عَدُوَّ مُبائِنٌ، فَلا يُعْتَقَدُ مِنهُ عَلى شَيْءٍ، انْتَهى.
ولَمّا كانَ هَذا الوَصْفُ مُوجِبًا لِعَظِيمِ الرَّهْبَةِ؛ أتْبَعَهُ ما يُخَفِّفُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ هم في غايَةِ الجَلافَةِ حَتّى لا شُعُورَ لَهم (p-١١٢)يُحْسِنُونَ بِهِ التَّصَرُّفَ فِيما يُحاوِلُونَهُ مِنَ الفَسادِ الآنَ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ ما في الآيَةِ السّابِقَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ المُضارِعَ لِلْحالِ ولا فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ لِأنَّ ”لا“ لا تُقارِنُهُ إلّا وهو بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ لا يُؤَثِّرُ إفْسادُهم إلّا في أذى أنْفُسِهِمْ، فَلا تَخافُوهم فَإنِّي كافِيكُمُوهم.
2:13Page 3
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُۗ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعۡلَمُونَ ١٣
And when it is said to them, "Believe as the people have believed," they say, "Should we believe as the foolish have believed?" Unquestionably, it is they who are the foolish, but they know [it] not.
ولَمّا بَيَّنَ حالَهم إذا أُمِرُوا بِالصَّلاحِ العامِّ بَيَّنَ أنَّهم إذا دُعُوا إلى الصَّلاحِ الخاصِّ الَّذِي هو أُسُّ كُلِّ صَلاحٍ سَمَّوْهُ سَفَهًا فَقالَ: ﴿وإذا قِيلَ﴾ أيْ مِن أيِّ قائِلٍ كانَ ﴿لَهم آمِنُوا﴾ أيْ ظاهِرًا وباطِنًا ﴿كَما آمَنَ النّاسُ﴾ أيِ الَّذِينَ هُمُ النّاسُ لِيَظْهَرَ عَلَيْكم ثَمَرَةُ ذَلِكَ مِن لُزُومِ الصَّلاحِ واجْتِنابِ الفَسادِ، والإيمانُ المُضافُ إلى النّاسِ أدْنى مَراتِبِ الإيمانِ قالَهُ الحَرالِّيُّ، (p-١١٣)وهُوَ مُفْهِمٌ لِما صَرَّحَ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ﴾ أيْ ذَلِكَ الإيمانَ ﴿كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ أيِ الَّذِينَ اسْتَدْرَجَهم إلى ما دَخَلُوا فِيهِ بَعْدَ تَرْكِ ما كانَ عَلَيْهِ آباؤُهم خِفَّةٌ نَشَأتْ عَنْ ضَعْفِ العَقْلِ، ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ قَوْلَهم بِحَصْرِ السَّفَهِ فِيهِمْ فَقالَ: ﴿ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ﴾ لا غَيْرُهم لِجُمُودِهِمْ عَلى رَأْيِهِمْ مَعَ أنَّ بُطْلانَهُ أظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ لَيْسَ فِيهِ لَبْسٌ ﴿ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لَيْسَ لَهم عِلْمٌ أصْلًا لا بِذَلِكَ ولا بِغَيْرِهِ، ولا يُتَصَوَّرُ لَهم عِلْمٌ لِأنَّ جَهْلَهم مُرَكَّبٌ وهو أسْوَأُ الجَهْلِ والعِلْمِ، قالَ الحَرالِّيُّ: ما أُخِذَ بِعَلامَةٍ وأمارَةٍ نُصِبَتْ آيَةٌ عَلَيْهِ، انْتَهى. ولَمّا كانَ الفَسادُ يَكْفِي في مَعْرِفَتِهِ والصَّدِّ عَنْهُ أدْنى تَأمُّلِ والسَّفَهُ لا يَكْفِي في إدْراكِهِ والنَّهْيُ عَنْهُ إلّا رَزانَةَ العِلْمِ خُتِمَتْ كُلُّ آيَةٍ بِما يُناسِبُ ذَلِكَ مِنَ الشُّعُورِ والعِلْمِ ولَمّا كانَ العامُّ جُزْءَ الخاصِّ قُدِّمَ عَلَيْهِ.
2:14Page 3
وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ ١٤
And when they meet those who believe, they say, "We believe"; but when they are alone with their evil ones, they say, "Indeed, we are with you; we were only mockers."
(p-١١٤)ولَمّا بَيَّنَ نِفاقَهم وعِلَّتَهُ وسِيرَتَهم عِنْدَ دُعاءِ الدّاعِي إلى الحَقِّ بِهَذِهِ الآياتِ بَيَّنَ سِيرَتَهم في أقْوالِهِمْ في خِداعِهِمْ دَلِيلًا عَلى إفْسادِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا لَقُوا﴾ واللِّقاءُ اجْتِماعٌ بِإقْبالٍ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ حَقًّا ظاهِرًا وباطِنًا، ولَكِنَّ إيمانَهم كَما قالَ الحَرالِّيُّ فِعْلٌ مِن أفْعالِهِمْ لَمْ يَنْتَهِ إلى أنْ يَصِيرَ صِفَةً لَهم، وأمّا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ صارَ إيمانُهم صِفَةً لَهم فَلا يَكادُونَ يَلْقَوْنَهم بِمُقْتَضاهُ، لِأنَّهم لا يَجِدُونَ مَعَهم مَدْخَلًا في قَوْلٍ ولا مُؤانَسَةٍ، لِأنَّ اللِّقاءَ لا بُدَّ فِيهِ مِن إقْبالٍ ما مِنَ المُلْتَقِيَيْنِ. انْتَهى.
﴿قالُوا﴾ خِداعًا ﴿آمَنّا﴾ مُعَبِّرِينَ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ الماضِيَةِ الَّتِي يَكْفِي في إفادَتِها لِما سِيقَتْ لَهُ أدْنى الحُدُوثِ.
(p-١١٥)﴿وإذا خَلَوْا﴾ مُنْتَهِينَ ﴿إلى شَياطِينِهِمْ﴾ أيِ الَّذِينَ هم رُؤُوسُهم مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مَعَهم مُؤْمِنٌ، والشَّيْطانُ هو الشَّدِيدُ البُعْدِ عَنْ مَحَلِّ الخَيْرِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ،
﴿قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾ مُعَبِّرِينَ بِالِاسْمِيَةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ مُؤَكِّدِينَ لَها دَلالَةً عَلى نَشاطِهِمْ لِهَذا الإخْبارِ لِمَزِيدِ حُبِّهِمْ لِما أفادَهُ ودَفْعًا لِما قَدْ يَتَوَهَّمُ مِن تَبَدُّلِهِمْ مَن رَأى نِفاقَهم لِلْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا في مَوْضِعِ الجَوابِ لِمَن قالَ: ما بالُكم تُلِينُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ قَوْلَهم ؟ ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ طالِبُونَ لِلْهُزْءِ ثابِتُونَ عَلَيْهِ فِيما نُظْهِرُ مِنَ الإيمانِ، والهُزْءُ إظْهارُ الجِدِّ وإخْفاءُ الهَزْلِ فِيهِ قالَهُ الحَرالِّيُّ.
2:15Page 3
ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١٥
[But] Allāh mocks them and prolongs them in their transgression [while] they wander blindly.
فَأُجِيبَ مَن كَأنَّهُ قالَ: بِماذا جُوزُوا ؟ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ أيْ يُجازِيهِمْ عَلى فِعْلِهِمْ بِالِاسْتِدْراجِ بِأنْ يُظْهِرَ لَهم مِن أمْرِهِ (p-١١٦)المُرْذِيِّ لَهم ما لا يُدْرِكُونَ وجْهَهُ فَهو يُجْرِي عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا أحْكامُ أهْلِ الإيمانِ ويُذِيقُهم في الدّارَيْنِ أعْلى هَوانٍ مُجَدِّدًا لَهم ذَلِكَ بِحَسْبِ اسْتِهْزائِهِمْ، وذَلِكَ أنَكَأُ مِن شَيْءٍ دائِمٍ تُوَطَّنُ النَّفْسُ عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ بِالفِعْلَيْةِ دُونَ الِاسْمِيَّةِ مَعَ أنَّها تُفِيدُ صِحَّةَ التَّوْبَةِ لِمَن تابَ دُونَ الِاسْمِيَّةِ.
﴿ويَمُدُّهُمْ﴾ مِنَ المَدِّ بِما يَلْبِسُ عَلَيْهِمْ. وقالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ المَدَدِ وهو مَزِيدٌ مُتَّصِلٌ في الشَّيْءِ مِن جِنْسِهِ،
﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ أيْ تَجاوُزِهِمُ الحَدَّ في الفَسادِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: إفْراطُ اعْتِدائِهِمْ حُدُودَ الأشْياءِ ومَقادِيرَها، انْتَهى. وهَذا المَدُّ بِالإمْلاءِ لَهم حالَ كَوْنِهِمْ ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أيْ يَخْبِطُونَ خَبْطَ الَّذِي لا بَصِيرَةَ لَهُ أصْلًا. قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ العَمَهِ وهو انْبِهامُ الأُمُورِ (p-١١٧)الَّتِي فِيها دَلالاتٌ يُنْتَفَعُ بِها عِنْدَ فَقْدِ الحِسِّ فَلا يَبْقى لَهُ سَبَبٌ يَرْجِعُهُ عَنْ طُغْيانِهِ، فَلا يَتَعَدَّوْنَ حَدًّا إلّا عَمِهُوا فَلَمْ يَرْجِعُوا عَنْهُ، فَهم أبَدًا مُتَزايِدُو الطُّغْيانِ. انْتَهى.
2:16Page 3
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ١٦
Those are the ones who have purchased error [in exchange] for guidance, so their transaction has brought no profit, nor were they guided.
فَلَمّا تَقَرَّرَ ذَلِكَ كُلُّهُ، كانَتْ فَذْلَكَتُهُ مِن غَيْرِ تَوَقُّفِ ﴿أُولَئِكَ﴾ [البقرة: ٥] أيِ الشَّدِيدُو البُعْدِ مِنَ الصَّوابِ ﴿الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾ أيْ لَجُّوا في هَواهم فَكَلَّفُوا أنْفُسَهم ضِدَّ ما فَطَرَها اللَّهُ عَلَيْهِ مَعَ ما نَصَبَ مِنَ الأدِلَّةِ حَتّى أخَذُوا ﴿الضَّلالَةَ﴾ أيِ الَّتِي هي أقْبَحُ الأشْياءِ ﴿بِالهُدى﴾ الَّذِي هو خَيْرُ الأشْياءِ، ومَدارُ كُلِّ ذِي شُعُورِ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ لِوُضُوحِ ما قامَ عَلَيْهِ مِنَ الأدِلَّةِ مَعَ ما رَكَّزَ مِنهُ في الفِطَرِ كانَ في أيْدِيهِمْ فَباعُوهُ بِها، وسَيَأْتِي في سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيانُ أنَّ مادَّةَ شَرى بِتَراكِيبِها الِاثْنَيْ عَشَرَ تَدُورُ عَلى اللَّجاجَةِ ﴿فَما﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ فِعْلِهِمْ هَذا أنَّهُ ما ﴿رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أبْصَرُ النّاسِ بِها ﴿وما كانُوا﴾ في نَفْس جِبِلّاتِهِمْ ﴿مُهْتَدِينَ﴾ لِأنَّهم مَعَ أنَّهم لَمْ يَرْبَحُوا أضاعُوا رَأْسَ المالِ، لِأنَّهُ لَمْ يَبْقَ (p-١١٨)فِي أيْدِيهِمْ غَيْرُ الضَّلالِ الَّذِي صاحِبُهُ في دُونِ رُتْبَةِ البَهائِمِ مَعَ زَعْمِهِمْ أنَّهُ لا مِثْلَ لَهم في الهِدايَةِ.
2:17Page 4
مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا فَلَمَّآ أَضَآءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ لَّا يُبۡصِرُونَ ١٧
Their example is that of one who kindled a fire, but when it illuminated what was around him, Allāh took away their light and left them in darkness [so] they could not see.
فَلَمّا عُلِمَ ذَلِكَ كُلُّهُ، وكانَتِ الأمْثالُ ألْصَقَ بِالبالِ وأكْشَفَ لِلْأحْوالِ مِثْلَ حالِهِمْ في هُداهُمُ الَّذِي باعُوهُ بِالضَّلالَةِ بِالأُمُورِ المَحْسُوسَةِ، لِأنَّ لِلتَّمْثِيلِ بِها شَأْنًا عَظِيمًا في إيصالِ المَعانِي حَتّى إلى الأذْهانِ الجامِدَةِ وتَقْرِيرِها فِيها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُهُمْ﴾ أيْ في حالِهِمْ هَذِهِ الَّتِي طَلَبُوا أنْ يَعِيشُوا بِها ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ أيْ طَلَبَ أنْ تُوقَدَ لَهُ وهي هُداهُ لِيَسِيرَ في نُورِها، وأصْلُها مِن نارَ إذا نَفَرَ لِتَحَرُّكِها واضْطِرابِها، فَوَقَدَتْ وأنارَتْ.
﴿فَلَمّا أضاءَتْ﴾ أيِ النّارُ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ لَفْظِ ”الَّذِي“ فَقالَ (p-١١٩)﴿ما حَوْلَهُ﴾ وأرادَ أنْ يَنْتَفِعَ بِها في إبْصارِ ما يُرِيدُ، وهو كِنايَةٌ عَمّا حَصَلَ لَهم مِنَ الأمَنَةِ بِما قالُوهُ مِن كَلِمَةِ الإسْلامِ مِن غَيْرِ اعْتِقادٍ ﴿ذَهَبَ اللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ كَمالُ العِلْمِ والقُدْرَةِ، وجَمَعَ الضَّمِيرَ نَظَرًا إلى المَعْنى لِئَلّا يُتَوَهَّمُ أنَّ بَعْضَهُمُ انْتَفَعَ دُونَ بَعْضٍ بَعْدَ أنْ أفْرَدَ تَقْلِيلًا لِلنُّورِ وإنْ كانَ قَوِيًّا في أوَّلِهِ لِانْطِفائِهِ في آخِرِهِ، فَقالَ: ﴿بِنُورِهِمْ﴾ أيِ الَّذِي نَشَأ مِن تِلْكَ النّارِ بِإطْفائِهِ لَها ولا نُورَ لَهم سِواهُ؛ ولَمْ يَقُلْ: بِضَوْئِهِمْ، لِئَلّا يُتَوَهَّمُ أنَّ المَذْهُوبَ بِهِ الزِّيادَةُ فَقَطْ، لِأنَّ الضَّوْءَ أعْظَمُ مِن مُطْلَقِ النُّورِ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥] فَذَهَبَ نُورُهم وبَقِيَتْ نارُهم لِيَجْتَمِعَ عَلَيْهِمْ حَرُّها مَعَ حَرِّ الفَقْدِ لِما يَنْفَعُهم مِنَ النُّورِ، وعَبَّرَ بِالإضاءَةِ أوَّلًا إشارَةً إلى قُوَّةِ أوَّلِهِمْ وانْمِحاقِ آخِرِهِمْ، لِأنَّ مَحَطَّ حالِهِمُ الباطِلُ، والباطِلُ لَهُ صَوْلَةٌ ثُمَّ تَضْمَحِلُّ عِنْدَ مَن ثَبَتَ لَها لِيَتَبَيَّنَ الصّادِقُ مِنَ الكاذِبِ، وعَبَّرَ بِالذَّهابِ بِهِ دُونَ إذْهابِهِ لِيَدُلَّ نَصًّا عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لَيْسَ مَعَهم، وحَقَّقَ ذَلِكَ بِالتَّعْبِيرِ عَنْ صَيَّرَ بِتَرَكَ فَقالَ: ﴿وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ﴾ (p-١٢٠)أيْ بِالضَّلالَةِ مِن قُلُوبِهِمْ وأبْصارِهِمْ ولَيْلِهِمْ أيْ ظُلُماتٍ لا يَنْفُذُ فِيها بَصَرٌ، فَلِذا كانَتْ نَتِيجَتُهُ ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ أيْ لا إبْصارَ لَهم أصْلًا بِبَصَرٍ ولا بَصِيرَةٍ.
2:18Page 4
صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ١٨
Deaf, dumb and blind - so they will not return [to the right path].
ولَمّا فَرَغَ مِنَ المَثَلِ؛ كَشَفَ المُرادَ بِظُلُماتِهِمْ بِأنَّها ما في آذانِهِمْ مِنَ الثِّقَلِ المانِعِ مِنَ الِانْتِفاعِ بِالسَّماعِ، وما في ألْسِنَتِهِمْ مِنَ الخَرَسِ عَنْ كَلامِ الخَيْرِ النّاشِئِ عَنْ عَدَمِ الإدْراكِ النّاشِئِ عَنْ عَمى البَصائِرِ وفَسادِ الضَّمائِرِ والسَّرائِرِ، وما عَلى أبْصارِهِمْ مِنَ الغِشاوَةِ المانِعَةِ مِنَ الِاعْتِبارِ وعَلى بَصائِرِهِمْ مِنَ الأغْطِيَةِ المُنافِيَةِ لِلِادِّكارِ فَقالَ: ﴿صُمٌّ﴾ أيْ عَنِ السَّماعِ النّافِعِ ﴿بُكْمٌ﴾ عَنِ النُّطْقِ المُفِيدِ لِأنَّ قُلُوبَهم مَخْتُومٌ عَلَيْها فَلا يَنْبَعِثُ مِنها (p-١٢١)خَيْرٌ تَقْذِفُهُ إلى الألْسِنَةِ ﴿عُمْيٌ﴾ في البَصَرِ والبَصِيرَةِ عَنِ الإبْصارِ المُرْشِدِ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الخَتْمِ عَلى مَشاعِرِهِمْ. ولَمّا كانَ في مَقامِ إجابَةِ الدّاعِي إلى الإيمانِ؛ قَدَّمَ السَّمْعَ لِأنَّهُ العُمْدَةُ في ذَلِكَ، وثَنّى بِالقَوْلِ لِأنَّهُ يُمَكِّنُ الأصَمَّ الإفْصاحَ عَنِ المُرادِ، وخَتَمَ بِالبَصَرِ لِإمْكانِ الِاهْتِداءِ بِهِ بِالإشارَةِ؛ وكَذا ما يَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ سَواءٌ بِخِلافِ ما في الإسْراءِ،
﴿فَهُمْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهم ﴿لا﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ التَّعْمِيمَ في كُلِّ رُجُوعٍ لَمْ يُذْكَرِ المَرْجُوعُ عَنْهُ فَقالَ: ﴿يَرْجِعُونَ﴾ أيْ عَنْ طُغْيانِهِمْ وضَلالِهِمْ إلى الهُدى الَّذِي باعُوهُ ولا إلى حالِهِمُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ ولا يَنْتَقِلُونَ عَنْ حالِهِمْ هَذا أصْلًا، لِأنَّهم كَمَن هَذا حالُهُ، ومَن هَذا حالُهُ لا يَقْدِرُ عَلى مُفارَقَةِ مَوْضِعِهِ بِتَقَدُّمٍ ولا تَأخُّرٍ.
2:19Page 4
أَوۡ كَصَيِّبٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٞ وَرَعۡدٞ وَبَرۡقٞ يَجۡعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِۚ وَٱللَّهُ مُحِيطُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩
Or [it is] like a rainstorm from the sky within which is darkness, thunder and lightning. They put their fingers in their ears against the thunderclaps in dread of death. But Allāh is encompassing1 of the disbelievers.
(p-١٢٢)”أوْ“ مَثَّلَهم في سَماعِ القُرْآنِ الَّذِي فِيهِ المُتَشابِهُ والوَعِيدُ والوَعْدُ ﴿كَصَيِّبٍ﴾ أيْ أصْحابُ صَيِّبٍ أيْ مَطَرٍ عَظِيمٍ، وقالَ الحَرالِّيُّ: سَحابٌ مُمْطِرٌ دارٍّ ثُمَّ أتْبَعَهُ تَحْقِيقًا لِأنَّ المُرادَ الحَقِيقَةَ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ وهو كَما قالَ الحَرالِّيُّ ما عَلا فَوْقَ الرَّأْسِ، يَعْنِي هَذا أصْلُهُ والمُرادُ هُنا مَعْرُوفٌ، ومَثَّلَ القُرْآنُ بِهَذا لِمُواتَرَةِ نُزُولِهِ وعُلُوِّهِ وإحْيائِهِ القُلُوبَ كَما أنَّ الصَّيِّبَ يُحْيِي الأرْضَ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ حالِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِ ظُلُماتٌ﴾ أيْ لِكَثافَةِ السَّحابِ واسْوِدادِهِ ﴿ورَعْدٌ﴾ أيْ صَوْتٌ مُرْعِبٌ يُرْعِدُ عِنْدَ سَماعِهِ ﴿وبَرْقٌ﴾ أيْ نُورٌ مُبْهِتٌ لِلَمَعانِهِ وسُرْعَتِهِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ، والظُّلُماتُ مَثَلُ ما لَمْ يَفْهَمُوهُ، والرَّعْدُ ما يُنادِي عَلَيْهِمْ بِالفَضِيحَةِ والتَّهْدِيدِ، والبَرْقُ ما يُلَوِّحُ لَهم مَعْناهُ ويُداخِلُهم رَأْيٌ في اسْتِحْسانِهِ.
(p-١٢٣)ولَمّا تَمَّ مَثَلُ القُرْآنِ اسْتَأْنَفَ الخَبَرَ عَنْ حالِ المُمَثِّلِ لَهم والمُمَثَّلِ بِهِمْ حَقِيقَةً ومَجازًا فَقالَ: ﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهُمْ﴾ أيْ بَعْضَها ولَوْ قَدَرُوا لَحَشَوُا الكُلَّ لِشِدَّةِ خَوْفِهِمْ ﴿فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ﴾ أيْ مِن أجْلِ قُوَّتِها، لِأنَّ هَوْلَها يَكادُ أنْ يُصِمَّ، وقالَ الحَرالِّيُّ: جَمْعُ صاعِقَةٍ وهو الصَّوْتُ الَّذِي يُمِيتُ سامِعَهُ أوْ يَكادُ، ثُمَّ عَلَّلَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿حَذَرَ المَوْتِ واللَّهُ﴾ أيْ والحالُ أنَّ المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾ فَلا يُغْنِيهِمْ مِن قَدَرِهِ حَذَرٌ، وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ لِإعْراضِهِمْ عَنِ القُرْآنِ وسَتْرِهِمْ لِأنْوارِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences