Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:135–141
2:135Page 21
وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰ تَهۡتَدُواْۗ قُلۡ بَلۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِـۧمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٣٥
They say, "Be Jews or Christians [so] you will be guided." Say, "Rather, [we follow] the religion of Abraham, inclining toward truth, and he was not of the polytheists."1
ولَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّهم تَرَكُوا السُّنَّةَ في تَهْذِيبِ أنْفُسِهِمْ بِالِاقْتِداءِ في الِاهْتِداءِ بِالأصْفِياءِ مِن أسْلافِهِمْ وبَيَّنَ بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ الآنَ مِن كُلِّ وجْهٍ وأوْضَحَ أنَّهُ مَحْضُ الضَّلالِ بَيَّنَ أنَّهُ عاقَبَهم عَلى ذَلِكَ بِأنْ صَيَّرَهم دُعاةً إلى الكُفْرِ، لِأنَّ سُنَّتَهُ الماضِيَةَ سَبَقَتْ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِهِ تَحْوِيلًا أنَّ مَن أماتَ سُنَّةً أحْيا عَلى يَدَيْهِ بِدَعَةً عُقُوبَةً لَهُ. قالَ الحَرالِّيُّ: لِأنَّهُما مُتَناوِبانِ في الأدْيانِ تَناوُبَ المُتَقابِلاتِ في الأجْسامِ فَقالَ تَعالى مُعْجِبًا مِنهم عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ﴾ [البقرة: ١١١] ﴿وقالُوا﴾ أيِ: الفَرِيقانِ مِن أهْلِ الكِتابِ لِأتْباعِ الهُدى ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ أيْ: لَمْ يَكْفِهِمُ ارْتِكابُهم لِلْباطِلِ وسُلُوكُهم طُرُقَ الضَّلالِ حَتّى دَعَوْا إلى ما هم عَلَيْهِ ووَعَدُوا بِالهِدايَةِ الصّائِرَةِ إلَيْهِ فَأمَرَهُ تَعالى بِأنْ (p-١٨٤)يُجِيبَهم أنَّهُ مُسْتَنٌّ بِسُنَّةِ أبِيهِمْ لا يُحَوَّلُ عَنْها كَما حالُوا فَقالَ مُوجِّهًا الخِطابَ إلى أشْرَفِ خَلْقِهِ لِعُلُوِّ مَقامِ ما يُخْبِرُ بِهِ وصُعُوبَةِ التَّقَيُّدِ بِهِ عَلى النَّفْسِ: ﴿قُلْ بَلْ﴾ مُضْرِبًا عَنْ مَقالِهِمْ، أيْ: لا يَكُونُ شَيْئًا مِمّا ذَكَرْتُمْ بَلْ نَكُونُ أوْ نُلابِسُ أنا ومَن لَحِقَ بِي مَن كَمَّلَ أهْلَ الإسْلامِ ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ مُلابَسَةَ نَصِيرٍ بِها إيّاها كَأنَّنا تَجَسَّدْنا مِنها، وهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الِانْفِكاكِ عَنْها، فَهو أبْلَغُ مِمّا لَوْ قِيلَ: بَلْ أهْلُ مِلَّةِ إبْراهِيمَ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَفِيهِ كَمالُ تَسَنُّنِ مُحَمَّدٍ ﷺ في مِلَّتِهِ بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي هو الأوَّلُ لِمُناسَبَةِ ما بَيْنَ الأوَّلِ والآخِرِ، وقَدْ ذَكَرَ أنَّ المِلَّةَ ما أظْهَرَهُ نُورُ العَقْلِ مِنَ الهُدى في ظُلْمِ ما التَزَمَهُ النّاسُ مِن عَوائِدِ أمْرِ الدُّنْيا، فَكانَ أتَمَّ ما أبْداهُ نُورُ العَقْلِ مِلَّةَ إبْراهِيمَ ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ (p-١٨٥)لَيِّنًا هَشًّا سَهْلًا قابِلًا لِلِاسْتِقامَةِ مائِلًا مَعَ داعِي الحَقِّ مُنْقادًا لَهُ مُسَلِّمًا أمْرَهُ إلَيْهِ، لا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ العَشاوَةِ والكَثافَةِ والغِلْظَةِ والجُمُودِ الَّتِي يَلْزَمُ مِنها العِصْيانُ والشَّماخَةُ والطُّغْيانُ، وذَلِكَ لِأنَّ مادَّةَ حَنَفَ بِكُلِّ تَرْتِيبٍ تَدُورُ عَلى الخِفَّةِ واللَّطافَةِ، ويُشْبِهُ أنْ تَكُونَ الحَقِيقَةُ الأُولى مِنها النَّحافَةَ، ويَلْزَمُ هَذا المَعْنى الِانْتِشارُ والضُّمُورُ والمَيْلُ، فَيَلْزَمُهُ سُهُولَةُ الِانْقِيادِ والِاسْتِقامَةِ، ويَكْشِفُهُ آيَةُ آلِ عِمْرانَ
﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧] فَبِذَلِكَ حادَ عَنْ بِنْياتِ طُرُقِ الخَلْقِ في انْحِرافِهِمْ عَنْ جادَّةِ طَرِيقِ الإسْلامِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: الحَنِيفُ المائِلُ عَنْ مُتَغَيَّرِ ما عَلَيْهِ النّاسُ عادَةً إلى ما تَقْتَضِيهِ الفِطْرَةُ حَنانَ قَلْبٍ إلى صِدْقِ حِسِّهِ الباطِنِ.
ولَمّا أثْبَتَ لَهُ الإسْلامَ بِالحَنِيفِيَّةِ نَفى عَنْهُ غَيْرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ (p-١٨٦)مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: فِيهِ إنْباءٌ بِتَبْرِئَةِ كِيانِهِ مِن أمْرِ الشِّرْكِ في ثَبْتِ الأُمُورِ والأفْعالِ والأحْوالِ وفي إفْهامِهِ أنَّهُ مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ في الكَمالِ الخاتَمِ كَما أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ مِنهُ في الِابْتِداءِ الفاتِحِ، قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي﴾ [الأنعام: ١٦٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] فَهَذِهِ أوَّلِيَّةُ رُتْبَةِ الكَمالِ الَّتِي هي خاصَّةٌ بِهِ ومَن سِواهُ فَهو مِنهُ فِيها، لِأنَّ نَفْيَ الشَّيْءِ يُفْهِمُ البَراءَةَ واللَّحاقَ بِالمُتَأصِّلِ في مُقابِلِهِ، فَمَن لَمْ يَكُنْ مَثَلًا مِنَ الكافِرِينَ فَهو مِنَ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ هو المُؤْمِنُ لَذُكِرَ بِالصِّفَةِ المُقابِلَةَ لِما نَفى عَنْهُ، لِما في ذَلِكَ مِن مَعْنَيَيْ إثْباتِ الوَصْفِ ونَفْيِ مُقابِلِهِ، ومِثْلُ هَذا كَثِيرُ الدَّوْرِ في خِطابِ القُرْآنِ، وبَيَّنَ مَن لَهُ الوَصْفُ ومَن هو مِنهُ تَفاوُتٌ ما بَيْنَ السّابِقِ واللّاحِقِ في جَمِيعِ ما يَرِدُ مِن نَحْوِهِ يَعْنِي ومِثْلُ هَذا التَّفاوُتِ ظاهِرٌ لِلْفَهْمِ خَفِيٌّ عَنْ (p-١٨٧)مَشاهِدِ العَلَمِ، لِأنَّ العِلْمَ مِنَ العَقْلِ بِمَنزِلَةِ النَّفْسِ؛ والفَهْمَ مِنَ العَقْلِ بِمَنزِلَةِ الرُّوحِ، فَلِلْفَهْمِ مُدْرَكٌ لا يَنالُهُ العِلْمُ، كَما أنَّ لِلرُّوحِ مُعْتَلًى لا تَصِلُ إلَيْهِ النَّفْسُ، لِتَوَجُّهٍ النَّفْسِ إلى ظاهِرِ الشُّهُودِ ووُجْهَةِ الرُّوحِ إلى عَلِيِّ الوُجُودِ. انْتَهى.
2:136Page 21
قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ١٣٦
Say, [O believers], "We have believed in Allāh and what has been revealed to us and what has been revealed to Abraham and Ishmael and Isaac and Jacob and the Descendants [al-Asbāṭ]1 and what was given to Moses and Jesus and what was given to the prophets from their Lord. We make no distinction between any of them, and we are Muslims [in submission] to Him."
ولَمّا قِيلَ ذَلِكَ تَوَجَّهْتِ النَّفْسُ إلى ما بِهِ يُوصَلُ إلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَصَرَفَ الخِطابَ الَّذِي كانَ عِنْدَ الحِجاجِ لِلْأكْمَلِ عَلى وجْهٍ يَشْمَلُ مَن قارَبَهُ إلى مَن دُونَهُ بِما يَشْمَلُهُ، لِأنَّ المُرادَ العُمُومُ، وساقَهُ تَعالى في جَوابِ مَن كَأنَّهم قالُوا: ما نَقُولُ: حَتّى نَكُونَ إيّاها فَقالَ: ﴿قُولُوا﴾ أيْ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ. (p-١٨٨)ولَمّا كانَ المَأْمُورُ المُؤْمِنِينَ وكانَتْ تَعْدِيَةُ الإنْزالِ بِإلى تَقْتَضِي الِانْتِهاءَ وكانَ ذَلِكَ يَقْتَضِي واسِطَةً قَبْلَ الِانْتِهاءِ وكانَ الِانْتِهاءُ إلى الِاتِّباعِ إنَّما هو بِالقَصْدِ الثّانِي كانَ الأنْسَبُ في هَذِهِ الآيَةِ لِتَوْجِيهِ الأمْرِ إلَيْهِمُ التَّعْبِيرَ بِإلى بِخِلافِ آيَةِ آلِ عِمْرانَ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وما أُنْـزِلَ إلَيْنا﴾ أيْ: مِنَ الكِتابِ الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّهُ الهُدى عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ مِنَ الأحْكامِ والنَّسْخِ والنَّسِيءِ وغَيْرِ ذَلِكَ وقِيلَ ﴿وما أُنْـزِلَ إلى إبْراهِيمَ﴾ لِيَكُونَ المِهْيَعُ واحِدًا ﴿وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ ابْنَيْهِ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَلَقَّنَ العَرَبَ الأُمِّيِّينَ المَحْسُودِينَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ نَسَقَ ما أجْرى مِن لَفْظِ بَنِي إسْرائِيلَ في عَهْدِهِ لَهم، فَكانَ فِيهِ وصْلُ العَرَبِ الَّذِينَ هم أبْناءُ إسْماعِيلَ بِإبْراهِيمَ وبَنِيهِ وقَطْعُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْهم، وفِيهِ إظْهارٌ لِمَزِيَّةٍ فَضْلِ اللَّهِ عَلى العَرَبِ حِينَ يُلَقِّنُهم ولا يَسْتَنْطِقُهم فَيَقْصُرُوا في مَقالِهِمْ فَأغْناهم بِما لَقَّنَهم فَتَلَوْهُ عَمّا كانُوا يَقُولُونَهُ لَوْ وُكِلُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَسَكَّنَهم (p-١٨٩)رَبُّهم فَأقْرَأهم ما يَصْلُحُ مِنَ القَوْلِ لَهم وقالَ: ﴿ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾ تَكْمِلَةٌ لِما تَقَدَّمَ في العَهْدِ السّابِقِ. انْتَهى.
﴿وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى﴾ أيْ: مِن رَبِّهِمْ مِنَ المُنَزَّلِ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وغَيْرِ المُنَزَّلِ، وغَيَّرَ الأُسْلُوبَ تَفْضِيلًا لِما لَهُما مِنَ الكِتابَيْنِ والمُعْجِزاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المُكْنَةِ؛ ثُمَّ أسْنَدَ الإيتاءَ إلى الجَمِيعِ لِكَوْنِ أهْلِ الكُتُبِ العَظِيمَةِ فِيهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ فَقالَ مُؤَكِّدًا الكَلامَ لِأنَّهُ عَلى لِسانِ الأتْباعِ وهم بِالتَّأْكِيدِ أحَقُّ: ﴿وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ﴾ أيْ: قاطِبَةً مَن تَقَدَّمَ وغَيْرُهم مِنَ المُنَزَّلِ مِن كِتابٍ وغَيْرِهِ ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٦] المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ في أمْرِ الإيمانِ بِاصْطِفائِهِمْ مَعَ تَوْجِيهِ الأوامِرِ إلَيْهِمْ ﴿ونَحْنُ لَهُ﴾ أيْ: لِرَبِّهِمُ المُحْسِنِ إلَيْنا بِإحْسانِهِ إلَيْهِمْ وحْدَهُ ﴿مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ في الظّاهِرِ بَعْدَ انْقِيادِ الباطِنِ، لا أمْرَ لَنا مَعَهُ أصْلًا، قالَ الحَرالِّيُّ: فَأجْرى عَلى ألْسِنَةِ الَّذِينَ آمَنُوا مِن هَذِهِ الأُمَّةِ تَلْقِينًا لَهم ما أجْراهُ عَلى ألْسِنَةِ الأسْباطِ قَوْلًا مِنهم، فَكانَتِ العَرَبُ أحَقَّ بِهِمْ مِن أبْناءِ إسْرائِيلَ بِما اسْتَوَوْا في الدِّينِ وإنِ افْتَرَقُوا في نَسَبِ الإسْرائِيلِيَّةِ. انْتَهى. والأسْباطُ جَمْعُ سِبْطٍ، قالَ في القامُوسِ: والسِّبْطُ - بِالكَسْرِ - ولَدُ الوَلَدِ والقَبِيلَةُ مِنَ اليَهُودِ وجَمْعُهُ أسْباطٌ. وقالَ البَيْضاوِيُّ: والأسْباطُ جَمْعُ سِبْطٍ وهو الحافِدُ، يُرِيدُ بِهِ حَفَدَةَ يَعْقُوبَ وأبْناءَهُ وذَرارِيهِمْ فَإنَّهم حَفَدَةٌ لِإبْراهِيمَ وإسْحاقَ.
(p-١٩٠)وقالَ الأصْبِهانِيُّ: قِيلَ أصْلُ السِّبْطِ في اللُّغَةِ شَجَرَةٌ مُلْتَفَّةٌ كَثِيرَةُ الأغْصانِ مِن شَجَرَةٍ واحِدَةٍ، وقالَ البَغَوِيُّ: والأسْباطُ يَعْنِي أوْلادَ يَعْقُوبَ، واحِدُهم سِبْطٌ، وهُمُ اثْنا عَشَرَ سِبْطًا، وسِبْطُ الرَّجُلِ حافِدُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْحَسَنِ والحُسَيْنِ: سَبْطا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والأسْباطُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كالقَبائِلِ مِنَ العَرَبِ مِن بَنِي إسْماعِيلَ، والشُّعُوبِ مِنَ العَجَمِ، وكانَ في الأسْباطُ أنْبِياءَ فَلِذَلِكَ قالَ: ”وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ“ وقِيلَ: هم بَنُو يَعْقُوبَ مِن صُلْبِهِ صارُوا كُلُّهم أنْبِياءَ. انْتَهى. قُلْتُ: وهَذا هو الَّذِي يَظْهَرُ إذا تَأمَّلْتَ هَذِهِ الآيَةَ مَعَ الَّتِي بَعْدَها وآيَةِ النِّساءِ، فَإنَّ الأسْباطَ - أعْنِي القَبائِلَ - كانَتْ مِنهُمُ الضُّلّالُ، وقَدْ أنْكَرَ اللَّهُ عَلى مَن قالَ: إنَّهم كانُوا هُودًا أوْ نَصارى، وأخْبَرَ في آيَةِ النِّساءِ أنَّهُ أوْحى إلَيْهِمْ، وقَدْ عَدَّ الأسْباطَ - أعْنِي أوْلادَ يَعْقُوبَ - جَماعَةً، فاخْتَلَفَتْ عِباراتُهم عَنْهم، والَّذِي حَرَّرْتُهُ أنا مِنَ التَّوْراةِ مِن عِدَّةِ نُسَخٍ أصَحُّ، عَدَّهم في آخِرِ السِّفْرِ الأوَّلِ مِنها ثُمَّ قالَ في أوَّلِ السِّفْرِ الثّانِي: وهَذِهِ أسْماءُ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ دَخَلُوا (p-١٩١)مِصْرَ مَعَ يَعْقُوبَ أبِيهِمْ، دَخَلَ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم وأهْلُ بَيْتِهِ، رُوبِيلُ وشَمْعُونُ ولاوى ويَهُودا وإيساخارُ وزَبْلُونُ وبِنْيامِينُ ودانٌ ونَفْتالِي وجادٌ وأُشِيرُ، ويُوسُفُ كانَ بِمِصْرَ. انْتَهى.
قُلْتُ: وبِنْيامِينُ شَقِيقُ يُوسُفَ عَلَيْهِما السَّلامُ ورُبَّما قِيلَ فِيهِ: بِنْمَنُ، وفي رُوبِيلَ: رُوبالُ، وفي شَمْعُونَ: شَمْعانُ، وفي إيساخارَ: إيساخَرُ، وفي زَبْلُونَ: زَبْلُونُ وزَبُولُونُ - واللَّهُ أعْلَمُ.
2:137–138Page 21
فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٣٧
So if they believe in the same as you believe in, then they have been [rightly] guided; but if they turn away, they are only in dissension, and Allāh will be sufficient for you against them. And He is the Hearing, the Knowing.
صِبۡغَةَ ٱللَّهِ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبۡغَةٗۖ وَنَحۡنُ لَهُۥ عَٰبِدُونَ ١٣٨
[And say, "Ours is] the religion of Allāh. And who is better than Allāh in [ordaining] religion? And we are worshippers of Him."
ولَمّا قَدَّمَ تَعالى ما أمَرَهم بِهِ وكانَ عَيْنَ الهُدى تَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ مُعَبِّرًا بِأداةِ الشَّكِّ إشارَةً إلى أنَّ إيمانَهم لِما لَهم مِنَ الكَثافَةِ والغِلْظَةِ والجَلافَةِ في غايَةِ البُعْدِ: ﴿فَإنْ آمَنُوا﴾ أيْ: أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ أرادُوا أنْ يَسْتَتْبِعُوكم ﴿بِمِثْلِ﴾ أيْ: بِنَفْسِ وحَقِيقَةِ ﴿ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ كَما يَأْتِي بَيانُهُ في ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] مِنَ الشُّورى، فَكانُوا تَبَعًا لَكم ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ عَكْسَ ما قالُوا مِثْلُنا تَهْتَدُوا، وعَبَّرَ بِفِعْلِ المُطاوَعَةِ لِكَوْنِ الإيمانِ مَعَ ظُهُورِهِ بِظُهُورِ دَلائِلِهِ مُوافِقًا لِلْفِطْرَةِ الأُولى، وأمّا الكُفْرُ فَإنَّهُ لَمّا كانَ لِأجَلِ (p-١٩٢)ظُهُورِ الإيمانِ وانْطِباعِهِ في الجِنانِ بَعِيدًا عَنِ المِزاجِ لا يَكُونُ إلّا بِنَوْعٍ مِنَ العِلاجِ بَيْنَ الهَوى والعَقْلِ وكانَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الإعْراضِ عَنِ الإيمانِ وغَيْبَتِهِ عَنِ العِيانِ عَبَّرَ عَنِ ارْتِكابِهِ بِما يُشْعِرُ بِذَلِكَ بِصِيغَةِ التَّفَعُّلِ فَقالَ: ﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: فِيهِ إشْعارٌ بِإيمانِ مُؤْمِنٍ مِنهم وتَوَلِّي مُتَوَلٍّ مِنهم، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إذا صُنِّفَ الخِطابُ كانَ نَبَأً عَنْ تَصْنِيفِ الكِيانِ، فَهو تَعالى لا يُخْرِجُ نَبَأهُ عَلى غَيْرِ كائِنٍ فَيَكُونُ نَبَأً لا كَوْنَ لَهُ، إنَّما ذَلِكَ أدْنى أوْصافِ بَعْضِ الخَلْقِ ﴿فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ أيْ: يُرِيدُونَ أنْ يَكُونُوا في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّكم، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ الهُدى لَيْسَ في شَيْءٍ غَيْرِهِ كَما اقْتَضَتْهُ ”إنَّما“ .
ولَمّا كانَ اللّازِمُ لِمُشاقَّتِهِمْ عَلى هَذا الحالِ المُكايَدَةَ والمُحارَبَةَ وكانَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ العِنادِ لَمْ يَكِلْ سُبْحانَهُ كِفايَةَ أوْلِيائِهِ إلى غَيْرِهِ فَسَبَّبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ أصْلًا وإنْ تَأخَّرَ شَيْئًا مِن تَأخُّرٍ بِما لَهُ مِن قُدْرَةٍ وغَيْرِها مِن صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي أفْهَمَها الِاسْمُ الشَّرِيفُ، والكِفايَةُ إغْناءُ المُقاوِمِ عَنْ مُقاوَمَةِ عَدُوِّهِ بِما لا يُحْوِجُهُ إلى (p-١٩٣)دَفْعٍ لَهُ - قالَهُ الحَرالِّيُّ. ولَمّا كانَ المُناوِئُ لِشَخْصٍ إمّا أنْ يَكِيدَهُ بِقَوْلِهِ أوْ بِفِعْلِهِ وكانَ الفِعْلُ مَسْبُوقًا بِالِارْتِسامِ في الضَّمِيرِ وكانَ الكافِي لِشَخْصٍ إنَّما يَتَوَقَّفُ كِفايَتُهُ عَلى العِلْمِ بِما يُصْلِحُهُ قالَ: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ﴾ أيْ: لِما يَقُولُ أعْداؤُكم ﴿العَلِيمُ﴾ بِما يُضْمِرُونَ فَهو يُسَبِّبُ لِكُلِّ قَوْلٍ وضَمِيرٍ مِنهم ما يَرُدُّ ضَرَرَهُ عَلَيْهِ، فَحَظُّكم مِنهم مَقْصُورٌ عَلى أذًى في القَوْلِ وسُوءٍ في وُدٍّ في الضَّمِيرِ، وحَظُّهم مِنكم قَهْرُهم وسَبْيُهم والِاسْتِيلاءُ عَلى دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ. وجَعَلَ الحَرالِّيُّ ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أيْ: هَيْئَةَ صَبْغِ المَلِكِ الأعْلى الَّتِي هي حِلْيَةُ المُسْلِمِ وفِطْرَتُهُ كَما أنَّ الصِّبْغَةَ حِلْيَةُ المَصْبُوغِ حالًا تَقاضاها مَعْنى الكَلامِ، وعابَ عَلى النُّحاةِ كَوْنَهم لا يَعْرِفُونَ الحالَ إلّا مِنَ الكَلِمِ المُفْرَدَةِ ولا يَكادُونَ يَتَفَهَّمُونَ الأحْوالَ مِن جُمْلَةِ الكَلامِ، وقالَ: الصِّيغَةُ تَطْوِيرٌ مُعاجِلٌ بِسُرْعَةِ وحْيِهِ، وقالَ: فَلَمّا كانَ هَذا التَّلْقِينُ تَلْقِينًا وحْيًا سَرِيعَ التَّصْيِيرِ مِن حالِ الضَّلالِ المُبِينِ الَّذِي كانَتْ فِيهِ العَرَبُ في جاهِلِيَّتِها إلى حالِ الهُدى المُبِينِ الَّذِي كانَتْ فِيهِ الأنْبِياءُ في هِدايَتِها مِن غَيْرِ مُدَّةٍ جَعَلَهُ تَعالى صِبْغَةً (p-١٩٤)كَما يُصْبَغُ الثَّوْبُ في الوَقْتِ فَيَسْتَحِيلُ مِن لَوْنٍ إلى لَوْنٍ في مُقابَلَةِ ما يَصْبُغُهُ أهْلُ الكِتابِ بِأتْباعِهِمُ المُتَّبِعِينَ لَهم في أهْوائِهِمْ في نَحْوِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ الغِطاسَ ﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ (p-١٩٥)﴿صِبْغَةَ﴾ لِأنَّها صِبْغَةُ قَلْبٍ لا تَزُولُ لِثَباتِها بِما تَوَلّاها الحَفِيظُ العَلِيمُ، وتِلْكَ صِبْغَةُ جِسْمٍ لا تَنْفَعُ، وفِيهِ إفْهامٌ بِما يَخْتَصُّ بِهِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ انْقِلابِ جَوْهَرِهِمْ نُورًا، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي نُورًا» ! فَكانَ ما انْقَلَبَ إلَيْهِ جَوْهَرُ الأئِمَّةِ انْصَبَغَتْ بِهِ قُلُوبُ الأُمَّةِ ﴿ونَحْنُ لَهُ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿عابِدُونَ﴾ تَكْمِلَةً لِرَدِّ الخِطابِ عَلى خِطابِ عَهْدِ إسْرائِيلَ حَيْثُ قالَ: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾ [البقرة: ١٣٣] إلّا أنَّ العِبادَةَ في عَهْدِ إسْرائِيلَ سابِقَةٌ والإسْلامَ حَتْمٌ، والإسْلامُ في هَذا التَّلْقِينِ بَدْءٌ لِتَقَعَ العِبادَةُ شُكْرًا - يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ، وجاءَ بِهِ بِالوَصْفِ الثّابِتِ الدّائِمِ فَفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ أحَدًا مِنهم لا يَرْتَدُّ عَنْ دِينِهِ سَخْطَةً لَهُ بَعْدَ أنْ خالَطَ الإيمانُ بِشاشَةَ قَلْبِهِ، وهو حَظٌّ عامٌّ مِنَ العِصْمَةِ الثّابِتِ خاصُّها لِلنَّبِيِّ ﷺ في عَلِيِّ أمْرِهِ. انْتَهى.
2:139Page 21
قُلۡ أَتُحَآجُّونَنَا فِي ٱللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمۡ وَلَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُخۡلِصُونَ ١٣٩
Say, [O Muḥammad], "Do you argue with us about Allāh while He is our Lord and your Lord? For us are our deeds, and for you are your deeds. And we are sincere [in deed and intention] to Him."
ولَمّا أمَرَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٥] وما بَعْدَهُ بِإعْلامِ الخَصْمِ بِالمُخالَفَةِ وأنْ لا مُوافَقَةَ إلّا بِتَرْكِ الهَوى واتِّباعِ الهُدى أمَرَ بِمُجادَلَتِهِمْ بِما يُوهِي أقْوالَهم ويُزِيحُ شُبَهَهم فَقالَ مُعْرِّضًا بِالخِطابِ عَنِ الجَمْعِ مُوَجِّهًا لَهُ إلى رَسُولِهِ ﷺ رَفْعًا لِمَقامِهِ وتَعْرِيفًا بِعَلِيِّ مَنصِبِهِ إعْلامًا بِأنَّهُ لا يَنْهَضُ بِذَلِكَ غَيْرُهُ لِما لَهم مِنَ العِلْمِ مَعَ ما عِنْدَهم مِنَ الجَدَلِ واللَّدَدِ: ﴿قُلْ﴾ [البقرة: ١٣٥] مُنْكِرًا لِمُحاجَّتِهِمْ ومُوَبِّخًا لَهم عَلَيْها ﴿أتُحاجُّونَنا﴾ ولَمّا كانَ الأنْسَبُ في المُقارَعَةِ إعْلامَ الخَصْمِ بِالمُخالَفَةِ (p-١٩٦)لِأنَّهُ أقْطَعُ لِطَمَعِهِ وأمْكَنُ لِغَيْظِهِ مَعَ أنَّهُ هُنا أقْرَبُ إلى رِضى الخالِقِ قُدِّمَ عَلى المُجادَلَةِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فِي اللَّهِ﴾ في اخْتِصاصِكم بِالمُلْكِ الَّذِي لا مُلْكَ سِواهُ، لِأنَّ لَهُ الكَمالَ كُلَّهُ المُشارَ إلى إبْطالِهِ فِيما سَبَقَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً﴾ [البقرة: ٩٤] أيْ: أتُحاجُّونَنا في ذَلِكَ ولا وجْهَ لِاخْتِصاصِكم بِهِ ﴿وهُوَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ ﴿رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾ نَحْنُ وأنْتُمْ في العُبُودِيَّةِ لَهُ سَواءٌ ﴿ولَنا أعْمالُنا﴾ نَخْتَصُّ بِهِ دُونَكم ﴿ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ تَخْتَصُّونَ بِها دُونَنا، لا نَخافُ مِنهُ أنْ يَخُصَّكم بِأعْمالِنا ولا بِشَيْءٍ مِنها لِتَخْتَصُّوا بِها عِنْدَهُ ولا أنْ يَخُصَّنا بِأعْمالِكم ولا بِشَيْءٍ مِنها لِنَبْعُدَ بِها عَنْهُ ظُلْمًا ولا غَلَطًا، لِأنَّهُ السَّمِيعُ العَلِيمُ الغَنِيُّ الحَمِيدُ ﴿ونَحْنُ﴾ أحْسَنُ أعْمالًا مِنكم لِأنّا دُونَكم ﴿لَهُ﴾ وحْدَهُ ﴿مُخْلِصُونَ﴾ لا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وأنْتُمْ تُشْرِكُونَ بِهِ عُزَيْرًا والمَسِيحَ والأحْبارَ والرُّهْبانَ، وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ في باطِنِ الأمْرِ وإنْ أظْهَرْتُمْ خِلافَهُ، فَلَزِمَ قَطْعًا أنّا أخَصُّ بِهِ مِنكم؛ والإخْلاصُ عَزْلُ النَّفْسِ جُمْلَةً، فَلا يَبْلُغُ عَبْدٌ حَقِيقَتَهُ حَتّى لا يُحِبَّ أنْ يُحْمَدَ عَلى عَمَلٍ.
2:140Page 21
أَمۡ تَقُولُونَ إِنَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ قُلۡ ءَأَنتُمۡ أَعۡلَمُ أَمِ ٱللَّهُۗ وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَٰدَةً عِندَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ١٤٠
Or do you say that Abraham and Ishmael and Isaac and Jacob and the Descendants were Jews or Christians? Say, "Are you more knowing or is Allāh?" And who is more unjust than one who conceals a testimony1 he has from Allāh? And Allāh is not unaware of what you do.
ولَمّا كانَ قَدْ بَقِيَ مِن مُباهَتاتِهِمْ أنَّهم (p-١٩٧)يَدَّعُونَ أنَّ أسْلافَهم كانُوا عَلى دِينِهِمْ فَيَكُونُ دَعْواهُمُ الِاخْتِصاصَ بِالجَنَّةِ صَحِيحَةً أبْطَلَها سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ﴾ أيْ: أرَجَعُوا عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥] لِما ثَبَتَ مِن مُخالَفَةِ ذَلِكَ لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ وآلِهِ ﴿أمْ تَقُولُونَ﴾ ولا يَخْفى أنَّ التَّقْدِيرَ عَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ وخَلَفٍ وحَفْصٍ ورُوَيْسٍ بِالخِطابِ: أرْجَعْتُمْ عَنْ قَوْلِكم: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ﴾ خَلِيلَ اللَّهِ ﴿وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ ابْنَيْهِ ﴿ويَعْقُوبَ﴾ ابْنَ إسْحاقَ ﴿والأسْباطَ﴾ أوْلادَ يَعْقُوبَ ﴿كانُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ لِتَصِحَّ دَعْواهم في أنَّ الجَنَّةَ خالِصَةٌ لِأهْلِ مِلَّتِهِمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما يُقالُ لَهم إنْ قالُوا ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ﴾ بِذَلِكَ وبِغَيْرِهِ ﴿أمِ اللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ كُلُّها أعْلَمُ، فَلا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا: نَحْنُ، وإنْ قالُوا: اللَّهُ، فَقَدْ بَرَّأ إبْراهِيمَ مِن ذَلِكَ فَبَطَلَ ما ادَّعَوْا.
ولَمّا كانَ العِلْمُ عِنْدَهم عَنِ اللَّهِ بِأنَّ الخَلِيلَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى دِينِ الإسْلامِ وكانُوا يَكْتُمُونَ ما عِنْدَهم مِن ذَلِكَ مَعَ تَقْرِيرِ اللَّهِ لَهم واسْتِخْبارِهِمْ عَنْهُ ونَهْيِهِ لَهم عَنْ كِتْمانِهِ وما يُقارِبُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢] وكانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ ادَّعى أنَّهُ أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ بِدَعْواهُ ذَلِكَ صَرِيحًا أوْ لُزُومِهِ لَهُ بِإخْبارِهِ بِخِلافِ ما ثَبَتَ في القُرْآنِ المَعْلُومِ صِدْقُهُ بِإعْجازِهِ ! قالَ تَعالى عَطْفًا عَلى هَذا المَقْدُورِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ﴾ أيْ: مَوْجُودَةٌ ومُودَعَةٌ عِنْدَهُ (p-١٩٨)﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: كَتَمَها مِنَ المَلِكِ الأعْظَمِ، أوْ هي عِنْدَهُ مِنهُ وهو يَسْتَخْبِرُهُ عَنْها مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ فاضِحُهُ لِأنَّهُ العالِمُ بِالسَّرائِرِ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّهُ يَعْلَمُ ما عَمِلَهُ مِن كِتْمانِهِ عَطَفَ عَلَيْهِ ما هو أعَمُّ مِنهُ فَقالَ: ﴿وما اللَّهُ﴾ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ إشْعارًا بِصِيغَةِ المُضارِعِ بِتَمادِيهِمْ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ عَلى سُوءِ أعْمالِهِمْ وتَحْذِيرًا مِن مِثْلِ ذَلِكَ.
2:141Page 21
تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٤١
That is a nation which has passed on. It will have [the consequence of] what it earned, and you will have what you have earned. And you will not be asked about what they used to do.
ولَمّا لَمْ يَدَعْ لَهم مُتَمَسَّكًا مِن جِهَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أتْبَعَ ذَلِكَ الإشارَةَ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ دَعْواهم إلى أنَّ الدِّينَ دائِرٌ مَعَ أمْرِهِ في كُلِّ زَمانٍ لا مَعَ ما قَرَّرَهُ لِأحَدٍ مِن خَلْقِهِ فَإنَّهُ لا حَجْرَ عَلَيْهِ ولا اعْتِراضَ بَلْ لَهُ أنْ يَأْمُرَ اليَوْمَ بِأمْرٍ وغَدًا مَثَلًا بِضِدِّهِ وأنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ مِن إحْكامٍ ونَسْخٍ ونَسِيءٍ وإنْساءٍ فَقالَ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾ أيْ: إبْراهِيمُ وآلُهُ ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ أيْ: فَهَبْ أنَّهم عَلى ما زَعَمْتُمْ فَقَدْ مَضَوْا وقَدَمَ زَمانُهم فَلا يَنْفَعُكم إلّا ما تَسْتَجْدُونَهُ في وقْتِكم هَذا بِحُكْمِ ما تَجَدَّدَ مِنَ المُنَزَّلِ المُعْجِزِ لِكافَّةِ أهْلِ الأرْضِ أحْمَرِهِمْ (p-١٩٩)وأسْوَدِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: لَمّا كانَ مَضْمُونُ ما سَبَقَ مِن إثْباتِ الأعْلَمِيَّةِ لِلَّهِ وكِتْمانِهِمُ الشَّهادَةَ بِما عِنْدَهم ثُبُوتَ ما أخْبَرَ بِهِ سُبْحانَهُ عَلى لِسانِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ مِن كَوْنِ أصْفِيائِهِ عَلى دِينِهِ الإسْلامِ فَهم بُرَآءُ مِنهم كانَ المَعْنى: إنِ ادَّعَيْتُمْ بُهْتًا أنَّ العِلْمَ جاءَكم عَنِ اللَّهِ بِما ادَّعَيْتُمُوهُ قِيلَ: إنَّ مَن تَدَّعُونَ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنَ الأنْبِياءِ قَدِ انْقَضَتْ مُعْجِزَتُهُ بِمَوْتِهِ، وكِتابُكم غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَيْهِ التَّحْرِيفُ والتَّبْدِيلُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُعْجِزٍ، وهَذا النَّبِيُّ الآتِي بِالقُرْآنِ قائِمٌ بَيْنَ أظْهُرِكم وهو يُخْبِرُكم عَنِ اللَّهِ بِكَذِبِ دَعْواكم، ويُؤَيِّدُ قَوْلَهُ بِالمُعْجِزاتِ الَّتِي مِنها هَذا القُرْآنُ الَّذِي عَجَزَتِ العَرَبُ كُلُّها عَنِ الإتْيانِ بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ وأنْتُمْ كَذَلِكَ مَعَ مُشارَكَتِكم لَهم في الفَصاحَةِ نَظْمًا ونَثْرًا واخْتِصاصِكم عَنْهم بِالعِلْمِ فَلَزِمَكم قَبُولُهُ، لِأنَّكم لا تَسْتَنِدُونَ في تَرْوِيجِ كَذِبِكم بَعْدَ الجُهْدِ إلّا إلى مَن ثَبَتَ صِدْقُهُ بِثُبُوتِ رِسالَتِهِ، وثَبَتَتْ رِسالَتُهُ بِظُهُورِ مُعْجِزَتِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْكم قَبُولُ أمْرِهِ، وذَلِكَ يُنْتِجُ قَطْعًا أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكم قَبُولُ هَذا الدّاعِي بِهَذا القُرْآنِ لِمِثْلِ ذَلِكَ سَواءٌ، وإلّا كانَ قَبُولُ بَعْضَ مَن ثَبَتَ لَهُ هَذا الوَصْفُ دُونَ البَعْضِ تَحَكُّمًا واتِّباعًا لِلْهَوى المَذْمُومِ في كُلِّ شِرْعَةٍ المَنعِيِّ عَلَيْكم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ﴾ [البقرة: ٨٧] هَذا مَعَ أنَّ رَدَّ قَوْلِكم هَذا فِيهِمْ أظْهَرُ ظاهِرٍ مِن حَيْثُ إنَّهُ (p-٢٠٠)لا يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ السّابِقَ عَلى نِسْبَةِ اللّاحِقِ ما حَدَثَتْ بِهِ إلّا بَعْدَهُ بِمُدَدٍ مُتَطاوِلَةٍ، وسَيَأْتِي النَّصُّ الصَّرِيحُ بِإبْطالِ ذَلِكَ في آلِ عِمْرانَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى والإشارَةُ إلى مُنابَذَتِهِ لِلْعَقْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥] لِيَتَطابَقَ عَلى إبْطالِهِ صادِقُ النَّقْلِ وحاكِمُ العَقْلِ، وإلى هَذا كُلِّهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِكم بِدُهُورٍ ولا يَقْبَلُ الإخْبارُ عَنْهم بَعْدَها إلّا بِقاطِعٍ، ولا سَبِيلَ لَكم إلَيْهِ وقَدْ قامَ القاطِعُ عَلى مُخالَفَتِكم لَهم بِهَذا القُرْآنِ المَقْطُوعِ بِصِدْقِهِ بِإعْجازِهِ بِما تَقَدَّمَ وبِما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ أيْ: مِن أعْمالِها ﴿ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ أيْ: مِن أعْمالِكم، فَلا يُسْألُونَ هم عَنْ أعْمالِكم ﴿ولا تُسْألُونَ﴾ أيْ: أنْتُمْ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences