Al-Biqa'iAl‑Baqarah · 2:158–162

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:158–162

2:158Page 24

۞ إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَيۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ١٥٨

Indeed, aṣ-Ṣafā and al-Marwah are among the symbols1 of Allāh. So whoever makes ḥajj [pilgrimage] to the House or performs ʿumrah - there is no blame upon him for walking between them.2 And whoever volunteers good - then indeed, Allāh is Appreciative3 and Knowing.

ولَمّا فَرَغَ مِمّا أرادَ مِن أحْوالِ الطّاعِنِينَ في القِبْلَةِ الَّتِي هي قِيامٌ لِلنّاسِ وما اسْتَتْبَعَ ذَلِكَ مِمّا يَضْطَرُّهُ إلَيْهِ في إقامَةِ الدِّينِ مِن جِدالِهِمْ وجِلادِهِمْ وخَتَمَ ذَلِكَ بِالهُدى شَرَعَ في ذِكْرِ ما كانَ البَيْتُ بِهِ قِيامًا (p-٢٦٢)لِلنّاسِ مِنَ المَشاعِرِ القائِدَةِ إلى كُلِّ خَيْرٍ الحامِيَةِ عَنْ كُلِّ ضَيْرٍ الَّتِي جُعِلَتْ مَواقِفُها أعْلامًا عَلى السّاعَةِ لا سِيَّما والحَجُّ أخُو الجِهادِ في المَشَقَّةِ والنُّزُوحِ عَنِ الوَطَنِ وقَدْ سَمّاهُ النَّبِيُّ ﷺ أحَدَ الجِهادَيْنِ مَعَ أنَّهُ مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ البَيْتِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآياتِ مَناقِبُهُ المَتْلُوَّةِ مَآثِرُهُ المَنصُوبَةِ شَعائِرُهُ الَّتِي هي في الحَقِيقَةِ دَعائِمُهُ مِنَ الِاعْتِكافِ والصَّلاةِ والطَّوافِ [المُشارِ ] إلى حَجِّهِ واعْتِمارِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] فَأفْصَحَ بِهِ بَعْدَ تِلْكَ الإشارَةِ بَعْضَ الإفْصاحِ إذْ كانَ لَمْ يَبْقَ مِن مَفاخِرِهِ العُظْمى غَيْرُهُ وضَمَّ إلَيْهِ العُمْرَةَ الحَجَّ الأصْغَرَ لِمُشارَكَتِها لَهُ في إظْهارِ فَخارِهِ وإعْلاءِ مَنارِهِ فَقالَ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ﴾ فَهو كالتَّعْلِيلِ لِاسْتِحْقاقِ البَيْتِ لِأنْ يَكُونَ (p-٢٦٣)قِبْلَةً، وعَرَّفَهُما لِأنَّهُما جَبَلانِ مَخْصُومانِ مَعْهُودانِ تِجاهَ الكَعْبَةِ، اسْمُ الصَّفا مِنَ الصَّفْوَةِ وهو ما يُخَلَّصُ مِنَ الكَدَرِ، واسْمُ المَرْوَةِ مِنَ المَرْوِ وهو ما تَحَدَّدَ مِنَ الحِجارَةِ - قالَهُ الحَرالِّيُّ. وخَصَّهُما هُنا بِالذِّكْرِ إشارَةً إلى أنَّ بَرَكَةَ الإقْبالِ عَلَيْهِما عَلى ما شَرَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُفِيدَةٌ لِحَياةِ القُلُوبِ بِما أُنْزِلَ عَلى هَذا الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ الباقِيَيْنِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ شِفاءً لِلْقُلُوبِ وزَكاةً لِلنُّفُوسِ زِيادَةً لِلنِّعْمَةِ بِصِفَةِ الشُّكْرِ وتَعْلِيمًا بِصِفَةِ العِلْمِ كَما كانَ الإقْبالُ عَلى السَّعْيِ بَيْنَهُما تَسْلِيمًا لِأمْرِ اللَّهِ مُفِيدًا لِحَياةِ أبِيهِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ونَفَعَ مَن بَعْدَهُ بِما أنَبَعَ لَهُ مِن ماءِ زَمْزَمَ الباقِي إلى قِيامِ السّاعَةِ طَعامَ طُعْمٍ وشِفاءَ سُقْمٍ، وفي ذَلِكَ مَعَ تَقْدِيمِ الصَّفا إشارَةً لِلْبُصَراءِ مِن أرْبابِ القُلُوبِ إلى أنَّ الصّابِرَ لِلَّهِ المُبَشَّرَ فِيما قَبْلَها يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ قَلْبُهُ جامِعًا بَيْنَ الصَّلابَةِ والصَّفا، فَيَكُونُ بِصَلابَتِهِ الحَجَرِيَّةِ مانِعًا مِنَ القَواطِعِ الشَّيْطانِيَّةِ، وبِرِقَّتِهِ الزُّجاجِيَّةِ جامِعًا لِلَوامِعِ الرَّحْمانِيَّةِ، بَعِيدًا عَنِ القَلْبِ المائِيِّ بِصَلابَتِهِ، وعَنِ الحَجَرِيِّ بِصَفائِهِ واسْتِنارَتِهِ. ومِن أعْظَمِ المُناسَباتِ أيْضًا كَوْنُ (p-٢٦٤)سَبِيلِ الحَجِّ إذْ ذاكَ كانَ مَمْنُوعًا بِأهْلِ الحَرْبِ، فَكَأنَّها عِلَّةٌ لِما قَبْلَها وكَأنَّهُ قِيلَ: ولَنَبْلُوَنَّكم بِما ذُكِرَ لِأنَّ الحَجَّ مِن أعْظَمِ شَعائِرِ هَذا البَيْتِ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِاسْتِقْبالِهِ وهو مِمّا يُفْرَضُ عَلَيْكم وسَبِيلُهُ مَمْنُوعٌ بِمَن تَعْلَمُونَ، فَلَنَبْلُوَنَّكم بِقِتالِهِمْ لِزَوالِ مانِعِ الحَجِّ وقِتالِ غَيْرِهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ لِإتْمامِ النِّعْمَةِ بِتَمامِ الدِّينِ وظُهُورِهِ عَلى كُلِّ دِينٍ. ومِن أحْسَنِها أيْضًا أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ البَلايا بِنَقْصِ الأمْوالِ بِسَبَبِ الذُّنُوبِ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] أتْبَعَها الدَّواءَ الجابِرَ لِذَلِكَ النَّقْصِ دِينًا ودُنْيا، «فَإنَّ الحَجَّ والعُمْرَةَ يَنْفِيانِ الفَقْرَ والذُّنُوبَ كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ» رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ورُوِيَ أيْضًا عَنْ عِدَّةٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم كَما بَيَّنْتُهُ في كِتابِي الِاطِّلاعُ عَلى حَجَّةِ الوَداعِ.

وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ جامِعَةٍ مِن أمْرِ الحَجِّ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿ولأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] مِن حَيْثُ إنَّ النِّعْمَةَ المُضافَةَ إلَيْهِ أحَقُّ بِنِعْمَةِ الدِّينِ وفي ضِمْنِها نِعْمَةُ الدُّنْيا الَّتِي لَمْ يَتَهَيَّأِ الحَجُّ إلّا بِها مِنَ الفَتْحِ والنَّصْرِ والِاسْتِيلاءِ عَلى كافَّةِ العَرَبِ كَما قالَ تَعالى فِيما أنْزَلَ يَوْمَ تَمامِ الحَجِّ الَّذِي (p-٢٦٥)هُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] وذَلِكَ بِما أتَمَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْهِمْ مِن نِعْمَةِ تَمامِ مَعالِمِ الدِّينِ وتَأْسِيسِ الفَتْحِ بِفَتْحِ أُمِّ القُرى الَّتِي في فَتْحِها فَتْحُ جَمِيعِ الأرْضِ لِأنَّها قِيامُ النّاسِ نَظَمَ تَعالى بِما تَلاهُ مِنَ الخِطابِ تَفْصِيلًا مِن تَفاصِيلِ أمْرِ الحَجِّ انْتَظَمَ بِأمْرِ الَّذِينَ آمَنُوا مِن حَيْثُ ما في سَبَبِ إنْزالِهِ مِنَ التَّحَرُّجِ لِلَّذِينِ أُعْلِمُوا بِرَفْعِ الجُناحِ عَنْهم وهم طائِفَةٌ مِنَ الأنْصارِ كانُوا يُهِلُّونَ لِمَناةَ وكانَتْ مَناةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ فَتَحَرَّجُوا مِنَ التَّطَوُّفِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ. وطائِفَةٌ أيْضًا خافُوا أنْ يَلْحَقَهم في الإسْلامِ بِعَمَلِهِمْ نَحْوُ ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ في الجاهِلِيَّةِ نَقْصٌ في عَمَلِ الإسْلامِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ ذَلِكَ مَوْضُوعٌ عَنْهم لِمُخْتَلِفِ نِيّاتِهِمْ فَإنَّ الأعْمالَ بِالنِّيّاتِ، فَما نُوِيَ لِلَّهِ كانَ لِلَّهِ ولَمْ يَبُلَّ فِيهِ بِمُوافَقَةِ ما كانَ مِن عاداتِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ، وفي فِقْهِهِ صِحَّةُ السُّجُودِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِمَن أُكْرِهَ عَلى السُّجُودِ لِلصَّنَمِ، وفي طَيِّ ذَلِكَ صِحَّةُ التَّعَبُّدِ لِلَّهِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ لِمَن أُكْرِهَ عَلَيْها، أذِنَ ﷺ (p-٢٦٦)غَيْرَ مَرَّةٍ في أنْ يَقُولَ فِيهِ قائِلٌ ما يُوافِقُ الكُفّارَ بِحُسْنِ نِيَّةٍ لِلْقائِلِ فِيهِ ذَلِكَ ولِقَضاءِ حاجَةٍ لَهُ مِن حَوائِجِ دُنْياهُ عِنْدَ الكَفّارِ، فَظَهَرَ بِذَلِكَ كَوْنُهُ ﷺ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، يَقْبَلُ الضَّمائِرَ ولا يُبالِي بِالظَّواهِرِ في أحْوالِ الضَّرائِرِ، فَرَفَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْهُمُ الجُناحَ بِحُسْنِ نِيّاتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمَلَهم، فَبِهَذا النَّحْوِ مِنَ التَّقاصُرِ في هَذِهِ الرُّتْبَةِ انْتَظَمَ افْتِتاحُ هَذا الخِطابِ بِما قَبْلَهُ مِن أحْوالِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ المُبْتَلِينَ بِما ذُكِرَ. انْتَهى.

﴿مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ أيْ: أعْلامِ دِينِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي دانَ كُلُّ شَيْءٍ لِجَلالِهِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: وهي أيِ الشَّعائِرُ ما أحَسَّتْ بِهِ القُلُوبُ مِن حَقِّهِ، وقالَ: والشُّعَيْرَةُ ما شَعَرَتْ بِهِ القُلُوبُ مِن أُمُورٍ باطِنَةٍ ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] وإنَّما ذَكَرَها تَعالى بِالشَّعائِرِ وعَمَلُها مَعْلَمٌ [مِن ] مَعالِمِ الإسْلامِ (p-٢٦٧)وحُرْمَةٌ مِن حُرُمِ اللَّهِ لَمّا كانَ حَكَمَ في أمْرِ القُلُوبِ الَّتِي كانَ في ضَمائِرِها تَحَرُّجُهم فَمِن حَيْثُ ذَكَّرَها بِالشَّعِيرَةِ صَحَّحَها الإخْلاصُ والنِّيَّةُ ﴿فَمَن حَجَّ﴾ مِنَ الحَجِّ وهو تَرْدادُ القَصْدِ إلى ما يُرادُ خَيْرُهُ وبِرُّهُ. وقالَ الأصْفَهانِيُّ: أصْلُهُ زِيادَةُ شَيْءٍ تُعَظِّمُهُ. انْتَهى.

﴿البَيْتَ﴾ ذَكَرَ البَيْتَ في الحَجِّ والمَسْجِدَ الحَرامَ في التَّوَجُّهِ لِانْتِهاءِ الطَّوافِ إلى البَيْتِ واتِّساعِ المُصَلّى مِن حَدِّ المَقامِ إلى ما وراءَهُ لِكَوْنِ الطّائِفِ مُنْتَهِيًا إلى البَيْتِ وكَوْنِ المُصَلِّي قائِمًا بِمَحَلِّ أدَبٍ يُؤَخِّرُهُ عَنْ مُنْتَهى الطّائِفِ مُداناةُ البَيْتِ، وذَكَّرَهُ تَعالى بِكَلِمَةِ ”مَن“ المُطْلَقَةِ المُسْتَغْرِقَةِ لِأُولِي العَقْلِ تَنَكُّبًا بِالخِطابِ عَنْ خُصُوصِ المُتَحَرِّجِينَ، فَفي إطْلاقِهِ إشْعارٌ بِأنَّ الحَجَّ لا يَمْنَعُهُ شَيْءٌ مِمّا يَعْرِضُ في مَواطِنِهِ مِن مَكْرُوهِ الدِّينِ لِاشْتِغالِ الحاجِّ بِما هو فِيهِ عَمّا سِواهُ، فَفي خَفِيِّ فِقْهِهِ إعْراضُ الحاجِّ عَنْ مَناكِرِ تِلْكَ المَواطِنِ الَّتِي تُعْرَضُ فِيها بِحَسَبِ الأزْمانِ والأعْصارِ، ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّ الحَجَّ آيَةُ الحَشْرِ وأهْلِ الحَشْرِ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] فَكَذَلِكَ (p-٢٦٨)حُكْمُ ما هو آيَتُهُ؛ وحَجُّ البَيْتِ إتْيانُهُ في خاتِمَةِ السَّنَةِ مِنَ الشُّهُورِ الَّذِي هو شَهْرُ ذِي الحِجَّةِ أنَّهُ خَتَمَ العُمُرَ، كَما كانَ النَّبِيُّ ﷺ حَيْثُ خَتَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عُمُرَهُ بِعَمَلِ الحَجِّ؛ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿أوِ اعْتَمَرَ﴾ فَذَكَرَ العُمُرَةَ مَعَ الحَجِّ لَمّا كانَ الطَّوافُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ مِن شَعائِرِ العَمَلَيْنِ ﴿فَلا جُناحَ﴾ وهو المُؤاخَذَةُ عَلى الجُنُوحِ، والجُنُوحُ المَيْلُ عَنْ جادَّةِ القَصْدِ. انْتَهى.

﴿عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ﴾ أيْ: يَدُورَ بِهِمَّةٍ وتَعَمُّدٍ ونَشاطٍ ﴿بِهِما﴾ بادِيًا بِما بَدَأ اللَّهُ. قالَ الحَرالِّيُّ: رَفْعُ الجُناحِ عَنْ الفِعْلِ حُكْمٌ يَشْتَرِكُ فِيهِ الجائِزُ والواجِبُ والفَرْضُ والمُباحُ حَتّى يَصِحَّ أنْ يُقالَ: لا جُناحَ عَلَيْكَ أنْ تُصَلِّيَ الظُّهْرَ، كَما يُقالُ: لا جُناحَ عَلَيْكَ أنْ تَطْعَمَ إذا جُعْتَ؛ وإنَّما يُشْعِرُ بِالجَوازِ والتَّخْيِيرِ نَفْيُ الجُناحِ عَنِ التَّرْكِ لا عَنِ الفِعْلِ، كَما «قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلَّذِينِ سَألُوهُ عَنِ العَزْلِ: ”لا جُناحَ عَلَيْكم أنْ لا تَفْعَلُوا“» أيْ: أنْ لا تُنْزِلُوا، لِأنَّ الفِعْلَ كِنايَةٌ عَنِ الثُّبُوتِ لا عَنِ التَّرْكِ الَّذِي هو مَعْنى العَزْلِ ”وهُوَ الَّذِي قَرَّرَتْهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها لَمّا قالَ عُرْوَةُ: (p-٢٦٩)ما أرى عَلى أحَدٍ شَيْئًا أنْ لا يَطُوفَ بِهِما، فَقالَتْ: لَوْ كانَ كَما تَقُولُ كانَ: فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ لا يَطُوفَ بِهِما الحَدِيثَ. قُلْتُ: ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِالنَّفْيِ إنَّما اخْتِيرَ لِيَدُلَّ عَلى نَفْيِ ما تَوَهَّمُوهُ بِالمُطابَقَةِ، وتَقَعُ الدَّلالَةُ عَلى الوُجُوبِ بِإفْهامِ الجَزاءِ لِأنَّ مَن حَجَّ أوِ اعْتَمَرَ ولَمْ يَتَطَوَّفْ بِهِما كانَ عَلَيْهِ حَرَجٌ، وبِالسُّنَّةِ الَّتِي بَيَّنَتْهُ مِن قَوْلِهِ ﷺ: «اسْعَوْا فَإنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ» ومِن فِعْلِهِ ﷺ مَعَ قَوْلِهِ «.“ خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم ”» ومَن عَدَّهُما مِنَ الشَّعائِرِ ونَحْوِ ذَلِكَ. قالَ الحَرالِّيُّ: وما رُوِيَ مِن قِراءَةِ مَن قَرَأ“أنْ لا يَطُوفُ بِهِما”فَلَيْسَتْ“ لا ”نافِيَةٌ عَلى حَدِّ ما نَفَتْ مَعْناهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وإنَّما هي مُؤَكِّدَةٌ لِلْإثْباتِ بِمَنزِلَةِ ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] و﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩] لِأنَّ مِن تَمامِ المُبْهَمِ اسْتِعْمالُهُ في المُتَقابِلِينَ مِنَ النَّفْيِ والإثْباتِ كاسْتِعْمالِهِ في وُجُوهٍ مِنَ التَّقابُلِ كَما تُسْتَعْمَلُ“ ما ”في النَّفْيِ والإثْباتِ، وكَذَلِكَ جاءَتْ“ لا ”فِي لِسانِ العَرَبِ بِمَنزِلَتِها في الِاسْتِعْمالِ وإنْ كانَ دُونَ ذَلِكَ في الشُّهْرَةِ، فَوارِدُ القُرْآنِ مُعْتَبَرٌ بِأعْلى رُتْبَةِ لُغَةِ العَرَبِ وأفْصَحِها، لا يَصِلُ إلى تَصْحِيحِ عَرَبِيَّتِهِ مَنِ اقْتَصَرَ مِنَ النَّحْوِ والأدَبِ عَلى ما دُونَ (p-٢٧٠)الغايَةِ لِعُلُوِّهِ في رُتْبَةِ العَرَبِيَّةِ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣] انْتَهى. والَّذِينَ قَرَؤُوا بِزِيادَةِ“لا" عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ - بِخِلافٍ عَنْهُ - وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ [ومَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ، كَما نَقَلَ ذَلِكَ الإمامُ أبُو الفَتْحِ عُثْمانُ بْنُ جِنِّيٍّ في كِتابِهِ المُحْتَسِبِ في تَوْجِيهِ القِراءاتِ ] الشَّواذِّ؛ ومَعْنى قَوْلِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها لَكانَ أنْ لا يَطُوفَ خاصَّةً، ولَمْ تَرِدْ قِراءَةٌ بِالإثْباتِ؛ وأمّا مَعَ قِراءَةِ الإثْباتِ فَإنَّ المَعْنى يُرْشِدُ إلى أنَّ قِراءَةَ النَّفْيِ مِثْلُها، لِأنَّ كَوْنَهُما مِنَ الشَّعائِرِ يَقْتَضِي التَّطَوُّفَ بِهِما لا إهْمالُهُما. واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ. قالَ الحَرالِّيُّ: وذِكْرُهُ (p-٢٧١)تَعالى بِالتَّطَوُّفِ الَّذِي هو تَفَعُّلٌ أيْ: تَشَبُّهٌ بِالطَّوافِ، ومَعَ البَيْتِ بِالطَّوافِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥] لَمّا كانَ السَّعْيُ تَرَدُّدًا في طُولٍ، والمُرادُ الإحاطَةُ بِهِما، فَكانَ في المَعْنى كالطَّوافِ لا في الصُّورَةِ، فَجَعَلَهُ لِذَلِكَ تَطَوُّفًا أيْ: تَشَبُّهًا بِالطَّوافِ. انْتَهى.

ولَمّا كانَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لَمْ يَقْصِدُوا بِتَرْكِ الطَّوافِ بَيْنَهُما إلّا الطّاعَةَ فَأُعْلِمُوا أنَّ الطَّوافَ بَيْنَهُما طاعَةٌ، عَبَّرَ بِما يُفِيدُ مَدْحَهم فَقالَ تَعالى: ﴿ومَن تَطَوَّعَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: أيْ: كَلَّفَ نَفْسَهُ مُعاهَدَةَ البِرِّ والخَيْرِ مِن غَيْرِ اسْتِدْعاءٍ لَهُ ﴿خَيْرًا﴾ فِيهِ إعْلامٌ بِفَضِيلَةِ النَّفَقَةِ في الحَجِّ والعُمْرَةِ بِالهَدْيِ ووُجُوهِ المَرافِقِ لِلرُّفَقاءِ بِما يُفْهِمُهُ لَفْظُ الخَيْرِ، لِأنَّ عُرْفَ اسْتِعْمالِهِ في خَيْرِ الرِّزْقِ والنَّفَقَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] و﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] ولَمّا كانَ رَفْعُ الجُناحِ تَرْكًا عادَلَها في الخِطابِ بِإثْباتِ عَمَلِ خَيْرٍ لِيَقَعَ في الخِطابِ إثْباتٌ يُفِيدُ عَمَلًا حِينَ لَمْ يُفِدِ الأوَّلُ إلّا تَرْكًا، فَمَن تَحَقَّقَ بِالإيمانِ أجْزَلَ نَفَقاتِهِ في الوِفادَةِ (p-٢٧٢)عَلى رَبِّهِ واخْتَصَرَ في أغْراضِ نَفْسِهِ، ومَن حُرِمَ النَّصَفَ مِن دُنْياهُ اقْتَصَرَ في نَفَقاتِهِ في وِفادَتِهِ عَلى رَبِّهِ وأجْزَلَ نَفَقاتِهِ في أغْراضِ نَفْسِهِ وشَهَواتِ عِيالِهِ، فَذَلِكَ مِن أعْلامِ المُؤْمِنِينَ وأعْلامِ الجاهِلِينَ، مَن وفَدَ عَلى المَلِكِ أجْزَلَ ما يُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وإنَّما قَدَّمَهُ بِالحَقِيقَةِ لِنَفْسِهِ لا لِرَبِّهِ، فَمَن شَكَرَ نِعْمَةَ اللَّهِ بِإظْهارِها حِينَ الوِفادَةِ، عَلَيْهِ في آيَةِ بِعْثَةٍ إلَيْهِ ولِقائِهِ لَهُ شَكَرَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ يَوْمَ يَلْقاهُ، فَكانَتْ هَدايا اللَّهِ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْظَمَ مِن هَدْيِهِ إلَيْهِ يَوْمَ الوِفادَةِ عَلَيْهِ في حَجِّهِ وعُمْرَتِهِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: المُحِيطَ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿شاكِرٌ﴾ أيْ: مُجازٍ بِالأعْمالِ مَعَ المُضاعَفَةِ لِثَوابِها؛ قالَ الحَرالِّيُّ: وقَوْلُهُ: ﴿عَلِيمٌ﴾ فِيهِ تَحْذِيرٌ مِن مَداخِلِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ في إجْزالِ النَّفَقاتِ لِما يَغْلُبُ عَلى النَّفْسِ مِنَ التَّباهِي في إظْهارِ الخَيْرِ. انْتَهى.

2:159Page 24

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أُوْلَٰٓئِكَ يَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلۡعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ ١٥٩

Indeed, those who conceal what We sent down of clear proofs and guidance after We made it clear for the people in the Scripture - those are cursed by Allāh and cursed by those who curse,1

ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّ بَعْضَ أهْلِ الكِتابِ يَكْتُمُونَ ما يَعْلَمُونَ مِن هَذا لَحِقَ وخَتَمَ ما أتْبَعَهُ لَهُ بِصِفَتَيِ الشُّكْرِ والعِلْمِ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا بِأنَّهُ يَشْكُرُ مَن فَعَلَ ما شَرَعَهُ لَهُ ويَعْلَمُ مَن أخْفاهُ وإنْ دَقَّ (p-٢٧٣)فِعْلُهُ وبالَغَ في كِتْمانِهِ انْعَطَفَ الكَلامُ إلى تَبْكِيتِ المُنافِقِينَ مِنهم والمُصارِحِينَ في لَعْنِهِمْ عَلى كِتْمانِهِمْ ما يَعْلَمُونَ مِنَ الحَقِّ إذْ كانَتْ هَذِهِ كُلُّها في الحَقِيقَةِ قِصَصَهم والخُرُوجُ إلى غَيْرِها إنَّما هو اسْتِطْرادٌ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ المُبِينِ لِأنَّ هَذا الكِتابَ هُدًى وكانَ السِّياقُ مُرْشِدًا إلى أنَّ التَّقْدِيرَ بَعْدَ ﴿شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] ومَن أحْدَثَ شَرًّا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ، فَوَصَلَ بِهِ اسْتِئْنافًا قَوْلَهُ عَلى وجْهٍ يَعُمُّهم وغَيْرَهم: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ بَيانًا لِجَزائِهِمْ ﴿ما أنْـزَلْنا﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا. قالَ الحَرالِّيُّ: فانْتَظَمَتْ هَذِهِ الآيَةُ أيْ: في خَتْمِها لِهَذا الخِطابِ بِما مَضى في أوَّلِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢] فَكانَتِ البِدايَةُ خاصَّةً وكانَ الخَتْمُ عامًّا، لِيَكُونَ ما في كِتابِ اللَّهِ أمْرًا عَلى نَحْوِ ما كانَ أمْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ ومِن تَقَدُّمِهِ مِنَ الرُّسُلِ خَلْقًا لِيَنْطَبِقَ الأمْرُ عَلى الخَلْقِ بَدْءًا وخَتْمًا انْطِباقًا واحِدًا، فَعَمَّ كَلَّ كاتِمٍ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ - انْتَهى ﴿مِنَ البَيِّناتِ﴾ أيِ: الَّتِي لا يَحْتاجُ (p-٢٧٤)سامِعُها المُجَرَّدُ عَنِ الهَوى في فَهْمِها إلى شَيْءٍ مَعَها. قالَ الحَرالِّيُّ: فَفي إفْهامِهِ إذَنْ في كَتْمِ ما يَخْفى مِنَ العِلْمِ عَنْ عُقُولٍ لَمْ تَصِلْ إلَيْهِ. انْتَهى.

﴿والهُدى﴾ أيِ: الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَقُودَ مَن أحَبَّهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.

ولَمّا كانَ المُرادُ التَّرْهِيبَ مِنَ الكِتْمانِ في وقْتٍ ما ولَوْ قَلَّ أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ ﴿مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لِلنّاسِ﴾ أيِ: الَّذِينَ هم في أدْنى طَبَقاتِ المُخاطَبِينَ، وفِيهِ تَبْكِيتٌ عَظِيمٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ فَإنَّهم مِن أعْظَمِ المَقْصُودِينَ بِذَلِكَ لِكِتْمانِهِمْ ما عِنْدَهم. قالَ الحَرالِّيُّ: لِأنَّ المُسَمَّيْنَ بِالنّاسِ مِن أصاغِرِ سِنِّ القُلُوبِ لِما ذَكَرَ مِن نَوْسِهِمْ وأكْثَرُ ما يُخَصُّ بِهِ كَما تَقَدَّمَ المُلُوكُ ورُؤَساءُ القَبائِلِ وأتْباعُهُمُ الَّذِينَ زُيِّنَ لَهم حُبُّ الشَّهَواتِ. انْتَهى.

﴿فِي الكِتابِ﴾ أيِ: الجامِعِ لِكُلِّ خَيْرٍ (p-٢٧٥)قالَ الحَرالِّيُّ: فَما بَيَّنَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في الكِتابِ لا يَحِلُّ كَتْمُهُ، لِما ذَكَرَ مِن أنَّ الكِتابَ هو ما احْتَوى عَلى الأحْكامِ والحُدُودِ بِخِلافِ ما يَخْتَصُّ بِالفُرْقانِ أوْ يَعْلُو إلى رُتْبَةِ القُرْآنِ انْتَهى.

ولَمّا كانَ المُضارِعُ دالًّا عَلى التَّجْدِيدِ المُسْتَمِرِّ وكانَ الإصْرارُ المُتَّصِلُ بِالمَوْتِ دالًّا عَلى سُوءِ الجِبِلَّةِ أسْقَطَ فاءَ السَّبَبِ إشارَةً إلى اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْخِزْيِ في نَفْسِ الأمْرِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى سَبَبٍ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ: البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: يَطْرُدُهُمُ المَلِكُ الأعْظَمُ طَرْدَ خِزْيٍ وذُلٍّ ﴿ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ أيْ: كُلُّ مَن يَصِحُّ مِنهُ لَعْنٌ؛ أيْ: هم مُتَهَيِّئُونَ لِذَلِكَ ثُمَّ يَقَعُ لَهم ذَلِكَ بِالفِعْلِ عِنْدَ كَشْفِ الغِطاءِ، واللَّعْنُ إسْقاطُ الشَّيْءِ إلى أرْدى مَحالِّهِ حَتّى يَكُونَ في الرُّتْبَةِ بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ مِنَ العامَّةِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ. وأخَصُّ مِن ذَلِكَ وأسْهَلُ تَناوُلًا أنْ يُقالَ: لَمّا كانَ أشَقُّ الصَّبْرِ ما عَلى فَقْدِ المَحْبُوبِ مِنَ الإلْفِ والأمْنِ والسِّعَةِ وكانَ العِلْمُ واقِعًا بِأنَّ عَداوَةَ الكَفّارِ لَهم سَتَؤُولُ إلى ابْتِلائِهِمْ بِذَلِكَ أتْبَعَ آيَةَ الصَّبْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقُولُوا﴾ [البقرة: ١٥٤] الآيَتَيْنِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولا تَقُولُوا كَذا فَلَيَكْتُبَنَّ عَلَيْكُمُ الجِهادَ عُمُومًا ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٥] فِيهِ ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ﴾ [البقرة: ١٥٥] الآيَةَ لِأنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ (p-٢٧٦)ووُصُولُكم إلَيْهِما مَمْنُوعٌ بِالكُفّارِ فَلا بُدَّ في الفَتْحِ مِن قِتالِهِمْ وقَدْ جَرَتِ العادَةُ في القِتالِ بِمِثْلِ ذَلِكَ البَلاءِ.

2:160Page 24

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيۡهِمۡ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٦٠

Except for those who repent and correct themselves and make evident [what they concealed]. Those - I will accept their repentance, and I am the Accepting of Repentance,1 the Merciful.

ولَمّا تَمَّ أمْرُ القِبْلَةِ وما اسْتَتْبَعَهُ وخُتِمَ بِشَرِيعَةِ الحَجِّ المَكْتُوبَةِ عَلى النّاسِ عامَّةً الآمِرِ لَهم بِها بانِي البَيْتِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِقَوْلِهِ إذْ قامَ المَقامُ: يا أيُّها النّاسُ ! كُتِبَ عَلَيْكُمُ الحَجُّ فَحُجُّوا، فَأجابَهُ مَن عَلِمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ يَحُجُّ ثُمَّ حَجَّتِ الأنْبِياءُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ ثُمَّ أخْفاها أهْلُ الكِتابِ فِيما أخْفَوْهُ مِن كِتابِهِمْ حَسَدًا لِلْعَرَبِ وخُتِمَتْ آيَةُ الحَجِّ بِعَلِيمٍ رَجَعَ إلى أمْرِ الكاتِمِينَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ، وأعْظَمُ ما كَتَمُوهُ أمْرُ هَذا الكِتابِ الَّذِي هو الهُدى المُفْتَتَحُ بِهِ السُّورَةُ، ولَمّا بَيَّنَ جَزاءَهُمُ اسْتَثْنى مِنهُمُ التّائِبِينَ مُبَيِّنًا لِشَرائِطِ التَّوْبَةِ الثَّلاثَةِ فَقالَ ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ بِالنَّدَمِ عَلى ارْتِكابِ الذَّنْبِ ﴿وأصْلَحُوا﴾ بِالعَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ ﴿وبَيَّنُوا﴾ ما كانُوا كَتَمُوهُ فَظَهَرَتْ تَوْبَتُهم بِالإقْلاعِ.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ يُحِبُّ ما كانَ بِسَبَبٍ مِنهُ رَغَّبَهم في المَتابِ بَعْدَ تَوْبَتِهِمْ سَبَبًا لِتَوْبَتِهِ ورَحْمَتِهِ وإنْ كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مَنًّا مِنهُ في نَفْسِ (p-٢٧٧)الأمْرِ فَقالَ مُعَبِّرًا بِالفاءِ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ العالُو الرُّتْبَةِ ﴿أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: أقْبَلُ تَوْبَتَهم فَأحْفَظُهم بِما يُشْعِرُ بِهِ مِثالُ الفِعْلِ الدّائِمِ فِيما وفَّقْتُهم لِابْتِدائِهِ، وفي الرَّبْطِ بِالفاءِ إشارَةٌ إلى إسْراعِ اسْتِنْقاذِ تَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مِن نارِ الخَوْفِ والنَّدَمِ رَحْمَةً مِنهُ لَهم بِرَفْعِهِمْ إلى مَوْطِنِ الإنْسِ، لِأنَّ نارَ الخَوْفِ في الدُّنْيا لِلْمُقْتَرِفِ رَحْمَةً مِن عَذابِ النّارِ تَفْدِيهِ مِن نارِ السَّطْوَةِ في الآخِرَةِ، مَن لَمْ يَحْتَرِقْ بِنارِ المُجاهَدَةِ أحْرَقَتْهُ نارُ الخَوْفِ، فَمَن لَمْ يَحْتَرِقْ بِنارِ الخَوْفِ أحْرَقَتْهُ نارُ السَّطْوَةِ - أفادَهُ الحَرالِّيُّ. ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ الإنْسانِ مُعاوَدَةُ الذُّنُوبِ لِصِفَةِ النِّسْيانِ خَتَمَ الآيَةَ بِما دَلَّ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ: فَإنِّي أُحِبُّ التَّوّابِينَ فَقالَ: ﴿وأنا التَّوّابُ﴾ أيْ: مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لِمَن كَرَّ عَلى الذَّنْبِ ثُمَّ راجَعَ التَّوْبَةَ كَرَّةً إثْرَ كَرَّةٍ ﴿الرَّحِيمُ﴾ لِمَن فَعَلَ ما يُرْضِينِي.

2:161–162Page 24

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٌ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةُ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ١٦١

Indeed, those who disbelieve and die while they are disbelievers - upon them will be the curse of Allāh and of the angels and the people, all together,

خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ١٦٢

Abiding eternally therein. The punishment will not be lightened for them, nor will they be reprieved.

ولَمّا لَعَنَ الكاتِمِينَ واسْتَثْنى مِنهُمُ التّائِبِينَ ذَكَرَ المُصِرِّينَ مُعَبِّرًا عَنْ كِتْمانِهِمْ بِالكُفْرِ لِتَعُمَّ العِبارَةُ كُلَّ كُفْرٍ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (p-٢٧٨)أيْ: بِهَذا الكِتْمانِ وغَيْرِهِ ﴿وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: فَفي إشْعارِهِ يُسْرُ تَوْبَةِ الكافِرِينَ وعُسْرُ تَوْبَةِ المُنافِقِينَ مِن حَيْثُ صَرَّحَ بِذِكْرِ تَوْبَةِ الكاتِمِ وتَجاوَزَ في الذِّكْرِ تَوْبَةَ الكافِرِ، فَكانَ الَّذِينَ كَفَرُوا يَتُوبُونَ إلّا الأقَلَّ والَّذِينَ يَكْتُمُونَ يَتَمادَوْنَ إلّا الأقَلِّ، فَلِذَلِكَ وقَعَ الِاسْتِثْناءُ في الكاتِمِ والتَّخْصِيصِ مِنَ الكافِرِ. انْتَهى.

ولَمّا كانَ المَوْتُ عَلى شَيْءٍ دالًّا عَلى أصْلِ الجِبِلَّةِ فالمَيِّتُ كافِرًا مَجْبُولٌ جِبِلَّةَ شَرٍّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ في نَفْسِ الأمْرِ لِكُلِّ خِزْيٍ لِذَلِكَ لا لِسَبَبٍ جَدَّدَهُ، فَمَن وجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، ومَن وجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، فَأسْقَطَ فاءَ السَّبَبِ وعَبَّرَ عَنْهم بِأداةِ البُعْدِ إشارَةً إلى طَرْدِهِمْ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ الَّذِينَ هم في غايَةِ السُّفُولِ ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ أيْ: طَرْدُ المَلِكِ الَّذِي لا مَلِكَ سِواهُ وإبْعادُهُ، ثُمَّ بَيَّنَ اللّاعِنِينَ في الَّتِي قَبْلَها فَقالَ ﴿والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ أيْ: هم أهْلٌ لِذَلِكَ وكُلُّ أحَدٍ يَلْعَنُ الظّالِمَ وأظْلَمُ الظّالِمِينَ الكافِرُ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيِ: اللَّعْنَةُ. (p-٢٧٩)ولَمّا كانَ اللَّعْنُ دالًّا عَلى العَذابِ صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾ لِاسْتِعْلاءِ اللَّعْنِ عَلَيْهِمْ وإحاطَتِهِ بِهِمْ. وقالَ الحَرالِّيُّ: ذَكَرَ وصْفَ العَذابِ بِذِكْرِ ما لَزِمَهم مِنَ اللَّعْنَةِ لِيَجْمَعَ لَهم بَيْنَ العُقابَيْنِ: عِقابًا مِنَ الوَصْفِ وعِقابًا مِنَ الفِعْلِ، كَما يَكُونُ لِمَن يُقابِلُهُ نَعِيمٌ ورِضًى. انْتَهى.

﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ النَّظِرَةِ وهو التَّأْخِيرُ المُرْتَقَبُ نَجازُهُ فالمَعْنى أنَّهم لا يُمْهَلُونَ مِن مُمْهِلٍ ما أصْلًا كَما يُمْهَلُونَ في الدُّنْيا - بَلْ يَقَعُ عَلَيْهِمُ العَذابُ حالَ فِراقِهِمْ لِلْحَياةِ ثُمَّ لا يُخَفَّفُ عَنْهم. قالَ الحَرالِّيُّ: فَفِيهِ إشْعارٌ بِطائِفَةٍ أيْ: مِن عُصاةِ المُؤْمِنِينَ يُؤَخَّرُ عَذابُهم، وفي مُقابَلَةِ عِلْمِ الجَزاءِ بِأحْوالِ أهْلِ الدُّنْيا تَصْنِيفُهم بِأصْنافٍ في اقْتِرافِ السُّوءِ، فَمَن داوَمَهُ داوَمَهُ العَذابُ ومَن أخَّرَهُ وقْتًا ما في دُنْياهُ أُخِّرَ عَنْهُ العَذابُ، ومَن تَزايَدَ فِيهِ تَزايَدَ عَذابُهُ، وذَلِكَ لِكَوْنِ الدُّنْيا مَزْرَعَةَ الآخِرَةِ وأنَّ الجَزاءَ بِحَسَبِ الوَصْفِ ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٣٩] انْتَهى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском