Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:165–168
2:165Page 25
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ وَلَوۡ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ ١٦٥
And [yet], among the people are those who take other than Allāh as equals [to Him]. They love them as they [should] love Allāh. But those who believe are stronger in love for Allāh. And if only they who have wronged would consider [that] when they see the punishment, [they will be certain] that all power belongs to Allāh and that Allāh is severe in punishment.
ولَمّا نَهَضَتِ الأدِلَّةُ وسَطَعَتِ البَراهِينُ وزاحَتِ العِلَلُ والشُّكُوكُ عابَ مَن عَبَدَ سِواهُ وفَزِعَ إلى غَيْرِهِ كَما نَهى عَنِ الأنْدادِ عَقِبَ الآيَةِ الأُولى الدّاعِيَةِ إلى العِبادَةِ مُشِيرًا بِخَتْمِ الَّتِي قَبْلُ بِيَعْقِلُونَ، إلى أنَّ هَؤُلاءِ ناسٌ ضَلَّتْ عُقُولُهم وفالَتْ آراؤُهم وبَيَّنَ أنَّهم يَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ يَوْمَ يَنْكَشِفُ حِجابُ الغَفْلَةِ عَنْ سُرادِقِ العَظَمَةِ ويَتَجَلّى الجَبّارُ في صِفَةِ النِّقْمَةِ فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى عاطِفًا عَلى ما قَدَّرْتُهُ مِمّا أرْشَدَ إلَيْهِ المَعْنى: ومِن، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ فَمِنَ النّاسِ مَن عَقَلَ تِلْكَ الآياتِ فَآمَنَ بِرَبِّهِ وفَنِيَ في حُبِّهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ﴾ وهم مَن لا يَعْقِلُ ﴿مِن (p-٣٠٢)دُونِ اللَّهِ﴾ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ مَعَ وُضُوحِ الأدِلَّةِ ﴿أنْدادًا﴾ مِمّا خَلَقَهُ، ادَّعَوْا أنَّهم شُرَكاؤُهُ، أعَمُّ مِن أنْ يَكُونُوا أصْنامًا أوْ رُؤَساءَ يُقَلِّدُونَهم في الكُفْرِ بِاللَّهِ والتَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ مِن غَيْرِ أمَرَ اللَّهُ ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ مِنَ الحَبِّ وهو إحْساسٌ بِوَصْلَةٍ لا يُدْرى كُنْهُها ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ بِأنْ يَفْعَلُوا مَعَهم مِنَ الطّاعَةِ والتَّعْظِيمِ فِعْلَ المُحِبِّ كَما يُفْعَلُ مِن ذَلِكَ مَعَ اللَّهِ الَّذِي لا عَظِيمَ غَيْرُهُ، هَذا عَلى أنَّهُ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْفاعِلِ فَيَكُونُ المَعْنى كَحُبِّهِمْ لِلَّهِ لِأنَّهم مُشْرِكُونَ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ مِن حُبِّ المُشْرِكِينَ لِأنْدادِهِمْ فَأفاضَ عَلَيْهِمْ مِن كَمالِهِ، لِأنَّهم لا يَعْدِلُونَ بِهِ شَيْئًا في حالَةٍ مِنَ الحالاتِ مِن ضَرّاءَ أوْ سَرّاءَ في بَرٍّ أوْ بَحْرٍ، بِخِلافِ المُشْرِكِينَ فَإنَّهم (p-٣٠٣)يَعْدِلُونَ في الشَّدائِدِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وإذا رَأوْا في الرَّخاءِ حَجَرًا أحْسَنَ تَرَكُوا الأوَّلَ وعَبَدُوهُ، وحُبُّهم هَوائِيٌّ وحُبُّ المُؤْمِنِينَ عَقْلِيٌّ. وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا اسْتَحَقَّ القَوْمُ القائِمُونَ في أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى هَذا الِاعْتِبارَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنَ العَقْلِ لَمْ يَكُنْ مَنِ اتَّخَذَ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا مِمّا يُقالُ فِيهِمْ: قَوْمٌ، بَلْ يَقْصُرُونَ إلى اسْمِ النَّوْسِ الَّذِي هو تَرَدُّدٌ وتَلَدُّدٌ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَجِبَ مِمَّنْ لَمْ يَلْحَقْ بِهَؤُلاءِ القَوْمِ في هَذا الِاعْتِبارِ الظّاهِرَةِ شَواهِدُهُ البَيِّنَةِ آثارُهُ، فَأنْبَأ أنَّ طائِفَةً مِنَ النّاسِ عَلى المُقابَلَةِ مِن ذَلِكَ الِاعْتِبارِ الظّاهِرِ لِنُورِ العَقْلِ في أخْذِهِمْ لِمُقابِلِ العَقْلِ مِنَ الحَزْقِ الَّذِي يَقْدَمُ في مَوْضِعِ الإحْجامِ ويَحْجُمُ في مَوْضِعِ الإقْدامِ، ثُمَّ غَلَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ حَتّى وصَلَ إلى بَواطِنِهِمْ فَصارَ حُبًّا كَأنَّهُ وُصْلَةٌ بَيْنَ بَواطِنِهِمْ وقُلُوبِهِمْ وما اتَّخَذُوهُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا، فَفِيهِ إشْعارٌ بِنَحْوٍ مِمّا أفْصَحَ بِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ في كَوْنِ قُلُوبِهِمْ كالحِجارَةِ أوْ أشَدَّ قَسْوَةً، فَفي كَرَمِ هَذا الخِطابِ في حَقِّ العَرَبِ سَتْرٌ عَلَيْهِمْ رِعايَةً لِنَبِيِّهِمْ في أنْ يُصَرِّحَ عَلَيْهِمْ بِما صَرَّحَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَفي لَحْنِهِ إشْعارٌ بِأنَّ مَنِ اتَّخَذَ نِدًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَتِلْكَ لِوُصْلَةٍ بَيْنَ حالِ قَلْبِهِ وحالِ ما اتَّخَذَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَمَن (p-٣٠٤)عَبَدَ حَجَرًا فَقَلْبُهُ في القُلُوبِ حَجَرٌ ومَن عَبَدَ نَباتًا فَقَلْبُهُ في القُلُوبِ نَباتٌ، وكَذا مَن عَبَدَ دابَّةً
﴿وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣] كَذَلِكَ إلى ما يَقَعُ مَعْبُودًا مِن دُونِ اللَّهِ ما بَيْنَ أعْلى النَّيِّرَيْنِ الَّذِي هو الشَّمْسُ إلى أدْنى الأوْثانِ إلى ما يَقَعُ في الخَلْقِ مِن عِبادَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا مِن نَحْوِ عِبادَةِ الفَراعِنَةِ والنَّمارِدَةِ إلى ما يَلْحَقُ بِذَلِكَ مِن نَحْوِ رُتْبَةِ العِبادَةِ بِاتِّباعِ الهَوى الشّائِعِ مَوْقِعُهُ في الأُمَمِ وفي هَذِهِ الأُمَّةِ، لِأنَّ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ هَوى شَيْءٍ فَقَدْ عَبَدَهُ، فَكَأنَّ عابِدَ الشَّمْسِ قَلْبُهُ سَعِيرٌ وعابِدَ النّارِ قَلْبُهُ نارٌ وعابِدَ القَمَرِ قَلْبُهُ زَمْهَرِيرٌ، ومَن عَبَدَ مِثْلَهُ مِنَ الخَلْقِ فَقَدْ عَبَدَ هَواهُ ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ [الفرقان: ٤٣] فَمَن عَبَدَ اللَّهَ فَهو الَّذِي عَلا عَنْ سِواهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ فَعادَلَ سُبْحانَهُ وتَعالى خِطابَ الأوَّلِينَ المُعْتَبَرِينَ العُقَلاءِ بِهَذا الصِّنْفِ الَّذِي انْتَهى أمْرُهم في الكُفْرِ إلى الحُبِّ مِن حَيْثُ اعْتُقِلَتْ بَواطِنُهم بِهِمْ فِيما شَأْنُهُ أنْ يَخْتَصَّ بِاللَّهِ مِنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ والنُّصْرَةِ عَلى الأعْداءِ والإعانَةِ لِلْأوْلِياءِ، فَلَمّا تَوَهَّمُوا فِيهِمْ مُرَجّى الإلَهِيَّةِ، ومَخافَتَها أحَبُّوهم لِذَلِكَ كَحُبِّ اللَّهِ لِأنَّ المُتَعَبِّدَ مُؤْتَمِرٌ ومُبادِرٌ فالمُبادِرُ قَبْلَ الأمْرِ مُحِبٌّ، والمُجِيبُ (p-٣٠٥)لِلْأمْرِ مُطِيعٌ، فالمُحِبُّ أعْلى في الطَّرَفَيْنِ. انْتَهى. ولَمّا عَجِبَ مِن حالِهِمْ حَذَّرَ مِن سُوءِ مُنْقَلَبِهِمْ ومَآلِهِمْ فَقالَ: ﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: ولَوْ يَرَوْنَ أيِ: المُتَّخِذُونَ لِلْأنْدادِ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ لِأجْلِ التَّعْمِيمِ الوَصْفَ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ ما يُذْكَرُ، وهو وضْعُهُمُ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَحَلِّهِ كَفِعْلِ مَن يَمْشِي في مَأْخَذِ الِاشْتِقاقِ وهو الظُّلْمَةُ، وذَلِكَ هُنا تَسْوِيَتُهم مِمَّنْ لا يَمْلِكُ شَيْئًا أصْلًا بِمَن يَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ ﴿إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ أيْ: يَتَّخِذُونَ أنْدادًا والحالُ أنَّهم لَوْ يَعْلَمُونَ حِينَ إهانَتِهِمْ ولِينِ ما غَلُظَ مِن أكْبادِهِمْ ورُؤْيَةِ ما لا يَسْتَحِقُّ غَيْرُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ يُسَمّى عَذابًا ﴿أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ مَجامِعُ الكَمالِ ﴿جَمِيعًا﴾ حِينَ يُشاهِدُونَ العَذابَ قَدْ أحاطَ بِهِمْ ﴿وأنَّ اللَّهَ﴾ الَّذِي لا مَلِكَ سِواهُ ﴿شَدِيدُ العَذابِ﴾ لَمْ يَتَّخِذُوا أنْدادًا ولَمْ يَعْدِلُوا بِاللَّهِ أحَدًا، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ولَوْ تَرى بِالتّاءِ والياءِ، أيْ: لَوْ أبْصَرْتَ أوْ أبْصَرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِاتِّخاذِهِمُ الأنْدادَ - إلى آخِرِهِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ يَرى﴾ عَطْفًا عَلى مُتَجاوِزِ أُمُورٍ مِن أُمُورِ جَزائِهِمْ مِمّا نالَهم مِن عُقُوباتِ أثَرِ كُفْرِهِمْ في الدُّنْيا، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (p-٣٠٦)«إذا أذْنَبَ العَبْدُ نُكِتَتْ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ» إلى مُتَمادِي غايَةِ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ، وفي قَوْلِهِ: ”تَرى“ بِالتّاءِ إقْبالًا عَلى النَّبِيِّ ﷺ تَعْجِيبٌ لَهُ بِما يَنالُهم مِمّا أصابُوهُ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ ذَلِكَ مِن أمْرٍ يَعْلُو أمْرُهُ إلى مَحَلِّ رُؤْيَتِهِ الَّتِي هي أتَمُّ الرُّؤْيَةِ، وفي قَوْلِهِ ﴿يَرى﴾ بِالياءِ تَحَسُّرٌ عَلَيْهِمْ يُشْعِرُ بِأنَّ مَنالَهم مِن رُؤْيَةِ العَذابِ مِمّا كانَ يَزْجُرُهم عَمّا هم عَلَيْهِ لَوْ رَأوْهُ. انْتَهى.
﴿إذْ يَرَوْنَ﴾ أيِ: الوَقْتَ الَّذِي يُبْصِرُونَ فِيهِ العَذابَ، أيِ: الأكْبَرَ الَّذِي لا عَذابَ مِثْلُهُ؛ كَما أفْهَمَهُ تَعْرِيفُهُ بِألْ، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ ﴿أنَّ القُوَّةَ﴾ وهي مِنَّةُ الباطِنِ الَّتِي يَجِدُها المُقْتَدِرُ مَنشَأً لِما يُبْدِيهِ ظاهِرُهُ [وما يُبْدِيهِ ظاهِرُهُ ] قُدْرَةُ القُوى جَمْعِها وأصْلِها والقُدْرَةُ ظاهِرُها وتَفْصِيلُ إنْشائِها لِلَّهِ جَمِيعًا، فَإنَّهُ لا شَيْءَ أشَقَّ عَلى الإنْسانِ مِن أنْ يَرى خَصْمَهُ نافِذَ الأمْرِ مُنْفَرِدًا بِالعِزِّ في كُلِّ مَعْنى لا سِيَّما [إذا كانَ جَبّارًا مُتَكَبِّرًا شَدِيدَ البَطْشِ مِمَّنْ عَصاهُ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذابِ﴾ ولا سِيَّما ] إذا كانَ العاصِي لَهُ قَدْ أساءَ إلَيْهِ بِالإساءَةِ إلى أوْلِيائِهِ وبالَغَ حَتّى لَمْ يَدَعْ لِلصُّلْحِ مَوْضِعًا. وقالَ الحَرالِّيُّ: مَوْضِعُ (p-٣٠٧)الرُّؤْيَةِ في الحَقِيقَةِ هو أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا سَلْبًا عَنْ جَمِيعِ أنْدادِهِمُ الَّذِينَ أحَبُّوهم وعَنْ أنْفُسِهِمْ، كَما قالَ قائِلُهم ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [النمل: ٣٣] لَكِنْ لَمّا كانَ رُؤْيَتُهم لِذَلِكَ عَنْ رُؤْيَةِ مَشْهُودِ العَذابِ الَّذِي هو أتَمُّ العَذابِ ذَكَرَ العَذابَ الَّذِي هو ظاهِرُ مَرْأى أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، وفي ﴿أنَّ القُوَّةَ﴾ إعْلامٌ بِاطِّلاعِهِمْ يَوْمَ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ عَلى بَواطِنِ أنْدادِهِمْ وسَلْبِها ما شَأْنُ البَواطِنِ أنْ تَتَحَلّى بِهِ مِنَ القُوَّةِ مِن حَيْثُ وصْفُهم لَهم بِالحُبِّ الباطِنِ أطْلَعَهم عَلى سَلْبِ قُواهُمُ الباطِنَةِ بِالرُّؤْيَةِ الَّتِي هي باطِنُ البَصَرِ الَّذِي هو باطِنُ النَّظَرِ، ولَمّا ذَكَرَ أمْرَ القُوَّةِ عَطَفَ عَلَيْهِ ما هو أمْرُ القُدْرَةِ فَقالَ ﴿وأنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذابِ﴾ إكْمالًا لِلْخِطابِ بِظاهِرِهِ، واسْتَأْنَفَ مَعَهُ الِاسْمَ العَظِيمَ لِإظْهارِ ما بَيْنَ غايَتَيِ الباطِنِ والظّاهِرِ في أمْرِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، لِيَكُونَ مَعَ المَنظَرِ الظّاهِرِ بِالقُدْرَةِ اسْمٌ أظْهَرَهُ واسْتَأْنَفَهُ وقَدَّمَ ذِكْرَهُ كَما كانَ مَعَ المَرْأى الباطِنِ بِالقُوَّةِ اسْمًا أضافَ إلَيْهِ وأنْهى لَهُ لِيَقَعَ ما ولِيَ أوَّلَ الخِطابِ مُقابِلَ ما خُتِمَ بِهِ الخِطابُ، فَيَنْعَطِفُ أوَّلُهُ عَلى آخِرِهِ وآخِرُهُ عَلى أوَّلِهِ باطِنًا لِظاهِرٍ وظاهِرًا لِباطِنٍ في المُتَعاطِفِينَ جَمِيعًا في قَوْلِهِ ﴿أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وأنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذابِ﴾ انْتَهى أوْ يُقالُ: إذْ يَرَوْنَ العَذابَ الَّذِي يُتَوَعَّدُونَ بِهِ الآنَ لِأنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (p-٣٠٨)فَلا مانِعَ لَهُ مِن إتْيانِهِمْ بِهِ، كَما تَبَيَّنَ في الآيَتَيْنِ قَبْلَها أنَّهُ لا كُفُؤَ لَهُ وأنَّهُ كامِلُ القُدْرَةِ شامِلُ العِلْمِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ لِتَهْوِيلِهِ لِذَهابِ وهْمِ المُتَوَعَّدِ إلى كُلِّ ضَرْبٍ مِن أنْواعِ التَّوَعُّدِ، ولَوْ ذُكِرَ ضَرْبٌ مِنهُ لَأمْكَنَ أنْ يُوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ، فالتَّقْدِيرُ: لَوْ رَأيْتَ أوْ رَأوْا ذَلِكَ الوَقْتَ الَّذِي يُشاهِدُونَ فِيهِ تِلْكَ العَظَمَةَ لَرَأيْتَ أوْ لَرَأوْا أمْرًا فَظِيعًا هائِلًا شاغِلًا لَهم عَنِ اتِّخاذِ الأنْدادِ ومَحَبَّتِها وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الظُّلْمِ، وحُذِفَ الجَوابُ لِلْعِلْمِ بِهِ كَما حُذِفَ مِن أمْثالِهِ؛ ثُمَّ أبْدَلَ مِن ﴿إذْ يَرَوْنَ﴾
2:166Page 25
إِذۡ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ وَتَقَطَّعَتۡ بِهِمُ ٱلۡأَسۡبَابُ ١٦٦
[And they should consider that] when those who have been followed disassociate themselves from those who followed [them], and they [all] see the punishment, and cut off from them are the ties [of relationship],
قَوْلَهُ: ﴿إذْ تَبَرَّأ﴾ وهو مِنَ التَّبَرُّؤِ الَّذِي هو طَلَبُ البَراءَةِ وإيقاعُها بِجِدٍّ واجْتِهادٍ، وهي إظْهارُ التَّخَلُّصِ مِن وُصْلَةٍ أوِ اشْتِباكٍ ﴿الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ أيْ: مَعَ اتِّباعِ غَيْرِهِمْ لَهم، وهُمُ الرُّؤَساءُ ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ مَعَ نَفْعِهِمْ لَهم في الدُّنْيا بِالِاتِّباعِ لَهم والذَّبِّ عَنْهم.
وقالَ الحَرالِّيُّ: قالَ ذَلِكَ إظْهارًا لِإفْصاحِ ما أفْهَمَهُ مَضْمُونُ الخِطابِ الأوَّلِ لِتَتَّسِقَ الآياتُ بَعْضُها بِبَعْضٍ، فَتَظْهَرُ الآيَةُ ما في ضِمْنِ سابِقَتِها، وتَجْمَعُ الآيَةُ ما في تَفْصِيلِ لاحِقَتِها وإعْلاءً لِلْخِطابِ بِما هو المَعْقُولُ عِلْمُهُ المُتَقَدِّمُ إلى ما في الإيمانِ نَبَأهُ لِيَتِمَّ نُورُ (p-٣٠٩)العَقْلِ الَّذِي وقَعَ بِهِ الِاعْتِبارُ بِنُورِ الإيمانِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ القَبُولُ لِما في الآخِرَةِ عَيانُهُ، فَمَن عَقَلَ عِبْرَةَ الكَوْنِ الظّاهِرِ اسْتَحَقَّ إسْماعَ نَبَأِ الغَيْبِ الآتِي؛ ثُمَّ قالَ: بِذا يَتَبَرَّأُ المَتْبُوعُ في الذِّكْرِ لِأنَّهُ الآخِرُ في الكَوْنِ، فَكَأنَّهُ في المَعْنى: إنَّما تَعَلَّقَ التّابِعُ بِالمَتْبُوعِ لِيُعِيذَهُ في الآخِرَةِ كَما كانَ عَهْدٌ مِنهُ [أنْ يُعِيذَهُ في الدُّنْيا فَيَتَبَرَّأ مِنهُ ] لَمّا ذَكَرَ تَعالى مِن ﴿أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٦٥] ولِذَلِكَ اتَّصَلَ ذِكْرُ التَّبَرُّؤِ بِذِكْرِ قَبْضِ القُوَّةِ والقُدْرَةِ عَنْهم. انْتَهى.
قالَ تَعالى ﴿ورَأوُا﴾ أيِ: الكُلُّ ﴿العَذابَ﴾ أيِ: الَّذِي لا مَحِيصَ لَهم عَنْهُ. وقالَ الحَرالِّيُّ: قالَهُ رَدًّا لِلْإضْمارِ عَلى الجَمِيعِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ ذَلِكَ قَبْلَ غَلَبَةِ العَذابِ عَلَيْهِمْ وفي حالِ الرُّؤْيَةِ، فَفِيهِ إنْباءٌ بِأنَّ بَيْنَ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ وبَيْنَ أخْذِهِمْ بِهِ مَهَلٌ يَقَعُ فِيهِ خُصُومَتُهم وتَبَرُّؤُهم وإدْراكُهم لِلْحَقِّ الَّذِي كانَ مُتَغَيِّبًا عَنْهم في الدُّنْيا بِما فَتَنَ بَعْضُهم بَعْضًا. انْتَهى.
﴿وتَقَطَّعَتْ﴾ أيْ: تَكَلَّفَتْ وتَعَمَّدَتِ القَطْعَ وهو بَيْنَ المُتَّصِلِ، أشارَ إلَيْهِ الحَرالِّيُّ، ومَعْناهُ أنَّهُ قَطَّعَ بِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِيغَةُ التَّفَعُّلِ إشارَةً إلى تَكَرُّرِ القَطْعِ في مُهْلَةٍ بِأنْ يَظْهَرَ لَهُمُ انْقِطاعُ الأسْبابِ (p-٣١٠)شَيْئًا فَشَيْئًا زِيادَةً في إيهانِهِمْ وإيلامِهِمْ وهو أنَّهم ﴿بِهِمُ﴾ أيْ: كُلُّهم جَمِيعُ ﴿الأسْبابُ﴾ أيْ: كُلُّها، وهي الوُصُلُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم في الدُّنْيا، والسَّبَبُ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى حُصُولٍ، في الأصْلِ الحَبْلُ، ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ مَقْصِدٍ. قالَ الحَرالِّيُّ: وفِيهِ إشْعارٌ بِخُلُوِّ بَواطِنِهِمْ مِنَ التَّقْوى ومِنَ اسْتِنادِهِمْ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في دُنْياهم، وأنَّهم لَمْ يَكُونُوا عَقَلُوا إلّا تَسَبُّبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ فَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ ولَمْ يَكُنْ لَهم، لِأنَّ ذَلِكَ واقِعٌ بِهِمْ في أنْفُسِهِمْ لا واقِعٌ لَهم في غَيْرِهِمْ، فَكَأنَّهم كانُوا نِظامَ أسْبابٍ تَقَطَّعَتْ بِهِمْ فانْتَثَرُوا مِنها، وأسْبابُهم وصْلُ ما بَيْنَهم في الدُّنْيا الَّتِي لَمْ تَثْبُتْ في الآخِرَةِ، لِأنَّها مِنَ الوُصُلِ الفانِيَةِ لا مِنَ الوُصُلِ الباقِيَةِ لِأنَّ مُتَقاضى ما في الدُّنْيا ما كانَ مِنهُ بِحَقٍّ فَهو مِنَ الباقِياتِ الصّالِحاتِ وما كانَ مِنهُ عَنْ هَوًى فَهو مِنَ الفانِي الفاسِدِ. انْتَهى.
2:167Page 25
وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوۡ أَنَّ لَنَا كَرَّةٗ فَنَتَبَرَّأَ مِنۡهُمۡ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّاۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡ حَسَرَٰتٍ عَلَيۡهِمۡۖ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ ١٦٧
Those who followed will say, "If only we had another turn [at worldly life] so we could disassociate ourselves from them as they have disassociated themselves from us." Thus will Allāh show them their deeds as regrets upon them. And they are never to emerge from the Fire.
﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ وهُمُ الأذْنابُ مُتَمَنِّينَ لِلْمُحالِ نَدَمًا عَلى اتِّباعِ مَن لا يَنْفَعُ حَيْثُ لا يَنْفَعُ النَّدَمُ ﴿لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ أيْ: رَجْعَةً (p-٣١١)إلى الدُّنْيا. وقالَ الحَرالِّيُّ: هي رَجْعٌ وعَوْدَةٌ عِنْدَ غايَةِ فُرَّةٍ. انْتَهى. ولَمّا كانَتْ ”لَوْ“ بِمَعْنى التَّمَنِّي نُصِبَ جَوابُها فَقالَ ﴿فَنَتَبَرَّأ مِنهُمْ﴾ أيِ: الرُّؤَساءُ هُناكَ ونُذِلُّهم ﴿كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ وأذَلُّونا هُنا.
وقالَ الحَرالِّيُّ: فِيهِ إنْباءٌ عَنْ تَأسُّفِهِمْ عَلى اتِّباعِ مَن دُونَ رَبِّهِمْ مِمَّنِ اتُّبِعُوا وإجْراءٌ لِتَأسُّفِهِمْ عَلى وجْهٍ مُتَوَهَّمٍ غَيْرِ مُحَقَّقٍ عَلى حَدِّ ما كانَ تَمَسُّكُهم بِهِمْ مُتَوَهَّمُ انْتِفاعٍ غَيْرِ مُحَقَّقٍ، فَفِيهِ إثْباتٌ لِحالِهِمْ في الآخِرَةِ عَلى ما كانَ يَنالُهم في الدُّنْيا مِنَ الأخْذِ بِالمَوْهُومِ والغَيْبَةِ عَنِ المَعْلُومِ. انْتَهى.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ بَعْضُها ثَمَرَةُ أعْمالِهِمْ وبَعْضُها حِكايَةُ أقْوالِهِمْ قالَ تَعالى: عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ جَوابًا لِمَن يَقُولُ: لَقَدْ رَأوْا جَزاءَ عَقائِدِهِمْ فَهَلْ يَرَوْنَ جَزاءَ أعْمالِ الجَوارِحِ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ الفَظِيعُ المَهُولُ ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ القُدْرَةُ التّامَّةُ والعَظَمَةُ الكامِلَةُ ﴿أعْمالَهُمْ﴾ الخَبِيثَةَ وغَيْرَها ﴿حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: تَلَهُّفًا عَلى ما فاتَ، إطْلاقًا لِلْمُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ وأشارَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ إلى غَلَبَتِهِمْ وشَدَّةِ هَوانِهِمْ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا كانَتْ عَقائِدُهم فِيهِمْ حَسَراتٍ أراهم أعْمالَهُمُ الَّتِي عَمِلُوها لِابْتِغاءِ الخَيْرِ في الدُّنْيا حَسَراتٍ ﴿وقَدِمْنا إلى (p-٣١٢)ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] كَما كانَ عَمَلُ مَن قَلْبُهُ مُحِبٌّ ومُتَألِّهٌ لِما دُونَ اللَّهِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ عَمَلَ كُلِّ عامِلٍ مَرْدُودٌ إلى ما اطْمَأنَّ بِهِ قَلْبُهُ وسَكَنَتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ وتَعَلَّقَ بِهِ خَوْفُهُ ورَجاؤُهُ، فَمَن غَلَبَ عَلى سِرِّهِ شَيْءٌ فَهو رَبُّهُ الَّذِي يُصْرَفُ عَمَلُهُ إلَيْهِ، فَلا يَجِدُ عِنْدَهُ جَزاءً لِتَبَرُّؤِهِ مِنهُ فَيَصِيرُ حَسْرَةً عَلَيْهِ، فَأنْبَأ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأنَّهم لا يَنْصُرُونَهم في الآخِرَةِ ولا يَجْزُونَهم عَلى أعْمالِهِمْ، فَلَمْ يَنْفَعْهم تَألُّهُهم إيّاهم، والمَتْبُوعُ مِنهم مُتَألِّهٌ لِنَفْسِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَها جَزاءَ عَمَلِهِ، فَتَحَسَّرَ كُلٌّ مِنهم عَلى ما عَمِلَ مِن عَمَلِ الخَيْرِ لِإحْباطِهِ ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] والحَسْرَةُ أشَدُّ الأسَفِ عَلى الفائِتِ الَّذِي يَحْسَرُ المُتَلَهِّفُ أيْ: يَقْطَعُهُ عَمّا تَحَسَّرَ عَلَيْهِ. انْتَهى. ويَدْخُلُونَ بِأعْمالِهِمُ النّارَ ﴿وما هُمْ﴾ أيْ: بِفائِتِ خُرُوجِهِمْ بَلْ هم وإنْ خَرَجُوا مِنَ (p-٣١٣)السَّعِيرِ إلى الزَّمْهَرِيرِ يَعُودُونَ إلَيْهِ ﴿بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ يَوْمًا مِنَ الأيّامِ ولا ساعَةً مِنَ السّاعاتِ بَلْ هم خالِدُونَ فِيها عَلى طُولِ الآبادِ ومَرِّ الأحْقابِ، بِخِلافِ عُصاةِ المُؤْمِنِينَ فَإنَّهم إذا خَرَجُوا مِنها لَمْ يَعُودُوا إلَيْها. قالَ الحَرالِّيُّ: وفِيهِ إشْعارٌ بِقَصْدِهِمُ الفِرارَ مِنها والخُرُوجَ كَما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة: ٢٠] فَأنْبَأ تَعالى أنَّ وُجْهَتَهم لِلْخُرُوجِ لا تَنْفَعُهم، فَلَمْ تَبْقَ لَهم مِنَةٌ تُنْهِضُهم مِنها حَتّى يَنْتَظِمَ قَطْعُ رَجائِهِمْ مِن مِنَةِ أنْفُسِهِمْ بِقَطْعِ رَجائِهِمْ مِمَّنِ اعْتَلَقُوا بِهِ مِن شُرَكائِهِمْ ولَمْ يَكُنْ ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] كَما قالَ في أهْلِ الجَنَّةِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ اليَأْسَ والِانْقِطاعَ واقِعٌ مِنهم عَلى أنْفُسِهِمْ، فَكَما كانَ بِوادِي أعْمالِهِمْ في الدُّنْيا مِن أنْفُسِهِمْ عِنْدَهم جَرى نَبَأُ جَزائِها عَلى حَدِّ ذَلِكَ في المَعْنى كَما قالَ: أعْمالُ أهْلِ الجَنَّةِ عِنْدَهم مِن تَوْفِيقِ رَبِّهِمْ جَرى ذِكْرُ جَزائِهِمْ عَلى حَدِّ ذَلِكَ مِنَ المَعْنى بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ اخْتِلافُ الصِّيغَتَيْنِ. انْتَهى.
ولَعَلَّ الآيَةَ ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ أوَّلَ (p-٣١٤)السُّورَةِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] يَعْنِي كَما أنَّ في أهْلِ الكِتابِ مُنافِقِينَ ومُصارَحِينَ فَكَذَلِكَ في العَرَبِ، فَصارَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٦] شامِلًا لِلْأقْسامِ الأرْبَعَةِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ المُنافِقِينَ مِنَ العَرَبِ ثُمَّ المُنافِقِينَ والمُشاقِقِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ ثُمَّ المُجاهِرِينَ مِنَ العَرَبِ فَصارَ قِسْما العَرَبِ مُكْتَنِفَيْنِ لِقِسْمَيْ أهْلِ الكِتابِ إشارَةً إلى أنَّهُمُ المَقْصُودُونَ بِالذّاتِ وأنَّهُ سَيُؤْمِنُ أكْثَرُهم ويَغْلِبُونَ أهْلَ الكِتابِ ويَقْتُلُونَهم قَتْلَ الكِلابِ.
2:168Page 25
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٌ ١٦٨
O mankind, eat from whatever is on earth [that is] lawful and good and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.
ولَمّا عَجِبَ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الضّالِّينَ وبَيَّنَ مِن مَآلِهِمْ ما يَزْجُرُ مِثْلُهُ مِن لَهُ أدْنى عَقْلٍ فَكانُوا بِذَلِكَ في عِدادِ المُقْبِلِ بَعْدَ الإدْبارِ والمُذْعِنِ بَعْدَ الِاسْتِكْبارِ أقَبْلَ عَلى الكُلِّ كَما فَعَلَ في آيَةِ التَّوْحِيدِ الأُولى فَقالَ ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] إقْبالَ مُتَلَطِّفٍ بِعُمُومِ الإذْنِ في تَناوُلِ ما أبْدَعَهُ لَهم ورَحِمَهم بِهِ في هَذا المَلَكُوتِ المَذْكُورِ في ضِمْنِ ما نَصَبَ مِنَ الأدِلَّةِ تَذْكِيرًا لَهم بِالنِّعْمَةِ وتَوَدُّدًا إلَيْهِمْ بِجَمِيعِ ما يُوجِبُ المَحَبَّةَ وإشارَةً إلى أنَّهُ هو الَّذِي خَلَقَ لَهم ما تَقَرَّبُوا بِهِ إلى غَيْرِهِ مِمّا ادَّعَوْهُ نِدًّا مِنَ (p-٣١٥)البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ وما شاكَلَها فَقالَ ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ وإنِ اخْتَصَرْتَ فَقُلْ: لَمّا أقامَ سُبْحانَهُ وتَعالى الدَّلِيلَ عَلى الوَحْدانِيَّةِ بِما خَلَقَ مِنَ المَنافِعِ وصَنَّفَ النّاسَ صِنْفَيْنِ ضالٌّ مَعْطُوفٌ دالٌّ بِعَطْفِهِ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ عَلى مُهْتَدٍ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ وخَتَمَ بِتَأْبِيدِ عَذابِ الضّالِّ أقْبَلَ عَلى الصِّنْفَيْنِ إقْبالَ مُتَلَطِّفٍ مُتَرَفِّقٍ مُسْتَعْطِفٍ مُنادِيًا لَهم إلى تَأْبِيدِ نَفْعِهِمْ قائِلًا: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ أيْ: كافَّةً. وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا اسْتَوْفى سُبْحانَهُ وتَعالى ذِكْرَ أمْرِ الدِّينِ إلى أنْهاهُ مِن رُتْبَةِ دِينِ الإسْلامِ الَّذِي رَضِيَهُ وكانَ الدِّينُ هو غِذاءُ القُلُوبِ وزَكاةُ الأنْفُسِ نَظَمَ بِهِ ذِكْرَ غِذاءِ الأبْدانِ (p-٣١٦)مِنَ الأقْواتِ لِيَتِمَّ بِذِكْرِ النَّماءَيْنِ نَماءَ الذَّواتِ ظاهِرُها البَدَنِيُّ وباطِنُها الدِّينِيُّ، لَمّا بَيَّنَ تَغَذِّيَ الأبْدانِ وقِوامَ الأدْيانِ مِنَ التَّعاوُنِ عَلى جَمْعِ أمْرَيْ صَلاحِ العَمَلِ ظاهِرًا وقَبُولَهُ باطِنًا، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا يَقْبَلُ اللَّهُ عَمَلًا إلّا بِالوَرَعِ الشّافِي»؛ وكَما قِيلَ: مِلاكُ الدِّينِ الوَرَعُ، وهَلاكُهُ التَّرَفُ، ونَقْصُهُ السَّرَفُ؛ فَكَما انْتَظَمَ الكِتابُ قَصَرَ الخَلْقَ عَلى أفْضَلِ مُتَصَرَّفاتِهِمْ في التَّدَيُّنِ اتَّصَلَ بِهِ قَصْرُهم عَلى أفْضَلِ مَأْكِلِهِمْ في التَّقَوُّتِ، ولَمّا ذَكَرَ الدِّينَ في رُتْبَتَيْ صِنْفَيْنِ مِنَ النّاسِ والَّذِينَ آمَنُوا انْتَظَمَ بِهِ ذِكْرُ المَأْكَلِ في صِنْفَيْهِما فَقالَ ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ فانْتَظَمَ بِخِطابِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] لِما بَيْنَ العِبادَةِ والمَأْكَلِ مِنَ الِالتِزامِ. انْتَهى.
ولَمّا كانَتْ رُتْبَةُ النّاسِ مِن أدْنى المَراتِبِ في خِطابِهِمْ أطْلَقَ لَهُمُ الإذْنَ تَلَطُّفًا بِهِمْ ولَمْ يَفْجَأْهم بِالتَّقْيِيدِ فَقالَ مُبِيحًا لَهم ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ ﴿كُلُوا﴾ ولَمّا كانَ في الأرْضِ ما لا يُؤْكَلُ قالَ: ﴿مِمّا في الأرْضِ﴾ أيْ: مِمّا بَيَّنّا لَكم أنَّهُ مِن أدِلَّةِ الوَحْدانِيَّةِ.
ولَمّا كانَ في هَذا الإذْنِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الكُلَّ لَهُ والِانْتِفاعَ بِهِ يَتَوَقَّفُ عَلى إذْنٍ مِنهُ دَلَّهم عَلى أنَّ فِيهِ ما أباحَهُ وفِيهِ ما حَظَرَهُ فَقالَ: ﴿حَلالا﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: وهو ما انْتَفى (p-٣١٧)عَنْهُ حُكْمُ التَّحْرِيمِ فَيَنْتَظِمُ بِذَلِكَ ما يُكْرَهُ وما لا يُكْرَهُ، والتَّحْرِيمُ المَنعُ مِمّا يَلْحَقُ الأكْلَ مِنهُ ضَرَرٌ في جِسْمِهِ كالمَيْتَةِ، أوْ في نَفْسِهِ كَلَحْمِ الخِنْزِيرِ، أوْ رَيْنٌ عَلى قَلْبِهِ كَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ؛ ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ ما حُرِّمَ خَبِيثٌ بِقَوْلِهِ: ﴿طَيِّبًا﴾ أيْ: غَيْرُ خَبِيثٍ مُسْتَقْذَرٍ، والأصْلُ فِيهِ ما يُسْتَلَذُّ؛ ويُوصَفُ بِهِ عَلى جِهَةِ التَّشْبِيهِ الطّاهِرِ لِأنَّ النَّجِسَ تَكْرَهُهُ النَّفْسُ (p-٣١٨)لِقَذَرِهِ، والحَلالُ لِأنَّ الحَرامَ يَقْذَرُهُ العَقْلُ لِزَجْرِ الشَّرْعِ عَنْهُ. وقالَ الحَرالِّيُّ: الحَلالُ مَطْلُوبٌ لِيُكْتَسَبَ لا لِيُؤْكَلَ حَتّى يَطِيبَ، والطَّيِّبُ ما لا مَنازِغَ فِيهِ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ هَذا الصِّنْفُ أدْنى المُتَدَيِّنِينَ قَرَنَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِإطْعامِهِمْ مِمّا في الأرْضِ لِكَوْنِهِمْ أرْضِيِّينَ نَهاهم عَنِ اتِّباعِ العَدُوِّ المَبْنِيِّ أمْرُهُ عَلى المُنافَرَةِ فَقالَ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا﴾ وأشارَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ إلى انْهِماكِ هَذا الصِّنْفِ عَلى اللَّحاقِ بِهِ وأنَّهم غَيْرُ واصِلِينَ ما دامُوا في هَذا الحَيِّزِ إلى تَمامِ مُنابَذَتِهِ وإنَّما عَلَيْهِمُ الجَهْدُ لِأنَّ مُخالَفَتَهُ لا تَكُونُ إلّا بِمُجاهَدَةٍ كَثِيرَةٍ لا يَقْدِرُونَ عَلَيْها ما دامُوا في هَذِهِ الرُّتْبَةِ ﴿خُطُواتِ﴾ جَمْعُ خُطْوَةٍ وهي ما بَيْنَ القَدَمَيْنِ في المَشْيِ ﴿الشَّيْطانِ﴾ أيْ: طُرُقَهُ في وساوِسِهِ في اتِّخاذِ الأنْدادِ وتَحْرِيمِ الحَلالِ كالسَّوائِبِ وتَحْلِيلِ الحَرامِ كالمَيْتاتِ، فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن أمْرِهِ كَما يَأْتِي في قَوْلِهِ: ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ [النساء: ١١٩] الآيَةَ وهو مِن شَطَنَ إذا بَعُدَ، وشاطَ إذا احْتَرَقَ، فَهو يُبْعِدُهم - كَما قالَ الحَرالِّيُّ - عَنْ وطَنِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الِائْتِمارِ في مَآكِلِهِمْ إلى التَّناوُلِ بِشَهَواتِهِمْ لِيَسْتَدْرِجَهم لِذَلِكَ مِن خُطْوَةِ الأكْلِ بِالشَّهْوَةِ إلى الأكْلِ بِالهَوى فَيَتَداعى مِنها إلى المُحَرَّماتِ. (p-٣١٩)انْتَهى. ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ﴾ بِتَكَبُّرِهِ عَلى أبِيكم ومَكْرِهِ بِهِ وسُؤالِهِ الإنْظارَ لِإضْلالِكم ﴿مُبِينٌ﴾ أيْ: ظاهِرُ العَداوَةِ فَلا تَتَّبِعُوا العَدُوَّ في مُنابَذَةِ الوَلِيِّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences