Al-Biqa'iAl‑Baqarah · 2:173–176

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:173–176

2:173Page 26

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٧٣

He has only forbidden to you dead animals,1 blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allāh. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], there is no sin upon him. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

ولَمّا قَيَّدَ الإذْنَ لَهم بِالطَّيِّبِ مِنَ الرِّزْقِ افْتَقَرَ الأمْرُ إلى بَيانِ الخَبِيثِ مِنهُ لِيُجْتَنَبَ فَبَيَّنَ صَرِيحًا ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِمّا كانَ المُشْرِكُونَ يَسْتَحِلُّونَهُ ويُحَرِّمُونَ غَيْرَهُ وأفْهَمَ حِلَّ ما عَداهُ وأنَّهُ كَثِيرٌ جِدًّا لِيَزْدادَ المُخاطَبُ شُكْرًا فَقالَ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾ . وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ إدْراكُ المُؤْمِنِينَ لِمُقْتَضى الخِطابِ فَوْقَ إدْراكِ النّاسِ خاطَبَهم تَعالى بِذِكْرِ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ فَناظَرَ ذَلِكَ ما نَهى عَنْهُ النّاسَ مِنَ اتِّباعِ خُطُواتِ (p-٣٤١)الشَّيْطانِ فَقالَ: ﴿إنَّما حَرَّمَ﴾ وأجْرى إضْمارَهُ عَلى الِاسْمِ العَظِيمِ الأوَّلِ إعْلامًا بِأنَّ الَّذِي أذِنَ لَهم إنَّما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ما لا يَصْلُحُ لَهم بِكُلِّ وجْهٍ لِشِدَّةِ مَضَرَّتِهِ عَلَيْهِمْ في إحاطَةِ ذَواتِهِمْ ظاهِرِها وباطِنِها، لَمّا ذَكَرَ أنَّ المُحَرَّمَ إمّا لِحُرْمَتِهِ عُلُوًّا كالبَلَدِ الحَرامِ وتَحْرِيمِ الأمْرِ، أوْ لِحُرْمَتِهِ دَناءَةً كَتَحْرِيمِ هَذِهِ المُحَرَّماتِ، فَفي كَلِمَةِ ”إنَّما“ نَفْيٌ لِمُتَوَهَّماتِ ما يَلْحَقُهُ التَّحْرِيمُ بِما دُونَ المَذْكُورِ هُنا كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ: حُرِّمَ كَذا وحُرِّمَ كَذا مِن نَحْوِ ما حَرَّمَتْهُ الكُتُبُ الماضِيَةُ أوْ حَرَّمَتْهُ الأهْواءُ المُخْتَلِفَةُ أوْ حَرَّمَهُ نَظَرٌ عِلْمِيٌّ كالَّذِي حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، فَكانَ الإفْهامُ لِرَدِّ تِلْكَ المُحَرَّماتِ كُلِّها. انْتَهى. فالمَعْنى واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ أنَّكم حَرَّمْتُمُ الوَصِيلَةَ والسّائِبَةَ وغَيْرَهُما مِمّا أحَلَّهُ اللَّهُ وأحْلَلْتُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ وغَيْرَهُما حَرَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ولَمْ يُحَرِّمِ اللَّهُ عَلَيْكم مِنَ السّائِبَةِ وما مَعَها مِمّا حَرَّمْتُمُوهُ ولا غَيْرَهُ مِمّا اسْتَحْلَلْتُمُوهُ إلّا ما ذَكَرَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ؛ وإذا راجَعْتَ ما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في الأنْعامِ ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] وقَوْلَهُ ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] وقَوْلَهُ ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] (p-٣٤٢)مِن كِتابِي هَذا عَرَفْتَ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ. وقالَ ﴿المَيْتَةَ﴾ أيِ: الَّتِي سَمّاها بِذَلِكَ أهْلُ العُرْفِ، وهي ما فارَقَهُ الرُّوحُ مِن غَيْرِ ذَكاةٍ شَرْعِيَّةٍ وهو مِمّا يُذَكّى. قالَ الحَرالِّيُّ: وهي ما أدْرَكَهُ المَوْتُ مِنَ الحَيَوانِ عَنْ ذُبُولِ القُوَّةِ وفَناءِ الحَياةِ، وهي أشَدُّ مُفْسِدٍ لِلْجِسْمِ لِفَسادِ تَرْكِيبِها بِالمَوْتِ وذَهابِ تَلَذُّذِ أجْزائِها وعِتْقِها وذَهابِ رُوحِ الحَياةِ والطَّهارَةِ مِنها.

﴿والدَّمَ﴾ أيِ: الجارِي لِأنَّهُ جَوْهَرٌ مُرْتَكِسٌ عَنْ حالِ الطَّعامِ ولَمْ يَبْلُغْ بَعْدُ إلى حالِ الأعْضاءِ، فَهو مَيْتَةٌ مِن خاصِّ حَياتِهِ مُرْتَكِسٌ في جَوْهَرِهِ إلّا مَن طَيَّبَ اللَّهُ كُلِّيَّتَهُ كَما في مُحَمَّدٍ ﷺ وفِيمَن نَزَعَ عَنْهُ خُبْثَ الظّاهِرِ والباطِنِ طَبْعًا ونَفْسًا.

﴿ولَحْمَ الخِنْـزِيرِ﴾ لِأذاهُ لِلنَّفْسِ كَما حُرِّمَ ما قَبْلَهُ لِمَضَرَّتِهِما في الجِسْمِ، لِأنَّ مِن حِكْمَةِ اللَّهِ في خَلْقِهِ أنَّ مَنِ اغْتَذى (p-٣٤٣)جِسْمُهُ بِجُسْمانِيَّةِ شَيْءٍ اغْتَذَتْ نَفْسُهُ بِنَفْسانِيَّةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ ”الكِبْرُ والخُيَلاءُ في الفَدّادِينَ أهْلِ الوَبَرِ، والسِّكِينَةُ في أهْلِ الغَنَمِ“ فَلَمّا جُعِلَ في الخِنْزِيرِ مِنَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ حُرِّمَ عَلى مَن حُوفِظَ عَلى نَفْسِهِ مِن ذَمِيمِ الأخْلاقِ؛ واللَّحْمُ ما لَحَمَ بَيْنَ أخْفى ما في الحَيَوانِ مِن وسَطِ عَظْمِهِ وما انْتَهى إلَيْهِ ظاهِرُهُ مِن سَطْحِ جِلْدٍ، وعُرِفَ غَلَبَةُ اسْتِعْمالِهِ عَلى رَطْبَةِ الأحْمَرِ، وهو هُنا عَلى أصْلِهِ في اللُّغَةِ يَجْمَعُ اللَّحْمَ الأحْمَرَ والشَّحْمَ والأعْصابَ والعُرُوقَ إلى حَدِّ الجِلْدِ وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ ما بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ مِن أجْزاءِ الرُّطُوباتِ، وإذا حَرُمَ لَحْمُهُ الَّذِي هو المَقْصُودُ بِالأكْلِ وهو أطْيَبُ (p-٣٤٤)ما فِيهِ كانَ غَيْرُهُ مِن أجْزائِهِ أوْلى بِالتَّحْرِيمِ.

ولَمّا حَرَّمَ ما يَضُرُّ الجِسْمَ ويُؤْذِي النَّفْسَ حَرَّمَ ما يَرِينُ عَلى القَلْبِ فَقالَ: ﴿وما أُهِلَّ﴾ والإهْلالُ رَفْعُ الصَّوْتِ لِرُؤْيَةِ أمْرٍ مُسْتَعْظَمٍ ﴿بِهِ﴾ أيْ: رَفْعُ رافِعِ الصَّوْتِ بِسَبَبِهِ ذابِحًا ﴿لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ بِوَجْهٍ. قالَ الحَرالِّيُّ: لِأنَّ ما لَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ أُخِذَ مِن يَدِ مَن ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُهُ ولَيْسَ ذَلِكَ خالِقَهُ ومالِكَهُ، إنَّما خالِقُهُ ومالِكُهُ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ ذِكْرَ اسْمِهِ عَلَيْهِ إذْنًا في الِانْتِفاعِ بِهِ وذَكَرَ عَلى إزْهاقِ الرُّوحِ مَن هي مِن نَفْخَتِهِ لا مَن لا يَجِدُ لِلدَّعْوى فِيها (p-٣٤٥)سَبِيلًا مِنَ الخَلْقِ. وذِكْرُ الإهْلالِ إعْلامٌ بِأنَّ ما أُعْلِنَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اسْمِ اللَّهِ هو أشَدُّ المُحَرَّمِ، فَفي إفْهامِهِ تَخْفِيفُ الخِطابِ عَمّا لا يُعْلَمُ مِن خَفِيِّ الذِّكْرِ «قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ! إنَّ ناسًا يَأْتُونَنا بِلِحامٍ لا نَدْرِي أسَمُّوا اللَّهَ عَلَيْها أمْ لا. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”سَمُّوا اللَّهَ أنْتُمْ وكُلُوا» فَكانَ المُحَرَّمُ لَيْسَ ما لَمْ يُعْلَمْ أنَّ اسْمَ اللَّهِ ذُكِرَ عَلَيْهِ بَلِ الَّذِي عُلِمَ أنَّ غَيْرَ اسْمِ اللَّهِ قَدْ أُعْلِنَ بِهِ عَلَيْهِ، وفي تَقَدَّمَ إضْمارُ المُحَرَّمِ في قَوْلِهِ“ بِهِ " تَأْكِيدٌ لِمَعْناهُ لِأنَّهم يُقَدِّمُونَ ما هم بِهِ أهَمُّ وهم بِبَيانِهِ أعْنى، قالَ ﷺ: «ابْدَؤُوا بِما بَدَأ اللَّهُ بِهِ»، فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ جامِعَةً أيِ: التَّحْرِيمُ أظْهَرَ فِيها تَقْدِيمَ العِنايَةِ بِالمُحَرَّمِ وهي في الإبْلاغِ أنْهى مَعْنًى مِنَ الَّذِي أُخِّرَ فِيها هَذا الضَّمِيرُ.

ولَمّا كانَ هَذا الدِّينُ يُسْرًا لا عُسْرَ فِيهِ ولا حَرَجَ ولا جُناحَ رَفَعَ حُكْمَ هَذا التَّحْرِيمِ عَنِ المُضْطَرِّ، ولَمّا كانَ شَأْنُ الِاضْطِرارِ أنْ يَشْمَلَ جَمْعًا مِنَ الخَلْقِ أنْبَأهم تَعالى بِأنَّ هَذا الَّذِي رُفِعَ عَنْهم مِنَ التَّحْرِيمِ لا يَبْرَأُ (p-٣٤٦)مِن كُلِّيَّةِ الأحْكامِ بَلْ يَبْقى مَعَ هَذِهِ الرُّخْصَةِ مَوْقِعُ الأحْكامِ في البَغْيِ والعُدْوانِ فَقالَ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ [أيْ: أحْوَجَهُ مُحْوِجٌ وألْجَأهُ مُلْجِئٌ بِأيِّ ضَرُورَةٍ كانَتْ ] إلى أكْلِ شَيْءٍ مِمّا حُرِّمَ بِأنَّ أشْرَفَ عَلى التَّلَفِ فَأكَلَ مِن شَيْءٍ مِنهُ حالَ كَوْنِهِ ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ أيْ: قاصِدٍ فَسادًا بِمَكِيدَةٍ يَكِيدُ بِها لِضَعْفِهِ آخِذًا مِن تِلْكَ المَيْتَةِ هو أقْوى مِنهُ كَأنْ يُحِيلَهُ عَلى غَيْرِها خِداعًا مِنهُ لِيَسْتَأْثِرَ عَلَيْهِ بِالأحْسَنِ مِنها ﴿ولا عادٍ﴾ عَلى غَيْرِهِ بِأنْ يَكُونَ أقْوى مِنهُ فَيَدْفَعُهُ عَنْها، ولا مُجاوِزٌ لِسَدِّ الرَّمَقِ وإزالَةِ الضَّرُورَةِ؛ ويَدْخُلُ في الآيَةِ أنَّ مَن بَغى عَلى إمامٍ أوْ قَصَدَ بِضَرْبِهِ في الأرْضِ فَسادًا أوْ عَدا عَلى أحَدٍ ظُلْمًا فَحَصَلَ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَخْمَصَةٌ لا يَحِلُّ لَهُ ما كانَ حَرامًا لِأنَّ في ذَلِكَ إعانَةً لَهُ عَلى مَعْصِيَتِهِ، فَإنْ تابَ اسْتَباحَ ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ لا مِنَ التَّحْرِيمِ الأوَّلِ ولا (p-٣٤٧)مِنَ الحُكْمِ الآخَرِ، ولَوْ كانَ رَفْعُ الإثْمِ دُونَ هَذَيْنِ الِاشْتِراطَيْنِ لَوَقَعَ بَيْنَ المُضْطَرِّينَ مِنَ البَغْيِ والتَّسَلُّطِ ما مُثْلُهُ لا يَحِلُّ لِغَيْرِ المُضْطَرِّينَ، فانْتَفى الإثْمُ عَلى صِحَّةٍ مِنَ الأمْرَيْنِ وارْتِفاعِ الحُكْمَيْنِ، فَفي السِّعَةِ يُجْتَنَبُ ما يَضُرُّ وفي الضَّرُورَةِ يُؤْثَرُ ضَرُورَةُ الجِسْمِ لِقِوامِهِ عَلى حُكْمِ الكِتابِ في إقامَتِهِ؛ وفي إفْهامِهِ أنَّ مَنِ اضْطُرَّ لِشَيْءٍ مِمّا حُرِّمَ عَلَيْهِ فَأكَلَهُ لَمْ تَنَلْهُ مَضَرَّةٌ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى إذا أباحَ شَيْئًا أذْهَبَ ضُرَّهُ «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفاءَ أُمَّتِي فِيما حُرِّمَ عَلَيْها» فَفِيهِ تَنْبِيهٌ لِتَغْيِيرِ هَذِهِ الأعْيانِ لِلْمُضْطَرِّ عَمّا كانَتْ عَلَيْهِ حَتّى تَكُونَ رُخْصَةً في الظّاهِرِ وتَطْيِيبًا في الباطِنِ، فَكَما رَفَعَ عَنْهُ حُكْمَها الكِتابِيَّ يَتِمُّ فَضْلُهُ فَيَرْفَعُ عَنْهُ ضُرَّها الطَّبِيعِيَّ.

ثُمَّ عَلَّلَ هَذا الحُكْمَ مُرَهِّبًا مُرَغِّبًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ فَأتى بِهَذا الِاسْمِ المُحِيطِ إشارَةً إلى عُمُومِ هَذا الحُكْمِ لِلْمُضْطَرِّ والمُوَسَّعِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ﴾ إشْعارٌ بِأنَّهُ لا يَصِلُ إلى حالِ الِاضْطِرارِ إلى ما حُرِّمَ (p-٣٤٨)عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا عَنْ ذَنْبٍ أصابَهُ، فَلَوْلا المَغْفِرَةُ لَتَمَّمْتُ عَلَيْهِ عُقُوبَتَهُ، لِأنَّ المُؤْمِنَ أوِ المُوقِنَ لا تَلْحَقُهُ ضَرُورَةٌ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وعَبْدَ اللَّهِ لا يُعْجِزُهُ ما لا يُعْجِزُ رَبَّهُ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَـزَّلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم: ٤٩] فاليَأْسُ الَّذِي يُحْوِجُ إلى ضَرُورَةٍ إنَّما يَقَعُ لِمَن هو دُونَ رُتْبَةِ اليَقِينِ ودُونَ رُتْبَةِ الإيمانِ «جَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [جَيْشًا ] فَفَنِيَتْ أزْوادُهم فَأقامُوا أيّامًا يَتَقَوَّتُونَ بِيَسِيرٍ حَتّى تَقَوَّتُوا بِتَمْرَةٍ تَمْرَةٍ فَأخْرَجَ اللَّهُ لَهُمُ العَنْبَرَ دابَّةً مِنَ البَحْرِ» فَلَمْ يُحْوِجْهم في ضَرُورَتِهِمْ إلى ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَلْ جاءَهم في ضَرُورَتِهِمْ بِما هو أطْيَبُ مَآكِلِهِمْ في حالِ السِّعَةِ مِن صَيْدِ البَحْرِ الَّذِي «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مِيتَتُهُ» وفي قَوْلِهِ: ﴿رَحِيمٌ﴾ (p-٣٤٩)إنْباءٌ بِأنَّ مَنِ اضْطُرَّ فَأصابَ مِمّا اضْطُرَّ إلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَبْغِ فِيهِ ولَمْ يَعْدُ تَنالُهُ مِنَ اللَّهِ رَحْمَةُ تَوَسُّعِهِ مِن أنْ يُضْطَرَّ بَعْدَها إلى مِثْلِهِ فَيَغْفِرُ لَهُ الذَّنْبَ السّابِقَ الَّذِي أوْجَبَ الضَّرُورَةَ ويَنالُهُ بِالرَّحْمَةِ المُوَسَّعَةِ الَّتِي يَنالُ بِها مَن لَمْ يَقَعْ مِنهُ ما وقَعَ مِمَّنِ اضْطُرَّ إلى مِثْلِهِ - انْتَهى؛ وتَصَرَّفْتُ فِيهِ.

2:174Page 26

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَشۡتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ مَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٧٤

Indeed, they who conceal what Allāh has sent down of the Book and exchange it for a small price - those consume not into their bellies except the Fire. And Allāh will not speak to them on the Day of Resurrection, nor will He purify them. And they will have a painful punishment.

ولَمّا كانَ في بَيانِ هَذِهِ المُحَرَّماتِ الإشارَةُ إلى عَيْبِ مَنِ اسْتَحَلَّها مِنَ العَرَبِ وتَرَكَ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ الطَّيِّباتِ جَهْلًا وتَقْلِيدًا تَلاها بِتَكْرِيرِ عَيْبِ الكاتِمِينَ لِما عِنْدَهم مِنَ الحَقِّ مِمّا أُنْزِلَ في كِتابِهِمْ مِن صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ وأمْرِ الحَجِّ وأمْرِ القِبْلَةِ وغَيْرِها مِمّا يُصَدِّقُ هَذا الكِتابَ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ خَوْفًا عَلى انْقِطاعِ ما كانَ يُهْدى إلَيْهِمْ لِرِئاسَتِهِمْ مِن دِينِهِمْ عَلى وجْهٍ عائِبٍ لَهم لِاسْتِحْلالِهِمْ أكْلَ السُّحْتِ عَلى عِلْمٍ مُبِينٍ أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا الذَّمَّ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما نَفْسُ الأكْلِ عَلى هَذا الوَجْهِ المُؤَدِّي إلى الإعْراضِ عَنِ الطَّيِّباتِ والمُوافَقَةِ لِلْعَرَبِ، الثّانِي كَوْنُهُ عَلى كِتْمانِ ما يَعْلَمُونَ مِنَ الحَقِّ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ (p-٣٥٠)يَكْتُمُونَ﴾ مُؤَكِّدًا لِذَمِّهِمْ بِأنْواعِ التَّأْكِيدِ، ولَقَدْ بَدَعَ إيلاؤُهُ لِصِفَتَيِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ كَما خَتَمَ آيَةَ الكِتْمانِ الأُولى بِوَصْفَيِ التَّوْبَةِ والرَّحْمَةِ، فَكانَ [مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ ] مِن قَبِيلِ الِاحْتِراسِ [أيْ إنَّهُ ] إعانَةٌ لا يُغْفَرُ لِمِثْلِ هَؤُلاءِ إلّا أنِ اتَّصَفُوا بِما أشارَتْ إلَيْهِ الآيَةُ الأُولى مِنَ التَّوْبَةِ. قَوْلُهُ: ﴿ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ بِإسْنادِ الإنْزالِ إلى اسْمِهِ الأعْظَمِ لِإحاطَةِ الكِتابِ بِمُخْتَلِفاتِ الأحْكامِ ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ أيْ: مِن حُدُودِهِ وأحْكامِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أشارَتْ إلَيْهِ الآيَةُ الأُولى بِالبَيِّناتِ والهُدى مِنَ الحِكَمِ والأحْكامِ.

ولَمّا كانَ مِنَ الكَتْمِ ما يَكُونُ لِقَصْدِ خَيْرٍ، فَكَمْ مِن كَلِمَةِ حَقٍّ أُرِيدَ بِها باطِلٌ ! قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: والثَّمَنُ ما لا يُنْتَفَعُ بِعَيْنِهِ حَتّى يُصْرَفَ إلى غَيْرِهِ مِنَ الأعْواضِ، فالإيعادُ عَلى ما يَتَضَمَّنُ جَهْلَ الكاتِمِ وحِرْصَهُ بِاسْتِكْسابِهِ بِالعِلْمِ وإجْرائِهِ (p-٣٥١)فِي غَيْرِ ما أجْراهُ اللَّهُ تَعالى عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِ ”وما أسْألُكم عَلَيْهِ مَن أجَّرَ“

ولَمّا كانَ كُلُّ ما لَمْ يَثْبُتْ مِن خَيْرِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ وإنْ جَلَّ حَقِيرًا قالَ: ﴿قَلِيلا﴾ هَذا المُرادُ لا تَقْيِيدُهُ بِالقَلِيلِ.

ولَمّا كانُوا قَدْ بَعُدُوا عَنْ مُواطِنِ الرَّحْمَةِ بِبُخْلِهِمْ بِما لا يَنْقُصُهُ الإنْفاقُ أشارَ إلَيْهِمْ بِأداةِ البُعْدُ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ وفي خِطابِ النَّبِيِّ ﷺ بِهِ إشْعارٌ بِوُقُوعِ ذَلِكَ مِن طائِفَةٍ مِن أُمَّتِهِ حِرْصًا عَلى الدُّنْيا ﴿ما يَأْكُلُونَ﴾ أيْ: في هَذِهِ الحالِ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ ما. ولَمّا كانَ الأكْلُ يُطْلَقُ عَلى مُجَرَّدِ الإفْسادِ حَقَّقَ مَعْناهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ جَمْعُ بَطْنٍ وهو فَضاءُ جَوْفِ الشَّيْءِ الأجْوَفِ لِغَيْبَتِهِ عَنْ ظاهِرِهِ الَّذِي هو ظَهْرُ ذَلِكَ البَطْنِ ﴿إلا النّارَ﴾ كَما أحاطَ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالغَيْبِ إنَّ ذَلِكَ عَلى الحَقِيقَةِ وبَصَرَهُ لِعُيُونِ أهْلِ الكَشْفِ الَّذِينَ يَرَوْنَ العَواقِبَ في الأوائِلِ والغَيْبَ في الشَّهادَةِ، وفي ذِكْرِهِ بِصِيغَةِ الحَصْرِ نَفْيٌ لِتَأْوِيلِ المُتَأوِّلِ بِكَوْنِهِ سَبَبًا وصَرْفٌ لَهُ إلى وجْهِ التَّحْقِيقِ الَّذِي يَنالُهُ (p-٣٥٢)الكَشْفُ ويَقْصُرُ عَنْهُ الحِسُّ، فَكانُوا في ذَلِكَ كالحَذِرِ الَّذِي يَجْعَلُ يَدَهُ في الماءِ الحارِّ ولا يُحِسُّ بِهِ فَيَشْعُرُ ذَلِكَ بِمَوْتِ حَواسِّ هَؤُلاءِ عَنْ حالِ ما تَناوَلُوهُ.

ولَمّا قَدَّمَ الوَعِيدَ في الثَّمَنِ لِكَوْنِهِ الحامِلَ عَلى الكَتْمِ أتْبَعَهُ وعِيدَ نَفْسِ الكَتْمِ فَقالَ: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي مَن كَلَّمَهُ أقْبَلَ كُلُّ شَيْءٍ عَلَيْهِ كَلامًا يَدُلُّ عَلى مَرْضى لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُكَلِّمُوا النّاسَ بِما كُتِبَ عَلَيْهِمْ وقالَ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ تَأْكِيدًا لِما أشارَتْ إلَيْهِ ما مِن أنَّ المُرادَ بِالَّذِي قَبْلَهُ الحالُ ﴿ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ: يُطَهِّرُهم مِن دَنَسِ الذُّنُوبِ أوْ يُثْنِي عَلَيْهِمْ أوْ يُنَمِّي أعْمالَهم بِما يَحْصُلُ لَهم مِنَ المِيثاقِ في يَوْمِ التَّلاقِ كَما يُزَكِّي بِذَلِكَ مَن يَشاءُ مِن عِبادَةٍ لِأنَّهم كَتَمُوا عَنِ العِبادِ ما يُزَكِّيهِمْ وفي هَذا تَعْظِيمٌ لِذَنْبٍ كَتَمُوا العِلْمَ ﴿ولَهُمْ﴾ مَعَ هَذا العَذابِ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ لِما أوْقَعُوا فِيهِ النّاسَ مِنَ التَّعَبِ بِكَتْمِهِمْ عَنْهم ما يُقِيمُهم عَلى المَحَجَّةِ السَّهْلَةِ.

2:175Page 26

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡعَذَابَ بِٱلۡمَغۡفِرَةِۚ فَمَآ أَصۡبَرَهُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ ١٧٥

Those are the ones who have exchanged guidance for error and forgiveness for punishment. How patient they are for [i.e., in pursuit of] the Fire!

(p-٣٥٣)ولَمّا ذَكَرَ جَزاءَهم أتْبَعَهُ تَرْجَمَةَ حالِهِمْ مُؤَكِّدًا لِبُعْدِهِمْ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾ أيْ: لَجاجًا وتَمادِيًا في الغَيِّ ﴿الضَّلالَةَ﴾ عَنْ طَرِيقِ الخَيْرِ ﴿بِالهُدى﴾ ولَمّا ذَكَرَ حالَهم في الدُّنْيا أتْبَعَهُ أمْرَ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿والعَذابَ﴾ بِارْتِكابِهِمْ هَذِهِ المُوبِقَةَ ﴿بِالمَغْفِرَةِ﴾ الَّتِي كانَتْ تُنْجِيهِمْ إذا مَحَتْ صَغائِرَهم لَوْ سَلِمُوا مِن هَذِهِ العَضَلَةِ الَّتِي كانَتْ سَبَبًا لِضَلالِ خَلْقٍ كَثِيرٍ فَكانَ عَلَيْهِمْ وِزْرُهم. ولَمّا جَعَلَ سُبْحانَهُ وتَعالى أوَّلَ مَأْكَلِهِمْ نارًا وآخِرَ أمْرِهِمْ عَذابًا وتَرْجَمَةَ حالِهِمْ عَدَمَ المَغْفِرَةِ فَكانَ بِذَلِكَ أيْضًا أوْسَطُ حالِهِمْ نارًا سَبَّبَ عَنْهُ التَّعْجِيبَ مِن أمْرِهِمْ بِحَبْسِهِمْ أنْفُسَهم في ذَلِكَ الَّذِي هو مَعْنى الصَّبْرِ لِالتِباسِهِمْ بِالنّارِ حَقِيقَةً أوْ بِمُوجِباتِها مِن غَيْرِ مُبالاةٍ فَقالَ: ﴿فَما أصْبَرَهُمْ﴾ أيْ: ما أشَدَّ حَبْسَهم أنْفُسَهم أوْ ما أجْرَأهم ﴿عَلى النّارِ﴾ الَّتِي أكَلُوها في الدُّنْيا فَأحَسُّوا بِها في الأُخْرى - ذَكَرَ كَثِيرًا مِن ذَلِكَ الحَرالِّيُّ غَيْرَ أنِّي تَصَرَّفْتُ فِيهِ؛ (p-٣٥٤)وإذا جَعَلْتَهُ مَجازًا كانَ مِثْلَ قَوْلِكَ لِمَن عانَدَ السُّلْطانَ: ما أصْبَرَكَ عَلى السِّجْنِ الطَّوِيلِ والقَيْدِ الثَّقِيلِ ! تَهْدِيدًا لَهُ.

2:176Page 26

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَفِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ ١٧٦

That is [deserved by them] because Allāh has sent down the Book in truth. And indeed, those who differ over the Book are in extreme dissension.

ولَمّا ذَكَرَ جَزاءَهم وشَرَحَ حالَهم والتَّعْجِيبَ مِن أمْرِهِمْ ذَكَرَ السَّبَبَ المُوجِبَ لِهَذا الإبْعادِ العَظِيمِ والتَّهْدِيدِ الكَبِيرِ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ مُشِيرًا بِأداةِ البُعْدِ ﴿بِأنَّ اللَّهَ﴾ فَذَكَرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ أيْضًا الَّذِي مَعْناهُ أنَّ لَهُ جَمِيعَ صِفاتِ الكَمالِ تْعَظِيمًا لِلْمَقامِ ﴿نَـزَّلَ الكِتابَ﴾ أيِ: الجامِعَ لِأنْواعِ الهُدى ﴿بِالحَقِّ﴾ مُنَجَّمًا تَقْرِيبًا لِلْأفْهامِ وتَدْرِيبًا لِلْخاصِّ والعامِّ، وهو صالِحٌ لِإرادَةِ القُرْآنِ والتَّوْراةِ أيِ: الثّابِتُ الكامِلُ في الثَّباتِ، فَمَن كَتَمَهُ فَقَدْ حاوَلَ نَفْيَ ما أثْبَتَهُ اللَّهُ تَعالى فَقَدْ ضادَّ اللَّهَ في مُلْكِهِ، ومَن خالَفَ فِيهِ وهو الَّذِي لا شُبْهَةَ تَلْحَقُهُ فَقَدْ عَدَّ الواضِحَ مُلْبِسًا فَقَدْ أبْعَدَ المَرْمى.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاخْتَلَفُوا، أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا﴾ أيْ: خالَفَ بَعْضُهم بَعْضًا ﴿فِي الكِتابِ﴾ نَفْسِهِ أيْ: لا في فَهْمِهِ، وهَذِهِ العِبارَةُ تَدُلُّ عَلى [أنَّ ] الِاخْتِلافَ قَوْلُ بَعْضٍ في الكِتابِ كُلِّهِ (p-٣٥٥)أوْ في شَيْءٍ مِنهُ هو باطِلٌ والإقْرارُ بِبَعْضِ أحْكامِهِ والإنْكارُ لِبَعْضِها وتَحْرِيفُ الكَلِمِ عَنْ مَواضِعِهِ ونَحْوَ هَذا ﴿لَفِي شِقاقٍ﴾ لِكَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم في شِقٍّ ﴿بَعِيدٍ﴾ جِدًّا عَنْ شِقِّ أهْلِ الحَقِّ، ولِذَلِكَ خافَ الصَّحابَةُ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ مِنَ اخْتِلافِ أهْلِ هَذا الدِّينِ في القُرْآنِ كَما اخْتَلَفَ اليَهُودُ والنَّصارى فَجَمَعُوهم عَلى مُصْحَفٍ واحِدٍ، فَلَيْسَ الِاخْتِلافُ في وُجُوهِ الرِّواياتِ وأنْحاءِ الفَهْمِ مِن ذَلِكَ؛ وقَدْ وقَعَ كَما تَرى تَنْبِيهُ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ بِدُونِ ما تَضَمَّنَهُ تَنْبِيهُ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِفُرْقانِ ما بَيْنَهم، لِأنَّ كُفْرَ المُشْرِكِينَ عَنْ جَهْلٍ وكُفْرُ أُولَئِكَ عَنْ تَعَنُّتٍ بَعْدَ تَكَرُّرِ مُشاهَدَةِ الآياتِ، ومَن تَدَبَّرَ القُرْآنَ وطالَعَ التَّوْراةَ عَلِمَ طُولَ مُكْثِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمُ التَّوْراةَ عَلى حَسَبِ تَنْزِيلِها شَيْئًا فَشَيْئًا وأنَّهم كانُوا مَعَ ذَلِكَ كُلَّما شاهَدُوا آيَةً أحْدَثُوا كُفْرًا وخَلَعُوا شُكْرًا وسَألُوا غَيْرَها (p-٣٥٦)عِنادًا ومَكْرًا ﴿وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣] وقَدْ مَرَّ مِن أوَّلِ السُّورَةِ عَنِ التَّوْراةِ كَثِيرٌ مِن ذَلِكَ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَقِيَّتُهُ في المَواضِعِ اللّائِقَةِ بِهِ مِن آياتِ القُرْآنِ. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: ومَتى بُيِّنَ شَيْءٌ في الكِتابِ العَزِيزِ مِن أحْوالِ النَّصارى فَلَيْسَ عَلى ما ورَدَ مِن مِثْلِهِ في اليَهُودِ لِما ذُكِرَ أيْ: مِن أنَّ كُفْرَهم تَعَنُّتٌ، وخِطابُ مُشْرِكِي العَرَبِ فِيما أُشِيرَ إلَيْهِ دُونَ خِطابِ الفَرِيقَيْنِ إذْ قَدْ تَقَدَّمَ لَهم ما لَمْ يَتَقَدَّمْ لِلْعَرَبِ وبُشِّرُوا في كُتُبِهِمْ ولَيْسَ لِمُشْرِكِي العَرَبِ مِثْلُ ذَلِكَ؛ والزَّيْغُ عَنِ الهُدى شامِلٌ لِلْكُلِّ ولَيْسُوا في شَيْءٍ مِنَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ مَعَ أنَّ أسْوَأ الأحْوالِ حالُ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ؛ وهُنا انْتَهى ذِكْرُ ما حَذَّرَ مِنهُ ونَهى عَنْهُ مَن أرادَ سُلُوكَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ وبَيانُ حالِ مَن حادَ عَنْهُ وتَنَكَّبَهُ وظَنَّ أنَّهُ عَلى شَيْءٍ وضَمَّ مُفْتَرَقَ أصْنافِ الزّائِغِينَ في أصْنافٍ ثَلاثَةٍ وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى وأهْلُ الشِّرْكِ، وبِهِمْ يَلْحَقُ سائِرُ مَن تَنَكَّبَ فَيَلْحَقُ بِاليَهُودِ مُنافِقُو أُمَّتِنا مِمَّنِ ارْتابَ بَعْدَ إظْهارِ إيمانِهِ وفَعَلَ أفاعِيلَهم مِنَ المَكْرِ والخَدِيعَةِ والِاسْتِهْزاءِ، ويَلْحَقُ بِالنَّصارى مَنِ اتَّصَفَ بِأحْوالِهِمْ، وبِالمُشْرِكِينَ مَن جَعَلَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى نِدًّا واعْتَقَدَ فِعْلًا لِغَيْرِهِ عَلى غَيْرِ طَرِيقَةِ الكَسْبِ؛ (p-٣٥٧)والمَجُوسُ لاحِقُونَ بِأهْلِ الشِّرْكِ. والشِّرْكُ أكْثَرُ هَذِهِ الطُّرُقِ السِّتَّةِ تَشَعُّبًا ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «الشِّرْكُ أخْفى مِن دَبِيبِ النَّمْلِ»، ومَن فَعَلَ أفْعالَ مَن ذُكِرَ ولَمْ يَنْتَهِ بِهِ الأمْرُ إلى مُفارَقَةِ دِينِهِ والخُرُوجِ في شَيْءٍ مِنَ اعْتِقادِهِ خِيفَ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وسِيلَةً إلى اللُّحُوقِ بِمَن تَشَبَّهَ بِهِ، وإلى هَذا أشارَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ: «أرْبَعٌ مَن كُنَّ فِيهِ كانَ مُنافِقًا خالِصًا: إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ» إلى أشْباهِ هَذا مِنَ الأحادِيثِ؛ انْتَهى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском