Al-Biqa'iAl‑Baqarah · 2:178–183

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:178–183

2:178Page 27

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ ٱلۡحُرُّ بِٱلۡحُرِّ وَٱلۡعَبۡدُ بِٱلۡعَبۡدِ وَٱلۡأُنثَىٰ بِٱلۡأُنثَىٰۚ فَمَنۡ عُفِيَ لَهُۥ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖۗ ذَٰلِكَ تَخۡفِيفٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَرَحۡمَةٞۗ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٧٨

O you who have believed, prescribed for you is legal retribution for those murdered - the free for the free, the slave for the slave, and the female for the female.1 But whoever overlooks from his brother [i.e., the killer] anything,2 then there should be a suitable follow-up and payment to him [i.e., the deceased's heir or legal representative] with good conduct. This is an alleviation from your Lord and a mercy. But whoever transgresses after that3 will have a painful punishment.

ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّ شَرْطَ رَفْعِ الإثْمِ عَنِ المُضْطَرِّ تَرْكُ العُدْوانِ وكانَ العُدْوانُ في ذَلِكَ وفي غَيْرِهِ رُبَّما أدّى إلى القَتْلِ وتَلا ذَلِكَ بِما اسْتَتْبَعَهُ كَما تَقَدَّمَ إلى أنْ خَتَمَ بِهَذِهِ الآيَةِ وخَتَمَها بِمَدْحِ الصَّبْرِ والصِّدْقِ في دَعْوى الإيمانِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ وكُلِّ شَيْءٍ وكانَ مِن جُمْلَةِ ما خافَ فِيهِ أهْلُ الكِتابِ العَهْدَ أمْرَ سَفْكِ الدِّماءِ فَغَيَّرُوهُ كُلَّهُ أوْ بَعْضَهُ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ تَعالى بِقَوْلِهِ ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤] الآياتِ وكانَ الصَّبْرُ عَلى بَذْلِ الرُّوحِ أعْظَمَ الصَّبْرِ وفِعْلُهُ أعْظَمَ مُصَدِّقٍ في الإيمانِ والِاسْتِسْلامُ لِلْقِصاصِ أشَدَّ وفاءً بِالعَهْدِ أخْبَرَ المُؤْمِنِينَ بِما أوْجَبَ عَلَيْهِمْ مِن ذَلِكَ وما يَتْبَعُهُ فَقالَ تَعالى مُلَذِّذًا لَهم بِالإقْبالِ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ ادَّعَوُا الإيمانَ بِألْسِنَتِهِمْ، ولَمّا حَصَلَ التَّعْدِيلُ بِها وقَعَ سابِقًا مِنَ التَّأْدِيبِ فَعَلِمَ المُخاطَبُونَ أنَّ الحُكْمَ إنَّما هو لِلَّهِ بُنِيَ لِلْمَجْهُولِ قَوْلُهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ أيْ فُرِضَ (p-٢٢)فِي الكِتابِ وقَدْ سَمِعْتُمْ إنْذارِي لِلَّذِينِ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ، والَّذِي عَيَّنَ إرادَةَ الفَرْضِ أنَّ الكَتْبَ اسْتَفاضَ في الشَّرْعِ في مَعْناهُ وأشْعَرَ بِهِ التَّعْبِيرُ بِـ عَلى ﴿القِصاصُ﴾ أيِ المُساواةُ في القَتْلِ والجِراحاتِ لِأنَّهُ مِنَ القَصِّ وهو تَتَبُّعُ الأثَرِ.

قالَ الحَرالِيُّ: كَأنَّهُ يَتَّبِعُ بِالجانِي (p-٢٣)إثْرَ ما جَنى فَيَتَّبِعُ إثْرَ عُقُوبَتِهِ إثْرَ جِنايَتِهِ - انْتَهى.

﴿فِي القَتْلى﴾ أيْ في سائِرِ أُمُورِ القَتْلِ فَمَن قَتَلَ بِشَيْءٍ قُتِلَ بِهِ، ومَن قَتَلَ عَلى كَيْفِيَّةٍ قُتِلَ بِمِثْلِها، كانَ قَطَعَ يَدًا فَسَرى إلى النَّفْسِ فَتَقْطَعُهُ، فَإنْ سَرى وإلّا جَزَزْنا رَقَبَتَهُ لِتَكُونَ الآيَةُ عامَّةً مَخْصُوصَةً في بَعْضِ الصُّوَرِ، ومَتى لَمْ يُقَلْ بِالعُمُومِ كانَتْ مُجْمَلَةً والتَّخْصِيصُ أوْلى مِنَ الإجْمالِ، فَصَدِّقُوا دَعْواكُمُ الإيمانَ مِمّا يَعْمَلُ الأئِمَّةُ الِاسْتِيفاءَ وغَيْرُهم بِالِانْقِيادِ فِيهِ ولا تَكُونُوا كَأهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في كِتابِهِمْ فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ وكَفَرُوا بِبَعْضِهِ، وأيْضًا لَمّا ذَكَرَ إيتاءَ المالِ عَلى حُبِّهِ وكانَ قَدْ ذَكَرَ أنَّ البارَّ هو المُؤْمِنُ بِالكِتابِ وكانَ مِنَ الكِتابِ بَذْلُ الرُّوحِ المَعْلُومِ حُبُّها عَقَّبَهُ بِهِ إشارَةً إلى أنَّ المالَ عَدِيلُها لا يُؤْتى لِأجَلِ (p-٢٤)اللَّهِ إلّا بِمَحْضِ الإيمانِ كَما أنَّ الرُّوحَ لا تُبْذَلُ إلّا بِذَلِكَ.

ولَمّا كانَ أهْلُ الكِتابِ قَدْ بَدَّلُوا حُكْمَ التَّوْراةِ في القِصاصِ الَّذِي أُشِيرَ بِآيَةِ المائِدَةِ إلى أنَّهُ كُتِبَ عَلَيْهِمُ العَدْلُ فِيهِ فَكانَ مَن كانَ مِنهم أقْوى جَعَلَ لِقَوْمِهِ في ذَلِكَ فَضْلًا فَكانَ بَنُو النَّضِيرِ كَما نَقَلَهُ ابْنُ هِشامٍ في السِّيرَةِ يَأْخُذُونَ في قَتْلاهُمُ الدِّيَةَ كامِلَةً وبَنُو قُرَيْظَةَ نِصْفَ الدِّيَةِ وكانَ بَعْضُهم كَما نَقَلَهُ البَغَوِيُّ في سُورَةِ المائِدَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما يَقْتُلُ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ أشارَ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى مُخالَفَتِهِمْ في هَذا الجَوْرِ مُبَيِّنًا لِلْمُساواةِ: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ﴾ ولا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِأوْلى مِنَ الحُكْمِ المَذْكُورِ ولا مُساوِيًا بِقَتْلِ العَبْدِ بِهِ لِأنَّهُ أوْلى ولا بِالحُكْمِ فَهو مَفْهُومٌ مُوافَقَةً.

ولَمّا قَدَّمَ هَذا لِشَرَفِهِ تَلاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿والعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ تَعْظِيمًا لِلذُّكُورِيَّةِ، وكَذا يُقْتَلُ بِالحُرِّ لِأنَّهُ أوْلى، ولا يُقْتَلُ الحُرُّ بِالعَبْدِ لِأنَّهُ لَيْسَ مُساوِيًا لِلْحُكْمِ ﴿والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ وتُقْتَلُ (p-٢٥)الأُنْثى بِالذَّكَرِ والذَّكَرُ بِها، لِأنَّ كُلًّا مِنهُما مُساوٍ لِلْآخَرِ وِفاقًا لِلْأصْلِ المُؤَيَّدِ بِقَوْلِهِ ﷺ «النِّساءُ شَقائِقُ الرِّجالِ» احْتِياطًا لِلدِّماءِ الَّتِي انْتِهاكُها أكْبَرُ الكَبائِرِ بَعْدَ الشِّرْكِ، ونَقَصَتِ الدِّيَةُ النِّصْفَ إنْ كانَتْ بَدَلَ الدَّمِ وِفاقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وتَنْبِيهًا عَلى انْحِطاطِ حُرْمَةِ الأمْوالِ عَنْ حُرْمَةِ الدِّماءِ عَلى أنْ تُصِيبَ مَفْهُومَ الآيَةِ أنَّهُ لا يُقْتَلُ بِالمَقْتُولِ إلّا قاتِلُهُ، وإذا تَأمَّلْتَ قَوْلَهُ ﴿القَتْلى﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: القَتْلُ. عَلِمْتَ ذَلِكَ.

قالَ الحَرالِيُّ: لِأنَّ أخْذَ غَيْرِ الجانِي لَيْسَ قِصاصًا بَلِ اعْتِداءً ثانِيًا ولا تُرْفَعُ العَدْوى بِالعَدْوى إنَّما تُرْفَعُ العَدْوى بِالقِصاصِ عَلى نَحْوِهِ وحْدَهُ - انْتَهى.

وكَذا أخْذُ غَيْرِ المُساوِي اعْتِداءً فَلا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ (p-٢٦)بِكافِرٍ بِما أفْهَمَهُ القِصاصُ، وتَقْيِيدُ الحُكْمِ بِأهْلِ الإيمانِ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] في أمْثالِها مِنَ الآياتِ.

ولَمّا فَتَحَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَنا بابَ الرَّحْمَةِ بِالقِصاصِ مُنَبِّهًا عَلى تَبْكِيتِ أهْلِ الكِتابِ وكانَ ذَلِكَ مِن حُكْمِ التَّوْراةِ لَكِنْ عَلى سَبِيلِ الحَتْمِ وكانَ العَفْوُ عَلى النَّصارى كَذَلِكَ أظْهَرَ في الفُرْقانِ زِيادَةَ تَوْسِعَةٍ بِوَضْعِ هَذا الإصْرِ عَنّا بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَهُما.

قالَ الحَرالِيُّ: نَقْلًا مِن عِقابِ الآخِرَةِ إلى ابْتِلاءِ الدُّنْيا ونَقْلًا مِنِ ابْتِلاءِ الدُّنْيا في الدَّمِ إلى الكَفّارَةِ بِأخْذِ حَظٍّ مِنَ المالِ كَما كانَ في الفِداءِ الأوَّلِ لِذَبْحِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن ولَدِهِ فَقالَ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ﴾ عَنْ جِنايَتِهِ مِنَ العَفْوِ وهو ما جاءَ بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ ولا كُرْهٍ - انْتَهى.

وعَبَّرَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ إشارَةً إلى أنَّ الحُكْمَ يَتْبَعُ العَفْوَ مِن أيِّ عافٍ كانَ لَهُ العَفْوُ في شَيْءٍ (p-٢٧)مِنَ الحَقِّ ولَوْ كانَ يَسِيرًا وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ كانَ مِنَ العَفْوِ بِالنُّزُولِ عَنْ طَلَبِ الدَّمِ إلى الدِّيَةِ، وفي التَّعْبِيرِ بِلَفْظِ الأخِ كَما قالَ الحَرالِيُّ تَأْلِيفٌ بَيْنَ الجانِي والمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وأوْلِيائِهِ مِن حَيْثُ ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] وإنْ لَمْ يَكُنْ خَطَأ الطَّبْعِ فَهو خَطَأُ القَصْدِ مِن حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إنَّما قَصَدَ أنْ يَقْتُلَ عَدُوًّا وشاتِمًا أوْ عادِيًا عَلى أهْلِهِ ومالِهِ أوْ ولَدِهِ.

فَإذا انْكَشَفَ حِجابُ الطَّبْعِ عادَ إلى أُخُوَّةِ الإيمانِ ﴿فاتِّباعٌ﴾ أيْ فالأمْرُ في ذَلِكَ اتِّباعٌ مِن ولِيِّ الدَّمِ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ فِيهِ تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلى كَسْرِها عَنْ حِدَّةِ ما تَجُرُّهُ إلَيْها أحْقادُ الجِناياتِ، والمَعْرُوفُ ما شُهِدَ عِيانَةً لِمُوافَقَتِهِ وبِقَبُولِ مَوْقِعِهِ بَيْنَ الأنْفُسِ فَلا يَلْحَقُها مِنهُ تَنَكُّرٌ.

ولَمّا أمَرَ المُتَّبِعَ أمْرَ المُؤَدِّي فَقالَ ﴿وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾ لِئَلّا (p-٢٨)يَجْمَعَ بَيْنَ جِنايَتِهِ أوْ جِنايَةِ ولَيِّهِ وسُوءِ قَضائِهِ، وفي إعْلامِهِ إلْزامٌ لِأوْلِياءِ الجانِي بِالتَّذَلُّلِ والخُضُوعِ والإنْصافِ لِأوْلِياءِ المَقْتُولِ بِما لَهم مِنَ السُّلْطانِ ﴿فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] فَيُراقِبُونَ فِيهِمْ رَحْمَةَ اللَّهِ الَّتِي رَحِمَهم بِها فَلَمْ يَأْخُذِ الجانِيَ بِجِنايَتِهِ - انْتَهى.

ولَمّا وسَّعَ لَنا سُبْحانَهُ وتَعالى بِهَذا الحُكْمِ نَبَّهَ عَلى عِلَّتِهِ تَعْظِيمًا لِلْمِنَّةِ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ الرِّفْقُ وهو التَّخْيِيرُ بَيْنَ القِصاصِ والعَفْوِ مَجّانًا وعَلى الدِّيَةِ ﴿تَخْفِيفٌ﴾ أيْ عَنِ القِتالِ وأوْلِيائِهِ ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ المُحْسِنِ إلَيْكم بِهَذِهِ الحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ وهَذا الحُكْمِ الجَمِيلِ، وجَمَعَ الضَّمِيرَ مُراعاةً كَما قالَ الحَرالِيُّ لِلْجانِبَيْنِ لِأنَّ كُلَّ طائِفَةٍ مُعَرَّضَةٌ لِأنْ تُصِيبَ مِنها الأُخْرى - انْتَهى.

﴿ورَحْمَةٌ﴾ لِأوْلِياءِ القَتِيلِ بِالدِّيَةِ ولِلْآخَرِينَ بِالعَفْوِ عَنِ الدَّمِ، رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ القِصاصُ ولَمْ تَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَةُ، فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ أيْ يَقْبَلُ الدِّيَةَ في العَمْدِ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ مِمّا كَتَبَ عَلى مَن كانَ قَبْلَكم فَمَنِ (p-٢٩)اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ بَعْدَ قَبُولِ الدِّيَةِ انْتَهى.

وقالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: كُتِبَ عَلى اليَهُودِ القِصاصُ وحُرِّمَ عَلَيْهِمُ الدِّيَةُ والعَفُوُّ وعَلى النَّصارى العَفْوُ وحُرِّمَ عَلَيْهِمُ الدِّيَةُ ولَمّا كانَتْ هَذِهِ مِنَّةً عَظِيمَةً تَسَبَّبَ عَنْها تَهْدِيدٌ مَن أباها فَقالَ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى﴾ أيْ بِالقَتْلِ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيِ التَّخْيِيرِ والعَفْوِ ولَوْ كانَ العافِي غَيْرَهُ ﴿فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ بِقَتْلِهِ أوْ أخْذِ الدِّيَةِ مِنهُ جَزاءً عَلى عَداوَتِهِ بِقَدْرِهِ وتَعَدِّيهِ بِما أشْعَرَ بِإبائِهِ لِهَذِهِ الرُّخْصَةِ الَّتِي حَكَمَ بِها المالِكُ في عَبِيدِهِ المَلِكُ الَّذِي لا تَسُوغُ مُخالَفَتُهُ، وفي تَسْمِيَةِ جَزائِهِ بِالعَذابِ وعَدَمِ تَخْصِيصِهِ بِإحْدى الدّارَيْنِ إعْلامٌ بِشِياعِهِ في كِلَيْهِما تَغْلِيظًا عَلَيْهِ.

قالَ الحَرالِيُّ: وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ القاتِلَ عَمْدًا لا يَصِيرُ بِذَلِكَ كافِرًا، قالَ الأصْبَهانِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُمِّيَ القاتِلُ في أوَّلِ الآيَةِ مُؤْمِنًا وفي وسَطِها أخًا ولَمْ يُؤَيِّسْهُ آخِرَها مِنَ التَّخْفِيفِ والرَّحْمَةِ.

2:179Page 27

وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٧٩

And there is for you in legal retribution [saving of] life, O you [people] of understanding, that you may become righteous.1

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِفائِدَةِ العَفْوِ أخْبَرَ بِفائِدَةِ مُقابِلِهِ تَتْمِيمًا لِتَأْنِيبِ أهْلِ الكِتابِ عَلى عُدُولِهِمْ عَنِ النَّصِّ وعَماهم عَنِ الحِكْمَةِ (p-٣٠)فَقالَ: ﴿ولَكُمْ﴾ أيْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴿فِي القِصاصِ﴾ أيْ هَذا الجِنْسِ وهو قَتْلُ النَّفْسِ القاتِلَةِ بِالنَّفْسِ المَقْتُولَةِ مِن غَيْرِ مُجاوَزَةٍ ولا عُدْوانٍ ﴿حَياةٌ﴾ أيْ عَظِيمَةٌ بَدِيعَةٌ لِأنَّ مَن عَلِمَ أنَّهُ يُقْتَلُ لا يَقْتُلُ.

وقالَ الحَرالِيُّ: فالحَياةُ لِمَن سِوى الجانِي مِن عَشِيرَتِهِ مِمَّنْ كانَ يُعْتَدى عَلَيْهِ بِجِنايَةِ غَيْرِهِ في الدُّنْيا، والحَياةُ لِلْجانِي بِما اقْتُصَّ مِنهُ في الأُخْرى، لِأنَّ مَن يُكَفَّرُ ذَنْبُهُ حَيِيَ في الآخِرَةِ، ومَن بَقِيَ عَلَيْهِ جِنايَةٌ فَأخَذَ بِها فَهو في حالِ ذَلِكَ مِمَّنْ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيى، لِأنَّ المُعاقَبَ في حالِ عُقُوبَتِهِ لا يَجِدُ طَعْمَ الحَياةِ لِغَلَبَةِ ألَمِهِ ولا هو في المَوْتِ لِإحْساسِهِ بِعُقُوبَتِهِ - انْتَهى.

وأمّا مُطْلَقُ القَتْلِ كَما كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: القَتْلُ أنْفى لِلْقَتْلِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، لِأنَّ مَن عَلِمُوا أنَّهم إذا قَتَلُوا اثْنَيْنِ لا يُقْتَلُ بِهِما إلّا واحِدٌ رُبَّما كانَ ذَلِكَ مُجْرِيًا لَهم عَلى القَتْلِ ويَدْخُلُ (p-٣١)فِيهِ القَتْلُ ابْتِداءً وهو أجْلَبُ لِلْقَتْلِ لا أنْفى لَهُ، وقَدْ كانُوا مُطْبِقِينَ عَلى اسْتِجادَةِ مَعْنى كَلِمَتِهِمْ واسْتِرْشاقِ لَفْظِها، ومِنَ المَعْلُومِ لِكُلِّ ذِي لُبٍّ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَ ما في القُرْآنِ كَما بَيْنَ اللَّهِ وخَلْقِهِ فَإنَّها زائِدَةٌ عَلى عِبارَةِ القُرْآنِ في الحُرُوفِ وناقِصَةٌ في المَعْنى، فَإذا أُرِيدَ تَصْحِيحُها قَبْلَ القَتْلِ قِصاصًا أنْفى لِلْقَتْلِ ظُلْمًا فَكَثُرَتِ الزِّيادَةُ ولَمْ تَصِلْ إلى رَشاقَةِ ما في القُرْآنِ وعُذُوبَتِهِ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُوَفِّقُ.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ العِبارَةُ كَما تَرى مُعْجِزَةً في صِحَّةِ مَعْناها ودِقَّةِ (p-٣٢)إشارَتِهِ وغَزِيرِ مَفْهُوماتِهِ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى مُرَغِّبًا في عُلُوِّ الهِمَمِ ﴿يا أُولِي الألْبابِ﴾ أيِ العُقُولِ الَّتِي تَنْفَعُ أصْحابَها بِخُلُوصِها مِمّا هو كالقِشْرِ لِأنَّهُ جَمْعُ لُبٍّ.

قالَ الحَرالِيُّ: وهو باطِنُ العَقْلِ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَلْحَظَ أمْرَ اللَّهِ في المَشْهُوداتِ كَما شَأْنُ ظاهِرِ العَقْلِ أنْ يَلْحَظَ الحَقائِقَ مِنَ المَخْلُوقاتِ، فَهُمُ النّاظِرُونَ إلى رَبِّهِمْ في آياتِهِ - انْتَهى.

ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ أيِ اللَّهَ بِالِانْقِيادِ لِما شَرَعَ فَتَتَحامَوْنَ القَتْلَ.

قالَ الحَرالِيُّ: وفي إبْهامِ لَعَلَّ الَّتِي هي مِنَ الخُلُقِ كَما تَقَدَّمَ تَرَدُّدُ إعْلامٍ بِتَصْنِيفِهِمْ صِنْفَيْنِ بَيْنَ مَن يُثْمِرُ ذَلِكَ لَهُ تَقْوى (p-٣٣)وبَيْنَ مَن يَحْمِلُهُ ذَلِكَ ويَزِيدُهُ في الِاعْتِداءِ - انْتَهى.

2:180Page 27

كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَيۡرًا ٱلۡوَصِيَّةُ لِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ ١٨٠

Prescribed for you when death approaches [any] one of you if he leaves wealth [is that he should make] a bequest for the parents and near relatives according to what is acceptable - a duty upon the righteous.1

ولَمّا حَثَّ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى بَذْلِ المالِ نَدْبًا وإيجابًا في حالِ الصِّحَّةِ والشُّحِّ وتَأْمِيلِ الغِنى وخَشْيَةِ الفَقْرِ تَصْدِيقًا لِلْإيمانِ وأتْبَعَهُ بَذْلَ الرُّوحِ الَّتِي هو عَدِيلُها بِالقَتْلِ الَّذِي هو أحَدُ أسْبابِ المَوْتِ أتْبَعَ ذَلِكَ بَذْلَهُ في حالِ الإشْرافِ عَلى النَّقْلَةِ والأمْنِ مِن فَقْرِ الدُّنْيا والرَّجاءِ لِغِنى الآخِرَةِ اسْتِدْراكًا لِما فاتَ مِن بَذْلِهِ عَلى حُبِّهِ فَقالَ - وقالَ الحَرالِيُّ: لَمّا أظْهَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى وُجُوهَ التَّزْكِيَةِ في هَذِهِ المُخاطَباتِ وما ألْزَمَهُ مِنَ الكِتابِ وعَلَّمَهُ مِنَ الحِكْمَةِ وأظْهَرَ اسْتِنادُ ذَلِكَ كُلِّهِ إلى تَقْوى تَكُونُ وصْفًا ثابِتًا أوِ اسْتِجْدادًا مُعالِجًا حَسَبَ ما خَتَمَ بِهِ آيَةَ ﴿لَيْسَ البِرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧] مِن قَوْلِهِ ﴿هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وما خَتَمَ بِهِ آيَةَ القِصاصِ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] رَفْعُ رُتْبَةِ الخِطابِ إلى ما هو حَقٌّ عَلى المُتَّقِينَ حِينَ كانَ الأوَّلُ مَكْتُوبًا عَلى المُتَرَجِّينَ لِأنَّ يَتَّقُوا تَرْبِيَةً وتَزْكِيَةً بِخِطابٍ يَتَوَسَّلُ بِهِ إلى خِطابٍ أعْلى في التَّزْكِيَةِ لِيَنْتَهِيَ في الخِطابِ مِن رُتْبَةٍ إلى رُتْبَةٍ إلى أنْ يَسْتَوْفِيَ نِهاياتِ رُتَبِ أسْنانِ القُلُوبِ وأحْوالِها كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، ولَمّا كانَ في الخِطابِ السّابِقِ ذِكْرُ القَتْلِ والقِصاصِ الَّذِي هو (p-٣٤)حالُ حَضْرَةِ المَوْتِ انْتَظَمَ بِهِ ذِكْرُ الوَصِيَّةِ لِأنَّهُ حالُ مَن حَضَرَهُ المَوْتُ، انْتَهى - فَقالَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ فُرِضَ كَما اسْتَفاضَ في الشَّرْعِ وأكَّدَ هُنا بِعَلى، ثُمَّ نَسَخَ بِآيَةِ المَوارِيثِ وُجُوبَهُ فَبَقِيَ جَوازُهُ، وبَيَّنَتِ السُّنَّةُ أنَّ الإرْثَ والوَصِيَّةَ لا يَجْتَمِعانِ، فالنَّسْخُ إنَّما هو في حَقِّ القَرِيبِ الوارِثِ لا مُطْلَقًا فَقالَ ﷺ:

«إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْطى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلا وصِيَّةَ لِوارِثٍ» رَواهُ أحْمَدُ والأرْبَعَةُ وغَيْرُهم عَنْ عَمْرِو بْنِ خارِجَةَ وأبِي أُمامَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ أيْ بِحُضُورِ أسْبابِهِ وعَلاماتِهِ ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ أيْ ما لا يَنْبَغِي أنْ يُوصى فِيهِ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، أمّا إطْلاقُهُ عَلى الكَثِيرِ فَكَثِيرٌ، وأُطْلِقَ عَلى القَلِيلِ في ﴿إنِّي لِما أنْـزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] ثُمَّ ذَكَرَ القائِمَ مَقامَ فاعِلِ كُتِبَ بَعْدَ (p-٣٥)أنِ اشْتَدَّ التَّشَوُّفُ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿الوَصِيَّةُ﴾ وذَكَرَ الفِعْلَ الرّافِعَ لَها لِوُجُودِ الفاصِلِ إفْهامًا لِقُوَّةِ طَلَبِهِ ﴿لِلْوالِدَيْنِ﴾ بَدَأ بِهِما لِشَرَفِهِما وعِظَمِ حَقِّهِما ﴿والأقْرَبِينَ بِالمَعْرُوفِ﴾ أيِ العَدْلِ الَّذِي يَتَعارَفُهُ النّاسُ في التَّسْوِيَةِ والتَّفْضِيلِ.

قالَ الحَرالِيُّ: وكُلُّ ذَلِكَ في المُحْتَضِرِ، والمَعْرُوفُ ما تَقْبَلُهُ الأنْفُسُ ولا تَجِدُ مِنهُ تَكَرُّهًا - انْتَهى. وأكَّدَ الوُجُوبَ بِقَوْلِهِ: ﴿حَقًّا﴾ وكَذا قَوْلُهُ: ﴿عَلى المُتَّقِينَ﴾ فَهو إلْهابٌ وتَهْيِيجٌ وتَذْكِيرٌ بِما أمامَهُ مِنَ القُدُومِ عَلى مَن يَسْألُهُ عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ.

2:181Page 27

فَمَنۢ بَدَّلَهُۥ بَعۡدَ مَا سَمِعَهُۥ فَإِنَّمَآ إِثۡمُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١٨١

Then whoever alters it [i.e., the bequest] after he has heard it - the sin is only upon those who have altered it. Indeed, Allāh is Hearing and Knowing.

(p-٣٦)ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ كَوْنِهِ فِعْلَ ما دَعَتْ إلَيْهِ التَّقْوى مِنَ العَدْلِ وُجُوبُ العَمَلِ بِهِ قالَ: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ أيِ الإيصاءَ الواقِعَ عَلى الوَجْهِ المَشْرُوعِ أوِ المُوصى بِهِ بِأنْ غَيَّرَ عَيْنَهُ إنْ كانَ عَيْنِيًّا أوْ نَقَصَهُ إنْ كانَ مِثْلِيًّا.

وقالَ الحَرالِيُّ: لَمّا ولِيَ المُتَّقِينَ إيصالُ مَتْرُوكِهِمْ إلى والِدَيْهِمْ وقَراباتِهِمْ فَأمْضَوْهُ بِالمَعْرُوفِ تَوَلّى عَنْهُمُ التَّهْدِيدُ لِمَن بَدَّلَ عَلَيْهِمْ، وفي إفْهامِهِ أنَّ الفَرائِضَ إنَّما أُنْزِلَتْ عَنْ تَقْصِيرٍ وقَعَ في حَقِّ الوَصِيَّةِ فَكَأنَّهُ لَوْ بَقِيَ عَلى ذَلِكَ لَكانَ كُلُّ المالِ حَظًّا لِلْمُتَوَفّى، فَلَمّا فُرِضَتِ الفَرائِضُ اخْتَزَلَ مِن يَدَيْهِ الثُّلْثانِ وبَقِيَ الثُّلُثُ عَلى الحُكْمِ الأوَّلِ، وبَيَّنَ أنَّ الفَرْضَ عَيْنُ الوَصِيَّةِ فَلا وصِيَّةَ لِوارِثٍ لِأنَّ الفَرْضَ بَدَلُها - انْتَهى.

﴿بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ أيْ عَلِمَهُ عِلْمًا لا شَكَّ فِيهِ، أمّا إذا لَمْ يَتَحَقَّقْ فاجْتَهَدَ فَلا إثْمَ، وأكَّدَ التَّحْذِيرَ مِن تَغْيِيرِ المُغَيِّرِ وسُكُوتِ الباقِينَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما إثْمُهُ﴾ أيِ التَّبْدِيلِ ﴿عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ بِالفِعْلِ أوِ التَّقْدِيرِ لا يَلْحَقُ المُوصى مِنهُ شَيْءٌ. ولَمّا كانَ لِلْمُوصِي والمُبَدِّلِ أقْوالٌ وأفْعالٌ (p-٣٧)ونِيّاتٌ حَذَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿سَمِيعٌ﴾ أيْ لِما يَقُولُهُ كُلٌّ مِنهُما ﴿عَلِيمٌ﴾ بِسِرِّهِ وعَلَنِهِ في ذَلِكَ، فَلْيَحْذَرْ مَن عَمَلِ السُّوءِ وإنْ أظْهَرَ غَيْرَهُ ومِن دُعاءِ المَظْلُومِ فَإنَّ اللَّهَ يُجِيبُهُ.

2:182Page 28

فَمَنۡ خَافَ مِن مُّوصٖ جَنَفًا أَوۡ إِثۡمٗا فَأَصۡلَحَ بَيۡنَهُمۡ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٨٢

But if one fears from the bequeather [some] error or sin and corrects that which is between them [i.e., the concerned parties], there is no sin upon him. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

ولَمّا كانَ التَّحْذِيرُ مِنَ التَّبْدِيلِ إنَّما هو في عَمَلِ العَدْلِ وكانَ المُوصِي رُبَّما جارَ في وصِيَّتِهِ لِجَهْلٍ أوْ غَرَضٍ تَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن خافَ﴾ أيْ عَلِمَ وتَوَقَّعَ وظَنَّ، أطْلَقَهُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ مِن أسْبابِهِ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّهُ يَقْنَعُ فِيهِ بِالظَّنِّ﴿مِن مُوصٍ جَنَفًا﴾ أيْ مَيْلًا في الوَصِيَّةِ خَطَأً ﴿أوْ إثْمًا﴾ أيْ مَيْلًا فِيها عَمْدًا.

قالَ الحَرالِيُّ: وكانَ حَقِيقَةُ مَعْنى الجَنَفِ إخْفاءَ حَيْفٍ في صُورَةِ بِرٍّ - انْتَهى. (p-٣٨)﴿فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنَ المُوصِي والمُوصى لَهم إنْ كانَ ذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِأنْ أشارَ عَلَيْهِ بِما طابَتْ بِهِ الخَواطِرُ، أوْ بَيْنَ المُوصى لَهم والوَرَثَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ إنْ خِيفَ مِن وُقُوعِ شَرٍّ فَوَفَّقَ بَيْنَهم عَلى أمْرٍ يَرْضَوْنَهُ.

وقالَ الحَرالِيُّ: وفي إشْعارِهِ بِذِكْرِ الخَوْفِ مِنَ المُوصِي ما يُشْعِرُ أنَّ ذَلِكَ في حالِ حَياةِ المُوصِي لَيْسَ بَعْدَ قَرارِ الوَصِيَّةِ عَلى جَنَفٍ بَعْدَ المَوْتِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَعْرِضُ لَهُ مَضْمُونَ هَذا الخِطابِ، وفي إيقاعِ الإصْلاحِ عَلى لَفْظَةِ ”بَيْنَ“ إشْعارٌ بِأنَّ الإصْلاحَ نائِلُ البَيْنِ الَّذِي هو وصْلُ ما بَيْنَهم فَيَكُونُ مِن مَعْنى ما يَقُولُهُ النُّحاةُ مَفْعُولٌ عَلى السِّعَةِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فَأصْلَحَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُمُ - انْتَهى.

﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ أيْ بِهَذا التَّبْدِيلِ. ولَمّا كانَ المُجْتَهِدُ قَدْ يُخْطِئُ فَلَوْ أُوخِذَ بِخَطَئِهِ أحْجَمَ عَنِ الِاجْتِهادِ جَزاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ بِتَعْلِيلِ رَفْعِ الإثْمِ بِقَوْلِهِ إعْلامًا بِتَعْمِيمِ الحُكْمِ في كُلِّ مُجْتَهِدٍ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُخْتَصَّ بِإحاطَةِ العِلْمِ (p-٣٩)﴿غَفُورٌ﴾ أيْ لِمَن قَصَدَ خَيْرًا فَأخْطَأ ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ يَفْعَلُ بِهِ مِنَ الإكْرامِ فِعْلَ الرّاحِمِ بِالمَرْحُومِ.

2:183Page 28

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٨٣

O you who have believed, decreed upon you is fasting as it was decreed upon those before you that you may become righteous -

ولَمّا أباحَ سُبْحانَهُ الأكْلَ مِمّا خَلَقَهُ دَلِيلًا عَلى الوَحْدانِيَّةِ والرَّحْمَةِ العامَّةِ والخاصَّةِ وكانَ مِن طَبْعِ الإنْسانِ الِاسْتِئْثارُ وكانَ الِاسْتِئْثارُ جارًّا إلى الفِتَنِ، وأتْبَعَهُ حُكْمُ المُضْطَرِّ وأشارَ إلى زَجْرِهِ عَنِ العُدْوانِ بِتَقْيِيدِهِ عَنْهُ في حالِ التَّلَفِ فَكانَ في ذَلِكَ زَجْرٌ لِغَيْرِهِ بِطَرِيقِ الأُولى، وأوْلاهُ النَّدْبُ إلى التَّخَلِّي عَمّا دَخَلَ في اليَدِ مِن مَتاعِ الدُّنْيا لِلْأصْنافِ السِّتَّةِ ومَن لافَهُمْ، ثُمَّ الإيجابِ بِالزَّكاةِ تَزْهِيدًا في زَهْرَةِ الحَياةِ الدُّنْيا لِيَجْتَثَّ العُدْوانَ مِن أصْلِهِ، وقَفّى ذَلِكَ بِحُكْمِ مَن قَدْ يَعْدُو، ثُمَّ بِما تَبِعَهُ مِنَ التَّخَلِّي عَنِ المالِ في حَضْرَةِ المَوْتِ فَتَدَرَّبَتِ النَّفْسُ في الزُّهْدِ بِما هو مَعْقُولُ المَعْنى بادِئَ بَدْءٍ مِنَ التَّخَلِّي عَنْهُ لِمَن يَنْتَفِعُ بِهِ أتْبَعَهُ الأمْرَ (p-٤٠)بِالتَّخَلِّي عَنْهُ لا لِمُحْتاجٍ إلَيْهِ بَلْ لِلَّهِ الَّذِي أوْجَدَهُ لِمُجَرَّدِ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ وتَطْهِيرِها لِتَهَيُّئِها لِما يَقْتَضِيهِ عَلَيْها صِفَةُ الصَّمَدِيَّةِ مِنَ الحِكْمَةِ، هَذا مَعَ ما لِلْقِصاصِ والوَصِيَّةِ مِنَ المُناسَبَةِ لِلصَّوْمِ مِن حَيْثُ إنَّ في القِصاصِ قَتْلَ النَّفْسِ حِسًّا وفي الصَّوْمِ قَتْلَ الشَّهْوَةِ السَّبَبَ لِلْوَطْءِ السَّبَبَ لِإيجادِ النَّفْسِ حِسًّا وفِيهِ حَياةُ الأجْسادِ مَعْنًى وفي الصَّوْمِ حَياةُ الأرْواحِ بِطَهارَةِ القُلُوبِ وفَراغِها لِلتَّفَكُّرِ وتَهَيُّئِها لِإفاضَةِ الحِكْمَةِ والخَشْيَةِ الدّاعِيَةِ إلى التَّقْوى وإماتَةِ الشَّهْوَةِ وشَهْرُهُ شَهْرُ الصَّبْرِ المُسْتَعانِ بِهِ عَلى الشُّكْرِ، وفِيهِ تَذْكِيرٌ بِالضُّرِّ الحاثِّ عَلى الإحْسانِ إلى المَضْرُورِ وهو مَدْعاةٌ إلى التَّخَلِّي مِنَ الدُّنْيا والتَّحَلِّي بِأوْصافِ المَلائِكَةِ ولِذَلِكَ نَزَلَ فِيهِ القُرْآنُ المُتَلَقّى مِنَ المَلِكِ، فَهو أنْسَبُ شَيْءٍ لِآيَةِ الوَصِيَّةِ المَأْمُورِ بِها المُتَّقُونَ بِالتَّخَلِّي مِنَ الدُّنْيا عِنْدَ مُقارَبَةِ الِاجْتِماعِ بِالمَلائِكَةِ، وخَتْمُها بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ إشارَةٌ إلى الصّائِمِ مِن أقْرَبِ النّاسِ إلَيْهِما فَقالَ (p-٤١)تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَخاطَبَ بِما يَتَوَجَّهُ بادِئَ بَدْءٍ إلى أدْنى الطَّبَقاتِ الَّتِي التَزَمَتْ أمْرَ الدِّينِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم باعِثُ حُبٍّ وشَوْقٍ يَبْعَثُهم عَلى فِعْلِهِ مِن غَيْرِ فَرْضٍ بِخِلافِ ما فَوْقَهم مِن رُتْبَةِ المُؤْمِنِينَ والمُحْسِنِينَ فَإنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ مَعالِمَ الإسْلامِ مِن غَيْرِ إلْزامٍ فَكانُوا يَصُومُونَ عَلى قَدْرِ ما يَجِدُونَ مِنَ الرُّوحِ فِيهِ - قالَهُ الحَرالِيُّ، وقالَ: فَلِذَلِكَ لَمْ يُنادُوا في القُرْآنِ نِداءَ بُعْدٍ ولا ذُكِرُوا إلّا مَمْدُوحِينَ، والَّذِينَ يُنادَوْنَ في القُرْآنِ هُمُ النّاسُ الَّذِينَ انْتَبَهُوا لِما أشارَ بِهِ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ والَّذِينَ آمَنُوا بِما هم في مَحَلِّ الِائْتِمارِ مُتَقاصِرِينَ عَنِ البِدارِ، فَلِذَلِكَ كُلُّ نِداءٍ في القُرْآنِ مُتَوَجِّهٌ إلى هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ إلّا ما تَوَجَّهَ لِلْإنْسانِ بِوَصْفِ (p-٤٢)ذَمٍّ في قَلِيلٍ مِنَ الآيِ - انْتَهى.

﴿كُتِبَ﴾ أيْ فُرِضَ بِما اسْتَفاضَ في لِسانِ الشَّرْعِ وتَأيَّدَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ ﴿عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ وهو الإمْساكُ عَنِ المُفْطِرِ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ بِالنِّيَّةِ وقالَ الحَرالِيُّ: فُرِضَ لِما فِيهِ مِنَ التَّهَيُّؤِ لِعِلْمِ الحِكْمَةِ وعِلْمِ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ وهو الثَّباتُ عَلى تَماسُكٍ عَمّا مِن شَأْنِ الشَّيْءِ أنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ ويَكُونَ شَأْنُهُ كالشَّمْسِ في وسَطِ السَّماءِ، يُقالُ: صامَتْ - إذا لَمْ يَظْهَرُ لَها حَرَكَةٌ لِصُعُودٍ ولا لِنُزُولِ الَّتِي هي مِن شَأْنِها، وصامَتِ الخَيْلُ - إذا لَمْ تَكُنْ مَرْكُوضَةً ولا مَرْكُوبَةً، فَتَماسُكُ المَرْءِ عَمّا شَأْنُهُ فِعْلُهُ مِن (p-٤٣)حِفْظِ بَدَنِهِ بِالتَّغَذِّي وحِفْظِ نَسْلِهِ بِالنِّكاحِ وخَوْضِهِ في زُورِ القَوْلِ وسُوءِ الفِعْلِ هو صَوْمُهُ، وفي الصَّوْمِ خَلاءٌ مِنَ الطَّعامِ وانْصِرافٌ عَنْ حالِ الأنْعامِ وانْقِطاعِ شَهَواتِ الفَرْجِ، وتَمامُهُ الإعْراضُ عَنْ أشْغالِ الدُّنْيا والتَّوَجُّهُ إلى اللَّهِ والعُكُوفُ في بَيْتِهِ لِيَحْصُلَ بِذَلِكَ نُبُوعُ الحِكْمَةِ مِنَ القَلْبِ، وجُعِلَ كَتْبًا حَتّى لا يَتَقاصَرَ عَنْهُ مَن كُتِبَ عَلَيْهِ إلّا انْشَرَمَ دِينُهُ كَما يَنْشَرِمُ خَرْمُ القِرْبَةِ المَكْتُوبِ فِيها - انْتَهى.

﴿كَما كُتِبَ﴾ أيْ فُرِضَ، فالتَّشْبِيهُ في مُطْلَقِ الفَرْضِ ﴿عَلى الَّذِينَ﴾ وكَأنَّهُ أُرِيدَ أهْلُ الكِتابَيْنِ فَقَطْ وأثْبَتَ الحالَ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ فِيهِ إشْعارٌ (p-٤٤)بِأنَّهُ مِمّا نَقَضُوا فِيهِ العَهْدَ فَكَتَمُوهُ حِرْصًا عَلى ضَلالِ العَرَبِ، ولَمّا كانَ في التَّأسِّي إعْلاءٌ لِلْهِمَّةِ القاصِرَةِ وإسْعارٌ وإغْلاءٌ لِلْقُلُوبِ الفاتِرَةِ لِأنَّ الشَّيْءَ الشّاقَّ إذا عَمَّ سَهُلَ تَحَمُّلُهُ قالَ: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ أيْ تَجْعَلُونَ بَيْنَكم وبَيْنَ إسْخاطِ اللَّهِ وِقايَةً بِالمُسارَعَةِ إلَيْهِ والمُواظَبَةِ عَلَيْهِ رَجاءً لِرِضا رَبِّكم وخَوْفًا مِمَّنْ سَبَقَ مِن قَبْلِكُمْ، لِتَكُونَ التَّقْوى لَكم صِفَةً راسِخَةً فَتَكُونُوا مِمَّنْ جَعَلْتُ الكِتابَ هُدًى لَهُمْ، فَإنَّ الصَّوْمَ يَكْسِرُ الشَّهْوَةَ فَيَقْمَعُ الهَوى فَيُرَوِّعُ عَنْ مُوافَقَةِ السُّوءِ.

قالَ الحَرالِيُّ: وفي إشْعارِهِ تَصْنِيفُ المَأْخُوذِينَ بِذَلِكَ صِنْفَيْنِ: مَن يُثْمِرُ لَهُ صَوْمُهُ عَلى وجْهِ الشِّدَّةِ تَقْوى، ومَن لا يُثْمِرُ لَهُ ذَلِكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском