Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:188–194
2:188Page 29
وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقٗا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٨٨
And do not consume one another's wealth unjustly or send it [in bribery] to the rulers in order that [they might aid] you [to] consume a portion of the wealth of the people in sin, while you know [it is unlawful].
ولَمّا أذِنَ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيما كانَ قَدْ مَنَعَ مِنهُ مِنَ المَطْعَمِ والمَنكَحِ لِلصّائِمِ وقَدَّمَ المَنكَحَ لِأنَّهُ أشْهى إذِ الطَّبْعُ إلَيْهِ أدْعى ولِأنَّ المَنعَ مِنهُ كانَ في جَمِيعِ الشَّهْرِ فالضَّرَرُ فِيهِ أقْوى، وأتْبَعَهُ الإذْنَ في الأكْلِ لِأنَّهُ قِوامُ الجِسْمِ وأوْلاهُ المَنعُ مِنَ النِّكاحِ في بَعْضِ الأحْوالِ، فَعَلَ كَذَلِكَ في المالِ الَّذِي مِنهُ الأكْلُ لِأنَّهُ قَدْ كانَ مِمّا خانَ فِيهِ أهْلُ الكِتابِ عَهْدَ كِتابِهِمْ واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا كَثِيرًا مِن أمْرِهِ لا سِيَّما تَحْرِيمَ الرَّشْوَةِ فَإنَّهم أخْفَوْهُ واسْتَباحُوها حَتّى صارَتْ بَيْنَهم شَرْعًا مُتَعارَفًا (p-٩٤)وكانَ طَيِّبُ المَطْعَمِ مَحْثُوثًا عَلَيْهِ لا سِيَّما في الصَّوْمِ فَنَهى عَنْ بَعْضِ أسْبابِ تَحْصِيلِ المالِ أعَمَّ مِن أنْ تَكُونَ رَشْوَةً أوْ غَيْرَها فَقالَ: ﴿ولا تَأْكُلُوا﴾ أيْ يَتَناوَلُ بَعْضُكم مالَ بَعْضٍ، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِالأكْلِ لِأنَّهُ المَقْصِدُ الأعْظَمُ مِنَ المالِ.
ولَمّا كانَ المالُ مَيّالًا يَكُونُ في يَدِ هَذا اليَوْمَ وفي يَدِ غَيْرِهِ غَدًا فَمَن صَبَرَ وصَلَ إلَيْهِ ما كُتِبَ لَهُ مِمّا في يَدِ غَيْرِهِ بِالحَقِّ ومَنِ اسْتَعْجَلَ وصَلَ إلَيْهِ بِالباطِلِ فَحازَ السُّخْطَ ولَمْ يَنَلْ أكْثَرَ مِمّا قُدِّرَ لَهُ قالَ: ﴿أمْوالَكُمْ﴾ وقالَ: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ تَقْبِيحًا لِهَذِهِ المَعْصِيَةِ وتَهْيِيجًا عَلى الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ ﴿بِالباطِلِ﴾ وهو ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ بِأيِّ وجْهٍ كانَ سَواءً كانَ بِأصْلِهِ أوْ بِوَصْفِهِ.
ولَمّا كانَ مِن وُجُوهِ أكْلِهِ بِالباطِلِ التَّوَصُّلُ بِالحاكِمِ بِحُجَّةٍ باطِلَةٍ (p-٩٥)يَعْجِزُ الخَصْمُ عَنْ دَفْعِها كَما قالَ ﷺ: «ولَعَلَّ بَعْضَكم أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ فَأقْضِيَ لَهُ عَلى حَسَبِ ما أسْمَعُ مِنهُ، فَمَن قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِن حَقِّ أخِيهِ فَإنَّما أقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النّارِ» .
فَيَكُونُ الإثْمُ خاصًّا بِالأكْلِ دُونَ الحاكِمِ عَطْفٌ عَلَيْهِ ما يُشارِكُهُ فِيهِ الحاكِمُ فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿تَأْكُلُوا﴾ ﴿وتُدْلُوا﴾ أيْ ولا تَتَواصَلُوا في خَفائِها ﴿بِها إلى الحُكّامِ﴾ بِالرِّشْوَةِ العَمِيَّةِ لِلْبَصائِرِ، مِنَ الإدْلاءِ.
قالَ الحَرالِيُّ وهو مِن مَعْنى إنْزالِ الدَّلْوِ خُفْيَةً في البِئْرِ لِيَسْتَخْرِجَ مِنهُ ماءً فَكَأنَّ الرّاشِيَ يُدْلِي دَلْوَ رِشَوْتِهِ لِلْحاكِمِ خُفْيَةً لِيَسْتَخْرِجَ جَوْرَهُ لِيَأْكُلَ بِهِ مالًا - انْتَهى.
﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا﴾ أيْ شَيْئًا يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ صاحِبِهِ (p-٩٦)﴿مِن أمْوالِ النّاسِ﴾ مِن أيِّ طائِفَةٍ كانُوا ﴿بِالإثْمِ﴾ أيِ الجَوْرِ العَمْدِ، ومِن مَدْلُولاتِهِ الذَّنْبُ وأنْ يَعْمَلَ ما لا يَحِلُّ ﴿وأنْتُمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّكم ﴿تَعْلَمُونَ﴾ أيْ مِن أهْلِ العِلْمِ مُطْلَقًا فَإنَّ الباطِلَ مِنهم أشْنَعُ ويَلْزَمُ مِنهُ العِلْمُ بِأنَّ ذَلِكَ التَّوَصُّلَ لا يُفِيدُ الحَلَّ، ولَعَلَّهُ إيماءٌ إلى جَوازِ التَّوَصُّلِ إلى مالِهِ عِنْدَ جاحِدٍ لَمْ يَجِدْ طَرِيقًا إلى خَلاصِهِ إلّا ذَلِكَ.
وقالَ الحَرالِيُّ في مُناسَبَةِ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: لَمّا كانَ مَنزِلُ القُرْآنِ لِإقامَةِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ الَّتِي بِها قِيامُ المُخاطَبِينَ بِهِ وهو صَلاحُ دِينِهِمْ وهو ما بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ مِن عَمَلٍ أوْ إلْقاءٍ بِالسَّلَمِ إلَيْهِ وإصْلاحِ دُنْياهم وهو ما فِيهِ مَعاشُ المَرْءِ وإصْلاحُ آخِرَتِهِمْ وهو ما إلَيْهِ مَعادُهُ كانَ لِذَلِكَ مَنزِلُ القُرْآنِ مُفَصَّلًا بِأحْكامِ تِلْكَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ فَكانَ شَذْرَةً لِلدِّينِ وشَذْرَةً لِلدُّنْيا وشَذْرَةً لِلْآخِرَةِ، فَلَمّا كانَ في صَدْرِ هَذا الخِطابِ ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] وهو خِطابٌ لِلْمُلُوكِ ومَن تَبِعَهم مِن رُؤَساءِ القَبائِلِ ومَن تَبِعَهُمُ انْتَظَمَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ حُكْمٌ مِن أحْكامِ (p-٩٧)أهْلِ العِلْمِ ومَن تَبِعَهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ١٧٤] ثُمَّ انْتَظَمَ بِهِ ذِكْرُ الوَصِيَّةِ مِن أهْلِ الجِدَّةِ، ثُمَّ انْتَظَمَ بِهِ ذِكْرُ أحْوالِ الرِّشى مِنَ الرّاشِي والمُرْتَشِي، لِيَقَعَ نَظْمُ التَّنْزِيلِ ما بَيْنَ أمْرٍ في الدِّينِ ونَهْيٍ في الدُّنْيا لِيَكُونَ ذَلِكَ أجْمَعَ لِلْقَلْبِ في قَبُولِ حُكْمِ الدُّنْيا عَقِبَ حُكْمِ الدِّينِ ويُفْهَمُ حالُ المَعادِ مِن عِبْرَةِ أمْرِ الدُّنْيا، فَلِذَلِكَ تَعْتَوِرُ الآياتُ هَذِهِ المَعانِيَ ويَعْتَقِبُ بَعْضُها لِبَعْضٍ ويَتَفَصَّلُ بَعْضُها بِبَعْضٍ، كَما هو حالُ المَرْءِ في يَوْمِهِ وفي مُدَّةِ عُمْرِهِ حَيْثُ تَعْتَوِرُ عَلَيْهِ أحْوالُ دِينِهِ ودُنْياهُ ومَعادِهِ، يُطابِقُ الأمْرُ الخَلْقَ في التَّنْزِيلِ والتَّطَوُّرِ - انْتَهى.
2:189Page 29
۞ يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّۗ وَلَيۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِنۡ أَبۡوَٰبِهَاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٨٩
They ask you, [O Muḥammad], about the crescent moons. Say, "They are measurements of time for the people and for ḥajj [pilgrimage]." And it is not righteousness to enter houses from the back, but righteousness is [in] one who fears Allāh. And enter houses from their doors. And fear Allāh that you may succeed.
ولَمّا أتَمَّ سُبْحانَهُ وتَعالى البَيانَ لِما أرادَهُ مِمّا شَرَعَهُ في شَهْرِ الصَّوْمِ لَيْلًا ونَهارًا وبَعْضَ ما تَبِعَ ذَلِكَ وكانَ كَثِيرٌ مِنَ الأحْكامُ يَدُورُ عَلى الهِلالِ لا سِيَّما أحَدَ قَواعِدِ الإسْلامِ الحَجَّ الَّذِي هو أخُو الصَّوْمِ وكانَتِ الأهِلَّةُ كالحُكّامِ تُوجِبُ أشْياءَ وتَنْفِي غَيْرَها كالصِّيامِ والدُّيُونِ والزَّكَواتِ وتُؤْكَلُ بِها الأمْوالُ حَقًّا أوْ باطِلًا وكانَ ذِكْرُ الشَّهْرِ وإكْمالُ (p-٩٨)العِدَّةِ قَدْ حَرَّكَ العَزْمَ لِلسُّؤالِ عَنْهُ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ﴾ وجَعَلَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: هَلْ سَألُوا عَنِ الأهِلَّةِ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ، وذَلِكَ لِتَقَدُّمِ ما يُثِيرُ العَزْمَ إلى السُّؤالِ عَنْها صَرِيحًا فَكانَ سَبَبًا لِلسُّؤالِ عَنِ السُّؤالِ عَنْها، وكَذا ما يَأْتِي مِن قَوْلِهِ ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٥] ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] بِخِلافِ ما عُطِفَ عَلى ما قَبْلَهُ بِالواوِ كَما يَأْتِي، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ ما يَنْبَغِي مِن عِلْمِ النُّجُومِ وما لا يَنْبَغِي ﴿عَنِ الأهِلَّةِ﴾ أيِ الَّتِي تَقَدَّمَ أنَّهُ لَيْسَ البِرَّ تَوْلِيَةُ الوَجْهِ قِبَلَ مَشارِقِها ومَغارِبِها: ما سَبَبُ زِيادَتِها بَعْدَ كَوْنِها كالحَظِّ أوِ الخَيْطِ حَتّى تَتَكامَلَ وتَسْتَوِيَ ونَقْصِها بَعْدَ ذَلِكَ حَتّى تَدِقَّ (p-٩٩)وتَنْمَحِقَ؟
قالَ الحَرالِيُّ: وهي جَمْعُ هِلالٍ وهو ما يَرْفَعُ الصَّوْتَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ فَغَلَبَ عَلى رُؤْيَةِ الشَّهْرِ الَّذِي هو الهِلالُ - انْتَهى.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما جَوابُهُمْ؟ قِيلَ: ﴿قُلْ﴾ مُعْرِضًا عَنْهُ لِما لَهم فِيهِ مِنَ الفِتْنَةِ لِأنَّهُ يَنْبَنِي عَلى النَّظَرِ في حَرَكاتِ الفَلَكِ وذَلِكَ يَجُرُّ إلى عِلْمِ تَسْيِيرِ النُّجُومِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ الآثارِ الَّتِي تَقُودُ إلى الكَلامِ في الأحْكامِ المَنسُوبَةِ إلَيْها فَتَسْتَدْرِجُ إلى الإلْحادِ وقَدْ ضَلَّ بِذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ والقُرُونِ الماضِيَةِ فاعْتَقَدُوا تَأْثِيرَها بِذَواتِها وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ناهِيًا عَنْ ذَلِكَ لِذَلِكَ: «مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ بابًا مِنَ السِّحْرِ زادَ ما زادَ» أخْرَجَهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ (p-١٠٠)عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما؛ وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «مَن طَلَبَ عِلْمَ النُّجُومِ تَكَهَّنَ» مُرْشِدًا سُبْحانَهُ وتَعالى إلى ما فِيهِ صَلاحُهُمْ: ﴿هِيَ مَواقِيتُ﴾ جَمْعُ مِيقاتٍ مِنَ الوَقْتِ وهو الحَدُّ الواقِعُ بَيْنَ أمْرَيْنِ أحَدُهُما مَعْلُومٌ سابِقٌ والآخَرُ مَعْلُومٌ بِهِ لاحِقٌ.
وقالَ الأصْبَهانِيُّ: والفَرْقُ بَيْنَ الوَقْتِ والمُدَّةِ والزَّمانِ أنَّ المُدَّةَ المُطْلَقَةَ امْتِدادُ حَرَكَةِ الفَلَكِ مِن مَبْدَئِها إلى الزَّمانِ، والزَّمانَ مُدَّةٌ مَقْسُومَةٌ، والوَقْتَ الزَّمانُ المَفْرُوضُ لِأمْرٍ ما.
﴿لِلنّاسِ﴾ في صَوْمِهِمْ كَما تَقَدَّمَ ومُعامَلاتِهِمْ لِيَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابِ ﴿والحَجِّ﴾ صَرَّحَ بِهِ لِأنَّهُ مِن أعْظَمِ (p-١٠١)مَداخِلِها.
قالَ الحَرالِيُّ: وهو حَشْرُ العِبادِ إلى المَوْقِفِ في شُهُورِ آخِرِ السَّنَةِ، فَهو أمْرٌ دِينِيٌّ مُشْعِرٌ بِخَتْمِ الزَّمانِ وذَهابِهِ لِما فِيهِ مِن آيَةِ المَعادِ -ِ انْتَهى.
ولَمّا كانُوا قَدِ اعْتادُوا في الحَجِّ فِعْلًا مُنْكَرًا وكانَ تَرْكُ المَأْلُوفاتِ أشَقَّ شَيْءٍ عَلى النُّفُوسِ، ولِذَلِكَ قالَ أهْلُ الطَّرِيقِ وساداتُ أهْلِ التَّحْقِيقِ: مَلاكُ القَصْدِ إلى اللَّهِ تَعالى خَلْعُ العاداتِ واسْتِجْدادُ قَبُولِ الأُمُورِ المُنْزَلاتِ مِن قَيُّومِ السَّماواتِ والأرْضِ، وبِذَلِكَ كانَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ساداتِ أهْلِ الإسْلامِ، قالَ تَعالى عاطِفًا عَلى ﴿لَيْسَ البِرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧] مُقَبِّحًا لِذَلِكَ الفِعْلِ عَلَيْهِمْ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهم عَكَسُوا في سُؤالِهِمْ كَما عَكَسُوا في فِعالِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى حالٍ دَلَّ عَلَيْها السِّياقُ تَقْدِيرُها: والحالُ أنَّهُ لَيْسَ البِرُّ سُؤالَكم هَذا عَنْها ﴿ولَيْسَ البِرُّ﴾ وأكَّدَ النَّفْيَ بِزِيادَةِ الباءِ في قَوْلِهِ: ﴿بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ﴾ أيْ لا الحِسِّيَّةَ ولا المَعْنَوِيَّةَ ﴿مِن ظُهُورِها﴾ عِنْدَ القُدُومِ مِنَ الحَجِّ أوْ غَيْرِهِ كَما أنَّهُ (p-١٠٢)لَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَعْكِسُوا في مَقالِكم بِتَرْكِ السُّؤالِ عَمّا يَعْنِيكم والسُّؤالِ عَمّا لا يَعْنِيكم بَلْ يَعْنِيكم.
ولَمّا نَفى البِرَّ عَنْ ذَلِكَ كَما نَفى في الأوَّلِ اسْتَدْرَكَ عَلى نَهْجِ الأوَّلِ فَقالَ: ﴿ولَكِنَّ البِرَّ﴾
قالَ الحَرالِيُّ: بِالرَّفْعِ والتَّخْفِيفِ اسْتِدْراكًا لِما هو البِرُّ وإعْراضًا عَنِ الأوَّلِ، وبِالنَّصْبِ والتَّشْدِيدِ مَعَ الِالتِفاتِ إلى الأوَّلِ لِمَقْصِدِ طَرْحِهِ - انْتَهى.
﴿مَنِ اتَّقى﴾ فَجَعَلَ المُتَّقِي نَفْسَ البَرِّ إلْهابًا لَهُ إلى الإقْبالِ عَلى التَّقْوى لَمّا كانَتِ التَّقْوى حامِلَةً عَلى جَمِيعِ ما مَضى مِن خِلالِ الإيمانِ الماضِيَةِ اكْتَفى بِها. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاتَّقُوا فَلا تَسْألُوا عَمّا لا يَهُمُّكم في دِينِكم عَطَفَ عَلَيْهِ: ﴿وأْتُوا البُيُوتَ (p-١٠١)مِن أبْوابِها﴾ حِسًّا في العَمَلِ ومَعْنًى في التَّلَقِّي، والبابُ المَدْخَلُ لِلشَّيْءِ المُحاطِ بِحائِطٍ يَحْجِزُهُ ويَحُوطُهُ - قالَهُ الحَرالِيُّ. وتَقَدَّمَ تَعْرِيفُهُ لَهُ بِغَيْرِ هَذا.
ولَمّا كانَ الأمْرُ بِالتَّقْوى قَدْ تَقَدَّمَ ضِمْنًا وتَلْوِيحًا أتى بِهِ دالًّا عَلى عَظِيمِ جَدْواها ذِكْرًا وتَصْرِيحًا دَلالَةً عَلى التَّأْكِيدِ في تَرْكِهِمْ تِلْكَ العادَةَ لِاقْتِضاءِ الحالِ ذَلِكَ لِأنَّ مَنِ اعْتادَ شَيْئًا قَلَّ ما يَتْرُكُهُ وإنْ تَرَكَهُ طَرَقَهُ خاطِرُهُ وقْتًا ما فَقالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ ووَطِّنُوا النُّفُوسَ وارْبِطُوا القُلُوبَ عَلى أنَّ جَمِيعَ أفْعالِهِ تَعالى حِكْمَةٌ وصَوابٌ مِن غَيْرِ اخْتِلاجِ شُبْهَةٍ ولا اعْتِراضِ شَكٍّ في ذَلِكَ حَتّى لا يُسْألَ عَنْهُ لِما في السُّؤالِ مِنَ الإيهامِ بِمُفارَقَةِ الشَّكِّ، ثُمَّ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أيْ لِتَكُونَ حالُكم حالَ مَن يُرْجى دَوامُ التَّجَدُّدِ لِفَلاحِهِ وهو ظَفَرُهُ بِجَمِيعِ مَطالِبِهِ مِنَ البِرِّ وغَيْرِهِ، فَقَدْ دَلَّ سِياقُ الآيَةِ عَلى كَراهَةِ هَذا السُّؤالِ؛ وذَكَرَ الحَرالِيُّ أنَّ أكْثَرَ ما يَقَعُ فِيهِ سُؤالٌ يَكُونُ مِمّا أُلْبِسَ (p-١٠٤)فِتْنَةً أوْ شُرِبَ مِحْنَةً أوْ أُعْقِبَ بِعُقُوبَةٍ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ [المائدة: ١٠١] وكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسائِلَ وعابَها وقالَ: «دَعُونِي ما تَرَكْتُكم فَإنَّما أهْلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم كَثْرَةُ سُؤالِهِمْ» الحَدِيثَ ومِنهُ كُرْهُ الرَّأْيِ وتَكَلُّفُ تَوْلِيدِ المَسائِلِ لِأنَّهُ شُغْلٌ عَنْ عِلْمِ التَّأْصِيلِ وتَعَرُّضٌ لِوُقُوعِهِ كالَّذِي سَألَ عَنِ الرَّجُلِ يُبْتَلى في أهْلِهِ فابْتُلِيَ بِهِ، ويُقالُ: كَثْرَةُ تَوْلِيدِ مَسائِلِ السَّهْوِ أوْقَعَ فِيهِ.
وقالَ: وهَذِهِ الآيَةُ كالجامِعَةِ المُوَطِّئَةِ لِما ذُكِرَ بَعْدَها مِن أمْرِ تَوْقِيتِ القِتالِ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ كَما كانَ مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ حُكْمُ التَّحَرُّجِ مِنَ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ والتَّساهُلِ فِيهِ في أشْهُرِ الحِلِّ مَعَ كَوْنِهِ عَدْوى بِغَيْرِ حُكْمٍ حَقٍّ فَكانَ فِيهِ عَمَلٌ بِالفَسادِ وسَفْكُ الدِّماءِ - انْتَهى وفِيهِ تَصَرُّفٌ. فَمَحا سُبْحانَهُ ما أصْلَوْهُ مِن ذَلِكَ بِما شَرَعَهُ مِن أمْرِ القِتالِ لِكَوْنِهِ جِهادًا فِيهِ لِحَظٍّ مِن حُظُوظِ الدُّنْيا.
2:190Page 29
وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ١٩٠
Fight in the way of Allāh those who fight against you but do not transgress. Indeed, Allāh does not like transgressors.
(p-١٠٥)ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الحَجَّ في هَذِهِ السُّورَةِ المَدَنِيَّةِ وكانَ سَبِيلُهُ إذْ ذاكَ مَمْنُوعًا عَنْ أهْلِ الإسْلامِ بِأهْلِ الحَرْبِ الَّذِينَ أخْرَجُوهم مِن بَلَدِهِمْ ومَنَعُوهم مِنَ المَسْجِدِ الَّذِي هم أحَقُّ بِهِ مَن غَيْرِهِمْ وكانَ الحَجُّ مِنَ الجِهادِ وكانَ كُلٌّ مِنَ الصَّوْمِ والجِهادِ تَخَلِّيًا مِنَ الدُّنْيا «سِياحَةُ أُمَّتِي الصَّوْمُ، ورَهْبانِيَّةُ أُمَّتِي الجِهادُ» وكانَتْ أُمَّهاتُ العِباداتِ مُوَقَّتَةً وهي الصَّلاةُ والزَّكاةُ والصَّوْمُ والحَجُّ وغَيْرَ مُوَقَّتَةٍ وهي الذِّكْرُ والجِهادُ وهو قِتالُ أهْلِ الحَرْبِ خِلافًا لِما كانَ عِنْدَ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ مِن تَوْقِيتِهِ مَكانًا بِغَيْرِ الحَرَمِ وزَمانًا بِغَيْرِ الأشْهُرِ الحُرُمِ وكانَ القِتالُ في الأشْهُرِ الحُرُمِ وفي الحَرَمِ في غايَةِ المَنعِ فَكَيْفَ عِنْدَ المَسْجِدِ وكانَ سُبْحانَهُ قَدْ ذَكَرَ العِباداتِ المُوَقَّتَةَ أتْبَعَها بِغَيْرِ المُوَقَّتَةِ وهي الجِهادُ الَّذِي هو حَظِيرَةُ المُوَقَّتَةِ الَّذِي لا سَلامَةَ لَها بِدُونِهِ التِفاتًا إلى الظّالِمِينَ بِالمَنعِ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ والإخْراجِ مِنهُ فَأمَرَ بِأنْ يَفْعَلَ مَعَهم مِثْلَ ما فَعَلُوا مِنَ القِتالِ والإخْراجِ فِعْلَ الحَكِيمِ الَّذِي يُوصِي بِالشَّيْءِ العَظِيمِ فَهو يُلْقِيهِ بِالتَّدْرِيجِ في أسالِيبِ البَلاغَةِ وأفانِينِ البَيانِ تَشْوِيقًا إلَيْهِ وتَحْرِيضًا عَلَيْهِ بَعْدَ أنْ أشارَ لِأهْلِ هَذا الدِّينِ أوَّلًا بِأنَّهُ يُخْزِي ظالِمِيهِمْ وثانِيًا بِأنَّ المَقْتُولَ مِنهم حَيٌّ يُرْزَقُ (p-١٠٦)وثالِثًا بِمَدْحِهِمْ عَلى الصَّبْرِ في مَواطِنِ البَأْسِ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ صَدَقُوا وأنَّهُمُ المُتَّقُونَ فَلَمّا شَوَّقَهم إلى جِهادِ أهْلِ البَغْيِ والعِنادِ ألْزَمَهُمُ القِتالُ بِصِيغَةِ الأمْرِ لِتَيْسِيرِ بابِ الحَجِّ الَّذِي افْتَرَضَهُ وسَبِيلُهُ مَمْنُوعٌ بِأهْلِ الحَرْبِ فَقالَ تَعالى وقِيلَ: إنَّها أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ، قالَهُ الأصْبَهانِيُّ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ إشْعارًا بِذِكْرِهِ عَلى سَبِيلِ الإطْلاقِ بَعْدَ المُوَقَّتِ بِالهِلالِ إلى أنَّهُ غَيْرُ مُوَقَّتٍ بِهِ.
قالَ الحَرالِيُّ: مِن حَيْثُ إنَّهُ حَظِيرَةٌ عَلى دِينِ الإسْلامِ المُقَيَّدِ بِالمَواقِيتِ مِن (p-١٠٧)حَيْثُ إنَّ الإسْلامَ عَمَلٌ يُقَيِّدُهُ الوَقْتُ، والدَّفْعُ عَنْهُ أمْرٌ لا يُقَيِّدُهُ وقْتٌ بَلْ أيّانَ طَرَقَ الضُّرُّ لِبِناءِ الإسْلامِ دُفِعَ عَنْهُ كَما هو حُكْمُ الدَّفْعِ في الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، فَكانَتِ الصَّلاةُ لِمَواقِيتِ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ، والصَّوْمُ والحَجُّ لِمَواقِيتِ الأهِلَّةِ، والزَّكاةُ لِمِيقاتِ الشَّمْسِ، والجِهادُ لِمُطْلَقِ المِيقاتِ حَيْثُ ما وقَعَ مِن مَكانٍ وزَمانٍ ناظِرًا بِوَجْهٍ ما لِما يُقابِلُهُ مِن عَمُودِ الإسْلامِ الَّذِي هو ذِكْرُ كَلِمَةِ الإخْلاصِ وهي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ عَلى الدَّوامِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١]
﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] انْتَهى.
وقالَ ﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ أيْ مِن شَأْنِهِمْ قِتالُكم لا مَن لَيْسَ شَأْنُهُ ذَلِكَ كالصِّبْيانِ؛ وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ القِتالَ عَنْ سَبَبِ المُقاتَلَةِ فَهو مِمّا يُفْعَلُ عَنْ سَبَبٍ لا مِمّا يُفْعَلُ لِوَقْتٍ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لَمْ يُقْصَدْ بِها إلّا صُدُورُ الفِعْلِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى زَمانٍ مَخْصُوصٍ كَما قالُوهُ في أمْثالِهِ.
ولَمّا كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ أوْجَبَ العَدْلَ في كُلِّ (p-١٠٨)شَيْءٍ حَتّى في حَقِّ أعْدائِهِ قالَ: ﴿ولا تَعْتَدُوا﴾ فَنَظَمَ ذَلِكَ ابْتِداءَ القِتالِ لِمَن لَمْ يُبِحْ لَهُ ابْتِداءَهُ بِهِ إمّا بِعَهْدٍ أوْ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ لِمَن لَمْ يَبْلُغْهُ أمْرُ الدِّينِ أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الخِيانَةِ والغَدْرِ وقَتْلِ النِّساءِ والصِّبْيانِ والشُّيُوخِ الفانِينَ الَّذِينَ لا مَنَعَةَ فِيهِمْ ولا رَأْيَ لَهُمْ، ودَوامَ القِتالِ لِمَن ألْقى السَّلَمَ بَعْدَ الِابْتِداءِ بِهِ، فَحَذَفَ المُتَعَلِّقَ اخْتِصارًا فَأفادَ زِيادَةَ المَعْنى وهو مِن غَرِيبِ أفانِينِ البَلاغَةِ وكَأنَّهُ أفْهَمَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ التَّقْيِيدَ بِالتَّعَمُّدِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ لِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ ﴿لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ مُطْلَقًا في هَذا وغَيْرِهِ، أيْ لا يَفْعَلُ بِهِمْ مِنَ الخَيْرِ فِعْلَ المُحِبِّ.
2:191Page 30
وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡ وَأَخۡرِجُوهُم مِّنۡ حَيۡثُ أَخۡرَجُوكُمۡۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۚ وَلَا تُقَٰتِلُوهُمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِيهِۖ فَإِن قَٰتَلُوكُمۡ فَٱقۡتُلُوهُمۡۗ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩١
And kill them [in battle] wherever you overtake them and expel them from wherever they have expelled you, and fitnah1 is worse than killing. And do not fight them at al-Masjid al-Ḥarām until they fight you there. But if they fight you, then kill them. Such is the recompense of the disbelievers.
ولَمّا حَرَّمَ الِاعْتِداءَ صَرَّحَ بِإباحَةِ أصْلِ القِتالِ فَقالَ: ﴿واقْتُلُوهُمْ﴾ أيِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أيْ وجَدْتُمُوهم وأنْتُمْ تَطْمَعُونَ (p-١٠٩)فِي أنْ تَغْلِبُوا أوْ حَيْثُ تَمَكَّنْتُمْ مِن قَتْلِهِمْ - قالَهُ الأصْبَهانِيُّ، لِأنَّهُ مَن ثَقُفَ بِالضَّمِّ ثَقافَةً إذا صُلِبَ وثَقِفَ أيْ بِالكَسْرِ كَذَلِكَ، وأيْضًا صارَ حاذِقًا فَطِنًا، وثَقَفْتُ الشَّيْءَ ثَقَفًا إذا أخَذْتَهُ والشَّيْءَ صادَفْتُهُ - قالَهُ ابْنُ القَطّاعِ.
وقالَ الأصْبَهانِيُّ: والثَّقَفُ وُجُودُهُ عَلى وجْهِ الأخْذِ والغَلَبَةِ، وأطْلَقَ الوِجْدانَ فَشَمِلَ الحِلَّ والحَرَمَ مِنَ الزَّمانِ والمَكانِ لِأنَّهم كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ بِالمُسْلِمِينَ، كانُوا يُؤْذُونَهم ويَفْتِنُونَهم عِنْدَ البَيْتِ في (p-١١٠)كُلِّ وقْتٍ؛ وفي التَّعْبِيرِ بِالفِعْلِ ما يُشْعِرُ بِالنَّصْرِ بِحِزْبِ اللَّهِ وبُشْرى بِضَعْفِ العَدُوِّ عَنْ مُداوَمَةِ المُقاوَمَةِ لِلْمُجاهِدِينَ وقَدْ ظَهَرَتِ التَّجْرِبَةُ مِثْلَ ذَلِكَ وأقَلُّهُ أنَّهم إذا فَرُّوا لَمْ يَكُرُّوا.
ولَمّا كانَتِ الآيَةُ ناظِرَةً إلى قِصاصٍ قالَ: ﴿وأخْرِجُوهُمْ﴾ أيْ فَإنْ لَمْ يُقاتِلُوكم ﴿مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ أيْ مَكَّةَ الَّتِي هي مَوْطِنُ الحَجِّ والعُمْرَةِ ومَحَلُّ الشَّعائِرِ المَقْصُودَةِ لِأهْلِ الإسْلامِ.
ولَمّا كانَ هَذا مُشْعِرًا بِأنَّهم لَمْ يَكُنْ مِنهم إلَيْهِمْ قِتالٌ في مَكَّةَ لِغَيْرِ الأذى المُحْوِجِ إلى الخُرُوجِ مِنَ الدِّيارِ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ: فَإنَّ الإخْراجَ مِنَ السَّكَنِ أشَدُّ فِتْنَةً وقَدْ فَتَنُوكم بِهِ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿والفِتْنَةُ﴾ أيِ العَذابَ بِالإخْراجِ أوْ غَيْرِهِ مِن أنْواعِ الإخافَةِ ﴿أشَدُّ﴾ تَلْيِينُهم لِلْإسْلامِ ﴿مِنَ القَتْلِ﴾ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَتْلِكم إيّاهم في الحَرَمِ أوْ غَيْرِهِ أوْ قَتْلِهِمْ إيّاكم أوْ غَيْرَ ذَلِكَ لِما فِيهِ (p-١١١)مِن مُواصَلَةِ الغَمِّ القابِضِ لِلنَّفْسِ عَنْ مُراداتِها، فَلِذَلِكَ سَوَّغْنا لَكم قَتْلَهم قِصاصًا بِسَبَبِ إخْراجِكُمْ، فَكانَ المُرادُ بِالذّاتِ إخْراجَهم لِتَمَكُّنِ الحَجِّ والِاعْتِمارِ ولَكِنَّهُ لِما لَمْ يُمْكِنْ إلّا بِقِتالِهِمْ وقَتْلِهِمْ أُذِنَ فِيهِما وقَدْ كَشَفَ الواقِعُ في أمْرِ: عِكْرِمَةَ بْنِ أبِي جَهْلٍ وصَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ أنَّ الإخْراجَ مِن مَكَّةَ لَيَّنَهم لِلْإسْلامِ أكْثَرَ مِن تَلْيِينِ القَتْلِ فَإنَّهم أسْلَمُوا لَمّا أشْرَفُوا عَلى فِراقِ مَكَّةَ بِظُهُورِ الإسْلامِ فِيها ولَمْ يُسْلِمْ أحَدٌ مِن قُرَيْشٍ خَوْفًا مِنَ القَتْلِ، فَلِكَوْنِ السِّياقِ لِإخْراجِهِمْ عَبَّرَ هُنا أشَدَّ.
ولَمّا كانَ الإذْنُ في الإخْراجِ مُسْتَلْزِمًا في العادَةِ لِلْقِتالِ وكانَ قَدْ أذِنَ في الِابْتِداءِ بِهِ حَيْثُ ثُقِفُوا خَصَّصَ ذَلِكَ فَقالَ ناظِرًا إلى المُقاصَّةِ أيْضًا ومُشِيرًا إلى ما سَيَقَعُ في غَزْوَةِ الفَتْحِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ بَعْدُ ﴿وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] ﴿ولا تُقاتِلُوهُمْ﴾ أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أُذِنَ لَكم في إخْراجِهِمْ ﴿عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيِ الحَرَمِ إذا أرَدْتُمْ إخْراجَهم فَمانَعُوكم ﴿حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ أيْ في ذَلِكَ المَوْضِعِ الَّذِي هو عِنْدَ المَسْجِدِ، (p-١١٢)وكَأنَّهُ عَبَّرَ بِفِيهِ في الثّانِي وعِنْدَ في الأوَّلِ والمُرادُ الحَرَمُ في كُلٍّ مِنهُما كَفًّا، عَنِ القِتالِ فِيهِ مَهْما وُجِدَ إلى الكَفِّ سَبِيلٌ تَعْظِيمًا لَهُ وإجْلالًا لِمَحَلِّهِ لِأنَّهُ مَوْضِعٌ لِلصَّلاةِ الَّتِي أعْظَمُ مَقاصِدِها السُّجُودُ لا لِغَيْرِهِ فَضْلًا عَنِ القِتالِ.
﴿فَإنْ قاتَلُوكُمْ﴾ أيْ في ذَلِكَ المَكانِ ﴿فاقْتُلُوهُمْ﴾ أيْ لا تَقْصُرُوا عَلى مُدافَعَتِهِمْ بَلِ اصْدُقُوهم في الضَّرْبِ المُجَهَّزِ ولا حَرَجَ عَلَيْكم مِن جِهَةِ المَسْجِدِ فَإنَّ الِانْتِهاكَ لِحُرْمَتِهِ مَنسُوبٌ إلى البادِئِ، وفي التَّعْبِيرِ بِالفِعْلِ في جَوابِ المُفاعَلَةِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ أوِ الفِعْلِ في قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِشارَةٌ بِنُصْرَةِ المَبْغِيِّ عَلَيْهِ وقُوَّةِ إدالَتِهِ، ولَمّا كانَ هَذا مُفْهِمًا أنَّهُ خاصٌّ بِهِمْ عَمَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ هَذا الفِعْلِ العَظِيمِ الجَدْوى ﴿جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ كُلِّهِمْ.
2:192Page 30
فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٩٢
And if they cease, then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
ولَمّا كانَ النُّزُوعُ بَعْدَ الشُّرُوعِ لا سِيَّما حالَةَ الإشْرافِ عَلى الظَّفَرِ عُسْرًا عَلى الأنْفُسِ الأبِيَّةِ والهِمَمِ العَلِيَّةِ قالَ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ أيْ عَنِ القِتالِ ومُقَدِّماتِهِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ طائِفَةً مِنهم تَنْتَهِي فَإنَّ العالِمَ بِكُلِّ (p-١١٣)شَيْءٍ لا يُعَبِّرُ بِأداةِ الشَّكِّ إلّا كَذَلِكَ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَكُفُّوا عَنْهم ولا تُعْرِضُوا لَهم فَإنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهم عَلَّلَهُ بِأمْرٍ عامٍّ فَقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ لَهُ هاتانِ الصِّفَتانِ أزَلًا وأبَدًا فَكُلُّ مَن تابَ فَهَذا شَأْنُهُ مَعَهُ.
2:193Page 30
وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِۖ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَلَا عُدۡوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩٣
Fight them until there is no [more] fitnah and [until] religion [i.e., worship] is [acknowledged to be] for Allāh. But if they cease, then there is to be no aggression [i.e., assault] except against the oppressors.
ولَمّا كانَ المُرادُ بِما مَضى مِن قِتالِهِمْ كَفَّ أذاهم بِأيِّ فِعْلٍ كانَ حَقَّقَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوهُمْ﴾ أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَسَبْناهم إلى قِتالِكم وإخْراجِكم وفِتْنَتِكم أعَمُّ مِن أنْ يَكُونُوا كُفّارًا أوْ لا ﴿حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أيْ تُوجَدُ فِتْنَةٌ بِأنْ لا يَقْدِرُوا أنْ يُؤْذُوا أحَدًا مِن أهْلِ الإسْلامِ لِيَرُدُّوهُ عَنْ دِينِهِ أوْ يُخْرِجُوهُ مِن دارِهِ أوْ يَخْلَعُوهُ مِن مالِهِ أوْ يَغْلِبُوهُ عَلى حَقِّهِ، فَقِتالُ كُلِّ مَن وقَعَ مِنهُ ذَلِكَ كُفْرًا أوْ بَغْيًا في سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى يَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ ﴿ويَكُونَ الدِّينُ﴾ أيِ الطّاعَةُ والعِبادَةُ.
ولَمّا كانَ (p-١١٤)هَذا في أوائِلِ ما بَعْدَ الهِجْرَةِ قَبْلَ أنْ يَرَوْا مِن نَصْرِ اللَّهِ لَهم ما يُقَوِّي عَزائِمَهم أعْراهُ مِنَ التَّأْكِيدِ فَقالَ: ”الله“ أيِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ خاصًّا بِهِ بِأنْ يَكُونَ أمْرُ المُسْلِمِينَ ظاهِرًا، لَيْسَ لِلشَّيْطانِ فِيهِ نَصِيبٌ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِن أهْلِ الكُفْرِ ولا أهْلِ البَغْيِ عَلى التَّظاهُرِ بِأذى أحَدٍ مِنهُمْ، وذَلِكَ بِأنْ لا يَبْقى مُشْرِكٌ أصْلًا ولا يَبْقى كِتابِيٌّ إلّا أُلْزِمَ الصَّغارَ بِالجِزْيَةِ، والحِكْمَةُ في إبْقائِهِمْ دُونَ المُشْرِكِينَ أنَّ لَهم كُتُبًا أُمْهِلُوا لِحُرْمَتِها ولِيَنْظُرُوا فِيها فَيَقِفُوا عَلى الحَقِّ مِنها فَإنَّها وإنْ كانَتْ قَدْ وقَعَ فِيها التَّحْرِيفُ قَدْ بَقِيَ فِيها ما يَهْدِي المُوَفَّقَ لِأنَّها لَمْ يَعُمَّها التَّحْرِيفُ، وأمّا أهْلُ الأوْثانِ فَلَيْسَ لَهم ما يُرْشِدُهم إلى الحَقِّ فَكانَ إمْهالُهم زِيادَةً في شِرْكِهِمْ مَقْطُوعًا بِها مِن غَيْرِ فائِدَةٍ تُنْتَظَرُ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَفي طَيِّهِ إشْعارٌ بِما وقَعَ وهو واقِعٌ وسَيَقَعُ مِن قِتالِ طائِفَةِ الحَقِّ لِطائِفَةِ البَغْيِ سائِرَ اليَوْمِ المُحَمَّدِيِّ بِما تَخَلَّصَ مِنَ الفِتْنَةِ (p-١١٥)ويَخْلُصُ الدِّينُ لِلَّهِ تَوْحِيدًا ورِضًا وثَباتًا عَلى حالِ السَّلَفِ الصّالِحِ وزَمانِ الخِلافَةِ والنُّبُوَّةِ - انْتَهى.
﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ أيْ كَلَّفُوا أنْفُسَهُمُ الرُّجُوعَ عَمّا اسْتَوْجَبُوا بِهِ القِتالَ فَقَدْ تَرَكُوا الظُّلْمَ، والنَّهْيَ
قالَ الحَرالِيُّ: الحُكْمُ المانِعُ مِنَ الفِعْلِ المُتَرامِي إلَيْهِ بِمَنزِلَةِ أثَرِ العَقْلِ المُسَمّى نُهًى لِمَنعِهِ عَمّا تَهْوِي إلَيْهِ النَّفْسُ مِمّا يَسْتَبْصِرُ فِيهِ النُّهى، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لِيَلِيَنِي مِنكم أُولُو الأحْلامِ والنُّهى» فَمَن لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ النُّهى كانَ نَهاهُ النُّهى وهو الحُكْمُ المَذْكُورُ - انْتَهى.
﴿فَلا عُدْوانَ﴾ أيْ فَلا سَبِيلَ يَقَعُ فِيهِ العَدُوُّ الشَّدِيدُ لِلْقِتالِ عَلَيْهِمْ، فَإنَّهُ لا عُدْوانَ ﴿إلا عَلى الظّالِمِينَ﴾
قالَ الحَرالِيُّ: فَذَكَرَ الظُّلْمَ الشّامِلَ (p-١١٦)لِوُجُوهِ إيقاعِ الأمْرِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ مِن أعْلى الدِّينِ إلى أدْناهُ - انْتَهى.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَإنِ انْتَهَوْا عَنِ الشِّرْكِ فَقَدِ انْتَفى عَنْهُمُ اسْمُ الظُّلْمِ فَلا تَعْتَدُوا عَلَيْهِمْ، فَإنِ اعْتَدَيْتُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا عَلَيْكم لِظُلْمِكم لَهم مَن يَعْتَدِي عَلَيْكُمْ، فَإنَّهُ لا عُدْوانَ إلّا عَلى الظّالِمِينَ الَّذِينَ دَخَلْتُمْ في مُسْماهم وخَرَجُوا مِن مُسْماهم بِالِانْتِهاءِ، فَلا عُدْوانَ إلّا عَلَيْكم لا عَلَيْهِمْ، ومَعْنى العُدْوانِ القَتّالُ بِغايَةِ العَدُوِّ والشِّدَّةِ والعَزْمِ.
2:194Page 30
ٱلشَّهۡرُ ٱلۡحَرَامُ بِٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡحُرُمَٰتُ قِصَاصٞۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ١٩٤
[Battle in] the sacred month is for [aggression committed in] the sacred month,1 and for [all] violations is legal retribution. So whoever has assaulted you, then assault him in the same way that he has assaulted you. And fear Allāh and know that Allāh is with those who fear Him.
ولَمّا أباحَ تَعالى القِتالَ في كُلِّ مَكانٍ حَتّى في الحَرَمِ وكانَ فِعْلُهُ في الأشْهُرِ الحُرُمِ عِنْدَهم شَدِيدًا جِدًّا ثارَ - العَزْمُ لِلسُّؤالِ عَنْهُ فَقالَ مُعَلِّمًا لَهم ما يَفْعَلُونَ في عُمْرَةِ القَضاءِ إنَّ احْتاجُوا عَلى وجْهٍ عامٍّ: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ﴾ وهو ذُو القَعْدَةِ مِن سَنَةِ سَبْعٍ إنْ قاتَلْتُمُوهم فِيهِ لِكَوْنِهِمْ قاتَلُوكم في شَهْرٍ حَرامٍ ﴿بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾ الَّذِي قاتَلُوكم فِيهِ وهو ذُو القَعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ حَيْثُ صَدُّوكم فِيهِ عَنْ عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ.
ولَمّا أشْعَرَ ما مَضى بِالقِصاصِ أفْصَحَ بِهِ عَلى وجْهٍ أعَمَّ فَقالَ: ﴿والحُرُماتُ﴾ أيْ كُلُّها وهي جَمْعُ حُرْمَةٍ وهي ما يُحْفَظُ ويُرْعى ولا يُنْتَهَكُ (p-١١٧)﴿قِصاصٌ﴾ أيْ تَتَبُّعٌ لِلْمُساواةِ والمُماثَلَةِ ﴿فَمَنِ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا أنَّهُ مَنِ ﴿اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ أيْ تَعَمَّدَ أذاكم في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ في أيِّ زَمانٍ أوْ مَكانٍ كانَ ﴿فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ أيْ فَجاوِزُوهُ، سُمِّيَ اعْتِداءَ مُشاكَلَةٍ تَقْوِيَةً لِعَزائِمِهِمْ وتَوْطِينًا لِهِمَمِهِمْ أيِ افْعَلُوا وإنْ سَمّاهُ المُتَعَنِّتُ بِغَيْرِ ما يَحِقُّ لَهُ ﴿بِمِثْلِ ما اعْتَدى﴾ أيْ عُدْوانِهِ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيْ بِمِثْلِ الَّذِي اعْتَدى عَلَيْكم بِهِ، ولَعَلَّهُ أعادَ الظَّرْفَ وإنْ أفْهَمْهُ الأوَّلُ لِدَفْعِ تَعَنُّتِ مَن لَعَلَّهُ يَقُولُ: الكَلامُ شامِلٌ لِاعْتِدائِهِ عَلَيَّ وعَلى غَيْرِي فَلِي أنْ أُقابِلَهُ بِأعْلى ما وقَعَ لَهُ مِن ذَلِكَ، لِأنَّ المُرادَ رَدْعُهُ ولَوْ لَمْ يُرَدَّ الحُكْمُ هَذا لِقَيْدٍ بِما يَنْفِيهِ.
ولَمّا جَعَلَ المُماثَلَةَ حَدًّا وكانَ أمْرُها خَفِيًّا والوُقُوفُ عِنْدَهُ بَعْدَ اسْتِرْسالِ النَّفْسِ بِإرْسالِها صَعْبًا حَذَّرَ مِن تَعَدِّيهِ بَعْدَ الإذْنِ في القِصاصِ الَّذِي جَرَّ أغْلَبَهُ (p-١١٨)بِتَسْمِيَتِهِ اعْتِداءً عَلى وجْهٍ نادِبٍ إلى العَفْوِ لِلْمُسْتَبْصِرِ فَقالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ عِلْمًا بِكُلِّ شَيْءٍ بِالتَّحَرِّي في القِصاصِ حَتّى لا تَتَجاوَزُوا ﴿واعْلَمُوا﴾ وأظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ لِئَلّا يُقَيِّدَ بِالتَّقْوى في بابِ الِاعْتِداءِ مَثَلًا فَقالَ: ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ مَعَكم إنِ اتَّقَيْتُمْ بِالتَّحَرِّي فِيهِ أوْ بِالعَفْوِ فَإنَّ اللَّهَ ﴿مَعَ المُتَّقِينَ﴾ ومَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ أفْلَحَ كُلَّ الفَلاحِ «وما زادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلّا عِزًّا» .
قالَ الحَرالِيُّ: فَفي ضِمْنِهِ إشْعارٌ وتَطْرِيقٌ لِمَقْصِدِ السَّماحِ الَّذِي هو خَيْرُ الفَضائِلِ مِن وصْلِ القاطِعِ والعَفْوِ عَنِ الظّالِمِ، ولَمّا كانَ في هَذِهِ (p-١١٩)التَّقْوى خُرُوجٌ عَنْ حَظِّ النَّفْسِ أعْلَمَهم أنَّهُ تَعالى يَكُونُ عِوَضًا لَهم مِن أنْفُسِهِمْ بِما اتَّقَوْا وداوَمُوا عَلى التَّقْوى حَتّى كانَتْ وصْفًا لَهم فَأعْلَمَهم بِصُحْبَتِهِ لَهُمُ - انْتَهى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences