Al-Biqa'iAl‑Baqarah · 2:195–197

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:195–197

2:195Page 30

وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ وَأَحۡسِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٩٥

And spend in the way of Allāh and do not throw [yourselves] with your [own] hands into destruction [by refraining]. And do good; indeed, Allāh loves the doers of good.

ولَمّا كانَتِ النَّفَقَةُ مِن أعْظَمِ دَعائِمِ الجِهادِ وكانَ العَيْشُ في أوَّلِ الإسْلامِ ضِيقًا والمالُ قَلِيلًا فَكانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِكُلِّ أحَدٍ أنْ يَتَمَسَّكَ بِما في يَدِهِ ظَنًّا أنَّ في التَّمَسُّكِ بِهِ النَّجاةَ وفي إنْفاقِهِ الهَلاكَ أخْبَرَهم أنَّ الأمْرَ عَلى غَيْرِ ما يُسَوِّلُ بِهِ الشَّيْطانُ مِن ذَلِكَ ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨] وقالَ الحَرالِيُّ: ولِمَكانِ ما لَزِمَ العَفْوُ مِنَ العِزِّ الَّذِي جاءَ عَلى خِلافِ غَرَضِ النَّفْسِ نَظَمَ بِهِ تَعالى ما يَجِيءُ عَلى خِلافِ مُدْرَكِ الحِسِّ في الإنْفاقِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الزَّكاءُ والنَّماءُ، وأيْضًا لَمّا أسَّسَ تَعالى حُكْمَ الجِهادِ الَّذِي هو أشَقُّ الأعْمالِ عَلى النَّفْسِ نَظَمَ بِهِ أمْرَ الجُودِ والإنْفاقِ الَّذِي هو أشَقُّ مِنهُ عَلى الأنْفُسِ، ومِن حَيْثُ إنَّ القِتالَ مُدافَعَةٌ يَشْتَمِلُ عَلى عُدَّةٍ وزادٍ لَمْ يَكُنْ أمْرُهُ يَتِمُّ إلّا (p-١٢٠)بِأعْمالِ الغَرِيزَتَيْنِ: الشَّجاعَةِ والجُودِ، ولِذَلِكَ كانَ أشَدُّ الآفاتِ في الدِّينِ البُخْلَ والجُبْنَ، انْتَهى - فَقالَ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا﴾ وأظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ إظْهارًا لِلِاعْتِناءِ بِأمْرِ النَّفَقَةِ ولِئَلّا يُقَيَّدَ بِحَيْثِيَّةٍ مِنَ الحَيْثِيّاتِ فَقالَ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ تَحْتَ قَهْرِهِ كَما قالَ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٠] وهو كُلُّ ما أمَرَ بِهِ اللَّهُ وإنْ كانَ اسْتِعْمالُهُ في الجِهادِ أكْثَرَ، أيْ ولا تَخافُوا العَيْلَةَ والضَّيْعَةَ فَإنَّ اللَّهَ رَبَّكم هو الَّذِي أمَرَكم بِذَلِكَ ﴿واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ وفَضْلا﴾ [البقرة: ٢٦٨]

قالَ الحَرالِيُّ: فالنَّظَرُ لِلْأمْوالِ بِإنْفاقِها لا بِإصْلاحِها وإثْباتِها فانْتَظَمَ الخِطابانِ ما في العَفْوِ مِنَ العِزِّ وما في الإنْفاقِ مِنَ النَّماءِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِالإعْلامِ بِما لا تَصِلُ إلَيْهِ مَدارِكُ الأنْفُسِ مِن أنَّ إصْلاحَ الأمْوالِ وإمْساكَها تَهْلُكَةٌ - انْتَهى.

فَقالَ تَعالى: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ﴾ أيْ تُسْرِعُوا بِوَضْعِها إسْراعَ مَن (p-١٢١)يُلْقِي الشَّيْءَ بِعَدَمِ الإنْفاقِ ﴿إلى التَّهْلُكَةِ﴾ مِنَ الهَلاكِ وهو تَداعِي الشَّيْءِ إلى أنْ يَبْطُلَ ويَفْنى فَإنَّ في ذَلِكَ الإخْلادَ إلى الدَّعَةِ والتَّواكُلِ فَيَجْتَرِئُ عَلَيْكُمُ العَدُوُّ فَلا يَقُومُ لَكم قائِمَةٌ فَإنَّ البُخْلَ أسْرَعُ شَيْءٍ إلى الهَلاكِ، وهي تَفْعُلَةٌ بِضَمِّ العَيْنِ مَصْدَرُ هَلَكَ، وقِيلَ: إنَّهُ لا ثانِيَ لَهُ في كَلامِهِمْ، وحَقِيقَةً أوْقَعَ الإلْقاءَ لِما يَنْفَعُهُ مِن نَفْسِهِ وغَيْرِها بِيَدِهِ أيْ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَ التَّهْلُكَةَ آخِذَةً بِها مالِكَةً لِصاحِبِها.

وقالَ الحَرالِيُّ: إحاطَةُ الخِطابِ تَقْتَضِي أنَّ التَّهْلُكَةَ تَضْيِيعُ القِتالِ والإنْفاقِ اللَّذَيْنِ بِتَرْكِهِما تَقَعُ الِاسْتِطالَةُ عَلى مَبْنى الإسْلامِ فَيَتَطَرَّقُ إلى هَدْمِهِ، ولَمّا كانَ (p-١٢٢)أمْرُ الإنْفاقِ أخَصَّ بِالأنْصارِ الَّذِينَ كانُوا أهْلَ الأمْوالِ لِتَجَرُّدِ المُهاجِرِينَ عَنْها كانَ في ضِمْنِهِ أنَّ أكْثَرَ فَصْلِ الخِطابِ فِيهِ لِلْأنْصارِ - انْتَهى.

وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ - وهَذا لَفْظُهُ وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ - والنَّسائِيُّ «عَنْ أبِي أيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينا مَعْشَرَ الأنْصارِ لَمّا أعَزَّ اللَّهُ الإسْلامَ وكَثُرَ ناصِرُوهُ وقالَ بَعْضُنا لِبَعْضٍ سِرًّا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّ أمْوالَنا قَدْ ضاعَتْ، فَلَوْ أقَمْنا في أمْوالِنا! فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَكانَتِ التَّهْلُكَةُ الإقامَةَ عَلى الأمْوالِ وإصْلاحَها وتَرْكَنا الغَزْوَ» .

ورَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ «عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ﴿وأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في النَّفَقَةِ» .

ولَمّا كانَتِ التَّوْسِعَةُ في أمْرِ القِتالِ قَدْ تَجُرُّ إلى الِاعْتِداءِ فَخَتَمَهُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ وبِأنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ وكانَتِ التَّوْسِعَةُ في الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ مِن أعْلى خِلالِ الإيمانِ قالَ تَعالى: ﴿وأحْسِنُوا﴾ أيْ أوْقِعُوا الإحْسانَ عَلى العُمُومِ بِما أفْهَمَهُ قَصْرُ الفِعْلِ (p-١٢٣)وتَرْكُ المُتَعَلِّقِ بِالإكْثارِ مِنَ الإنْفاقِ وظَنُّوا بِاللَّهِ الحَسَنَ الجَمِيلَ، وأظْهَرَ مِن غَيْرِ إضْمارٍ لِطُولِ الفَصْلِ ولِنَحْوِ ما تَقَدَّمَ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ المَلِكَ العَظِيمَ ﴿يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ يَفْعَلُ مَعَهم كُلَّ ما يَفْعَلُهُ المُحِبُّ مَعَ مَن يُحِبُّهُ مِنَ الإكْرامِ والإعْلاءِ والنَّصْرِ والإغْناءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن جَمِيعِ ما يَحْتاجُهُ كَما أنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ.

قالَ الحَرالِيُّ: فانْتَظَمَ خَتْمُ الخِطابَيْنِ بِأنْ لا يَقَعَ الِاعْتِداءُ في القَتْلِ وأنْ يَقَعَ الإحْسانُ في المالِ، وفي إشْعارِهِ حَضُّ الأنْصارِ عَلى إنْفاقِ أمْوالِهِمْ يَتْلُونَ بِهِ حالُ المُهاجِرِينَ في التَّجَرُّدِ عَنْها، فَكَما كانَ أمْرُ المُهاجِرِينَ أنْ لا يَنْقُضُوا الهِجْرَةَ كانَ أمْرُ الأنْصارِ أنْ لا يَلْتَفِتُوا إلى الدُّنْيا، فَما خَرَجَ المُهاجِرُونَ عَنْ أصْلِهِ خَرَجَ الأنْصارُ عِنْدَ التَّمَسُّكِ بِهِ عَنْ وصْفِهِ، فَكانَ إعْراضُهم (p-١٢٤)تابِعًا لِتَرْكِ المُهاجِرِينَ أمْوالَهم.

2:196Page 30

وَأَتِمُّواْ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۖ وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍ أَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمۡ يَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِي ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١٩٦

And complete the ḥajj and ʿumrah for Allāh. But if you are prevented, then [offer] what can be obtained with ease of sacrificial animals. And do not shave your heads until the sacrificial animal has reached its place of slaughter. And whoever among you is ill or has an ailment of the head [making shaving necessary must offer] a ransom of fasting [three days] or charity1 or sacrifice.2 And when you are secure,3 then whoever performs ʿumrah [during the ḥajj months]4 followed by ḥajj [offers] what can be obtained with ease of sacrificial animals. And whoever cannot find [or afford such an animal] - then a fast of three days during ḥajj and of seven when you have returned [home]. Those are ten complete [days]. This is for those whose family is not in the area of al-Masjid al-Ḥarām. And fear Allāh and know that Allāh is severe in penalty.

ولَمّا خَتَمَ آياتِ القِتالِ بِالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ لِشِدَّةِ حاجَةِ الجِهادِ إلَيْها وكانَ سَبِيلُ اللَّهِ اسْمًا يَقَعُ عَلى الحَجِّ كَما يَقَعُ عَلى الجِهادِ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ «الحَجُّ مِن سَبِيلِ اللَّهِ» رَجَعَ إلى الحَجِّ والعُمْرَةِ المُشِيرِ إلَيْهِما ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ١٢٥] و﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ﴾ [البقرة: ١٥٨] الآيَةَ، و﴿مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] ولا سِيَّما وآياتُ القِتالِ هَذِهِ إنَّما نُظِمَتْ هَهُنا بِسَبَبِهِما تَوْصِيلًا إلَيْهِما وبَعْضُها سَبَبُهُ عُمْرَةُ الحُدَيْبِيَةِ الَّتِي صُدَّ المُشْرِكُونَ عَنْها، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ فَحُجُّوا واعْتَمِرُوا أيْ تَلَبَسُّوا بِذَلِكَ وإنْ صَدَدْتُمْ عَنْهُ وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ مَن قاتَلَكم في وجْهِكم ذَلِكَ لِيَنْفَتِحَ لَكُمُ السَّبِيلُ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ بَعْدَ الفَتْحِ مُمْكِنًا لا صادَّ عَنْهُ عَبَّرَ بِالإتْمامِ فَقالَ: ﴿وأتِمُّوا﴾ أيْ بَعْدَ فَتْحِ السَّبِيلِ بِالفَتْحِ (p-١٢٥)﴿الحَجَّ والعُمْرَةَ﴾ بِمَناسِكِهِما وحُدُودِهِما وشَرائِطِهِما وسُنَنِهِما.

ولَمّا تَقَدَّمَ الإنْفاقُ في سَبِيلِ اللَّهِ والقِتالُ في سَبِيلِ اللَّهِ نَبَّهَ هُنا عَلى أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إنَّما هو لِتُقامَ العِباداتُ الَّتِي هي مَبْنى الإسْلامِ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَقالَ: ﴿لِلَّهِ﴾ المَلِكِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ أيْ لِذاتِهِ، ولَمْ يُضْمِرْ لِئَلّا يَتَقَيَّدَ بِقَيْدٍ.

ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ أعَزَّ هَذِهِ الأُمَّةَ إكْرامًا لِنَبِيِّها ﷺ فَلا يُهْلِكُها بِعامَّةٍ ولا يُسَلِّطُ عَلَيْها عَدُوًّا مِن غَيْرِها بَلْ جَعَلَ كَفّارَةَ ذُنُوبِها في إلْقاءِ بَأْسِها بَيْنَها أوْمَأ إلى أنَّهُ رُبَّما يَقْطَعُها عَنِ الإتْمامِ قاطِعٌ مِن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ الحُكْمَ دائِرٌ مَعَ وُجُودِ الفِعْلِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى فاعِلٍ مُعَيَّنٍ مُعَبِّرًا بِأداةِ الشَّكِّ إشارَةً إلى أنَّ هَذا مِمّا يَقِلُّ وُقُوعُهُ: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أيْ مُنِعْتُمْ وحُبِسْتُمْ عَنْ إتْمامِها، مِنَ الإحْصارِ وهو مَنعُ العَدُوِّ المُحْصَرِ عَنْ مُتَصَرَّفِهِ (p-١٢٦)كالمَرَضِ يَحْصُرُهُ عَنِ التَّصَرُّفِ في شَأْنِهِ - قالَهُ الحَرالِيُّ ﴿فَما﴾ أيْ فالواجِبُ عَلى المُحْصَرِ الَّذِي مُنِعَ عَنْ إكْمالِهِ تَلافِيًا لِما وقَعَ لَهُ مِنَ الخَلَلِ في عَمَلِهِما ﴿اسْتَيْسَرَ﴾ أيْ وجَدَ يُسْرَةً عَلى غايَةِ السُّهُولَةِ حَتّى كَأنَّهُ طالِبُ يُسْرِ نَفْسِهِ، واليُسْرُ حُصُولُ الشَّيْءِ عَفْوًا بِلا كُلْفَةٍ ﴿مِنَ الهَدْيِ﴾ إذا أرادَ التَّحَلُّلَ مِنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ يَذْبَحُهُ حَيْثُ أُحْصِرَ ويَتَصَدَّقُ بِهِ وقَدْ رَجَعَ حَلالًا (p-١٢٧)ولَمّا كانَ الحاجُّ هو الشَّعِثَ التَّفِلُ أشارَ إلى حُرْمَةِ التَّعَرُّضِ لِشِعْرِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ أيْ شَعْرَها إذا كُنْتُمْ مُحْرِمِينَ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ، مِنَ الحَلْقِ.

قالَ الحَرالِيُّ: وهو إزالَةُ ما يَتَأتّى لِلزَّوالِ بِالقَطْعِ مِنَ الآلَةِ الماضِيَةِ في عَمَلِهِ، والرَّأْسُ مُجْتَمَعُ الخِلْقَةِ ومُجْتَمَعُ كُلِّ شَيْءٍ رَأْسُهُ - انْتَهى.

﴿حَتّى يَبْلُغَ﴾ مِنَ البَلاغِ وهو الِانْتِهاءُ إلى الغايَةِ ﴿الهَدْيِ﴾ أيْ إنْ كانَ مَعَكم هَدْيٌ ﴿مَحِلَّهُ﴾ أيِ المَوْضِعُ الَّذِي يَحِلُّ ذَبْحُهُ فِيهِ، إنْ كُنْتُمْ مُحْصَرِينَ فَحَيْثُ أُحْصِرْتُمْ وإلّا فَعِنْدَ المَرْوَةِ أوْ في مِنًى ونَحْوَهُما.

قالَ الحَرالِيُّ: والهَدْيُ ما تَقَرَّبَ بِهِ الأدْنى لِلْأعْلى وهو اسْمُ ما يُتَّخَذُ فِداءً مِنَ الأنْعامِ بِتَقْدِيمِهِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وتَوْجِيهِهِ إلى البَيْتِ العَتِيقِ، وفي تَعْقِيبِ الحَلْقِ بِالهَدْيِ إشْعارٌ بِاشْتِراكِهِما في مَعْنًى واحِدٍ وهو الفِداءُ، والهَدْيُ في الأصْلِ فِداءٌ لِذَبْحِ النّاسِكِ نَفْسَهُ لِلَّهِ سُنَّةَ إبْراهِيمَ في ولَدِهِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإزالَةُ الشَّعْرِ فِداءٌ مِن جَزاءٍ لِرَأْسٍ لِلَّهِ، ولِذَلِكَ لَمّا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ (p-١٢٨)عَنْ تَقْدِيمِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ قالَ: «افْعَلْ ولا حَرَجَ»، لِأنَّ الجَمِيعَ غايَةٌ بِالمَعْنى الشّامِلِ لِلْفِداءِ - انْتَهى.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَحَلًّا لِعَوارِضِ المَشَقَّةِ وكانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ وضَعَ عَنّا الآصارَ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ المُخْتارِ ﷺ فَجَعَلَ دِينَهُ يُسْرًا قالَ: ﴿فَمَن كانَ﴾ وقَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنكُمْ﴾ أيُّها المُحْرِمُونَ ﴿مَرِيضًا﴾ يُرْجى لَهُ بِالحَلْقِ خَيْرٌ ﴿أوْ بِهِ أذًى﴾ ولَوْ قَلَّ، والأذى ما تَعَلَّقَ النَّفْسَ أثَرُهُ ﴿مِن رَأْسِهِ﴾ بِقُمَّلٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿فَفِدْيَةٌ﴾ أيْ فِعْلِيَّةٌ بِحَلْقِ رَأْسِهِ أوِ المُداواةِ بِما نَهى المُحْرِمَ عَنْهُ فِدْيَةً ﴿مِن صِيامٍ﴾ لِثَلاثَةِ أيّامٍ ﴿أوْ صَدَقَةٍ﴾ لِثَلاثَةِ آصُعٍ مِن طَعامٍ عَلى سِتَّةِ مَساكِينَ، لِأنَّ الصَّدَقَةَ كَما قالَ الحَرالِيُّ عِدْلُ الصِّيامِ عِنْدَ فَقْدِهِ كَما (p-١٢٩)تَقَدَّمَ. ولِلْيَوْمِ وجْبَتا فِطْرٍ وسُحُورٍ، لِكُلِّ وجْبَةٍ مُدّانِ فَلِكُلِّ يَوْمٍ صاعٌ ﴿أوْ نُسُكٍ﴾ أيْ تَقَرُّبٌ بِذَبْحِ شَيْءٍ مِنَ الأنْعامِ وهَذِهِ فِدْيَةٌ مُخَيَّرَةٌ.

ولَمّا كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِسِعَةِ حَمْلِهِ وعَظِيمِ قُدْرَتِهِ وشُمُولِ عِلْمِهِ قَدْ أقامَ أسْبابًا تَمْنَعُ المُفْسِدِينَ عَلى كَثْرَتِهِمْ مِنَ التَّمَكُّنِ مِنَ الفَسادِ أشارَ إلى ذَلِكَ بِأداةِ التَّحْقِيقِ بَعْدَ تَعْبِيرِهِ عَنِ الإحْصارِ بِأداةِ الشَّكِّ فَقالَ: ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ أيْ حَصَلْتُمْ في الأمْنِ فَزالَ الإحْصارُ (p-١٣٠)والمَرَضُ، وبُنِيَ الفِعْلُ هُنا لِلْفاعِلِ إشارَةً إلى أنَّهُ كَأنَّهُ آتٍ بِنَفْسِهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ الأصْلُ بِخِلافِ الإحْصارِ حَثًّا عَلى الشُّكْرِ ﴿فَمَن تَمَتَّعَ﴾ أيْ تَلَذَّذَ بِاسْتِباحَةِ دُخُولِهِ إلى الحَرَمِ بِإحْرامِهِ في أشْهُرِ الحَجِّ عَلى مَسافَةِ القَصْرِ مِنَ الحَرَمِ ﴿بِالعُمْرَةِ﴾ لِيَسْتَفِيدَ الحِلَّ حِينَ وُصُولِهِ إلى البَيْتِ ويَسْتَمِرَّ حَلالًا في سَفَرِهِ ذَلِكَ ﴿إلى الحَجِّ﴾ أيْ إحْرامِهِ بِهِ مِن عامَّةِ ذَلِكَ مِن مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ مِن غَيْرِ رُجُوعٍ إلى المِيقاتِ ﴿فَما﴾ أيْ فَعَلَيْهِ ما ﴿اسْتَيْسَرَ﴾ وجَدَ اليُسْرَ بِهِ ﴿مِنَ الهَدْيِ﴾ مِنَ النِّعَمِ يَكُونُ هَذا الهَدْيُ لِأجْلِ ما تَمَتَّعَ بِهِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ مِنَ الحِلِّ وهو مُسافِرٌ، هَذا لِلْمُتَمَتِّعِ وأمّا القارِنُ فَلِجَمْعِهِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ في سَفَرٍ واحِدٍ وشَأْنُهُما أنْ يَكُونا في وقْتَيْنِ وقْتِ حَلٍّ ووَقْتِ حُرُمٍ، وفي العِبارَةِ إشْعارٌ بِصِحَّةِ إرْدافِ الحَجِّ عَلى العُمْرَةِ لِأنَّهُ تَرَقٍّ مِن إحْرامٍ أدْنى إلى إحْرامٍ أعْلى.

ولَمّا أفْهَمَ التَّقْيِيدُ بِاليُسْرِ حالَةَ عُسْرٍ بَيَّنَها بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن لَمْ (p-١٢٩)يَجِدْ﴾ أيْ هَدْيًا، مِنَ الوَجْدِ وهو الطَّوْلُ والقُدْرَةُ ﴿فَصِيامُ﴾ أيْ فَعَلَيْهِ بَدَلُ الهَدْيِ صِيامُ ﴿ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ﴾ أيْ في أيّامِ تَلَبُّسِهِ بِهِ فَلا يَصِحُّ قَبْلَهُ ويَجِبُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ بِحَيْثُ يَكُونُ فِيهِ مُفْطِرًا، ”و“ صِيامُ ”سَبْعَةٍ“ أيْ مِنَ الأيّامِ ﴿إذا رَجَعْتُمْ﴾ إلى بِلادِكم فَلا تَصِحُّ قَبْلَ الوُصُولِ، ولَمْ يُفْرِدْ لِيُفْهَمَ أنَّ العِبْرَةَ إمْكانُ الرُّجُوعِ لا حَقِيقَةُ رُجُوعِهِ، فَلَوْ أقامَ بِمَكَّةَ مَثَلًا صامَ بِها، ولَوْ فاتَتْهُ الثَّلاثَةُ في الحَجِّ فَرَّقَ بَيْنَها وبَيْنَ السَّبْعَةِ في الوَطَنِ بِقَدْرِ مُدَّةِ إمْكانِ العَوْدِ وزِيادَةِ أرْبَعَةِ أيّامِ التَّشْرِيقِ والعِيدِ لِيَحْكِيَ القَضاءُ الأداءَ.

قالَ الحَرالِيُّ: فَيَكُونُ الصَّوْمُ عِدْلًا لِلْهَدْيِ الَّذِي يُطْعِمُهُ المُهْدِي كَما كانَ الإطْعامُ عِدْلًا لِلصَّوْمِ في آيَةِ ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] انْتَهى.

ولَمّا كانَ لِلتَّصْرِيحِ مَزِيَّةٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ قالَ: ﴿تِلْكَ﴾ (p-١٣٢)أيِ العُدَّةُ النَّفْسِيَّةُ المَأْمُورُ بِصَوْمِها ﴿عَشَرَةٌ﴾ دَفْعًا لِاحْتِمالِ أنْ تَكُونَ الواوُ بِمَعْنى ”أوْ“ أوْ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسَّبْعِ المُبالَغَةَ دُونَ الحَقِيقَةِ ولِيُحْضِرَ العَدَدَ في الذِّهْنِ جُمْلَةً كَما أحْضَرَهُ تَفْصِيلًا؛ والعَشَرَةُ:

قالَ الحَرالِيُّ: مَعادُ عَدِّ الآحادِ إلى أوَّلِهِ.

ولَمّا كانَ زَمَنُ الصَّوْمَيْنِ مُخْتَلِفًا قالَ: ﴿كامِلَةٌ﴾ نَفْيًا لِتَوَهُّمِ أنَّ الصَّوْمَ بَعْدَ الإحْلالِ دُونَ ما في الإحْرامِ، والكَمالِ:

قالَ الحَرالِيُّ: الِانْتِهاءُ إلى الغايَةِ الَّتِي لَيْسَ وراءَها مَزِيدٌ مِن كُلِّ وجْهٍ، وقالَ: فَكَما اسْتَوى حالُ الهَدْيِ في انْتِهائِهِ إلى الحُرُمِ أوِ الحِلِّ كَذَلِكَ اسْتَوى حالُ الصَّوْمِ في البَلَدِ الحَرامِ والبَلَدِ الحَلالِ لِيَكُونَ في إشارَتِهِ إشْعارٌ بِأنَّ الأرْضَ لِلَّهِ مَسْجِدٌ كَما أنَّ البَيْتَ الحَرامَ لِلَّهِ مَسْجِدٌ فَأظْهَرَ مَعْنى اسْتِوائِهِما في الكَمالِ في حُكْمِ الأجْرِ لِأهْلِ الأُجُورِ والقَبُولِ لِأهْلِ القَبُولِ والرِّضاءِ لِأهْلِ الرِّضاءِ (p-١٣٣)والوُصُولِ لِأهْلِ الوُجْهَةِ كُلٌّ عامِلٌ عَلى رُتْبَةِ عَمَلِهِ - انْتَهى.

ولَوْ قالَ: تامَّةٌ، لَمْ يُفِدْ هَذا لِأنَّ التَّمامَ قَدْ يَكُونُ في العَدَدِ مَعَ خَلَلِ بَعْضِ الأوْصافِ.

ولَمّا كانَ رُبَّما وقَعَ في الفِكْرِ السُّؤالُ عَنْ هَذا الحُكْمِ هَلْ هو خاصٌّ أوْ عامٌّ اسْتَأْنَفَ تَخْصِيصَهُ بِمَن هو غائِبٌ عَنْ حَرَمِ مَكَّةَ عَلى مَسافَةِ القَصْرِ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الحُكْمُ المَذْكُورُ العَلِيُّ في نَفْعِهِ الحَكِيمِ في وضْعِهِ ﴿لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ﴾ مِن زَوْجَتِهِ أوْ أقارِبِهِ أوْ سُكّانِ وطَنِهِ.

وقالَ الحَرالِيُّ: والأهْلُ سَكَنُ المَرْءِ مِن زَوْجٍ ومُسْتَوْطِنٍ ﴿حاضِرِي﴾ عَلى مَسافَةِ الحَضَرِ بِأنْ يَكُونَ ساكِنًا (p-١٣٤)فِي الحَرَمِ أوْ مِنَ الحَرَمِ عَلى دُونِ مَسافَةِ القَصْرِ وكُلُّ مَن كانَ هَكَذا فَهو حاضِرٌ مِنَ الحُضُورِ وهو مُلازَمَةُ الوَطَنِ لا عَلى مَسافَةِ السَّفَرِ مِن ﴿المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيِ الحَرَمِ بَلْ كانَ أهْلُهُ عَلى مَسافَةِ الغَيْبَةِ مِنهُ وهي مَسافَةُ القَصْرِ.

قالَ الحَرالِيُّ إفْصاحًا بِما أفْهَمَهُ مَعْنى المُتْعَةِ: وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ إذا تَوَلّى إبانَةَ عَمَلٍ أنْهاهُ إلى الغايَةِ في الإفْصاحِ - انْتَهى.

وعَبَّرَ عَنِ الحَرَمِ بِالمَسْجِدِ إجْلالًا وتَعْظِيمًا لِما قَرُبَ مِنَ الحَرَمِ، كَما عَظُمَ الحَرَمُ بِقُرْبِهِ مِنَ المَسْجِدِ، وعَظُمَ المَسْجِدُ بِمُجاوَرَةِ الكَعْبَةِ؛ لِأنَّهُ جَرَتْ عادَةُ الأكابِرِ أنْ يَكُونَ لِبُيُوتِهِمْ دُورٌ، ولِدُورِهِمْ أفْنِيَةٌ، وحَوْلَ تِلْكَ الأفْنِيَةِ بُيُوتُ خَواصِّهِمْ؛ وأمّا حاضِرُوهُ فَلا دَمَ عَلَيْهِمْ في تَمَتُّعٍ ولا قِرانٍ فَرْقًا بَيْنَ خاصَّةِ المَلِكَ وغَيْرِهِمْ.

ولَمّا كَثُرَتِ الأوامِرُ في هَذِهِ الآياتِ وكانَ لا يَحْمِلُ عَلى (p-١٣٥)امْتِثالِها إلّا التَّقْوى أكْثَرَ تَعالى فِيها مِنَ الأمْرِ بِها.

قالَ الحَرالِيُّ: لِما تَجُرُّهُ النُّفُوسُ مِن مَداخِلِ نَقْصٍ في النِّيّاتِ والأعْمالِ والتَّنَقُّلاتِ مِنَ الأحْكامِ إلى أبْدالِها فَما انْبَنى عَلى التَّقْوى خَلُصَ ولَوْ قَصُرَ - انْتَهى.

ولَمّا كانَ مِنَ الأوامِرِ ما هو مَعْقُولُ المَعْنى ومِنها ما هو تَعَبُّدِيٌّ وكانَ عَقْلُ المَعْنى يُساعِدُ عَلى النَّفْسِ في الحَمْلِ عَلى امْتِثالِ الأمْرِ ناسَبَ اقْتِرانُ الأمْرِ بِهِ بِالتَّرْغِيبِ كَما قالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ ولَمّا كانَ امْتِثالُ ما لَيْسَ بِمَعْقُولِ المَعْنى مِن عِنْدِ قَوْلِهِ: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ شَدِيدًا عَلى النَّفْسِ مَعَ جِماحِها عَنْ جَمِيعِ الأوامِرِ ناسَبَ اقْتِرانُهُ بِالتَّهْدِيدِ فَكانَ خِتامُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا﴾ أيْ فافْعَلُوا جَمِيعَ ذَلِكَ واحْمِلُوا أنْفُسَكم عَلى التَّحَرِّي فِيهِ والوُقُوفِ عِنْدَ حُدُودِهِ ظاهِرًا وباطِنًا واتَّقُوا ﴿اللَّهَ﴾ أيِ اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ غَضَبِ هَذا المَلِكِ الأعْظَمِ وِقايَةً، وأكَّدَ تَعْظِيمَ المَقامِ بِالأمْرِ (p-١٣٦)بِالعِلْمِ وتَكْرِيرِ الِاسْمِ الأعْظَمِ ولِئَلّا يُفْهِمَ الإضْمارُ تَقْيِيدَ شَدِيدِ عِقابِهِ بِخَشْيَةٍ مِمّا مَضى فَقالَ: ﴿واعْلَمُوا﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الباعِثَ عَلى المَخافَةِ إنَّما هو العِلْمُ،

﴿أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا يُدانِي عَظَمَتَهُ شَيْءٌ ﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾ وهو الإيلامُ الَّذِي يَتَعَقَّبُ بِهِ جُرْمٌ سابِقٌ؛ هَذا مَعَ مُناسَبَةِ هَذا الخِتامِ لِما بَعْدَهُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الرَّفَثِ وما في حَيِّزِهِ، ومَن تَدَبَّرَ الِابْتِداءَ عَرَفَ الخَتْمَ ومَن تَأمَّلَ الخَتْمَ لاحَ لَهُ الِابْتِداءُ.

قالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ الحَرالِيُّ في كِتابِ المِفْتاحِ في البابِ الخامِسِ في تَنَزُّلاتِ القُرْآنِ بِحَسَبِ الأسْماءِ: اعْلَمْ أنَّ خِطابَ اللَّهِ يَرِدُ بَيانُهُ بِحَسَبِ أسْمائِهِ ويَجْمَعُها جَوامِعُ أظْهَرُها ما تَرى آياتِهِ وهو اسْمُهُ المَلِكُ وما يَتَفَصَّلُ إلَيْهِ مِنَ الأسْماءِ القَيِّمَةِ لِأمْرِ الحُكْمِ والقَضاءِ والجَزاءِ نَحْوَ العَزِيزِ الحَكِيمِ الَّذِي يَخْتِمُ بِهِ آياتِ الأحْكامِ ﴿نَكالا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨] ثُمَّ ما تَسْمَعُ آياتِهِ مِنِ اسْمِهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وما يَتَفَصَّلُ مِنَ الأسْماءِ مِن (p-١٣٧)مَعْنى الرَّحْمَةِ المُنْبِئَةِ عَنِ الصَّفْحِ والمَغْفِرَةِ الَّذِي تُخْتَمُ بِهِ آياتُ الرَّحْمَةِ

﴿ويَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٣] فَلِكُلِّ تَفْصِيلٍ في مَوْرِدِ وجْهَيِ العَدْلِ والفَضْلِ أسْماءٌ يَخْتَصُّ بِهِ بِناؤُها ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «ما لَمْ يَخْتِمْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِعَذابٍ أوْ آيَةَ عَذابٍ بِرَحْمَةٍ»، ثُمَّ ما تُوجِدُ آياتُهُ وِجْدانًا في النَّفْسِ وهي الرُّبُوبِيَّةُ وما يَنْتَهِي إلَيْهِ مَعْنى سَواءِ أمْرِها مِن ”الحَمْد لِلَّهِ رَبّ العالَمِينَ“ وما يَتَفَصَّلُ إلَيْهِ مِنَ الأسْماءِ الوارِدَةِ في خَتْمِ الإحاطاتِ نَحْوَ ”الواسِع العَلِيم“، فَمَن تَفَطَّنَ لِذَلِكَ اسْتَوْضَحَ مِنَ التَّفْصِيلِ الخَتْمَ واسْتَشْرَحَ مِنَ الخَتْمِ التَّفْصِيلَ.

وقَدْ كانَ ذَلِكَ واضِحًا عِنْدَ العَرَبِ فاسْتَعْجَمَ عِنْدَ المُتَعَرِّبِينَ إلّا ما كانَ ظاهِرَ الوُضُوحِ مِنهُ ولِتَكْرارِ الأسْماءِ بِالإظْهارِ والإضْمارِ بَيانٌ مَتِينُ الإفْهامِ في القُرْآنِ - انْتَهى.

2:197Page 31

ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرٞ مَّعۡلُومَٰتٞۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي ٱلۡحَجِّۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٧

Ḥajj is [during] well-known months,1 so whoever has made ḥajj obligatory upon himself therein [by entering the state of iḥrām], there is [to be for him] no sexual relations and no disobedience and no disputing during ḥajj. And whatever good you do - Allāh knows it. And take provisions, but indeed, the best provision is fear of Allāh. And fear Me, O you of understanding.

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ الحَجَّ مُوَقَّتٌ بِالأهِلَّةِ ولَمْ يُعَيِّنْ لَهُ وقْتًا مِن شُهُورِ السَّنَةِ وخَتَمَ ذَلِكَ بِالتَّفْرِقَةِ في بَعْضِ أحْكامِ الحَجِّ بِسَبَبِ الأماكِنِ تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى تَعْيِينِ وقْتِهِ وأنَّهُ هَلْ هو كالمَكانِ (p-١٣٨)أوْ عامُّ الحُكْمِ فَقالَ ﴿الحَجُّ﴾ أيْ وقْتُهُ ﴿أشْهُرٌ﴾ فَذَكَرَهُ بِصِيغَةٍ مِن جُمُوعِ القِلَّةِ الَّذِي أدَنّاهُ ثَلاثٌ وهي ثَلاثٌ بِجَرِّ المُنْكَسِرِ: شَوّالُ وذُو القَعْدَةِ وتِسْعٌ مِن ذِي الحِجَّةِ ولَيْلَةُ العِيدِ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَفُوتُ بِطُلُوعِ الفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ؛ ولَمّا أُبْهِمَ عَيَّنَ فَقالَ: ﴿مَعْلُوماتٌ﴾ أيْ قَبْلَ نُزُولِ الشَّرْعِ فَأذِنَ هَذا أنَّ الأمْرَ بَعْدَ الشَّرْعِ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ ولا شَكَّ أنَّ في الإبْهامِ ثُمَّ التَّعْيِينِ إجْلالًا وإعْظامًا لِلْمُحَدَّثِ عَنْهُ.

ولَمّا خَتَمَ الآيَةَ الَّتِي قَبْلَها بِالتَّحْذِيرِ مِن سَطَواتِهِ أمَرَ بِإخْلاصِ الحَجِّ عَنِ الشَّوائِبِ ناهِيًا بِصِيغَةِ النَّفْيِ تَفْخِيمًا لَهُ وتَأْكِيدًا لِلنَّهْيِ ولَمّا كانَ الحَجُّ لا يَقَعُ إلّا فَرْضًا قالَ: ﴿فَمَن فَرَضَ﴾ أيْ أوْجَبَ بِالإحْرامِ، وهو مِنَ الفَرْضِ وهو الحَزُّ في الشَّيْءِ لِيَنْزِلَ فِيهِ ما يَسُدُّ فَرْضَتَهُ حِسًّا (p-١٣٩)أوْ مَعْنًى فَمِن تَعْظِيمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لَهُ أنَّهُ جَعَلَهُ دُونَ سائِرِ العِباداتِ لا نَفْلَ فِيهِ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهِ.

قالَ الحَرالِيُّ: لِأنَّ الفَرائِضَ مَن لَمْ يُقِمْها تَساقَطَ عُضْوًا عُضْوًا قائِمُ دَيْنِهِ كَما أنَّ النَّوافِلَ مَن لَمْ يَأْتِ بِها عَرِيَ مِن زِينَتِها فَكانَتِ الفُرُوضُ صِحَّةً والنَّوافِلُ زِينَةً.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿فِيهِنَّ﴾ إشْعارٌ بِصِحَّةِ وُقُوعِ الحَجِّ في بَعْضِهِنَّ وأنَّ الحَجَّ لَيْسَ كالصَّوْمِ طِبْقَ زَمانِهِ، فَكانَ مِنَ العِباداتِ ما هو طِبْقَ زَمانِهِ كالصَّوْمِ، وما يَتَّسِعُ فِيهِ كالصَّلاةِ، وما لا بُدَّ أنْ يَنْتَهِيَ إلى خاتِمَتِهِ كالحَجِّ وتَقَعَ التَّوْسِعَةُ في الشُّرُوعِ - انْتَهى ﴿الحَجُّ﴾ أيْ تَلَبَّسَ بِهِ كَيْفَ كانَ.

ولَمّا كانَ في الإنْسانِ قُوًى أرْبَعٌ: شَهْوانِيَّةٌ بَهِيمِيَّةٌ، وغَضَبِيَّةٌ سَبُعِيَّةٌ ووَهْمِيَّةٌ شَيْطانِيَّةٌ تَبْعَثُ مَعَ مُساعَدَةِ القُوَّتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ عَلى المُنازَعَةِ والمُغالَبَةِ في كُلِّ شَيْءٍ، وعَقْلِيَّةٌ مَلَكِيَّةٌ؛ وكانَ المَقْصُودُ مِن جَمِيعِ العِباداتِ قَهْرَ القُوى الثَّلاثِ لِأنَّ مَنشَأ الشُّرُورِ كُلِّها مَحْصُورٌ فِيها بِالعَقْلِيَّةِ قالَ دالًّا عَلَيْها مُحَذِّرًا مِنها مُرَتَّبَةً: ﴿فَلا رَفَثَ﴾ أيْ مُواجَهَةَ لِلنِّساءِ بِشَيْءٍ مِن أُمُورِ النِّكاحِ.

ولَمّا كانَ الرَّفَثُ هو داعِيًا إلى الوِقاعِ (p-١٤٠)الَّذِي هو فِسْقٌ بِالخُرُوجِ عَنِ الإحْرامِ الصَّحِيحِ قالَ ضامًّا إلَيْهِ كُلَّ ما دَخَلَ في هَذا الِاسْمِ: ﴿ولا فُسُوقَ﴾

قالَ الحَرالِيُّ: هو الخُرُوجُ عَنْ إحاطَةِ العِلْمِ والعَقْلِ والطَّبْعِ - انْتَهى.

ولَمّا كانَ المِراءُ قَدْ يَجُرُّ إلى الفِسْقِ بِما يُثِيرُ مِنَ الإحَنِ وتَوْغِيرِ الصُّدُورِ فَكانَ فِسْقًا خاصًّا عَظِيمًا ضَرَرُهُ قالَ: ﴿ولا جِدالَ﴾ أيْ مُدافَعَةَ بِالقَوْلِ بِفَتْلٍ عَنِ القَصْدِ كَمُدافَعَةِ الجَلّادِ بِاليَدِ أوِ السَّيْفِ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِهَذا المَصْدَرِ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ مَزِيدًا دُونَ الجَدَلِ الَّذِي مَعْناهُ الدَّرْءُ في الخُصُومَةِ لِأنْ (p-١٤١)يَنْصَبَّ النَّفْيُ عَلى المُبالَغَةِ فَيُفْهَمَ العَفْوُ عَنْ أصْلِهِ لِأنَّهُ لا يَكادُ يَسْلَمُ مِنهُ أحَدٌ، وكَذا الحالُ في الفُسُوقِ ﴿فِي الحَجِّ﴾ فَصارَ الفِسْقُ واسِطَةً بَيْنَ أمْرَيْنِ جارَّيْنِ إلَيْهِ والجِدالُ لِكَوْنِهِ قَدْ يُفْسِدُ ذاتَ البَيْنِ أعْظَمُها خَطَرًا ويَجْمَعُ ما في الرَّفَثِ مِنَ الشَّهْوَةِ وقَدْ يَكُونُ فِسْقًا فَقَدِ اشْتَمَلَ عَلى قَبائِحِ الكُلِّ؛ فَلِذَلِكَ أجْمَعَ القُرّاءُ السَّبْعَةُ عَلى بِنائِهِ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ دُونَ ما قَبْلَهُ لِأنَّ البِناءَ دالٌّ عَلى نَفْيِ الماهِيَّةِ ونَفْيَها مُوجِبٌ لِنَفْيِ جَمِيعِ أفْرادِها، وأمّا الرَّفْعُ فَإنَّما يَدُلُّ عَلى نَفْيِ فَرْدٍ مُنْكَرٍ مِن تِلْكَ الماهِيَّةِ وهو لا يُوجِبُ نَفْيَ جَمِيعِ الأفْرادِ، ولِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَبْنُونَ الحَجَّ عَلى النَّسِيءِ ويَتَخالَفُونَ فِيهِ في المَوْقِفِ، فَزالَ الجِدالُ فِيهِ بَعْدَ البَيانِ بِكُلِّ اعْتِبارٍ مِن جِهَةِ الخَدَمِ والعِيالِ وغَيْرِهِمْ والنَّسِيءِ والمَوْقِفِ وغَيْرِهِما مِن حَيْثُ إنَّهُ قَدْ عُلِمَتْ مَشاعِرُهُ (p-١٤٢)وتَقَرَّرَتْ شَرائِعُهُ وأُحْكِمَتْ شَعائِرُهُ وأُوضِحَتْ جَمِيعُ مَعالِمِهِ فارْتَفَعَ النِّزاعُ أصْلًا في أمْرِهِ.

قالَ الحَرالِيُّ: فَمَنَعَ في الحَجِّ مِنَ الإقْبالِ عَلى الخَلْقِ بِما فِيهِ كُرْهٌ مِن رَفَثٍ ومُسابَّةٍ وجِدالٍ حَتّى لا يُقْبِلَ الخَلْقُ عَلى الخَلْقِ في الحَجِّ إلّا بِما الإقْبالُ فِيهِ إقْبالٌ عَلى الحَقِّ بِالحَقِيقَةِ فَما يُنَزِّهُ الحَقُّ تَعالى عَنْ مُواجَهَتِهِ بِما يَتَحامى مَعَ الخُلُقِ في زَمَنِ الحَجِّ كَما تُحُومِيَ ما يَخْتَصُّ بِالنَّفْسِ مِنَ الأحْداثِ في عَمَلِ الصَّلاةِ؛ وفي وُرُودِهِ نَفْيًا لا نَهْيًا إعْلامٌ بِأنَّهُ مُناقِضٌ لِحالِ الحَجِّ حِينَ نَفى لِأنَّ شَأْنَ ما يُناقِضُ أنْ يُنْفى وشَأْنُ ما لا يُناقَضُ ويُخالَفُ أنْ يُنْهى عَنْهُ، كَما قالَ فِيما هو قابِلٌ لِلْجِدالِ ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] (p-١٤٣)وبَيْنَ خِطابِ النَّهْيِ والنَّفْيِ فَوْتٌ في الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ يَنْبَنِي الفِقْهُ في الأحْكامِ عَلى تَحْقِيقِهِ في تَأْصِيلِها والتَّفْرِيعِ عَلَيْها - انْتَهى.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ المَنفِيّاتُ شَرًّا وكانَ التَّقْدِيرُ: فَما فَعَلْتُمْ مِن هَذِهِ المَنهِيّاتِ عَلى هَذا الوَجْهِ الأبْلَغِ عُوقِبْتُمْ عَلَيْهِ عَطَفَ عَلَيْهِ: ﴿وما﴾ وقالَ الحَرالِيُّ: ولَمّا حَمِيَ مِن سُوءِ مُعامَلَةِ الخَلْقِ مَعَ الخَلْقِ عَرَضَ بِأنْ يُوضَعَ مَوْضِعَ ذَلِكَ الإحْسانِ فَيَقَعُ في مَحَلِّ إخْراجِ الأنْفُسِ أنْ يَتَوَدَّدَ إلَيْها بِإسْداءِ الخَيْرِ وهو الإحْسانُ مِن خَيْرِ الدُّنْيا، فَفي إعْلامِهِ تَحْرِيضٌ عَلى إحْسانِ الحَجِّ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ لِما يَجْمَعُ وفْدُهُ مِنَ الضَّعِيفِ والمُنْقَطِعِ فَقالَ: وما ﴿تَفْعَلُوا﴾ انْتَهى. أيْ يُوجِدُ لَكم فِعْلُهُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿مِن خَيْرٍ﴾ في الحَجِّ أوْ غَيْرِهِ بِتَوَكُّلٍ في تَجَرُّدٍ (p-١٤٤)أوْ تَزَوُّدٍ في تَزَهُّدٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ القَوْلِ الحَسَنِ عَوَّضَ الرَّفَثَ، والبِرُّ والتَّقْوى مَكانَ الفِسْقِ، والأخْلاقُ الجَمِيلَةُ واليُسْرُ والوِفاقُ مَكانَ الجِدالِ ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ فَهو أشَدُّ تَرْغِيبٍ وتَرْهِيبٍ.

ولَمّا عَمَّمَ في الحَثِّ عَلى الخَيْرِ عَلى وجْهٍ شامِلٍ لِلتَّزَوُّدِ وتَرَكَهُ بَعْدَ التَّخْصِيصِ أشارَ إلى أنَّ الخَيْرَ هو الزّادُ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ الحِسِّيَّ والمَعْنَوِيَّ زِيادَةً في الحَثِّ عَلَيْهِ إذْ لا أضَرَّ مِن إعْوازِ الزّادِ لِأكْثَرِ - العِبادِ فَقالَ: ﴿وتَزَوَّدُوا﴾ أيِ التَّقْوى لِمَعادِكُمُ الحامِلَةِ عَلى التَّزَوُّدِ الحِسِّيِّ لِمَعاشِكُمُ الحامِلِ عَلى الزُّهْدِ فِيما في أيْدِي النّاسِ، والمُواساةِ لِمُحْتاجِهِمُ الواقِيَةِ لِلْعَبْدِ مِن عَذابِ اللَّهِ

«اتَّقُوا النّارَ ولَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» وذَلِكَ هو ثَمَرَةُ التَّقْوى؛ والزّادُ هو مُتْعَةُ المُسافِرِ. ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِما أنْتَجَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنَّ خَيْرَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وتَزَوَّدُوا واتَّقُوا اللَّهَ في (p-١٤٥)تَزَوُّدِكم ﴿فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ وفي التَّجَرُّدِ مَداخِلُ خَلَلٍ في بَعْضِ نِيّاتِ المُلْتَبِسِينَ بِالمُتَوَكِّلِينَ مِنَ الِاتِّكالِ عَلى الخَلْقِ، فَأمَرَ الكُلَّ بِالتَّزَوُّدِ سَتْرًا لِلصِّنْفَيْنِ، إذْ كُلُّ جَمْعٍ لا بُدَّ فِيهِ مِن كِلا الطَّرَفَيْنِ - قالَهُ الحَرالِيُّ وقالَ: وفي ضِمْنِهِ تَصْنِيفُهم ثَلاثَةَ أصْنافٍ: مُتَّكِلٌ لا زادَ مَعَهُ فَمَعَهُ خَيْرُ الزّادَيْنِ، ومُتَمَتِّعٌ لَمْ يَتَحَقَّقْ تَقْواهُ فَلا زادَ لَهُ في الحَقِيقَةِ، وجامِعٌ بَيْنَ التَّقْوى والمُتْعَةِ فَذَلِكَ عَلى كَمالِ السُّنَّةِ؛ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «قَيِّدْها وتَوَكَّلْ» لِأنَّ ذَلِكَ أسْتَرُ لِلطَّرَفَيْنِ؛ وحَقِيقَةُ التَّقْوى في أمْرِ التَّزَوُّدِ النَّظَرُ إلى اللَّهِ تَعالى في إقامَةِ خَلْقِهِ وأمْرِهِ، قالَ بَعْضُ أهْلِ المَعْرِفَةِ: مَن عَوَّدَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى دَوامَ النَّظَرِ إلَيْهِ بِالغَيْبَةِ عَمّا سِواهُ فَقَدْ مَلَكَ الزّادَ فَلْيَذْهَبْ حَيْثُ شاءَ فَقَدِ اسْتَطاعَ سَبِيلًا - انْتَهى.

(p-١٤٦)ولَمّا عُلِمَ مِن ذَلِكَ أنَّ التَّقْدِيرَ: فَأكْثِرُوا مِنَ الزّادِ مَصْحُوبًا بِالتَّقْوى وكانَ الإنْسانُ مَحَلَّ النُّقْصانِ فَكانَ الإكْثارُ حامِلًا لَهُ في العادَةِ عَلى الطُّغْيانِ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ وقَلِيلٌ ما هم قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى مُؤَكِّدًا لِأمْرِ التَّقْوى مُشَرِّفًا لَها بِالإضافَةِ إلى نَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ تَنْبِيهًا عَلى الإخْلاصِ لِأجْلِ ذاتِهِ السَّنِيَّةِ لا بِالنَّظَرِ إلى شَيْءٍ مِن رَجاءٍ أوْ خَوْفٍ أوِ اتِّصافٍ بِحَجٍّ (p-١٤٧)أوْ غَيْرِهِ عاطِفًا عَلى ما أرْشَدَ إلى تَقْدِيرِهِ السِّياقَ: ﴿واتَّقُونِ﴾ أيْ في تَقْواكم بِالتَّزَوُّدِ، وزادَ التَّرْغِيبَ فِيها بِقَوْلِهِ: ﴿يا أُولِي الألْبابِ﴾ أيِ العُقُولِ الصّافِيَةِ والأفْهامِ النَّيِّرَةِ الخالِصَةِ الَّتِي تَجَرَّدَتْ عَنْ جَمِيعِ العَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ فَأبْصَرَتْ جَلالَةَ التَّقْوى فَلَزِمَتْها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском