Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:198–205
2:198Page 31
لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡۚ فَإِذَآ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَٰتٖ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمۡ وَإِن كُنتُم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ ١٩٨
There is no blame upon you for seeking bounty1 from your Lord [during ḥajj]. But when you depart from ʿArafāt, remember Allāh at al-Mashʿar al-Ḥarām.2 And remember Him, as He has guided you, for indeed, you were before that among those astray.
ولَمّا فُهِمَ مِن هَذا الحَثِّ عَلى الإكْثارِ مِنَ الزّادِ تَحَرَّكَتْ نُفُوسُ أُولِي الهِمَمِ الزّاكِيَةِ القابِلَةِ لِلتَّجَرُّدِ عَنِ الأعْراضِ الفانِيَةِ إلى السُّؤالِ عَنِ المَتْجَرِ لِإنْفاقِهِ في وُجُوهِ الخَيْرِ هَلْ يُكْرَهُ في زَمانٍ أوْ مَكانٍ لا سِيَّما عِنْدَ تَذَكُّرِ أنَّ أُناسًا كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَكْرَهُونَ التِّجارَةَ لِلْحاجِّ فَأُجِيبُ بِقَوْلِهِ مُعْلِمًا أنَّ قَطْعَ العَلائِقِ لِمَن صَدَقَ عَزْمُهُ وشَرُفَتْ هِمَّتُهُ أوْلى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ أيْ إثْمٌ في ﴿أنْ تَبْتَغُوا﴾ أيْ تَطْلُبُوا بِجِدٍّ واجْتِهادٍ ﴿فَضْلا﴾ أيْ إفادَةً بِالمَتْجَرِ في مَواسِمِ الحَجِّ وغَيْرِها ﴿مِن (p-١٤٨)رَبِّكُمْ﴾ المُحْسِنِ إلَيْكم في كُلِّ حالٍ فَلا تَعْتَمِدُوا في الفَضْلِ إلّا عَلَيْهِ، ورَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: كانَتْ عُكاظُ ومَجِنَّةُ وذُو المَجازِ أسْواقًا في الجاهِلِيَّةِ فَتَأثَّمُوا أنْ يَتَّجِرُوا في المَواسِمِ فَنَزَلَتْ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾ في مَواسِمِ الحَجِّ.
ولَمّا كانَ الِاسْتِكْثارُ مِنَ المالِ إنَّما يُكْرَهُ لِلشُّغْلِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ سَبَّبَ عَنْهُ الآمِرَ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ ﴿فَإذا﴾ أيْ فاطْلُبُوا الفَضْلَ مِن رَبِّكم بِالمَتْجَرِ ﴿أفَضْتُمْ﴾ أيْ أوْقَعْتُمُ الإفاضَةَ، تَرَكَ مَفْعُولَهُ لِلْعِلْمِ بِهِ أيْ دَفَعْتُمْ رِكابَكم عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَفاضَتْ في تِلْكَ الوِهادَ كَما يَفِيضُ الماءُ المُنْسابُ في مُنْحَدَرِ الشِّعابِ، وأصْلُ الإفاضَةِ الدَّفْعُ بِكَثْرَةٍ (p-١٤٩)﴿مِن عَرَفاتٍ﴾ الجَبَلِ الَّذِي وقَفْتُمْ فِيهِ بِبابِ رَبِّكُمُ المَوْقِفَ الأعْظَمَ الَّذِي لا يُدْرَكُ الحَجُّ إلّا بِهِ مِن مَعْنى التَّعَرُّفِ لَمّا تَقَدَّمَتْهُ نَكِرَةٌ، ولَيْسَتْ تاؤُهُ لِلتَّأْنِيثِ فَتَمْنَعَهُ الصَّرْفَ بَلْ هي عَلامَةُ جَمْعِ المُؤَنَّثِ، قاصِدِي المَبِيتِ بِالمُزْدَلِفَةِ، وهو عَلَمٌ عَلى المَوْقِفِ سُمِّيَ بِجَمْعٍ ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ ذا الجَلالِ لِذاتِهِ بِأنْواعِ الذِّكْرِ ﴿عِنْدَ﴾ أيْ قَرِيبًا مِنَ ﴿المَشْعَرِ﴾ أيِ المَعْلَمِ ولَمّا كانَ بِالحَرَمِ، قالَ: ﴿الحَرامِ﴾ وهو الجَبَلُ المُسَمّى قُزَحُ، وهو مِنَ الشُّعُورِ وهو خَفِيُّ الإدْراكِ الباطِنِ فالمَوْقِفُ الأوَّلُ آيَةٌ عَلى نُغُوضِ الدُّنْيا ومَحْوِها وزَوالِها، والثّانِي دالٌّ بِفَجْرِهِ وشَمْسِهِ (p-١٥٠)عَلى البَعْثِ لِمُجازاةِ الخَلائِقِ بِأعْمالِها؛ والتَّعْبِيرُ بِـ عِنْدَ لِلْإعْلامِ بِأنَّ مُزْدَلِفَةَ كُلَّها مَوْقِفٌ غَيْرَ مُحَسَّرٍ فَإنَّها كُلَّها تُقارِبُهُ، ويُفْهِمُ ذَلِكَ صِحَّةَ الوُقُوفِ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الأُولى.
قالَ الحَرالِيُّ: وذَلِكَ حَظٌّ مِنَ الوُقُوفِ هُنَيْهَةً وُقِّتَ في البَلَدِ الحَرامِ عِنْدَ إقْبالِ النَّهارِ مُعادَلَةً لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ مِنَ الحِلِّ إلى إقْبالِ اللَّيْلِ لِيَتَسَنّى الوُقُوفُ في الحِلِّ والحَرَمِ.
فَكانَ فِيهِ مَوْقِفُ نَهارٍ يَنْتَهِي إلى اللَّيْلِ في عَرَفَةَ ومَوْقِفُ لَيْلٍ يَنْتَهِي إلى النَّهارِ في المَشْعَرِ؛ فَوَقَفَ فِيهِ ﷺ بَعْدَ صَلاةِ الفَجْرِ وقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وهو ذِكْرُهُ عِنْدَهُ، لِأنَّ الذِّكْرَ بِحَسَبِ الذّاكِرِ، فَذِكْرُ اللِّسانِ القَوْلُ، وذِكْرُ البَدَنِ العَمَلُ، وذِكْرُ النَّفْسِ الحالُ والِانْفِعالُ، وذِكْرُ القَلْبِ المَعْرِفَةُ والعِلْمُ واليَقِينُ ونَحْوُ ذَلِكَ، ولِكُلِّ شَيْءٍ ذِكْرٌ بِحَسَبِهِ؛ وفي جَمْعِ المَوْقِفَيْنِ في الحِلِّ والحَرَمِ في مَعْلَمِ الحَجِّ الَّذِي هو آيَةُ الحَشْرِ إيذانٌ وبُشْرى بِأنَّ أهْلَ المَوْقِفِ صِنْفانِ: صِنْفٌ يَقِفُونَ في مَوْطِنِ (p-١٥١)رَوْعٍ ومَخافَةٍ وُقُوفًا طَوِيلًا اعْتِبارًا بِوُقُوفِ الواقِفِينَ بِعَرَفَةَ مِن حِينِ زَوالِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها سِتَّ ساعاتٍ، وصِنْفٌ حَظُّهم مِنَ الوُقُوفِ قَرارٌ في أمَنَةِ ظِلِّ العَرْشِ الَّذِي هو حَرَمُ يَوْمَ القِيامَةِ وكَعْبَتُهُ فَتُشْعِرُ خِفَّةُ الوُقُوفِ بِالمَشْعَرِ الحَرامِ أنَّ أمَدَ طُولِ ذَلِكَ اليَوْمِ يَمُرُّ عَلى المُسْتَظِلِّينَ بِظِلِّ العَرْشِ فِيهِ كَأيْسَرِ مُدَّةٍ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمِقْدارِ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ، فَكانَ في ذَلِكَ فَضْلُ ما بَيْنَ مَوْقِفِ الحَرَمِ عَلى مَوْقِفِ الحِلِّ - انْتَهى.
ولَمّا - عُلِمَ مِن ذِكْرِ الِاسْمِ الأعْظَمِ أنَّ التَّقْدِيرَ: كَما هو مُسْتَحِقٌّ لِلذِّكْرِ لِذاتِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿واذْكُرُوهُ﴾ أيْ عِنْدَ المَشْعَرِ وغَيْرِهِ ﴿كَما﴾ أيْ عَلى ما ولِأجْلِ ما ﴿هَداكُمْ﴾ أيُّها النّاسُ كافَّةً لِلْإسْلامِ وأيُّها الخَمْسُ خاصَّةً لِتَرْكِ الوُقُوفِ بِهِ والوُقُوفِ مَعَ النّاسِ في مَوْقِفِ (p-١٥٢)أبِيكم إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّهُ بَيَّنَ لَكم بَيانًا لَمْ يُبَيِّنْهُ لِأحَدٍ كانَ قَبْلَكم ووَفَّقَكم لِلْعَمَلِ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ﴾ أيْ فَإنَّكم ﴿كُنْتُمْ﴾ ولَمّا كانُوا قَبْلَ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ عَلى هُدًى فَكانَ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ المُهْتَدِي كَزَيْدِ بْنِ عَمْرٍو ووَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ فَلَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمانَهم بِالضَّلالِ أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ أيِ الهُدى الَّذِي جاءَكم بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿لَمِنَ الضّالِّينَ﴾ عَنْ سُنَنِ الهُدى ومَواقِفِ الأنْبِياءِ عِلْمًا وعَمَلًا حَيْثُ كُنْتُمْ تُفِيضُونَ مِنَ المَشْعَرِ الحَرامِ.
2:199Page 31
ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٩٩
Then depart from the place from where [all] the people depart and ask forgiveness of Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
ولَمّا قَبَّحَ عَلَيْهِمْ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ المُخالَفَةِ في الوُقُوفِ بِالنِّسْبَةِ إلى الضَّلالِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مُؤَكَّدَةً بِأنْواعِ التَّأْكِيدِ وكانَ ما مَضى مِن ذِكْرِ الإفاضَةِ لَيْسَ بِقاطِعٍ في الوُجُوبِ أشارَ لَهم إلى تَعْظِيمِ ما هَداهم لَهُ مِنَ المُوافَقَةِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَلا تُفِيضُوا مِنَ المَشْعَرِ الحَرامِ الإفاضَةَ الَّتِي كُنْتُمْ تُخالِفُونَ فِيها النّاسَ دالًّا عَلى تَفاوُتِ الإفاضَتَيْنِ وبُعْدِ ما بَيْنَهُما عَلى وجْهٍ مُعْلَمٍ بِالوُجُوبِ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ بَعْدَ طُولِ تَلَبُّسِكم بِالضَّلالِ أنْزَلْتُ عَلَيْكم في هَذا الذِّكْرِ الحَكِيمِ (p-١٥٣)الَّذِي أبَيْتُمُوهُ وهو عِزُّكم وشَرَفُكم لا ما ظَنَنْتُمْ أنَّهُ شَرَفٌ لَكم بِالتَّعَظُّمِ عَلى النّاسِ بِمُخالَفَةِ الهُدى في الوُقُوفِ بِالمُزْدَلِفَةِ والإفاضَةِ مِنها ﴿أفِيضُوا﴾ أيْ إذا قَضَيْتُمُ الوُقُوفَ.
وقالَ الحَرالِيُّ: لَمّا كانَ لِلْخِطابِ تَرْتِيبٌ لِلْأهَمِّ فالأهَمِّ كَما كانَ لِلْكِيانِ تَرْتِيبٌ لِلْأسْبَقِ فالأسْبَقِ كانَ حَرْفُ المُهْلَةِ الَّذِي هو ثُمَّ، يَقَعُ تارَةً لِتَرْتِيبِ الكِيانِ وتارَةً لِتَرْتِيبِ الإخْبارِ فَيَقُولُ القائِلُ مَثَلًا: امْشِ إلى حاجَةِ كَذا - تَقْدِيمًا في الخَبَرِ الأهَمِّ - ثُمَّ لِيَكُنْ خُرُوجُكَ مِن مَوْضِعِ كَذا، فَيَكُونُ السّابِقُ في الكِيانِ مُتَأخِّرًا بِالمُهْلَةِ في الإخْبارِ، فَمِن مَعْنى ذَلِكَ قَوْلُهُ - انْتَهى.
ثُمَّ أفِيضُوا أيُّها الحَمْسُ ! ﴿مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ أيْ مُعْظَمُهم وهو عَرَفاتٌ، إلى المَشْعَرِ الحَرامِ لِتَبِيتُوا بِهِ، ورَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: «كانَتْ قُرَيْشٌ ومَن دانَ دِينَها يَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ وكانُوا يَسْمَعُونَ الحَمْسَ وكانَ سائِرُ العَرَبِ (p-١٥٤)يَقِفُونَ بِعَرَفاتٍ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَأْتِيَ عَرَفاتٍ ثُمَّ يَقِفَ بِها ثُمَّ يُفِيضَ مِنها فَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿ثُمَّ أفِيضُوا﴾» الآيَةَ،
﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ أيِ اطْلُبُوا مِن ذِي الجَلالِ والإكْرامِ أنْ يَغْفِرَ لَكم ما كُنْتُمْ تَفْعَلُونَهُ أيّامَ جاهِلِيَّتِكم مِن مُخالَفَةِ الهُدى في الوُقُوفِ وما يَبْقى في الأنْفُسِ مِن آثارِ تِلْكَ العادَةِ ومِن غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النَّقائِصِ الَّتِي يَعْلَمُها اللَّهُ مِنكم.
قالَ الحَرالِيُّ: والعاداتُ أشَدُّ ما عَلى المُتَعَبِّدِينَ والطَّرِيقُ إلى اللَّهِ تَعالى بِخَلْعِها، وقَدْ كانَ جِدالُهم أيْ في وُقُوفِهِمْ في الحَرَمِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِأنَّ العِلْمَ يَقْتَضِي أنَّ الواقِفَ خائِفٌ والخائِفَ لا يَخافُ في الحَرَمِ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعَلَ الحَرَمَ آمِنًا، فَمِن حَقِّ الوُقُوفِ أنْ يَكُونَ في الحِلِّ فَإذا أمِنَ دَخَلَ الحَرَمَ وإذا دَخَلَ الحَرَمَ أمِنَ - انْتَهى.
وأظْهَرَ الِاسْمَ الشَّرِيفَ تَعْرِيفًا لِلْمَقامِ وإعْلامًا بِأنَّهُ (p-١٥٥)مَوْصُوفٌ بِما يَصِفُهُ بِهِ عَلى وجْهِ العُمُومِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى قَيْدٍ ولا حَيْثِيَّةٍ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ ذا الكَمالِ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ سُتُورُ ذَنْبِ مَنِ اسْتَغْفَرَهُ ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ بَلِيغُ الرَّحْمَةِ يُدْخِلُ المُسْتَغْفِرَ في جُمْلَةِ المَرْحُومِينَ الَّذِينَ لَمْ يَبْدُ مِنهم ذَنْبٌ فَهو يَفْعَلُ بِهِمْ مِنَ الإكْرامِ فِعْلَ الرّاحِمِ بِالمَرْحُومِ لِيَكُونَ التّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ.
2:200–201Page 31
فَإِذَا قَضَيۡتُم مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗاۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖ ٢٠٠
And when you have completed your rites, remember Allāh like your [previous] remembrance of your fathers or with [much] greater remembrance. And among the people is he who says, "Our Lord, give us in this world," and he will have in the Hereafter no share.
وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ٢٠١
But among them is he who says, "Our Lord, give us in this world [that which is] good and in the Hereafter [that which is] good and protect us from the punishment of the Fire."
ولَمّا أمَرَهم بِالذِّكْرِ في المَناسِكِ وكانَ الإنْسانُ فِيها بِصَدَدِ الذِّكْرِ أمَرَهم بِالذِّكْرِ بَعْدَ قَضائِها لِأنَّ مَن فَرَغَ مِنَ العِبادَةِ كانَ بِصَدَدِ أنْ يَسْتَرِيحَ فَيَفْتُرَ عَنِ الذِّكْرِ إلى غَيْرِهِ وكانَتْ عادَتُهم أنْ يَذْكُرُوا بَعْدَ فَراغِهِمْ مَفاخِرَ آبائِهِمْ فَقالَ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ﴾ أيْ أنْهَيْتُمْ إنْهاءً بَيِّنًا لا شُبْهَةَ فِيهِ ﴿مَناسِكَكُمْ﴾ أيْ أرْكانَ الحَجِّ، وأعادَ الِاسْمَ الأعْظَمَ بِمِثْلِ ما مَضى مِنَ التَّعْظِيمِ وتَعْمِيمِ الذِّكْرِ في جَمِيعِ الوُجُوهِ فَقالَ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ الَّذِي لا نِعْمَةَ عَلَيْكم إلّا مِنهُ وهو الَّذِي هَداكُمْ، (p-١٥٦)ذِكْرًا ﴿كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ لِكَوْنِهِمْ أحْسَنُوا إلَيْكم بِالتَّرْبِيَةِ الَّتِي هي في الحَقِيقَةِ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى، عَلى أنَّهم فَعَلُوا بِكم كُلَّ مِحْنَةٍ لا تُوازِيها نِعْمَةٌ فَإنَّهم أضَلُّوكُمْ، فَسُبْحانَ مَن رَضِيَ وهو المُنْعِمُ المُطْلِقُ الهادِي بِأنْ يُذْكَرَ مِثْلَ ذِكْرِ مَن كانَ سَبَبًا لِنِعْمَةٍ خاصَّةٍ هو سُبْحانَ الَّذِي أفاضَها عَلَيْهِ مَعَ أنَّهُ كانَ سَبَبًا في الضَّلالِ!
قالَ الحَرالِيُّ: فانْتَظَمَ ذِكْرُ إخْراجِهِمْ عَنْ قَوْلِهِمُ المَعْهُودِ بِإخْراجِهِمْ عَنْ مَوْقِفِهِمُ المَعْهُودِ إخْراجًا لَهم عَنْ مُعْتادِهِمْ في أعْمالِهِمْ وأحْوالِهِمْ، وفي إعْلامِهِ أخْذٌ لِلْخَلْقِ بِأنْ يُعامِلُوا الحَقَّ مُعامَلَةَ مَن يُجِلُّونَهُ مِنَ الخَلْقِ وذَلِكَ عَنْ بَلِيَّةِ ما غَلَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّقَيُّدِ بِما يَرَوْنَ وضَعْفِ الإيمانِ بِما سَمِعُوا أوْ عَلِمُوا.
ولَمّا كانَ في هَذِهِ التَّرْبِيَةِ بَخْسٌ جَرى عَلَيْهِ هَذا الخِطابُ كَما ورَدَ «اسْتَحْيِ مِنَ اللَّهِ كَما تَسْتَحْيِي رَجُلًا جَلِيلًا مِن قَوْمِكَ» قالَ تَعالى: ﴿أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ انْتَهى.
أيِ اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا أعْلى مِن ذَلِكَ (p-١٥٧)بِأنْ تَذْكُرُوهُ ذِكْرًا أشَدَّ مِن ذِكْرِكم لِآبائِكم لِما لَهُ مِنَ الفَضْلِ العامِّ، ومِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ هَذا الذِّكْرِ أنْ يَأْنَفَ مِن أنْ يَكُونَ لِلَّهِ في عِبادَتِهِ أوْ شَيْءٍ مِن أُمُورِهِ شَرِيكٌ كَما يَسْتَنْكِفُ ابْنٌ أنْ يَكُونَ لِأبِيهِ فِيهِ شَرِيكٌ بَلْ يَكُونُ في أمْرِ الشِّرْكِ أشَدَّ أنَفَةً.
قالَ الحَرالِيُّ: فَرَفْعُ الخِطابِ إلى ما هو ألْيَقُ بِالحَقِّ مِن إيثارِ ما يَرْجِعُ إلَيْهِ عَلى ما يَرْجِعُ إلى الخَلْقِ انْتَهى.
ولَمّا أمَرَ تَعالى بِما أمَرَ مِن ذِكْرِهِ لِذاتِهِ ثُمَّ لِإحْسانِهِ عَلى الإطْلاقِ ثُمَّ قَيَّدَ بِإفْرادِهِ بِذَلِكَ وتَرَكَ ذِكْرَ الغَيْرِ سَبَّبَ عَنْهُ تَقْسِيمَ النّاسِ في قَبُولِ الأمْرِ فَقالَ صارِفًا مِنَ القَوْلِ عَنِ الخِطابِ دَلالَةً عَلى العُمُومِ: ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن﴾ تَكُونُ الدُّنْيا أكْبَرَ هَمِّهِ فَلا التِفاتَ (p-١٥٨)لَهُ إلى غَيْرِها فَهو ﴿يَقُولُ﴾ أفْرَدَ الضَّمِيرَ رِعايَةً لِلَّفْظِ مِن بِشارَةٍ بِأنَّ الهالِكَ في هَذِهِ الأُمَّةِ إنْ شاءَ اللَّهُ قَلِيلٌ ﴿رَبَّنا﴾ أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا ﴿آتِنا في الدُّنْيا﴾ ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ما نُرِيدُ - والحالُ أنَّهُ ”ما لَهُ“ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَيُعْطِيهِ ما شاءَ سُبْحانَهُ مِنها لا ما طَلَبَ هُوَ، ولَيْسَ لَهُ ﴿فِي الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ أيْ نَصِيبٍ لِأنَّهُ لا رَغْبَةَ لَهُ فِيها فَهو لا يَطْلُبُها ولا يَسْعى لَها سَعْيَها.
قالَ الحَرالِيُّ: والخَلاقُ الحَظُّ اللّائِقُ بِالخَلْقِ والخُلُقِ.
﴿ومِنهم مَن﴾ يَجْعَلُ عِبادَتَهُ وحَجَّهُ وسِيلَةً إلى الرَّغْبَةِ إلى رَبِّهِ ويَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى كَما أمَرَ فَهو ﴿يَقُولُ رَبَّنا﴾ بِإحْسانِكَ ﴿آتِنا في الدُّنْيا﴾ حالَةً وعِيشَةً ﴿حَسَنَةً﴾ لا تُوصَلُ بِها إلى الآخِرَةِ عَلى ما يُرْضِيكَ.
قالَ الحَرالِيُّ: وهي الكَفافُ مِنَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَلْبَسِ (p-١٥٩)والمَأْوى والزَّوْجَةِ عَلى ما كانَتْ لا شَرَفَ فِيها - انْتَهى.
﴿وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ أيْ مِن رَحْمَتِكَ الَّتِي تُدْخِلُنا بِها الجَنَّةَ. ولَمّا كانَ الرَّجاءُ لا يَصْلُحُ إلّا بِالخَوْفِ وإعْطاءُ الحَسَنَةِ لا يَنْفِي المَسَّ بِالسَّيِّئَةِ قالَ: ﴿وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ أيْ بِعَفْوِكَ ومَغْفِرَتِكَ.
2:202Page 31
أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّمَّا كَسَبُواْۚ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٢٠٢
Those will have a share of what they have earned, and Allāh is swift in account.
ولَمّا كانَ هَؤُلاءِ عَلى مِنهاجِ الرُّسُلِ لِأنَّهم عَبَدُوا اللَّهَ أوَّلًا كَما أشارَ إلَيْهِ السِّياقُ فانْكَسَرَتْ نُفُوسُهم ثُمَّ ذَكَرُوهُ عَلى تِلْكَ المَراتِبِ الثَّلاثِ فَنارَتْ قُلُوبُهم بِتَجَلِّي نُورِ جَلالِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَتَأهَّلُوا بِذَلِكَ لِلدُّعاءِ فَكانَ دُعاؤُهم كامِلًا، كَما فَعَلَ الخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ قالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] الآياتِ حَتّى قالَ ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي (p-١٦٠)بِالصّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣] فَقَدَّمَ الذِّكْرَ عَلى الدُّعاءِ وكَما هَدى إلَيْهِ آخِرَ آلِ عِمْرانَ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا﴾ [آل عمران: ١٩٣] الآياتِ، فَقَدَّمُوا الطّاعَةَ عَظَّمَ شَأْنَهم بِقَوْلِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ جامِعًا عَلى مَعْنًى مِن بِشارَةٍ بِكَثْرَةِ النّاجِي في هَذِهِ الأُمَّةِ أوْ يَكُونُ الجَمْعُ لِعِظَمِ صِفاتِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو المَراتِبِ العَظِيمُو المَطالِبِ ﴿لَهُمْ﴾ أيْ هَذا القِسْمِ فَقَطْ لِأنَّ الأوَّلَ قَدْ أخْبَرَ أنَّ الأمْرَ عَلَيْهِ لا لَهُ.
ولَمّا كانَ غالِبُ أفْعالِ العِبادِ عَلى غَيْرِ السَّدادِ وأقَلُّ ما فِيها أنْ تَكُونَ خالِيَةً عَنْ نِيَّةٍ حَسَنَةٍ قالَ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ: ﴿نَصِيبٌ﴾ وهو اسْمٌ لِلْحَظِّ الَّذِي أتَتْ عَلَيْهِ القِسْمَةُ بَيْنَ جَماعَةٍ، كائِنٌ ﴿مِمّا﴾ لَوْ (p-١٦١)قالَ: طَلَبُوا - مَثَلًا، لَمْ يَعُمَّ جَمِيعَ أفْعالِهِمْ؛ ولَوْ قالَ: فَعَلُوا، لَظُنَّ خُرُوجُ القَوْلِ فَعَدَلَ إلى قَوْلِهِ: ﴿كَسَبُوا﴾ أيْ طَلَبُوا وأصابُوا وتَصَرَّفُوا واجْتَهَدُوا فِيهِ وجَمَعُوا مِن خُلاصَةِ أعْمالِهِمُ القَوْلِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ ومِنها الِاعْتِقادِيَّةُ وهو ما أخْلَصُوا فِيهِ فَهو الَّذِي يُثابُونَ عَلَيْهِ وهو قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى باقِي أعْمالِهِمْ.
ولَمّا كانَ أسْرَعُ النّاسِ حِسابًا أعْلَمَهم بِفُنُونِهِ خَطَأً وصَوابًا وكانَ التَّقْدِيرُ: فاللَّهُ عالِمٌ بِخَفِيِّ أعْمالِهِمْ وجَلِيِّها وتَمْيِيزِ جَيِّدِها مِن رَدِيئِها فَهو يُجازِيهِمْ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ وهو أحْصى الأعْمالَ وبَيانُ ما يَجِبُ لِكُلٍّ مِنها الجَزاءُ واتِّصالُهُ إلى العامِلِ لِما لَهُ مِن سِعَةِ العِلْمِ وشُمُولِ القُدْرَةِ، قِيلَ لِبَعْضِهِمْ: كَيْفَ يُحاسِبُ اللَّهُ الخَلْقَ في وقْتٍ واحِدٍ؟ قالَ: كَما يَرْزُقُهم في وقْتٍ واحِدٍ، وفِيهِ تَرْغِيبٌ بِأنَّهُ لا يَنْسى عَمَلًا، وتَرْهِيبٌ بِأنَّهُ لا يَمْشِي عَلَيْهِ باطِلٌ ولا يَقْدِرُ عَلى مُدافَعَتِهِ مُطاوِلٌ.
2:203Page 32
۞ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوۡمَيۡنِ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۖ لِمَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٢٠٣
And remember Allāh during [specific] numbered days. Then whoever hastens [his departure] in two days - there is no sin upon him; and whoever delays [until the third] - there is no sin upon him - for him who fears Allāh. And fear Allāh and know that unto Him you will be gathered.
(p-١٦٢)ولَمّا كانَ قَدْ أمَرَهم بِذِكْرِهِ عِنْدَ قَضاءِ الأرْكانِ وكانَ رُبَّما فُهِمَ اقْتِصارُهم عَلَيْهِ في الوَقْتِ الَّذِي كانُوا يَذْكُرُونَ فِيهِ آباءَهم قالَ مُعَمِّمًا ولِيَكُونَ الحَثُّ عَلَيْهِ آكَدَ لِتَكْرِيرِ النَّدْبِ إلَيْهِ بِصِيغَةِ الأمْرِ فَيَكُونُ أضْخَمَ لِشَأْنِهِ: ﴿واذْكُرُوا﴾ بِالرَّمْيِ، أمَرَ بِالرَّمْيِ وعَبَّرَ عَنْهُ بِالذِّكْرِ لِيَشْمَلَ كُلَّ ذِكْرٍ لِسانِيًّا كانَ أوْ غَيْرَهُ ﴿اللَّهَ﴾ أيْ لِما يَسْتَحِقُّهُ في ذاتِهِ مِنَ الكَمالِ ﴿فِي أيّامٍ﴾ ولَمّا كانَتْ لا تَحْتاجُ إلى غَيْرِ العَدِّ لِكَوْنِها قَلِيلَةً وبَعْدَ الأيّامِ الَّتِي يُحْتاطُ في أمْرِها بِالرَّأْيِ وغَيْرِهِ حَتّى تَكُونَ مَعْلُوماتٍ قالَ جامِعًا صِفَةَ ما لا يَعْقِلُ بِما اطَّرَدَ فِيها مِنَ الألِفِ والتّاءِ إذا كانَ مَوْصُوفُها جَمْعَ قِلَّةٍ: ﴿مَعْدُوداتٍ﴾ وهي أيّامُ إقامَتِكم بِمِنًى في ضِيافَتِهِ سُبْحانَهُ لِفِعْلِ بَقِيَّةِ ما عَلَيْكم مِن تَتِمّاتِ العِباداتِ الحَجِّيَّةِ أوَّلُها (p-١٦٣)يَوْمُ القَرِّ، وهو الحادِيَ عَشَرَ لِيَسْتَقِرَّ النّاسُ فِيهِ بِمِنًى، ثانِيها يَوْمُ النَّفْرِ الأوَّلِ، ثالِثُها يَوْمُ النَّفْرِ الأعْظَمِ، والثَّلاثَةُ تُسَمّى أيّامَ التَّشْرِيقِ، وهى مَعَ يَوْمِ العِيدِ تُسَمّى أيّامَ النَّحْرِ.
والأرْبَعَةُ مَعَ يَوْمِ عَرَفَةَ أيّامُ التَّكْبِيرِ والذِّكْرِ، ولَمّا فُهِمَ مِن هَذا أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإقامَةِ بِها - في مُدَّةِ الثَّلاثَةِ الأيّامِ نَفى ذَلِكَ مُيَسِّرًا لِأنَّ الحَجَّ يَجْمَعُ القَوِيَّ والضَّعِيفَ والخادِمَ والمَخْدُومَ، والضَّعِيفُ في هَذا الدِّينِ أمِيرٌ عَلى القَوِيِّ فَقالَ مُشِيرًا إلى أنَّ الإنْسانَ في ذَلِكَ الجَمْعِ الأعْظَمِ لَهُ نازِعانِ نازِعٌ يَنْزِعُ إلى الإقامَةِ في تِلْكَ الأماكِنِ المَرْضِيَّةِ والجَماعاتِ المَغْفُورَةِ ونازِعٌ يَنْزِعُهُ إلى أهْلِهِ وأوْطانِهِ وعَشائِرِهِ وإخْوانِهِ: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ﴾ مِنكُمُ النَّفْرَ لِلرُّجُوعِ إلى أوْطانِهِ ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ مِنها ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ والعَجَلَةُ فِعْلُ الشَّيْءِ (p-١٦٤)قَبْلَ وقْتِهِ الألْيَقِ بِهِ، وقَيَّدَ بِاليَوْمَيْنِ إعْلامًا بِأنَّ مَن أدْرَكَهُ غُرُوبُ اليَوْمِ الثّانِي بِمِنًى وهو مُقِيمٌ لَزِمَهُ مَبِيتُ اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ ورَمْيُ اليَوْمِ الثّالِثِ، فَإنْ نَفَرَ قَبْلَ غُرُوبِهِ سَقَطَ عَنْهُ المَبِيتُ والرَّمْيُ، قالَ في شَرْحِ المُهَذَّبِ: بِلا خِلافٍ، وكَذا إنْ أدْرَكَهُ الغُرُوبُ وهو راحِلٌ قَبْلَ أنْ يَنْفَصِلَ (p-١٦٥)مِنها، ولَمْ يُقَيِّدِ التَّأخُّرَ لِأنَّ نِهايَتَهُ بِاليَوْمِ الثّالِثِ مَعْرُوفَةٌ مِن أنَّ الأيّامَ ثَلاثَةٌ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما أفْهَمُ أنَّ المُتَأخِّرَ يَلْحَقُهُ إثْمٌ كَما كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ وكانَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم قَوْمًا يُسابِقُونَ إلى المَعالِي وكانَ سُبْحانَهُ وتَعالى يُرِيدُ الرِّفْقَ بِأهْلِ هَذا الدِّينِ سَتَرَ التَّصْرِيحَ بِالتَّرْغِيبِ في التَّأخُّرِ فَعَبَّرَ عَنْهُ أيْضًا بِنَفْيِ الإثْمِ كالأوَّلِ بَعْدَ أنْ أشارَ إلى التَّرْغِيبِ فِيهِ بِالتَّعْبِيرِ عَنِ النَّفَرِ الأوَّلِ بِالتَّعَجُّلِ فَقالَ: ﴿ومَن تَأخَّرَ﴾ أيْ فَأقامَ في مِنًى إلى تَمامِ الثَّلاثَةِ فَرَمى اليَوْمَ الثّالِثَ ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ والتَّأخُّرُ إبْعادُ الفِعْلِ مِنَ الآنِ الكائِنِ.
قالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ في شَرْحِ المُهَذَّبِ: قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ والأصْحابُ: يَجُوزُ النَّفْرُ في اليَوْمِ الثّانِي مِنَ التَّشْرِيقِ ويَجُوزُ في الثّالِثِ، وهَذا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ﴾ - الآيَةَ، قالُوا: والتَّأخُّرُ إلى اليَوْمِ الثّالِثِ أفْضَلُ لِلْأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ
«أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَفَرَ في اليَوْمِ الثّالِثِ» .
(p-١٦٦)ولَمّا كانَ مَدارُ الأعْمالِ البَدَنِيّاتِ عَلى النِّيّاتِ قَيَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَنِ﴾ أيْ هَذا النَّفْيُ لِلْإثْمِ عَنِ القِسْمَيْنِ لِمَنِ ﴿اتَّقى﴾ مِن أهْلِهِما فَأدارَ أفْعالَهُ عَلى ما يُرْضِي اللَّهَ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فافْعَلُوا ما شِئْتُمْ مِنَ التَّعَجُّلِ والتَّأخُّرِ عَطَفَ عَلَيْهِ ما عُلِمَ أنَّهُ رُوحُهُ فَقالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الشّامِلَةُ.
ولَمّا كانَ الحَجُّ حَشْرًا في الدُّنْيا والِانْصِرافُ مِنهُ يُشْبِهُ انْصِرافَ أهْلِ المَوْقِفِ بَعْدَ الحَشْرِ عَنِ الدُّنْيا فَرِيقًا إلى الجَنَّةِ وفَرِيقًا إلى السَّعِيرِ ذَكَّرَهم بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّكُمْ﴾ جَمِيعًا ﴿إلَيْهِ﴾ لا إلى غَيْرِهِ ﴿تُحْشَرُونَ﴾ بَعْدَ البَعْثِ، والحَشْرُ الجَمْعُ بِكُرْهٍ، وهو واقِعٌ عَلى أوَّلِ خُرُوجِهِمْ مِنَ الأجْداثِ إلى انْتِهاءِ المَوْقِفِ، فاعْلَمُوا لِما يَكُونُ سَبَبًا في انْصِرافِكم مِنهُ إلى دارِ كَرامَتِهِ (p-١٦٧)لا إلى دارِ إهانَتِهِ.
قالَ الحَرالِيُّ: وكُلِّيَّةُ الحَجِّ ومَناسِكُهُ مُطابِقٌ في الِاعْتِبارِ لِأمْرِ يَوْمِ الحَشْرِ ومَواقِفُهُ مِن خُرُوجِ الحاجِّ مِن وطَنِهِ مُتَزَوِّدًا كَخُرُوجِ المَيِّتِ مِنَ الدُّنْيا مُتَزَوِّدًا بِزادِ العَمَلِ، ووُصُولُهُ إلى المِيقاتِ وإهْلالُهُ مُتَجَرِّدًا كانْبِعاثِهِ مِنَ القَبْرِ مُتَعَرِّيًا، وتَلْبِيَتُهُ في حَجِّهِ كَتَلْبِيَتِهِ في حَشْرِهِ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِ﴾ [القمر: ٨] كَذَلِكَ اعْتِبارُهُ مَوْطِنًا إلى غايَةِ الإفاضَةِ والحُلُولِ بِحَرَمِ اللَّهِ في الآخِرَةِ الَّتِي هي الجَنَّةُ، والشُّرْبُ مِن ماءِ زَمْزَمَ الَّتِي هي آيَةُ نُزُلِ اللَّهُ لِأهْلِ الجَنَّةِ عَلى وُجُوهٍ مِنَ الِاعْتِباراتِ يُطالِعُها أهْلُ الفَهْمِ واليَقِينِ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ كانَ أتَمُّ خَتْمٍ لِأحْكامِ الحَجِّ ذِكْرَ الحَشْرِ - انْتَهى.
وهُنا تَمَّ ما أرادَ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن بَيانِ قَواعِدِ الإسْلامِ الخَمْسِ: الإيمانِ والصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ والحَجِّ، المُشارِ إلى الثَّلاثِ الأُوَلِ مِنها بِقَوْلِهِ تَعالى أوَّلَ السُّورَةِ: ﴿يُؤْمِنُونَ (p-١٦٨)بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] وذِكْرُ الحَجَّ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِهِ لاحِقًا لِلصَّوْمِ بَعْدَ ذِكْرِهِ سابِقًا عَلَيْهِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ هو السَّبَبُ في تَقْدِيمِ الصَّوْمِ عَلى الحَجِّ تارَةً وتَأْخِيرِهِ أُخْرى في رِواياتِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في الصَّحِيحِ «بُنِيَ الإسْلامُ عَلى خَمْسٍ» .
2:204Page 32
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ ٢٠٤
And of the people is he whose speech pleases you in worldly life, and he calls Allāh to witness as to what is in his heart, yet he is the fiercest of opponents.
ولَمّا كانَ قَدْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى الرّاغِبَ في الدُّنْيا وحْدَها والرّاغِبَ في الدّارَيْنِ وكانَ قَدْ بَقِيَ مِنَ الأقْسامِ العَقْلِيَّةِ المُعْرِضُ عَنْهُما وهو مَفْقُودٌ فَلَمْ يَذْكُرْهُ والرّاغِبُ في الآخِرَةِ فَقَطْ، وكُلٌّ مِنَ الأقْسامِ تارَةً يَكُونُ مُسِرًّا وتارَةً يَكُونُ مُعْلِنًا وكانَ المَحْذُورُ مِنها - إنَّما هو المُسِرُّ لِإرادَةِ الدُّنْيا بِإظْهارِهِ لِإرادَةِ الآخِرَةِ وكانَ هَذا هو المُنافِقُ بَدَأ بِهِ بَعْدَ ذِكْرِ التَّقْوى والحَشْرِ لِيَكُونَ مَصْدُوعًا بادِئَ بَدْءٍ بِذَلِكَ الأمْرِ مَقْصُودًا بِالتَّهْدِيدِ بِالحَشْرِ وساقَهُ بِصِيغَةِ ما في أوَّلِ السُّورَةِ مِن ذِكْرِ المُنافِقِينَ لِيَتَذَكَّرَ السّامِعُ تِلْكَ القِصَصَ ويَسْتَحْضِرَها بِتِلْكَ الأحْوالِ وحَسَّنَ ذَلِكَ طُولُ الفَصْلِ وبُعْدُ العَهْدِ فَقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن﴾ (p-١٦٩)أيُّ شَخْصٍ أوِ الَّذِي ﴿يُعْجِبُكَ﴾ أيْ يَرُوقُكَ ويَأْخُذُ بِمَجامِعِ قَلْبِكِ أيُّها المُخاطَبُ ﴿قَوْلُهُ﴾ كَما ذَكَرْنا أوَّلَ السُّورَةِ أنَّهُ يُخادِعُ، ويُعْجِبُ مِنَ الإعْجابِ وهو مِنَ العَجَبِ وهو كَوْنُ الشَّيْءِ خارِجًا عَنْ نَظائِرِهِ مِن جِنْسِهِ حَتّى يَكُونَ نُدْرَةً في صُنْعِهِ - قالَهُ الحَرالِيُّ.
وقالَ الأصْبَهانِيُّ: حالَةٌ تَغْشى الإنْسانَ عِنْدَ إدْراكِ كَمالٍ مَجْهُولِ السَّبَبِ، وعَنِ الرّاغِبِ أنَّهُ قالَ: ولَيْسَ هو شَيْئًا لَهُ في ذاتِهِ حالَّةً بَلْ هو بِحَسَبِ الإضافاتِ إلى مَن يَعْرِفُ السَّبَبَ ومَن لا يَعْرِفُهُ، وحَقِيقَةُ أعْجَبَنِي كَذا: (p-١٧٠)ظَهَرَ لِي ظُهُورًا لَمْ أعْرِفْ سَبَبَهُ.
ولَمّا كانَ ذِكْرُ هَذا بَعْدَ ذِكْرِ الحَشْرِ رُبَّما أوْهَمَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ أوِ الإعْجابُ واقِعًا في تِلْكَ الحالَةِ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي﴾ أيِ الكائِنِ في ﴿الحَياةِ الدُّنْيا﴾ لا يَزْدادُ في طُولِ مُدَّتِهِ فِيها إلّا تَحْسِينًا لِقَوْلِهِ وتَقْبِيحًا لِما يَخْفى مِن فِعْلِهِ وأمّا في الآخِرَةِ فَكَلامُهُ غَيْرُ حَسَنٍ ولا مُعْجِبٍ ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ﴾ المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ (p-١٧١)﴿عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ أنَّهُ مُطابِقٌ لِما أظْهَرَهُ بِلِسانِهِ ﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ ﴿ألَدُّ الخِصامِ﴾ أيْ يَتَمادى في الخِصامِ بِالباطِلِ لا يَنْقَطِعُ جِدالُهُ كُلَّ ذَلِكَ وهو يُظْهِرُ أنَّهُ عَلى الحُسْنِ الجَمِيلِ ويُوَجِّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ مِن خِصامِهِ وجْهًا يَصْرِفُهُ عَمّا أرادَ بِهِ مِنَ القَباحَةِ إلى المَلاحَةِ، واللَّدَدُ شِدَّةُ الخُصُومَةِ، والخِصامُ القَوْلُ الَّذِي يَسْمَعُ المُصِيحَ ويُولِجُ في صِماخِهِ ما يَكُفُّهُ عَنْ مَزْعَمِهِ ودَعْواهُ - قالَهُ الحَرالِيُّ. وقالَ الأصْبَهانِيُّ: هو التَّعَمُّقُ في البَحْثِ عَنِ الشَّيْءِ والمُضايَقَةِ فِيهِ ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ الخِصامُ ألَدَّ عَلى المُبالَغَةِ - انْتَهى.
2:205Page 32
وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا وَيُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ ٢٠٥
And when he goes away, he strives throughout the land to cause corruption therein and destroy crops and animals. And Allāh does not like corruption.
ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ ألَدُّ شَرَعَ يَذْكُرُ وجْهَ لَدَدِهِ فَقالَ عاطِفًا عَلى ما (p-١٧٢)تَقْدِيرُهُ: فَإذا واجَهَكَ اجْتَهَدَ في إظْهارِ أنَّهُ مُصْلِحٌ أوْ تَكُونُ جُمْلَةً حالِيَّةً ﴿وإذا تَوَلّى﴾ أيْ أعْرَضَ بِقَلْبِهِ أوْ قالَهُ عَمَّنْ خَدَعَهُ بِكَلامِهِ، وكَنّى بِالتَّعْبِيرِ بِالسَّعْيِ عَنِ الإسْراعِ في إيقاعِ الفِتْنَةِ بِغايَةِ الجَهْدِ فَقالَ: ﴿سَعى﴾ ونَبَّهَ عَلى كَثْرَةِ فَسادِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ كُلِّها بِفِعْلِهِ وقَوْلِهِ عِنْدَ مَن يُوافِقُهُ ﴿لِيُفْسِدَ﴾ أيْ لِيُوقِعَ الفَسادَ وهو اسْمٌ لِجَمِيعِ المَعاصِي ﴿فِيها﴾ أيْ في الأرْضِ في ذاتِ البَيْنِ لِأجْلِ الإهْلاكِ والنّاسُ أسْرَعُ شَيْءٍ إلَيْهِ فَيَصِيرُ لَهُ مُشارِكُونَ في أفْعالِ الفَسادِ، فَإذا فَعَلَ مِنهُ ما يُرِيدُ كانَ مَعْرُوفًا عِنْدَهم فَكانَ لَهُ عَلَيْهِ أعْوانٌ وبَيَّنَ أنَّهُ يَصِلُ بِإفْسادِهِ إلى الغايَةِ بِقَوْلِهِ مُسَمِّيًا المَحْرُوثَ حَرْثًا (p-١٧٣)مُبالَغَةً: ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ﴾ أيِ المَحْرُوثَ الَّذِي يَعِيشُ بِهِ الحَيَوانُ، قالَ الحَرالِيُّ سَمّاهُ حَرْثًا لِأنَّهُ الَّذِي نَسَبَهُ إلى الخَلْقِ، ولَمْ يُسَمِّهِ زَرْعًا لِأنَّ ذَلِكَ مَنسُوبٌ إلى الحَقِّ - انْتَهى.
ولِأنَّهُ إذا هَلَكَ السَّبَبُ هَلَكَ المُسَبَّبُ مِن غَيْرِ عَكْسٍ ﴿والنَّسْلَ﴾ أيِ المَنسُولَ الَّذِي بِهِ بَقاءُ نَوْعِ الحَيَوانِ.
قالَ الحَرالِيُّ: وهو اسْتِخْراجُ لِطَيْفِ الشَّيْءِ مِن جُمْلَتِهِ - انْتَهى. وفِعْلُهُ ذَلِكَ لِلْإفْسادِ ونُظِمَتِ الآيَةُ هَكَذا إفْهامًا لِأنَّ المَعْنى أنَّ غَرَضَهُ أوَّلًا بِإفْسادِ ذاتِ البَيْنِ التَّوَصُّلُ إلى الإهْلاكِ وثانِيًا بِالإهْلاكِ التَّوَصُّلُ إلى الإفْسادِ ﴿واللَّهُ﴾ أيْ والحالُ أنَّ المَلِكَ الأعْظَمَ ﴿لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ أيْ لا يَفْعَلُ فِيهِ فِعْلَ المُحِبِّ فَلا يَأْمُرُ بِهِ بَلْ يَنْهى عَنْهُ ولا يُقِرُّ عَلَيْهِ بَلْ يُغَيِّرُهُ وإنْ طالَ المَدى ويُعاقِبُ عَلَيْهِ، ولَمْ يُقَلِ: الهَلاكُ، لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ صُورَةً فَقَطْ فَيَكُونُ صَلاحًا كَما إذا كانَ قِصاصًا ولا (p-١٧٤)قالَ: الإفْسادُ يَشْمَلُ ما إذا كانَ الفَسادُ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ، ذَكَرَ أوَّلًا الإفْسادَ لِيَدُلَّ عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا وثانِيًا الإهْلاكَ لِيَدُلَّ عَلى حَذْفِهِ أوَّلًا، وذَكَرَ الحَرْثَ الَّذِي هو السَّبَبُ دَلالَةً عَلى النّاسِلِ والنَّسْلِ الَّذِي هو المُسَبَّبُ دَلالَةً عَلى الزَّرْعِ فَهو احْتِباكٌ ثانٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences