Al-Biqa'iAl‑Baqarah · 2:206–212

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:206–212

2:206Page 32

وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتۡهُ ٱلۡعِزَّةُ بِٱلۡإِثۡمِۚ فَحَسۡبُهُۥ جَهَنَّمُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ٢٠٦

And when it is said to him, "Fear Allāh," pride in the sin takes hold of him. Sufficient for him is Hellfire, and how wretched is the resting place.

ولَمّا كانَ مِنَ النّاسِ مَن يَفْعَلُ الفَسادَ فَإذا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهى بَيَّنَ أنَّ هَذا عَلى غَيْرِ ذَلِكَ تَحْقِيقًا لِألَدِّيَّتِهِ فَقالَ مُبَشِّرًا بِأداةِ التَّحْقِيقِ بِأنَّهُ لا يَزالُ في النّاسِ مَن يَقُومُ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُ﴾ مِن أيِّ قائِلٍ كانَ ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ تَحْتَ قَهْرِهِ واتْرُكْ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الفَسادِ ﴿أخَذَتْهُ﴾ أيْ قَهَرَتْهُ لِما لَهُ مِن مَلَكَةِ الكِبْرِ ﴿العِزَّةُ﴾ في نَفْسِهِ (p-١٧٥)لِما فِيها مِنَ الكِبْرِياءِ والِاسْتِهانَةِ بِأمْرِ اللَّهِ، ولَيْسَ مِن شَأْنِ الخَلْقِ الِاتِّصافُ بِذَلِكَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴿بِالإثْمِ﴾ أيْ مُصاحِبًا لِلذَّنْبِ، وهو العَمَلُ الرَّذْلُ السّافِلُ وما - لا يَحِلُّ ويُوجِبُ العُقُوبَةَ بِاحْتِقارِ الغَيْرِ والِاسْتِكْبارِ عَلَيْهِ.

ولَمّا كانَ هَذا الشَّأْنُ الخَبِيثُ شَأْنُهُ دائِمًا يُمَهِّدُ بِهِ لِنَفْسِهِ التَّمْكِينَ مِمّا يُرِيدُ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَحَسْبُهُ﴾ أيْ كِفايَتُهُ ﴿جَهَنَّمُ﴾ تَكُونُ مِهادًا لَهُ كَما مَهَّدَ لِلْفَسادِ، وتَخْصِيصُ هَذا الِاسْمِ المُنْبِئِ عَنِ الجَهامَةِ في المُواجَهَةِ أيِ الِاسْتِقْبالِ بِوَجْهٍ كَرِيهٍ لِما وقَعَ مِنهُ مِنَ المُواجَهَةِ لِمَن أمَرَهُ مِن مِثْلِهِ.

قالَ الحَرالِيُّ: فَلِمَعْنى ما يَخْتَصُّ بِالحُكْمِ يُسَمِّي تَعالى (p-١٧٦)النّارَ بِاسْمٍ مِن أسْمائِها - انْتَهى.

﴿ولَبِئْسَ المِهادُ﴾ هي والمِهادُ مَوْطِنُ الهُدُوءِ والمُسْتَطابُ مِمّا يُسْتَفْرَشُ ويُوطَأُ - قالَهُ الحَرالِيُّ، وقالَ: فِيهِ إشْعارٌ بِإمْهالِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِهَذِهِ الأُمَّةِ رِعايَةً لِنَبِيِّها فَأحْسَبَ فاجِرَها وكافِرَها بِعَذابِ الآخِرَةِ، ولَوْ عاجَلَ مُؤْمِنُها بِعُقُوبَةِ الدُّنْيا فَخَلَّصَ لِكافِرِها الدُّنْيا ولِمُؤْمِنِها الآخِرَةَ وأنْبَأ بِطُولِ المَقامِ والخُلُودِ فِيها.

2:207Page 32

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡرِي نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٢٠٧

And of the people is he who sells himself, seeking means to the approval of Allāh. And Allāh is Kind to [His] servants.

ولَمّا أتَمَّ الخَبَرَ عَنْ هَذا القِسْمِ الَّذِي هو شَرُّ الأقْسامِ أتْبَعُهُ خَيْرَها لِيَكُونَ خِتامًا وبَيْنَهُما تَبايُنٌ فَإنَّ الأوَّلَ مِن يُهْلِكُ النّاسَ لِاسْتِبْقاءِ نَفْسِهِ وهَذا يُهْلِكُ نَفْسَهُ لِاسْتِصْلاحِ النّاسِ فَقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن﴾ أيُّ شَخْصٍ أوِ الَّذِي ﴿يَشْرِي﴾ أيْ يَفْعَلُ هَذا الفِعْلَ كُلَّما لاحَ لَهُ وهو أنَّهُ يَبِيعُ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ والِانْبِعاثِ ﴿نَفْسَهُ﴾ فَيُقْدِمُ عَلى إهْلاكِها (p-١٧٧)أوْ يَشْتَرِيها بِما يَكُونُ سَبَبَ إعْتاقِها وإحْيائِها بِالِاجْتِهادِ في أوامِرِ اللَّهِ بِالنَّهْيِ لِمِثْلِ هَذا الألَدِّ عَنْ فِعْلِهِ الخَبِيثِ والأمْرِ لَهُ بِالتَّقْوى والتَّذْكِيرِ بِاللَّهِ، ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في صُهَيْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِأنَّهُ لَمّا هاجَرَ أرادَتْ قُرَيْشٌ رَدَّهُ فَجَعَلَ لَهم مالَهُ حَتّى خَلَّوْا سَبِيلَهُ فَقالَ لَهُ النَّبِيَّ ﷺ:

«رَبِحَ البَيْعُ» فَعَلى هَذا يَكُونُ شَرى بِمَعْنى اشْتَرى، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ابْتِغاءَ﴾ أيْ تَطَلُّبَ وتَسَهُّلَ وتَيَسُّرَ بِغايَةِ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِن ذَلِكَ ﴿مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ أيْ رِضا المُحِيطِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ وزَمانِ الرِّضا ومَكانِهِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ كَوْنُ المَصْدَرِ مِيمِيًّا ويَكُونُ ذَلِكَ غايَةً في بابِهِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مِن وقْفِهِ بِالتّاءِ المَمْدُودَةِ لِما يُعْلَمُ مِن شِدَّةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى بِهِ ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ﴾ أيْ بالِغُ الرَّحْمَةِ، (p-١٧٨)وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ دَلالَةً عَلى العُمُومِ وعَلى الوَصْفِ المُقْتَضِي لِلرَّحْمَةِ والشَّرَفِ فَقالَ: ﴿بِالعِبادِ﴾ كُلِّهِمْ حَيْثُ أسْبَغَ عَلَيْهِمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً مَعَ كُفْرِهِمْ بِهِ أوْ تَقْصِيرِهِمْ في أمْرِهِ، وبَيَّنَ لَهُمُ الطَّرِيقَ غايَةَ البَيانِ بِالعَقْلِ أوَّلًا والرُّسُلِ ثانِيًا والشَّرائِعِ ثالِثًا والكُتُبِ الحافِظَةِ لَها رابِعًا، ولَعَلَّ الفَصْلَ بَيْنَ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ بِالأيّامِ المَعْدُوداتِ اهْتِمامًا بِأمْرِها لِكَوْنِها مَن فِعْلِ الحَجِّ وتَأْخِيرُها عَنْ أخَواتِها إشارَةٌ إلى أنَّها لَيْسَتْ مِن دَعائِمِ المَناسِكِ بَلْ تُجْبَرُ بِدَمٍ.

2:208Page 32

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٢٠٨

O you who have believed, enter into Islām completely [and perfectly] and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.

ولَمّا خَتَمَ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ بِالسّاعِي في رِضا اللَّهِ عَنْهُ مُشاكَلَةً لِلْأوَّلِينَ حَسُنَ جِدًّا تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (p-١٧٩)لِيَكُونَ هَذا النِّداءُ واقِعًا بادِئَ بَدْءٍ في أُذُنِ هَذا الواعِي كَما كانَ المُنافِقُ مَصْدُوعًا بِما سَبَقَهُ مِنَ التَّقْوى والحَشْرِ مَعَ كَوْنِهِ دَلِيلًا عَلى صِفَةِ الرَّأْفَةِ، وتَكْرِيرُ الأمْرِ بِالإيمانِ بَيْنَ طَوائِفِ الأعْمالِ مِن أعْظَمِ دَلِيلٍ عَلى حِكْمَةِ الآمِرِ بِهِ فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ آكَدَ لِأمْرِهِ وأمْكَنَ لِمَجْدِهِ وفَخْرِهِ يُفْهَمُ أنَّهُ العِمادُ في الرَّشادِ المُوجِبِ لِلْإسْعادِ يَوْمَ التَّنادِ فَقالَ: ﴿ادْخُلُوا في السِّلْمِ﴾ أيِ الإيمانِ الَّذِي هو مُلْزِمٌ لِسُهُولَةِ الِانْقِيادِ إلى كُلِّ خَيْرٍ، وهو في الأصْلِ بِالفَتْحِ والكَسْرِ المُوادَعَةُ في الظّاهِرِ بِالقَوْلِ والفِعْلِ أيْ يا مَن آمَنَ بِلِسانِهِ كَهَذا الألَدِّ لِيَكُنِ الإيمانُ أوِ الِاسْتِلامُ بِكُلِّيَّةِ الباطِنِ والظّاهِرِ ظَرْفًا مُحِيطًا بِكم مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ فَيُحِيطُ بِالقَلْبِ والقالَبِ كَما أحاطَ بِاللِّسانِ ولا يَكُونُ لِغَرامَةِ الجَهْلِ وجَلافَةِ الكُفْرِ إلَيْكم سَبِيلٌ ﴿كافَّةً﴾ أيْ ولْيَكُنْ جَمِيعُكم في ذَلِكَ شَرْعًا (p-١٨٠)واحِدًا كَهَذا الَّذِي يَشْرِي نَفْسَهُ، ولا تَنْقَسِمُوا فَيَكُونُ بَعْضُكم هَكَذا وبَعْضُكم كَذَلِكَ الألَدِّ، فَإنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ الكَذِبِ في دَعْوى الإيمانِ.

ولَمّا كانَ الإباءُ والعِنادُ الَّذِي يُحْمَلُ عَلَيْهِ الأنَفَةُ والكِبْرُ فِعْلَ الشَّيْطانِ وثَمَرَةَ كَوْنِهِ مِن نارٍ قالَ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا﴾ أيْ تُكَلِّفُوا أنْفُسَكم مِن أمْرِ الضَّلالِ ضِدَّ ما فَطَرَها اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَهَّلَهُ لَها مِنَ الهُدى ﴿خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ طُرُقَ المُبْعَدِ المُحْتَرِقِ في الكِبْرِ عَنِ الحَقِّ.

قالَ الحَرالِيُّ: فَفي إفْهامِهِ أنَّ التَّسْلِيطَ في هَذا اليَوْمِ لَهُ، وفِيهِ إشْعارٌ وإنْذارٌ بِما وقَعَ في هَذِهِ الأُمَّةِ وهو واقِعٌ وسَيَقَعُ مِن خُرُوجِهِمْ مِنَ السِّلْمِ إلى الِاحْتِرابِ بِوُقُوعِ الفِتْنَةِ في الألْسِنَةِ والأسِنَّةِ عَلى أمْرِ الدُّنْيا وعَوْدِهِمْ إلى أُمُورِ جاهِلِيَّتِهِمْ، لِأنَّ الدُّنْيا أقْطاعُ الشَّيْطانِ كَما أنَّ الآخِرَةَ خُلاصَةُ الرَّحْمَنِ، فَكانَ ابْتِداءُ الفِتْنَةِ مُنْذُ كَسْرِ البابِ المُوصَدِ عَلى السِّلْمِ وهو عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَلَمْ يَزَلِ الهَرْجُ ولا يَزالُ إلى أنْ تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها.

(p-١٨١)ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ بِما أخْبَرْناكم بِهِ في أمْرِ أبِيكم آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا شَواهِدُهُ ظاهِرَةٌ، وما أحْسَنَ هَذا الخَتْمَ المُضادَّ لِخَتْمِ الَّتِي قَبْلَها! فَإنَّ تَذَكُّرَ الرَّأْفَةِ مِنهُ سُبْحانَهُ عَلى عَظْمَتِهِ والعُبُودِيَّةَ مِنّا الَّذِي هو مَعْنى الوَلايَةِ الَّتِي رُوحُها الِانْقِيادُ لِكُلِّ ما يُحِبُّهُ الوَلِيُّ وتَذَكُّرُ عَداوَةِ المُضِلِّ أعْظَمُ مُنَفِّرٍ مِنهُ وداعٍ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

2:209Page 32

فَإِن زَلَلۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡكُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٢٠٩

But if you slip [i.e., deviate] after clear proofs have come to you, then know that Allāh is Exalted in Might and Wise.

ولَمّا أقامَ سُبْحانَهُ وتَعالى الأدِلَّةَ عَلى عَظَمَتِهِ الَّتِي مِنها الوَحْدانِيَّةُ وأزالَ الشُّبَهَ ومَحا الشُّكُوكُ وذَكَّرَ بِأنْواعِ اللُّطْفِ والبِرِّ إلى أنَّ خَتَمَ الآيَتَيْنِ بِما ذَكَرَ مِن وِلايَتِهِ وعَداوَةِ المُضِلِّ عَنْ طَرِيقِهِ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ﴾ مُشِيرًا بِأداةِ الشَّكِّ إلى أنَّهم صارُوا إلى حالَةٍ مِن وُضُوحِ الطَّرِيقِ الواسِعِ الأمْكَنِ الأمِينِ المُسْتَقِيمِ الأسْلَمِ يَبْعُدُ مَعَها كُلَّ البُعْدِ أنْ يَزِلُّوا عَنْهُ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ (p-١٨٢)البَيِّناتُ﴾ أيْ بِهَذا الكِتابِ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ.

قالَ الحَرالِيُّ: بَيِّناتُ التَّجْرِبَةِ شُهُودًا ونَبَأً عَمّا مَضى وتَحَقُّقًا بِما وقَعَ، وقالَ: إنَّ التَّعْبِيرَ بِأنْ يُشْعِرَ بِأنَّهم يَسْتَزِلُّونَ، والتَّعْبِيرَ بِالماضِي إشْعارٌ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ لَهم كَرَحْمَتِهِ قَبْلُ لِأبَوَيْهِمْ حِينَ أزَلَّهُما الشَّيْطانُ فَكَما أزَلَّ أبَوَيْهِمْ في الجَنَّةِ عَنْ مُحَرَّمِ الشَّجَرَةِ أزَلَّهم في الدُّنْيا عَنْ شَجَرَةِ المُحَرَّماتِ مِنَ الدِّماءِ والأمْوالِ والأعْراضِ - انْتَهى.

ولَمّا كانَ الخَوْفُ حامِلًا عَلى لُزُومِ طَرِيقِ السَّلامَةِ قالَ: ﴿فاعْلَمُوا﴾ فَإنَّ العِلْمَ أعْوَنُ شَيْءٍ عَلى المَقاصِدِ ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ الحاوِيَ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿عَزِيزٌ﴾ لا يُعْجِزُهُ مَن زَلَّ ولا يَفُوتُهُ مَن ضَلَّ ﴿حَكِيمٌ﴾ يُبْرِمُ ما لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى نَقْضِ شَيْءٍ مِنهُ.

2:210Page 32

هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٖ مِّنَ ٱلۡغَمَامِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٢١٠

Do they await but that Allāh should come to them in covers of clouds and the angels [as well] and the matter is [then] decided? And to Allāh [all] matters are returned.

(p-١٨٣)ولَمّا كانَ هَذا الخَتْمُ مُؤْذِنًا بِالعَذابِ وكانَ إتْيانُ العَذابِ مِن مَحَلٍّ تُتَوَقَّعُ مِنهُ الرَّحْمَةُ أفْظَعَ وكانَ أنْفَعُ الأشْياءِ السَّحابَ لِحَمْلِهِ الغَيْثَ والمَلائِكَةَ الَّذِينَ هم خَيْرٌ مَحْضٌ وكانَ الَّذِينَ شاهَدُوا العَذابَ مِنَ السَّحابِ الَّذِي هو مَظِنَّةُ الرَّحْمَةِ لِيَكُونَ أهْوَلُ عادًا وبَنِي إسْرائِيلَ وكانَ عادٌ قَدْ مَضَوْا فَلا يُمْكِنُ عادَةً سُؤالُهم وكانَ مَن زَلَّ بَعْدَ هَذا البَيانِ قَدْ أشْبَهَ بَنِي إسْرائِيلَ في هَذا الحالِ فَكانَ جَدِيرًا بِأنْ يُشْبِهَهم في المَآلِ فِيما صارُوا إلَيْهِ مِن ضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ وحُلُولِ الغَضَبِ والوُقُوعِ في العَطَبِ قالَ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أيْ يَنْتَظِرُونَ إذا زَلُّوا. سائِقًا لَهُ في أُسْلُوبِ الإنْكارِ، وصِيغَةُ الغَيْبَةِ مُجَرَّدَةٌ عَنِ الِافْتِعالِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الزّالِّينَ في غايَةِ البُعْدِ عَنْ مُواطِنِ الرَّأْفَةِ والِاسْتِحْقاقِ بِمَظْهَرِ الكِبْرِ والنِّقْمَةِ بِإعْراضِ السَّيِّدِ عَنْ خِطابِهِمْ وإقْبالِهِ مِن عَذابِهِمْ عَلى ما لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِمْ ﴿إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ مَجْدُ الَّذِي (p-١٨٤)لا يَحْتَمِلُ شَيْءٌ تَجَلِّيَ عَظَمَتِهِ وظُهُورَ جَلالِهِ، كائِنًا مَجْدُهُ ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ ظُلَّةً في داخِلِ ظُلَّةٍ، وهي ما يَسْتُرُ مِنَ الشَّمْسِ فَهي في غايَةِ الإظْلامِ والهَوْلِ والمَهابَةِ لِما لَها مِنَ الكَثافَةِ الَّتِي تَغُمُّ عَلى الرّائِي ما فِيها وتُدَمِّرُ ما أتَتْ عَلَيْهِ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ المَجْدِ الَّذِي لا يُقَدِّرُهُ حَقَّ قَدْرِهِ إلّا اللَّهُ ﴿والمَلائِكَةُ﴾ أيْ ويَأْتِي جُنْدُهُ الَّذِينَ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم، هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ، وعَلى قِراءَةِ أبِي جَعْفَرٍ بِالخَفْضِ، المَعْنى وظُلَلٌ مِنَ المَلائِكَةِ أيْ جَماعاتٌ يَمْلَئُونَ الأقْطارَ لِيَتَبادَرُوا إلى امْتِثالِ أوامِرِهِ؛ وهَلْ يَنْتَظِرُونَ (p-١٨٥)مِنَ القَوِيِّ المُحْكِمِ لِما يَفْعَلُ العَزِيزُ الَّذِي يَعْلُو أمْرُهُ كُلَّ أمْرٍ إلّا إتْيانَهُ بِالبَأْسِ إذا غَضِبَ بَعْدَ طُولِ الحِلْمِ وتَمادِي الأناةِ فَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ ولا يُعارَضُ أمْرَهُ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقُضِيَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ قَدْ قُضِيَ ﴿الأمْرُ﴾ أيْ نَفَذَ بِإهْلاكِهِمْ سَرِيعًا فَرَجَعُوا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأسْرِهِمْ لا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ شَيْئًا ﴿وإلى اللَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ وحْدَهُ ﴿تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ كُلُّها دُنْيا وأُخْرى، فَإنَّ حُكْمَهُ لا يُرَدُّ وقُدْرَتُهُ لا تُحَدُّ.

قالَ الحَرالِيُّ: وإتْيانُ اللَّهِ في مَحَلِّ الإيمانِ أمْرٌ مُبْهَمٌ لا يَنالُهُ عِلْمُ العالِمِينَ ويَقِفُ دُونَهُ إيمانُ المُؤْمِنِينَ، لا يَأْخُذُونَهُ بِكَيْفٍ ولا يَتَوَهَّمُونَهُ بِوَهْمٍ، وإتْيانُ اللَّهِ في أوائِلِ فَهْمِ (p-١٨٦)الفاهِمِينَ بُدُوُّ أمْرِهِ وخِطابُهُ في مَحَلٍّ ما مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أوِ العَرْشِ أوِ الكُرْسِيِّ أوْ ما شاءَ مِن خَلْقِهِ؛ فَهو تَعالى يَجِلُّ أنْ يَحْجُبَهُ كَوْنٌ، فَحَيْثُ ما بَدَأ خِطابُهُ كِفاحًا لا بِواسِطَةٍ فَهُناكَ هو ﴿ونادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢] إلى: ﴿إنِّي أنا اللَّهُ﴾ [القصص: ٣٠] وفي الكِتابِ الأوَّلِ: جاءَ اللَّهُ مِن سَيْناءَ - انْتَهى. وتَمامُهُ: وشَرْقٌ مِن جَبَلِ ساعِيرَ وظَهَرَ لَنا مِن جِبالِ فارانَ؛ والمُرادُ بِالأوَّلِ نُبُوَّةُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو واضِحٌ، وبِالثّانِي نُبُوَّةُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّ جَبَلَ ساعِيرَ هو جَبَلُ الجَلِيلِ وهو الَّذِي بَيْنَ طَبَرِيَّةَ ومَرْجِ بَنِي عامِرٍ، وبِالثّالِثِ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإنَّ فارانَ هي مَكَّةُ المُشَرَّفَةُ.

2:211Page 33

سَلۡ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ كَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّنۡ ءَايَةِۭ بَيِّنَةٖۗ وَمَن يُبَدِّلۡ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢١١

Ask the Children of Israel how many a sign of evidence We have given them. And whoever exchanges the favor of Allāh [for disbelief] after it has come to him - then indeed, Allāh is severe in penalty.

ولَمّا كانَ بَنُو إسْرائِيلَ أعْلَمَ النّاسِ بِظُهُورِ مَجْدِ اللَّهِ في الغَمامِ لِما رَأى أسْلافُهم مِنهُ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ وفي جَبَلِ الطُّورِ وقُبَّةِ الزَّمانِ وما في ذَلِكَ عَلى ما نُقِلَ إلَيْهِمْ مِن وُفُورِ الهَيْبَةِ وتَعاظُمِ (p-١٨٧)الجَلالِ قالَ تَعالى جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: كَيْفَ يَكُونُ هَذا؟ ﴿سَلْ﴾ بِنَقْلِ حَرَكَةِ العَيْنِ إلى الفاءِ فاسْتَغْنى عَنْ هَمْزَةِ الوَصْلِ ﴿بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيِ الَّذِينَ هم أحْسَدُ النّاسَ لِلْعَرَبِ ثُمَّ اسْتَفْهَمَ أوِ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ ﴿كَمْ آتَيْناهُمْ﴾ مِن ذَلِكَ ومَن غَيْرِهِ (p-١٨٨)﴿مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ بِواسِطَةِ أنْبِيائِهِمْ فَإنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى إنْكارِ ذَلِكَ، وسُكُوتُهم عَلى سَماعِهِ مِنكَ إقْرارٌ مِنهم.

وقالَ الحَرالِيُّ: ولَمّا كانَ هَذا الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ أمْرًا مُجْمَلًا أُحِيلُوا في تَفاصِيلِ الوَقائِعِ وتَخْصِيصِ المَلاحِمِ ووُقُوعِ الأشْباهِ والنَّظائِرِ عَلى ما تَقَدَّمَ ووَقَعَ مِثالُهُ في بَنِي إسْرائِيلَ لِتَكْرارِ ما وقَعَ فِيهِمْ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ والقُذَّةِ بِالقُذَّةِ فَقالَ: ﴿سَلْ﴾ اسْتِنْطاقًا لِحالِهِمْ لا لِإنْبائِهِمْ وإخْبارِهِمْ، فالتِفاتُ النَّبِيِّ ﷺ إلى ما يَشْهَدُهُ اللَّهُ مِن أحْوالِ بَنِي إسْرائِيلَ وأحْوالِ مُلُوكِهِمْ وأحْبارِهِمْ وأيّامِهِمْ وتَفَرُّقِهِمْ واخْتِلافِهِمْ وصُنُوفِ بَلاياهم هو سُؤالُهُ واسْتِبْصارُهُ لا أنْ يَسْألَ واحِدًا فَيُخْبِرَهُ؛ انْتَهى - كَذا قالَ، والظّاهِرُ أنَّهُ إباحَةٌ لِسُؤالِهِمْ فَإنَّهُ ﷺ ما سَألَهم عَنْ شَيْءٍ وكَذَبُوا في جَوابِهِ فَبَيَّنَ كَذِبَهم إلّا عُرِفُوا بِالكَذِبِ، كَقِصَّةِ حَدِّ الزِّنا وقَضِيَّةِ سُؤالِهِمْ عَنْ أبِيهِمْ وقَضِيَّةِ سَمِّ الشّاةِ ونَحْوِ هَذا، وفي ذَلِكَ زِيادَةٌ لِإيمانِ مَن يُشاهِدُهُ وإقامَةٌ لِلْحُجَّةِ (p-١٨٩)عَلَيْهِمْ وغَيْرِ هَذا مِنَ الفَوائِدِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَكانُوا إذا بَدَّلُوا شَيْئًا مِن آياتِنا واسْتَهانُوا بِهِ عاقَبْناهم فَشَدَّدْنا عِقابَهُمْ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ ما سُقْتُهُ مِنَ التَّوْراةِ في هَذا الدِّيوانِ لِمَن تَدَبَّرَ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يُبَدِّلْ﴾ مِنَ التَّبْدِيلِ وهو تَصْيِيرُ الشَّيْءِ عَلى غَيْرِ ما كانَ ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لا نِعْمَةَ إلّا مِنهُ الَّتِي هي سَبَبُ الهُدى فَيَجْعَلُها سَبَبًا لِضَلالٍ أوْ سَبَبًا لِشُكْرٍ فَيَجْعَلُها سَبَبَ الكُفْرِ كائِنًا مَن كانَ.

قالَ الحَرالِيُّ: وأصْلُ هَذا التَّبْدِيلِ رَدُّ عِلْمِ العالِمِ عَلَيْهِ ورَدُّ صَلاحِ الصّالِحِ إلَيْهِ وعَدَمُ الِاقْتِداءِ بِعِلْمِ العالِمِ والِاهْتِداءِ بِصَلاحِ الصّالِحِ وذَلِكَ المُشارَكَةُ الَّتِي تَقَعُ بَيْنَ العامَّةِ وبَيْنَ العُلَماءِ والصُّلَحاءِ وهو كُفْرُ نِعْمَةِ اللَّهِ وتَبْدِيلُها - انْتَهى.

ولَمّا كانَ الفَطِنُ مِنَ النّاسِ يَسْتَجْلِبُ النِّعَمَ قَبْلَ إتْيانِها إلَيْهِ والجامِدُ الغَبِيُّ (p-١٩٠)يَغْتَبِطُ بِها بَعْدَ سُبُوغِها عَلَيْهِ وكانَ المَحْذُورُ تَبْدِيلَها في وقْتٍ ما لا في كُلِّ وقْتٍ قالَ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ﴾ أيْ وتَمَكَّنَ مِنَ الرُّسُوخِ في عِلْمِها تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن بَدَّلَها في تِلْكَ الحالِ فَقَدْ سَفَلَ عَنْ أدْنى الإنْسانِ والتَحَقَ بِما لا يَعْقِلُ مِنَ الحَيَوانِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: يُهْلِكُهُ اللَّهُ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ العَظِيمَ الشَّأْنِ ﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾ وهو عَذابٌ يَعْقُبُ الجُرْمَ، وذَكَرَ بَعْضَ ما يَدُلُّ عَلى صِدْقِ الدَّعْوى في مَعْرِفَةِ بَنِي إسْرائِيلَ بِما في ظُهُورِ المَجْدِ في الغَمامِ مِنَ الرُّعْبِ وما آتاهم مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ، قالَ في أوائِلِ السِّفْرِ الخامِسِ مِنَ التَّوْراةِ: فاسْمَعُوا الآنَ يا بَنِي إسْرائِيلَ السُّنَنَ والأحْكامَ الَّتِي أُعَلِّمُكم لِتَعْمَلُوا بِها وتَعِيشُوا وتَدْخُلُوا وتَرِثُوا الأرْضَ الَّتِي يُعْطِيكُمُ اللَّهُ رَبُّ آبائِكُمْ، لا تَزِيدُوا عَلى الوَصِيَّةِ الَّتِي أُوصِيكم (p-١٩١)بِها، قَدْ رَأيْتُمْ ما صَنَعَ اللَّهُ بِبَعْلَصَفُونَ مِن أجْلِ أنَّ كُلَّ رَجُلٍ اتَّبَعَ بَعْلَصَفُونَ أهْلَكَهُ اللَّهُ رَبُّكم مِن بَيْنِكم وأنْتُمُ الَّذِينَ تَبِعْتُمُ اللَّهَ رَبَّكم أنْتُمْ أحْياءٌ - سالِمُونَ إلى اليَوْمِ، انْظُرُوا أنِّي قَدْ عَلَّمْتُكُمُ السُّنَنَ والأحْكامَ كَما أمَرَنِي اللَّهُ لِتَعْمَلُوا بِها الأرْضَ الَّتِي تَدْخُلُونَها وتَحْفَظُوها وتَعْمَلُوا بِها، لِأنَّها حِكْمَتُكم وفَهْمُكم تُجاهَ الشُّعُوبِ الَّتِي تَسْمَعُ مِنكم هَذِهِ السُّنَنَ كُلَّها ويَقُولُونَ إذا سَمِعُوها: ما أحْكَمَ هَذا الشَّعْبَ العَظِيمَ! وما أحْسَنَ فَهْمَهُ! أيُّ شَعْبٍ عَظِيمٍ إلَهُهُ قَرِيبٌ مِنهُ مِثْلَ اللَّهِ رَبِّنا فِيما دَعَوْناهُ! وأيُّ شَعْبٍ عَظِيمٍ لَهُ سُنَنٌ وأحْكامٌ مُعْتَدِلَةٌ مِثْلَ هَذِهِ السُّنَّةِ الَّتِي أتْلُو عَلَيْكُمُ اليَوْمَ! ولَكِنِ احْتَفِظُوا واحْتَرِسُوا بِأنْفُسِكم ولا تَنْسَوْا جَمِيعَ الآياتِ الَّتِي رَأيْتُمْ ولا تَزُلْ عَنْ قُلُوبِكم كُلَّ أيّامِ حَياتِكم بَلْ عَلِّمُوها بَنِيكم وبَنِي بَنِيكم وأخْبِرُوهم بِما رَأيْتُمْ يَوْمَ وقَفْتُمْ أمامَ اللَّهِ رَبِّكم في حُورِيبَ يَوْمَ قالَ الرَّبُّ: اجْمَعْ هَذا الشَّعْبَ أمامِي لِأُسْمِعَهم آياتِي ويَتَعَلَّمُوا أنْ يَتَّقُونِي كُلَّ أيّامِ حَياتِهِمْ عَلى الأرْضِ (p-١٩٢)ويُعَلِّمُوا بَنِيهِمْ أيْضًا وتَقَدَّمْتُمْ وقُمْتُمْ في سَفْحِ الجَبَلِ والجَبَلُ يَشْتَعِلُ نارًا يَرْتَفِعُ لَهِيبُها إلى جَوِّ السَّماءِ ورَأيْتُمُ الظُّلَّةَ والضَّبابَ والسَّحابَ فَكَلَّمَكُمُ الرَّبُّ في الجَبَلِ مِنَ النّارِ، كُنْتُمْ تَسْمَعُونَ صَوْتَ الكَلامِ ولَمْ تَكُونُوا تَرَوْنَ شَبَهًا، فَأظْهَرَ لَكم عَهْدَهُ وأمَرَكم أنْ تَعْلَمُوا العَشْرَ آياتٍ.

وكَتَبَها عَلى لَوْحَيْنِ مِن حِجارَةٍ، احْتَرَسُوا واحْتَفَظُوا بِأنْفُسِكم جِدًّا لِأنَّكم لَمْ تَرَوْا شَبَهًا في اليَوْمِ الَّذِي كَلَّمَكُمُ اللَّهُ رَبُّكم مِنَ الجَبَلِ مِنَ النّارِ، احْتَفِظُوا، لا تُفْسِدُوا ولا تَتَّخِذُوا أصْنامًا وأشْباهَها مِن كُلِّ جِنْسٍ شِبْهِ ذَكَرٍ أوْ أُنْثى أوْ شِبْهِ بَهِيمَةٍ في الأرْضِ أوْ شِبْهِ كُلِّ طَيْرٍ في الهَواءِ أوْ شِبْهِ كُلِّ هَوامِّ الأرْضِ، ولا تَرْفَعُوا أعْيُنَكم إلى السَّماءِ وتَنْظُرُوا إلى الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ وإلى كُلِّ أجْنادِ السَّماءِ وتَضِلُّوا بِها وتَسْجُدُوا لَها وتَعْبُدُوها، الَّتِي اتَّخَذَها جَمِيعُ الشُّعُوبِ الَّذِينَ تَحْتَ السَّماءِ؛ فَأمّا أنْتُمْ فَقَرَّبَكُمُ اللَّهُ وأخْرَجَكم مِن كُورِ الحَدِيدِ مِن أرْضِ مِصْرَ لِتَصِيرُوا لَهُ مِيراثًا كاليَوْمِ - هَذا نَصُّهُ وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى مِنَ السِّفْرِ الثّانِي مِنَ التَّوْراةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٦٠] فَكانَ الرُّجُوعُ إلى قَصِّ ما يُرِيدُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى (p-١٩٣)مِن أحْوالِ بَنِي إسْرائِيلَ لِلْأغْراضِ الماضِيَةِ عَلى غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الأحْكامِ وفي الذُّرْوَةِ العُلْيا مِن حُسْنِ الِانْتِظامِ وتَجَلِّي المَلائِكَةِ في ظُلَلِ الغَمامِ أمْرٌ مَأْلُوفٌ مِنهُ ما في الصَّحِيحِ عَنِ البَراءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ:

«كانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الكَهْفِ وإلى جانِبِهِ حِصانٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ فَتَغَشَّتْهُ سَحابَةٌ فَجَعَلَتْ تَدْنُو وتَدْنُو وجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ؛ فَلَمّا أصْبَحَ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ، فَقالَ: تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بِالقُرْآنِ» .

وعَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّهُ بَيْنَما هو يَقْرَأُ سُورَةَ البَقَرَةِ وفَرَسُهُ مَرْبُوطٌ عِنْدَهُ إذْ جالَتِ الفَرَسُ، فَسَكَتَ وسَكَنَتْ، ثُمَّ قَرَأ فَجالَتْ، فانْصَرَفَ؛ فَلَمّا أصْبَحَ حَدَّثَ النَّبِيَّ ﷺ وقالَ: فَرَفَعْتُ رَأْسِي إلى السَّماءِ فَإذا مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيها أمْثالُ المَصابِيحِ فَرَفَعْتُ حَتّى لا أراها، قالَ: وتَدْرِي ما ذاكَ؟ قالَ: لا، قالَ: تِلْكَ المَلائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، ولَوْ قَرَأْتَ لَأصْبَحَتْ (p-١٩٤)يَنْظُرُ النّاسُ إلَيْها لا تَتَوارى مِنهم» .

2:212Page 33

زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَيَسۡخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۘ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٢١٢

Beautified for those who disbelieve is the life of this world, and they ridicule those who believe. But those who fear Allāh are above them on the Day of Resurrection. And Allāh gives provision to whom He wills without account.

ولَمّا تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِالسِّلْمِ والتَّهْدِيدِ عَلى الزَّلَلِ عَنْهُ ما يَقْتَضِي لُزُومَهُ حَتْمًا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما فَعَلَ مَن خُوطِبَ بِهَذِهِ الأوامِرِ وقُمِعَ بِتِلْكَ الزَّواجِرِ؟ فَقِيلَ: أبى أكْثَرُهُمْ، فَقِيلَ: إنَّ هَذا لَعَجَبٌ! ما الَّذِي صَدَّهُمْ؟ فَقِيلَ: تَقْدِيرُ العَزِيزِ الَّذِي لا يُخالَفُ مُرادُهُ الحَكِيمُ الَّذِي يَدِقُّ عَنِ الأفْكارِ اسْتِدْراجُهُ، فَقِيلَ: كَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنَ العاقِلِ كُفْرُ النِّعْمَةِ؟ فَبَيَّنَ أنَّ سَبَبَ ذَلِكَ غالِبًا التَّرَفُّعُ والتَّعَظُّمُ والكِبْرُ والبَطَرُ فَرِحًا بِما في اليَدِ ورُكُونًا إلَيْهِ وإعْراضًا عَمّا خُبِّئَ في خَزائِنِ اللَّهِ في حَجْبِ القُدْرَةِ فَقالَ مُسْتَأْنِفًا بانِيًا لِلْمَفْعُولِ دَلالَةً عَلى ضَعْفِ عُقُولِهِمْ بِأنَّهم يَغْتَرُّونَ بِكُلِّ مُزَيَّنٍ ﴿زُيِّنَ﴾

قالَ الحَرالِيُّ: مِنَ التَّزْيِينِ بِما مِنهُ الزِّينَةُ. (p-١٩٥)وهِيَ بَهْجَةُ العَيْنِ الَّتِي لا تَخْلُصُ إلى باطِنِ المُزَيَّنِ - انْتَهى.

﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ حَتّى بَدَّلُوا النِّعْمَةَ ﴿الحَياةُ الدُّنْيا﴾ لِحُضُورِها فَألْهَتْهم عَنْ غائِبِ الآخِرَةِ.

قالَ الحَرالِيُّ: فَفي ضِمْنِهِ إشْعارٌ بِأنَّ اسْتِحْسانَ بَهْجَةِ الدُّنْيا كُفْرٌ ما مِن حَيْثُ إنَّ نَظَرَ العَقْلِ والإيمانِ يُبَصِّرُ طَيَّتَها ويَشْهَدُ جِيفَتَها فَلا يَغْتَرُّ بِزِينَتِها وهي آفَةُ الخَلْقِ في انْقِطاعِهِمْ عَنِ الحَقِّ، وأبْهَمَ تَعالى المُزَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ لِيَشْمَلَ أدْنى التَّزْيِينِ الواقِعِ عَلى لِسانِ الشَّيْطانِ وأخْفى التَّزْيِينَ الَّذِي يَكُونُ مِنِ اسْتِدْراجِ اللَّهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨]

ولَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ بَيَّنَ حالَهم عِنْدَهُ فَقالَ: ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم لا يَزالُونَ يَسْخَرُونَ أيْ يُوقِعُونَ السُّخْرِيَةَ، وهي اسْتِزْراءُ (p-١٩٦)العَقْلِ هُزُؤًا. وقالَ الحَرالِيُّ: هي اسْتِزْراءُ العَقْلِ مَعْنًى بِمَنزِلَةِ الِاسْتِسْخارِ في الفِعْلِ حِسًّا ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لِما هم فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ والحاجَةِ لِإعْراضِهِمْ عَنِ الدُّنْيا رَغْبَةً فِيما عِنْدَ اللَّهِ لِما وهَبَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ العِلْمِ الخارِقِ لِتِلْكَ الحُجُبِ الكاشِفِ لِأسْتارِ المَغِيبِ ولِأنَّ اللَّهَ يَزْوِي عَنْهُمُ الدُّنْيا ويَحْمِيهِمْ مِنها رَغْبَةً بِهِمْ عَنْها لِكَرامَتِهِمْ عَلَيْهِ كَما يَحْمِي الإنْسانُ حَبِيبَهُ الطَّعامَ والشَّرابَ إنْ كانَ مَرِيضًا لِكَرامَتِهِ عَلَيْهِ فَصارَ الكُفّارُ بِهَذا التَّزْيِينِ مَعَ ما بَوَّأْناهم مِنَ الهَوانِ بِأنْواعِ التَّهْدِيدِ الَّتِي لا مِرْيَةَ في قُدْرَتِنا عَلَيْها مَشْغُولِينَ بِلُعاعَةٍ مِنَ العَيْشِ فَهم راضُونَ بِأحْوالِهِمْ مَسْرُورُونَ بِها بِحَيْثُ إنَّهم لا يَنْظُرُونَ في عاقِبَةٍ بَلْ مَعَ الحالَةِ الرّاهِنَةِ فَيَهْزَؤُونَ بِأهْلِ الحَقِّ مُتَعامِينَ عَنِ البَيِّناتِ مُعْرِضِينَ عَنِ التَّهْدِيدِ تارِكِينَ الِاسْتِبْصارَ بِأحْوالِ بَنِي إسْرائِيلَ.

ولَمّا كانَ الِاسْتِسْخارُ بِذَوِي الأقْدارِ مُرًّا ولِلنُّفُوسِ مُضِرًّا قالَ تَعالى مُبَشِّرًا بِانْقِلابِ الأمْرِ في دارِ الخُلْدِ مُرَغِّبًا في التَّقْوى بَعْدَ الإيمانِ: ﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيْ آمَنُوا خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَأخْرَجَ المُنافِقِينَ والَّذِينَ يُمْكِنُ دُخُولُهم في الجُمْلَةِ الماضِيَةِ ﴿فَوْقَهُمْ﴾ في (p-١٩٧)الرِّزْقِ والرُّتْبَةِ والمَكانِ بِدَلِيلٍ ﴿أفِيضُوا﴾ [البقرة: ١٩٩] وآيَةٍ ﴿إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] وكُلِّ أمْرٍ سارٍّ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فَهم يَضْحَكُونَ مِنهم جَزاءً بِما كانُوا يَفْعَلُونَ.

ولَمّا كانَ تَبَدُّلُ الأحْوالِ قَرِيبًا عِنْدَهم مِنَ المُحالِ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ في تَقْرِيبِ ذَلِكَ: بِرِزْقٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ يَرْزُقُهُمُوهُ ﴿واللَّهُ﴾ بِعِزِّ سُلْطانِهِ وجَلالِ عَظَمَتِهِ وباهِرِ كَرَمِهِ ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ولَوْ كانَ أفْقَرَ النّاسِ وأعْجَزَهم.

ولَمّا كانَ الإعْطاءُ جُزافًا لا يَكُونُ إلّا عَنْ كَثْرَةٍ وبِكَثْرَةٍ قالَ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ رِزْقًا لا يُحَدُّ ولا يُعَدُّ، لِأنَّ كُلَّ ما دَخَلَهُ الحَدُّ فَهو مَحْصُورٌ مُتَناهٍ يُعَدُّ، وفي هَذِهِ الأُمَّةِ مَن لا يُحاسِبُهُ اللَّهُ عَلى ما آتاهُ فَهي في (p-١٩٨)حَقِّهِ عَلى حَقِيقَتِها مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском