Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:213–215
2:213Page 33
كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلۡحَقِّ بِإِذۡنِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٍ ٢١٣
Mankind was [of] one religion [before their deviation]; then Allāh sent the prophets as bringers of good tidings and warners and sent down with them the Scripture in truth to judge between the people concerning that in which they differed. And none differed over it [i.e., the Scripture] except those who were given it - after the clear proofs came to them - out of jealous animosity among themselves. And Allāh guided those who believed to the truth concerning that over which they had differed, by His permission. And Allāh guides whom He wills to a straight path.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ كانَ هَذا الكُفْرُ والتَّزْيِينُ مِن بَدْءِ الأمْرِ أمْ هو شَيْءٌ حَدَثَ فَيَكُونُ حُدُوثُهُ أعْجَبَ؟ فَقِيلَ: لا فَرْقَ عِنْدَ الحَكِيمِ بَيْنَ هَذا وذاكَ، فَإنَّ قُدْرَتَهُ عَلى الكَبِيرِ والصَّغِيرِ والجاهِلِ والعَلِيمِ والطّائِشِ والحَلِيمِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ عَلى أنَّ الواقِعَ أنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ حَدَثَ بَعْدَ البَيانِ والواضِحِ ﴿كانَ النّاسُ﴾ أيْ كُلُّهم ﴿أُمَّةً﴾ أيْ مُجْتَمِعِينَ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ يَؤُمُّ بَعْضُهم بَعْضًا ويَقْتَدِي بَعْضُهم بَعْضًا ثُمَّ أكَّدَ اجْتِماعَهم فَقالَ: ﴿واحِدَةً﴾ أيْ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ فَزَلَّ بَعْضُهم فاخْتَلَفُوا وتَفَرَّقَتْ بِهِمُ السُّبُلُ كَما في آيَةِ يُونُسَ ﴿وما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩] وعَلى هَذا أكْثَرُ المُحَقِّقِينَ كَما قالَهُ الأصْفَهانِيُّ وقَدْ رَواهُ أبُو يَعْلى المَوْصِلِيُّ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ مُتَّصِلٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: عَلى الإسْلامِ كُلُّهم.
(p-١٩٩)﴿فَبَعَثَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لا حُكْمَ لِغَيْرِهِ ﴿النَّبِيِّينَ﴾ الَّذِينَ رَفَعَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى بَقِيَّةِ خَلْقِهِ فَأنْبَأهم بِما يُرِيدُ مَن أمْرِهِ وأرْسَلَهم إلى خَلْقِهِ ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ لِمَن أطاعَ، وهو جارٍ مَجْرى حِفْظِ الصِّحَّةِ، ولِأنَّهُ مَقْصُودٌ بِالذّاتِ قَدَّمَ ﴿ومُنْذِرِينَ﴾ لِمَن عَصى، وذَلِكَ جارٍ مَجْرى إزالَةِ المَرَضِ بِالدَّواءِ.
قالَ الحَرالِيُّ: فِيهِ إعْلامٌ بِأنَّهُ لَيْسَ لِلْأنْبِياءِ مِنَ الهِدايَةِ شَيْءٌ وإنَّما هم مُسْتَجْلُونَ لِأمْرِ جِبِلّاتِ الخَلْقِ وفِطَرِهِمْ فَيُبَشِّرُونَ مَن فُطِرَ عَلى خَيْرٍ ويُنْذِرُونَ مَن جُبِلَ عَلى شَرٍّ، لا يَسْتَأْنِفُونَ أمْرًا لَمْ يَكُنْ بَلْ يُظْهِرُونَ أمْرًا كانَ مَغِيبًا، وكَذَلِكَ حالُ كُلِّ إمامٍ وعالِمٍ في زَمانِهِ يَمِيزُ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطِّيبِ - انْتَهى.
﴿وأنْـزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ﴾ أيْ كَلامَهُ الجامِعَ لِلْهِدايَةِ.
قالَ الحَرالِيُّ: إبْرامًا لِثَنْيِ الأمْرِ المُضاعَفِ لِيَكُونَ الأمْرُ بِشاهِدِينَ أقْوى مِنهُ بِشاهِدٍ واحِدٍ فَقَدْ كانَ في الرَّسُولِ كِفايَةٌ وفي الكِتابِ وحْدَهُ كِفايَةٌ لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى ثَنّى الأمْرَ وجَمَعَ الكِتابَ (p-٢٠٠)والرَّسُولَ لِتَكُونَ لَهُ الحُجَّةُ البالِغَةُ - انْتَهى.
﴿بِالحَقِّ﴾ أيِ الثّابِتِ كُلَّ ثَباتٍ ﴿لِيَحْكُمَ﴾ أيِ اللَّهُ بِواسِطَةِ الكِتابِ ﴿بَيْنَ النّاسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ مِنَ الدِّينِ الحَقِّ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ أُمَّةً واحِدَةً فَسَلَكُوا بِهِمْ بَعْدَ جَهْدِ السَّبِيلِ الأقْوَمِ ثُمَّ ضَلُّوا عَلى عِلْمٍ بَعْدَ مَوْتِ الرُّسُلِ فاخْتَلَفُوا في الدِّينِ لِاخْتِلافِهِمْ في الكِتابِ ﴿وما اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ أيِ الكِتابِ الهادِي لِلْحَقِّ الَّذِي لا لَبْسَ فِيهِ المُنْزَلِ لِإزالَةِ الِاخْتِلافِ ﴿إلا الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ العالِمُ يَقْبَحُ مِنهُ مُخالَفَةُ العِلْمِ مُطْلَقًا لا بِقَيْدِ كَوْنِهِ مِن مُعَلِّمٍ مَخْصُوصٍ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ ﴿أُوتُوهُ﴾ أيْ فَبَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ بِأنْ أوْقَعُوا الخِلافَ فِيما أُنْزِلَ لِرَفْعِ الخِلافِ، فَفي هَذا غايَةُ التَّعْجِيبِ وإظْهارُ القُدْرَةِ الباهِرَةِ الَّتِي حَمَلَتْهم عَلى ذَلِكَ.
(p-٢٠١)ولَمّا كانَ الخِلافُ رُبَّما كانَ عَنْ أمْرٍ غامِضٍ بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ مُشِيرًا بِإثْباتِ الجارِّ إلى أنَّهُ لَمْ يَسْتَغْرِقِ الزَّمانَ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ والنَّقْلِيَّةُ الَّتِي ثَبَتَتْ بِها النُّبُوَّةُ الَّتِي ثَبَتَ بِها الكِتابُ.
قالَ الحَرالِيُّ: الجامِعَةُ لِآياتِ ما في المَحْسُوسِ وآياتِ ما في المَسْمُوعِ، فَلِذَلِكَ كانَتِ البَيِّناتُ مُكَمِّلَةً لِاجْتِماعِ شاهِدَيْها - انْتَهى.
ولَمّا كانَ هَذا مَحَلَّ السُّؤالِ عَنِ السَّبَبِ بَيَّنَ أنَّهُ الحَسَدُ والِاسْتِطالَةُ عُدُولًا عَنِ الحَقِّ مَحَبَّةً لِما زَيَّنَ مِنَ الدُّنْيا وتَنافُسًا فِيها فَقالَ: ﴿بَغْيًا﴾
قالَ الحَرالِيُّ: والبَغْيُ أعْمالُ الحَسَدِ بِالقَوْلِ والفِعْلِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ثَلاثٌ لا يَسْلَمُ مِنهُنَّ أحَدٌ ومِنهُنَّ مُتَحَلِّي الحَسَدِ والطِّيرَةِ والظَّنِّ، فَإذا حَسَدْتَ فَلا تَبْغِ» لِأنَّ الحَسَدَ واقِعٌ في النَّفْسِ كَأنَّها مَجْبُولَةٌ عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ عُذِرَتْ فِيهِ؛ فَإذا اسْتَعْمَلَتْ بِحَسَبِهِ مَقالَها وفِعالِها (p-٢٠٢)كانَتْ باغِيَةً - انْتَهى. وزادَهُ عَجَبًا بِقَوْلِهِ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أيْ لا بَغْيًا عَلى غَيْرِهِمْ فَبَدَّلُوا مِن كُلِّ جِهَةٍ.
ولَمّا ذَكَرَ إنْزالَ الكِتابِ وسَبَّبَهُ ذَكَرَ ما تَسَبَّبَ عَنْهُ فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَعَمُوا عَنِ البَيِّناتِ: ﴿فَهَدى اللَّهُ﴾ في إسْنادِهِ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ كَما قالَ الحَرالِيُّ إعْلامٌ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن طَوْقِ الخَلْقِ إلّا بِعَوْنٍ وتَوْفِيقٍ مِنَ الحَقِّ - انْتَهى.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِالنَّبِيِّينَ بِبَرَكَةِ إيمانِهِمْ ﴿لِما اخْتَلَفُوا﴾ أيْ أهْلُ الضَّلالَةِ ﴿فِيهِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الحَقِّ﴾ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً لِما عَمُوا عَنْهُ (p-٢٠٣)مِنَ الحَقِّ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الكِتابُ الَّذِي جاءَ بِهِ النَّبِيُّونَ ﴿بِإذْنِهِ﴾ أيْ بِما ارْتَضاهُ لَهم مِن عِلْمِهِ وإرادَتِهِ وتَمْكِينِهِ.
قالَ الحَرالِيُّ: فِيهِ إشْعارٌ بِما فَطَرَهم عَلَيْهِ مِنَ التَّمْكِينِ لِقَبُولِهِ لِأنَّ الإذْنَ أدْناهُ التَّمْكِينُ وإزالَةُ المَنعِ - انْتَهى.
﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ أيْ بِما لَهُ مِن أوْصافِ الكَمالِ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
قالَ الحَرالِيُّ: هَذا هُدى أعْلى مِنَ الأوَّلِ كَأنَّ الأوَّلَ هُدًى إلى إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ وهَذا هُدى إلَيْهِ، وفي صِيغَةِ المُضارِعِ بُشْرى لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِدَوامِ هُداهم إلى خَتْمِ اليَوْمِ المُحَمَّدِيِّ
«لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن (p-٢٠٤)أُمَّتِي ظاهِرِينَ عَلى الحَقِّ حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ» انْتَهى.
2:214Page 33
أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ ٢١٤
Or do you think that you will enter Paradise while such [trial] has not yet come to you as came to those who passed on before you? They were touched by poverty and hardship and were shaken until [even their] messenger and those who believed with him said, "When is the help of Allāh?" Unquestionably, the help of Allāh is near.
ولَمّا أفْهَمَ ما صَرَّحَ بِهِ الكَلامُ السّابِقُ مِنَ الِاخْتِلافِ وُقُوعَ العَداواتِ وكانَ في العَداواتِ خَطَرُ الأمْوالِ والأنْفُسِ وكانَ ذَلِكَ أشَقَّ ما يَكُونُ وكانَتِ العادَةُ قاضِيَةً بِأنَّ المَدْعُوِّينَ إلى ذَلِكَ إنْ لَمْ يُصَمِّمُوا عَلى الآياتِ كانُوا بَيْنَ مُسْتَثْقَلِينَ لِأمْرِ الرُّسُلِ يَرَوْنَ أنَّهم يُفَرِّقُونَ ما اتَّفَقَ مِنَ الكَلِمَةِ ورَضِيَ بِهِ النّاسُ لِأنْفُسِهِمْ ويُشَتِّتُونَ أمْرَهم مُسْتَثْقَلِينَ لِطُولِ انْتِظارِ الِانْتِصارِ كانَ حالُهم حالَ مَن يَطْلُبُ الرّاحاتِ في ذُرى الجَنّاتِ بِلا مَشَقّاتٍ وذَلِكَ مُحالٌ ومَحْضُ ضَلالٍ، فَإنَّ الثَّباتَ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ لا يَكُونُ إلّا بِاحْتِمالِ شَدائِدِ التَّكالِيفِ فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ في جَوابِ ذَلِكَ عُدُولًا عَنْ خِطابِ النَّبِيِّ ﷺ المَقُولِ لَهُ ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [البقرة: ٢١١] إلى خِطابِ الأتْباعِ تَشْرِيفًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ ورَفْعًا (p-٢٠٥)لِهِمَمِهِمْ بِالمُواجَهَةِ بِالخِطابِ والتَّأْسِيَةِ بِمَن مَضى مَن أُولِي الألْبابِ تَنْشِيطًا لَهم وتَقْوِيَةً لِعَزائِمِهِمْ: أحَسِبْتُمْ أنّا لا نُرْسِلُ الرُّسُلَ لِتَمْيِيزِ الخَبِيثِ مِنَ الطِّيبِ ﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ بَعْدَ إرْسالِهِمْ أنَّ الأمْرَ هَيِّنٌ بِأنْ تَنالُوا السَّعادَةَ بِلا اجْتِهادٍ في العِبادَةِ.
قالَ الحَرالِيُّ: هو مِمّا مِنهُ الحُسْبانُ وهو ما تَقَعُ غَلَبَتُهُ فِيما هو مِن نَوْعِ المَفْطُورِ عَلَيْهِ المُسْتَقِرِّ عادَتُهُ، والظَّنُّ الغَلَبَةُ فِيما هو مِنَ المَعْلُومِ المَأْخُوذِ بِالدَّلِيلِ والعِلْمِ؛ فَكَأنَّ ضَعْفَ عِلْمِ العالِمِ ظَنٌّ وضَعْفَ عَقْلِ العاقِلِ حُسْبانٌ - انْتَهى.
وهَذا الَّذِي قَدَّرْتُهُ هو مَعْنى ﴿أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ أيِ الَّتِي هي نَعِيمٌ دائِمٌ ”و“ الحالُ أنَّهُ (p-٢٠٦)”لَمّا يَأْتِكم مَثَلُ“ أيْ وصْفُ ﴿الَّذِينَ خَلَوْا﴾ ولَمّا كانَ القُرْبُ في الزَّمانِ أشَدَّ في التَّأْسِيَةِ أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ يَقُصُّ عَلَيْكم لِتَعْلَمُوا بِهِ أوْ يُصِيبَكم ما أصابَهم مِنَ الأحْوالِ الغَرِيبَةِ والقَضايا العَجِيبَةِ الَّتِي هي في غَرابَتِها كالأمْثالِ.
وقالَ الحَرالِيُّ: وأمْ عَطْفٌ عَلى أُمُورٍ يُفْهِمُها مَبْدَأُ الخِطابِ كَأنَّهُ يَقُولُ: أحَسِبْتُمْ أنْ تُفارِقَ أحْوالُكم أحْوالَ الأُمَمِ الماضِيَةِ في حِكْمَةِ اللَّهِ وسُنَّتِهِ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا إلى ما يَسْتَجِرُّهُ مَعْنى الخِطابِ إجْمالًا وتَفْصِيلًا في واقِعِ الدُّنْيا مِن شَدائِدِها وحَرِّها وبَرْدِها وضِيقِ عَيْشِها وأنْواعِ أذاها وحالِ البَرْزَخِ وحالِ النَّشْرِ والحَشْرِ إلى ما وراءَ ذَلِكَ إلى غايَةِ دُخُولِ الجَنَّةِ فَكانَ عِنْدَ انْتِهاءِ ذَلِكَ بادِئَةُ خِطابٍ ﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ تَجاوُزًا لِما بَيْنَ أوَّلِ البَعْثِ وغايَةِ دُخُولِ الجَنَّةِ - انْتَهى.
ونَبَّهْتُ لِما الَّتِي فِيها مَعْنى التَّوَقُّعِ لِأنَّها في النَّفْيِ نَظِيرَةُ قَدْ في الإثْباتِ عَلى أنَّهُ كانَ يَنْبَغِي لَهم أنْ يَكُونَ دُخُولُهم (p-٢٠٧)فِي الدِّينِ عَلى بَصِيرَةٍ مِن حُصُولِ الشَّدائِدِ لِكَثْرَةِ المُخالِفِ والمُعانِدِ فَيَكُونُوا مُتَوَقِّعِينَ في كُلِّ وقْتٍ مُكابَدَةَ القَوارِعِ وحُلُولَ الصَّوادِعِ والصَّوارِعِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أجَدَّ في أمْرِهِمْ وأجْدَرَ لَهم بِالثَّباتِ والِارْتِقاءِ إلى أعْلى الدَّرَجاتِ.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما ذَلِكَ المَثَلُ؟ أُجِيبُ بَيانًا بِقَوْلِهِ: ﴿مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ﴾ أيِ المَصائِبُ في الأمْوالِ ﴿والضَّرّاءُ﴾ أيْ في الأنْفُسِ - نَقَلَهُ أبُو عُبَيْدٍ الهَرَوِيُّ عَنِ الأزْهَرِيِّ، والأحْسَنُ عِنْدِي عَكْسُهُ، لِأنَّ البَأْسَ كَثِيرُ الِاسْتِعْمالِ في الحَرْبِ والضُّرَّ كَثِيرُ الِاسْتِعْمالِ في الفَقْرِ؛ أيْ جَزاءً لَهم كَما قالَ الحَرالِيُّ عَلى ما غَيَّرُوا مِمّا يَجْلِبُ كُلًّا مِنهُما ولِكُلِّ عَمَلٍ جَزاءٌ ﴿وزُلْزِلُوا﴾ لِأُمُورٍ باطِنَةٍ مِن خَفايا القُلُوبِ (p-٢٠٨)انْتَهى.
والمَعْنى أنَّهم أُزْعِجُوا بِأنْواعِ البَلايا والرَّزايا والأهْوالِ والأفْزاعِ إزْعاجًا شَدِيدًا شَبِيهًا بِالزَّلْزَلَةِ الَّتِي تَكادُ تَهُدُّ الأرْضَ وتَدُكُّ الجِبالَ ﴿حَتّى يَقُولَ﴾ رَفَعَهُ نافِعٌ عَلى حِكايَةِ الحالِ في وقْتِها بِمَعْنى أنَّ الغايَةَ والمُغَيّا قَدْ وُجِدا ومَضَيا فَهُما ماضِيانِ وكَأنَّكَ تَحْكِي ذَلِكَ حِينَ وُقُوعِهِ مِثْلَ مَن يَقُولُ عَنْ مَرِيضٍ يُشاهِدُهُ: مَرِضَ حَتّى لا يَرْجُونَهُ، فَإنَّ النَّصْبَ بِتَقْدِيرِ أنَّ وهي عِلْمُ الِاسْتِقْبالِ فَهي لا تَنْصِبُ إلّا مُضارِعًا بِمَعْناهُ؛ ونَصَبَهُ الجَماعَةُ عَلى حِكايَةِ الحالِ أيْضًا لَكِنْ بِتَقْدِيرِ أنَّ الزِّلْزالَ مَشاهَدٌ والقَوْلَ مُنْتَظَرٌ حَقَّقَ ذَلِكَ المُتَبَيِّنُ حَتّى يَقُولَ: (p-٢٠٩)﴿الرَّسُولُ﴾ وهو أثْبَتُ النّاسَ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ وهُمُ الأثْبَتُ بَعْدَهُ لِطُولِ تَمادِي الزَّمانِ فِيما مَسَّهم وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ تَصْوِيرًا لِحالِهِمْ وإشارَةً إلى تَكْرِيرِ ذَلِكَ مِن مَقالِهِمْ.
وقالَ الحَرالِيُّ: فَذَكَرَ قَوْلَ الرَّسُولِ الواقِعِ في رُتْبَةِ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ لا قَوْلَهُ فِيما يَخُصُّهُ في ذاتِهِ وحْدَهُ ومَن هو مِنهُ أوْ مُتَّبِعِهِ، لِأنَّ لِلنَّبِيِّ تَرَتُّبًا فِيما يَظْهَرُ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ مَعَ رُتَبِ أُمَّتِهِ، فَكانَ قَوْلُ الرَّسُولِ المُنْبِئِ عَنْ حالِهِمْ ﴿مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ فَكَأنَّهم في مِثْلِ تَرَقُّبِ المُتَلَدِّدِ الحائِرِ الَّذِي كَأنَّهُ وإنْ وعَدَ بِما هو الحَقُّ يُوقِعُ لَهُ التَّأْخِيرُ صُورَةَ الَّذِي انْبَهَمَ عَلَيْهِ الأمْرُ لِما يَرى مِنِ اجْتِثاثِ أسْبابِ الفَرَجِ، فَفي إشْعارِهِ إعْلامٌ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما يُفَرِّجُ (p-٢١٠)عَنْ أنْبِيائِهِ ومَن مَعَهم بَعْدَ انْقِطاعِ أسْبابِهِمْ مِمَّنْ سِواهُ لِيَمْتَحِنَ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى فَتَتَقَدَّسُ سَرائِرُهم مِنَ الرُّكُونِ لِشَيْءٍ مِنَ الخَلْقِ وتَتَعَلَّقَ ضَمائِرُهم بِاللَّهِ تَعالى وحْدَهُ حَتّى يَقُولَ ﷺ: «لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ، أنْجَزَ وعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأحْزابَ وحْدَهُ» إعْلامًا بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى ناصِرُهُ دُونَ حِجابٍ ولا وسِيلَةِ شَيْءٍ مِن خَلْقِهِ، كَذَلِكَ سُنَّتُهُ مَعَ رُسُلِهِ ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [غافر: ٥١] وعَلى ذَلِكَ جَرَتْ خَوارِقُ العاداتِ لِلْأوْلِياءِ وأهْلِ الكَراماتِ لا يَكادُ يَقَعُ لَهم إلّا عَنْ ضَرُورَةِ قَطْعِ الأسْبابِ، وفي قِراءَةِ النَّصْبِ إعْرابٌ بِأنَّ غايَةَ الزِّلْزالِ القَوْلُ، وفي الرَّفْعِ إعْرابٌ عَنْ غايَةِ الزِّلْزالِ وأنَّهُ أمْرٌ مُبْهَمٌ، لَهُ وقَعَ في البَواطِنِ والظَّواهِرِ، أحَدُ تِلْكَ الظَّواهِرِ وُقُوعُ هَذا القَوْلِ، فَفي الرَّفْعِ إنْباءٌ بِاشْتِدادِ الأمْرِ بِتَأْثِيرِهِ في ظاهِرِ القَوْلِ وما وراءَهُ - انْتَهى.
وهُوَ في النَّصْبِ واضِحٌ فَإنَّ حَتّى مُسَلَّطَةٌ عَلى الفِعْلِ، وأمّا في الرَّفْعِ فَهي مَقْطُوعَةٌ عَنِ الفِعْلِ لِأنَّها لَمْ تَعْمَلْ فِيهِ لِمُضِيِّهِ لِتَذْهَبَ النَّفْسُ في الغايَةِ كُلَّ مَذْهَبٍ ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ شَيْءٌ (p-٢١١)مِن بَيانِها بِالفِعْلِ.
ولَمّا كانَ مَعْنى الكَلامِ طَلَبَ النَّصْرِ واسْتِبْطاءَ الأمْرِ أجابَهم تَعالى إجابَةَ المُنادِي في حالِ اشْتِدادِ الضُّرِّ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا﴾
قالَ الحَرالِيُّ: اسْتِفْتاحًا وتَنْبِيهًا وجَمْعًا لِلْقُلُوبِ لِلسَّماعِ ﴿إنَّ﴾ تَأْكِيدًا وتَثْبِيتًا ﴿نَصْرُ اللَّهِ﴾ الَّذِي لا سَبَبَ لَهُ إلّا العِنايَةُ مِن مَلِكِ المُلُوكِ بَعْدَ قَطْعِ كُلِّ سَبَبٍ مِن دُونِهِ ﴿قَرِيبٌ﴾ لِاسْتِغْنائِهِ عَنْ عُدَّةٍ ومُدَّةٍ، فَفي جُمْلَتِهِ بُشْرى بِإسْقاطِ كُلْفَةِ النَّصْرِ بِالأسْبابِ والعُدَدِ والآلاتِ المُتَعِيَّةِ، والِاسْتِغْناءِ بِتَعَلُّقِ القُلُوبِ بِاللَّهِ، ولِذَلِكَ إنَّما يَنْصُرُ اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ بِضُعَفائِها، لِأنَّ نُصْرَتَها بِتَقْوى القُلُوبِ لا بِمُدافَعَةِ الأجْسامِ، فَلِذَلِكَ تَفْتَحُ خاتِمَةُ هَذِهِ الأُمَّةِ ”قُسْطَنْطِينِيَّةَ الرُّومِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّكْبِيرِ“ قالَ ﷺ: «إنّا إذا نَزَّلَنا بِساحَةِ قَوْمٍ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ» فانْعَطَفَ ذَلِكَ عَلى ما أرادَهُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى بِأنْبِيائِهِ وأصْفِيائِهِ مِنَ اليُسْرِ الَّذِي كَمالُهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ فَأرادَ بِهِمُ اليُسْرَ في كُلِّ حالٍ - انْتَهى.
وفِي بَعْضِ الآثارِ: إنَّما تُقاتِلُونَ النّاسَ بِأعْمالِكُمْ، والحاصِلُ أنَّهُ لا يَكْفِي مُجَرَّدُ ادِّعائِهِمُ الدُّخُولَ في السِّلْمِ بَلْ لا بُدَّ مِن إقامَةِ البَيِّنَةِ بِالصَّبْرِ (p-٢١٢)عَلى ما يَمْتَحِنُهم كَما امْتَحَنَ الأُمَمَ الخالِيَةَ والقُرُونَ الماضِيَةَ، فانْظُرْ هَذا التَّدْرِيبَ في مَصاعِدِ التَّأْدِيبِ، وتَأمَّلْ كَيْفَ أُلْقِيَ إلى العَرَبِ وإنْ كانَ الخِطابُ لِمَن آمَنَ ذِكْرُ القِيامَةِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [البقرة: ٢١٢] والجَنَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ وهم يُنْكِرُونَهُما إلْقاءَ ما كَأنَّهُ مُحَقَّقٌ لا نِزاعَ فِيهِ تَأْنِيسًا لَهم بِذِكْرِهِما، وانْظُرْ ما في ذَلِكَ مِن بَدائِعِ الحِكَمِ.
2:215Page 33
يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلۡ مَآ أَنفَقۡتُم مِّنۡ خَيۡرٖ فَلِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ ٢١٥
They ask you, [O Muḥammad], what they should spend. Say, "Whatever you spend of good is [to be] for parents and relatives and orphans and the needy and the traveler. And whatever you do of good - indeed, Allāh is Knowing of it."
ولَمّا كانَتِ النَّفَقَةُ مِن أُصُولِ ما بُنِيَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] ثُمَّ كَرَّرَ التَّرْغِيبَ فِيها في تَضاعِيفِ الآيِ إلى أنْ أمَرَ بِها في أوَّلِ آياتِ الحَجِّ الماضِيَةِ آنِفًا مَعَ أنَّها مِن دَعائِمِ بِداياتِ الجِهادِ إلى أنْ تَضَمَّنَتْها الآيَةُ السّالِفَةُ مَعَ القَتْلِ الَّذِي هو نِهايَةُ الجِهادِ كانَ هَذا مَوْضِعَ السُّؤالِ عَنْهُما فَأخْبَرَ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ النَّشْرِ المُشَوَّشِ وذَلِكَ مُؤَيِّدٌ لِما فَهِمْتُهُ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ فَإنَّ اسْتِعْمالَهُ في القُرْآنِ أكْثَرُ مِنَ المُرَتَّبِ فَقالَ مُعَلِّمًا لِمَن سَألَ: هَلْ سَألَ المُخاطَبُونَ بِذَلِكَ عَنْهُما؟ ﴿يَسْألُونَكَ ماذا﴾ أيْ أيَّ شَيْءٍ (p-٢١٣)﴿يُنْفِقُونَ﴾ مِنَ الأمْوالِ.
وقالَ الحَرالِيُّ: لَمّا كانَ مُنَزَّلُ القُرْآنِ عَلى نَحْوِ مُتَصَرِّفِ المَرْءِ في الأزْمانِ كانَ انْتِظامُ خِطابِهِ مُتَراجِعًا بَيْنَ خِطابِ دِينٍ يُتَلَقّى عَنِ اللَّهِ وبَيْنَ إقامَةٍ بِحُكْمٍ يَكُونُ العَبْدُ فِيهِ خَلِيفَةَ اللَّهِ في نَفاذِ أمْرِهِ وبَيْنَ إنْفاقٍ يَكُونُ فِيهِ خَلِيفَةً في إيصالِ فَضْلِهِ، لِأنَّ الشَّجاعَةَ والجُودَ - خِلافَةٌ والجُبْنَ والبُخْلَ عَزْلٌ عَنْها، فَكانَ في طَيِّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الخِطابِ الإحْسانُ والإنْفاقُ، وكانَ حَقُّ ذَلِكَ أنْ لا يَسْألَ عَمّاذا يُنْفِقُ، لِأنَّ المُنْفَقَ هو الفَضْلُ كُلُّهُ، قالَ ﷺ: «يا ابْنَ آدَمَ! إنْ تَبْذُلِ الفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ وإنْ تَمْسِكْهُ شَرٌّ لَكَ» فَفي هَذا السُّؤالِ مِمَّنْ سَألَهُ لَهُ نَوْعُ تَلَدُّدٍ مِن نَحْوِ ما تَقَدَّمَ لِبَنِي إسْرائِيلَ في أمْرِ البَقَرَةِ مِن مُرادَّةِ المَسْألَةِ، لَمْ يَسْتَأْذِنِ الصَّدِيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حِينَ أتى بِمالِهِ كُلِّهِ ولا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ أتى بِشَطْرِ (p-٢١٤)مالِهِ ولا اسْتَأْذَنَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ حِينَ خَرَجَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَنْ شَطْرِ مالِهِ وإحْدى زَوْجَتَيْهِ؛ فَكانَ في هَذا السُّؤالِ إظْهارُ مَثَلِ الَّذِينَ خَلَوْا مَن قَبْلِهِمْ ولَوْلا أنَّ اللَّهَ رَحِيمٌ لَكانَ جَوابُهُمْ: تُنْفِقُونَ الفَضْلَ، فَكانَ يَقَعُ واجِبًا ولَكِنَّ اللَّهَ لَطَفَ بِالضَّعِيفِ لِضَعْفِهِ وأثْبَتَ الإنْفاقَ وأبْهَمَ قَدْرَهُ في نَكْسِ الإنْفاقِ بِأنْ يَتَصَدَّقَ عَلى الأجانِبِ مَعَ حاجَةٍ مِنَ الأقارِبِ فَقالَ تَعالى خِطابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ وإعْراضًا مِنهُ عَنِ السّائِلِينَ لِما في السُّؤالِ مِنَ التَّبَلُّدِ الإسْرائِيلِيِّ - انْتَهى.
فَقالَ: ﴿قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ﴾ أيْ مِن مالٍ وعَدَلَ عَنْ بَيانِ المُنْفِقِ ما هو إلى بَيانِ المَصْرِفِ لِأنَّهُ أنْفَعُ عَلى وجْهٍ عُرِفَ مِنهُ سُؤالُهم وهو كُلُّ مالٍ عَدُّوهُ خَيْرًا فَقالَ مُعَبِّرًا بِالماضِي لِيَكُونَ أشْمَلَ: ﴿ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ﴾ فَعَمَّمَ المُنْفَقَ مِنهُ وهو كُلُّ مالِهِ تَعُدُّونَهُ خَيْرًا وخُصَّ المَصْرِفُ مُبَيِّنًا أهَمَّهُ لِأنَّ النَّفَقَةَ (p-٢١٥)لا يُعْتَدُّ بِها إلّا أنْ تَقَعَ مَوْقِعَها فَقالَ: ﴿فَلِلْوالِدَيْنِ﴾ لِأنَّهُما أخْرَجاهُ إلى الوُجُودِ في عالَمِ الأسْبابِ ﴿والأقْرَبِينَ﴾ لِما لَهم مِنَ الحَقِّ المُؤَكَّدِ بِأنَّهم كالجُزْءِ لِما لَهم مِن قُرْبِ القَرابَةِ ﴿واليَتامى﴾ لِتَعَرُّضِهِمْ لِلضَّياعِ لِضَعْفِهِمْ.
وقالَ الحَرالِيُّ: لِأنَّهم أقارِبُ بَعْدَ الأقارِبِ بِاليُتْمِ الَّذِي أوْجَبَ خِلافَةَ الغَيْرِ عَلَيْهِمُ - انْتَهى ﴿والمَساكِينِ﴾ لِمُشارَكَتِهِمُ الأيْتامَ في الضَّعْفِ وقُدْرَتِهِمْ في الجُمْلَةِ عَلى نَوْعِ كَسْبٍ.
(p-٢١٦)قالَ الحَرالِيُّ: وهُمُ المُتَعَرِّضُونَ لُغَةً والمُسْتَتِرُونَ الَّذِينَ لا يُفْطَنُ لَهم ولا يَجِدُونَ ما يُغْنِيهِمْ شَرْعًا ولُغَةً نَبَوِيَّةً - انْتَهى.
﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ لِضِعْفِهِ بِالغُرْبَةِ والآيَةُ مُحْكَمَةٌ فَحُمِلَ ما فِيها عَلى ما يُعارِضُ غَيْرَها.
ولَمّا خَصَّ مَن ذَكَرَ عَمَّمَ وبَشَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ﴾ أيْ مِمّا يُعَدُّ خَيْرًا مِن عَيْنٍ أوْ مَعْنًى مِن هَذا أوْ غَيْرِهِ مَعَ هَؤُلاءِ أوْ غَيْرِهِمْ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ المُحِيطَ عِلْمًا وقُدْرَةً بِكُلِّ شَيْءٍ.
ولَمّا كانَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ في مَقامِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ لِكَوْنِهِ وكَّلَ الأمْرَ إلى المُنْفِقِينَ وكانَ سُبْحانَهُ عَظِيمَ الرِّفْقِ بِهَذِهِ الأُمَّةِ أكَّدَ عِلْمَهُ بِذَلِكَ فَقَدَّمَ بِذَلِكَ فَقَدَّمَ الظَّرْفَ إشارَةً إلى أنَّ لَهُ غايَةَ النَّظَرِ إلى أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ فَقالَ: ﴿بِهِ عَلِيمٌ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ (p-٢١٧)وهُوَ أوْلى مَن جازى عَلى الخَيْرِ.
وقالَ الحَرالِيُّ: خَتَمَ بِالعِلْمِ لِأجْلِ دُخُولِ الخَلَلِ عَلى النِّيّاتِ في الإنْفاقِ لِأنَّهُ مِن أشَدِّ شَيْءٍ تَتَباهى بِهِ النَّفْسُ فَيَكادُ لا يَسْلَمُ لَها مِنهُ إلّا ما لا تَعْلَمُهُ شِمالُها الَّتِي هي التِفاتُها وتَباهِيها ويَخْتَصُّ بِيَمِينِها الَّتِي هي صِدْقُها وإخْلاصُها - انْتَهى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences