Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:216–218
2:216Page 34
كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٢١٦
Battle has been enjoined upon you while it is hateful to you. But perhaps you hate a thing and it is good for you; and perhaps you love a thing and it is bad for you. And Allāh knows, while you know not.
ولَمّا أُخْبِرُوا بِما سَألُوا عَنْهُ مِن إحْدى الخَصْلَتَيْنِ المُضَمَّنَتَيْنِ لِآيَةِ الزِّلْزالِ كانَ ذَلِكَ مَوْضِعَ السُّؤالِ عَنِ الأُخْرى فَأجِيبُوا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ بِقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ﴾ .
وقالَ الحَرالِيُّ: لَمّا التَفَّ حُكْمُ الحَجِّ بِالحَرْبِ تَداخَلَتْ آياتُ اشْتِراكِهِما وكَما تَقَدَّمَ تَأْسِيسُ فَرْضِ الحَجِّ في آيَةِ ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] انْتَظَمَ بِهِ كُتُبُ القِتالِ، والفَرْضُ مِنَ الشَّيْءِ ما يَنْزِلُ بِمَنزِلَةِ الجُزْءِ مِنهُ، والكُتُبُ ما خُرِزَ بِالشَّيْءِ فَصارَ كالوُصْلَةِ فِيهِ، كَما جَعَلَ الصَّوْمَ لِأنَّ في الصَّوْمِ جِهادَ النَّفْسِ كَما أنَّ في القِتالِ جِهادَ العَدُوِّ، فَجَرى ما شَأْنُهُ (p-٢١٨)المُدافَعَةُ بِمَعْنى الكُتُبِ وما شَأْنُهُ العَمَلُ والإقْبالُ بِمَعْنى الفَرْضِ، وهُما مَعْنَيانِ مَقْصُودانِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ تَحِقُّ العِنايَةُ بِتَفَهُّمِهِما لِيَنْزِلَ كُلٌّ مِنَ القَلْبِ في مَحَلِّهِ ويَخْتَصُّ النِّيَّةُ في كُلِّ واحِدٍ عَلى وجْهِهِ وقَدْ كانَ مِن أوَّلِ مَنزِلَةِ آيِ القِتالِ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ [الحج: ٣٩] فَكانَ الأوَّلُ إذْنًا لِمَن شَأْنُهُ المُدافَعَةُ عَنِ الدِّينِ بِداعِيَةٍ مِن نَفْسِهِ مِن نَحْوِ ما كانَتِ الصَّلاةُ قَبْلَ الفَرْضِ واقِعَةً مِنَ الأوَّلِينَ بِداعِيَةٍ مِن حُبِّهِمْ لِرَبِّهِمْ ورَغْبَتِهِمْ إلَيْهِ في الخَلْوَةِ بِهِ والأُنْسِ بِمُناجاتِهِ فالَّذِينَ كانَتْ صَلاتُهم حُبًّا كانَ الخِطابُ لَهم بِالقِتالِ إذْنًا لِتَلَفُّتِهِمْ إلَيْهِ في بَذْلِ أنْفُسِهِمْ لِلَّهِ الَّذِينَ كانَ ذَلِكَ حُبًّا لَهم يَطْلُبُونَ الوَفاءَ بِهِ حُبًّا لِلِقاءِ رَبِّهِمْ بِالمَوْتِ كَما أحَبُّوا لِقاءَ رَبِّهِمْ بِالصَّلاةِ ”حِينَ عَقِلُوا“ وأيْقَنُوا أنَّهُ لا راحَةَ لِمُؤْمِنٍ إلّا في لِقاءِ رَبِّهِ، فَكانَ مِن عَمَلِهِمْ لِقاءُ رَبِّهِمْ بِالصَّلاةِ في السِّلْمِ، وطَلَبُ لِقائِهِ بِالشَّهادَةِ ”فِي الحَرْبِ“، فَلَمّا اتَّسَعَ أمْرُ الدِّينِ ودَخَلَتِ الأعْرابُ والأتْباعُ الَّذِينَ لا يَحْمِلُهم صِدْقُ المَحَبَّةِ لِلِقاءِ اللَّهِ عَلى البِدارِ لِلْجِهادِ نَزَلَ كُتُبُهُ كَما نَزَلَ فَرْضُ الصَّلاةِ (p-٢١٩)اسْتِدْراكًا فَقالَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ أيْ أيَّتُها الأُمَّةُ! وكانَ في المَعْنى راجِعًا لِهَذا الصِّنْفِ الَّذِينَ يَسْألُونَ عَنِ النَّفَقَةِ، وبِمَعْنى ذَلِكَ انْتَظَمَتِ الآيَةُ بِما قَبْلَها فَكَأنَّهم يَتَبَلَّدُونَ في الإنْفاقِ تَبَلُّدًا إسْرائِيلِيًّا ويَتَقاعَدُونَ عَنِ الجِهادِ تَقاعُدَ أهْلِ التِّيهِ مِنهُمُ الَّذِينَ قالُوا:
”اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّك فَقاتَلا“ انْتَهى.
﴿وهُوَ كُرْهٌ﴾ وهو ما يُخالِفُ غَرَضَ النَّفْسِ وهَواها، ولَعَلَّهُ لِكَوْنِهِ لَمّا كانَ خَيْرًا عَبَّرَ بِاللّامِ في ﴿لَكُمْ﴾ وهَذا بِاعْتِبارِ الأغْلَبِ وهو كَما قالَ الحَرالِيُّ عِنْدَ المُحِبِّينَ لِلِقاءِ اللَّهِ مِن أحْلى ما تَنالُهُ أنْفُسُهم حَتّى كانَ يُنازِعُ الرَّجُلَ مِنهم في أنْ يَقِفَ فَيُقْسِمَ عَلى الَّذِي يُمْسِكُهُ أنْ يَدَعَهُ والشَّهادَةَ، قالَ بَعْضُ التّابِعِينَ: لَقَدْ أدْرَكْنا قَوْمًا كانَ (p-٢٢٠)المَوْتُ لَهم أشْهى مِنَ الحَياةِ عِنْدَكُمُ اليَوْمَ وإنَّما كانَ ذَلِكَ لِما خَرَّبُوهُ مِن دُنْياهم وعَمَّرُوهُ مِن أُخْراهم فَكانُوا يُحِبُّونَ النَّقْلَةَ مِنَ الخَرابِ إلى العِمارَةِ - انْتَهى.
ولَمّا كانَ هَذا مَكْرُوهًا لِما فِيهِ عَلى المالِ مِنَ المَؤُونَةِ وعَلى النَّفْسِ مِنَ المَشَقَّةِ وعَلى الرُّوحِ مِنَ الخَطَرِ مِن حَيْثُ الطَّبْعُ شَهِيًّا لِما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ بِإحْدى الحُسْنَيَيْنِ مِن حَيْثُ الشَّرْعُ أشارَ إلى ذَلِكَ بِجُمْلَةٍ حالِيَّةٍ فَقالَ: ﴿وعَسى أنْ﴾ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ بَراءَةَ مِن شَرْحِ مَعانِي ”عَسى“ ما يُوَضِّحُ أنَّ المَعْنى: وحالُكم جَدِيرٌ وخَلِيقٌ لِتَغْطِيَةِ عِلْمِ العَواقِبِ عَنْكم بِأنْ ﴿تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ أيْ كالغَزْوِ (p-٢٢١)فَتُعْرِضُوا عَنْهُ لِظَنِّكم أنَّهُ شَرٌّ لَكم ﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لِما فِيهِ مِنَ الظَّفَرِ والغَنِيمَةِ أوِ الشَّهادَةِ والجَنَّةِ فَإنَّكم لا تَعْلَمُونَ والَّذِي كَلَّفَكم ذَلِكَ عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى شَيْءٍ وما كَلَّفَكم ذَلِكَ إلّا لِنَفْعِكم.
قالَ الحَرالِيُّ: فَشَهِدَ - لَهم لَمّا لَمْ يَشْهَدُوا مَشْهَدَ المُوقِنِينَ الَّذِينَ يُشاهِدُونَ غَيْبَ الإيمانِ كَما يَشْهَدُونَ عَنِ الحِسِّ، كَما قالَ ثَعْلَبَةُ: «كَأنِّي أنْظُرُ إلى أهْلِ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ يَنْعَمُونَ وأنْظُرُ إلى أهْلِ النّارِ في النّارِ يُعَذَّبُونَ» ولَمْ يُبْرِمْ لَهُمُ الشَّهادَةَ ولَكِنْ ناطَها بِكَلِمَةِ ”عَسى“ لِما عَلِمَهُ مِن ضَعْفِ قَبُولِ مَن خاطَبَهُ بِذَلِكَ، وفي إعْلامِهِ إلْزامٌ بِتَنَزُّلِ العَلِيِّ الأدْنى رُتْبَةً لِما أظْهَرَ هَذا الخِطابُ مَن تَنَزُّلِ الحَقِّ في مُخاطَبَةِ الخَلْقِ إلى حَدِّ مُجاوَزَةِ المُتَرَفِّقِ في الخِطابِ - انْتَهى.
ولَمّا رَغَّبَهم سُبْحانَهُ وتَعالى في الجِهادِ بِما رِجالُهم فِيهِ مِنَ الخَيْرِ رَهَّبَهم مِنَ القُعُودِ عَنْهُ بِما يُخْشى فِيهِ مِنَ الشَّرِّ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَأشْعَرَ أنَّ المُتَقاعِدَ لَهُ في تَقاعُدِهِ آفاتٌ وشَرٌّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَيْسَ أنْ لا يَنالَ خَيْرَ الجِهادِ فَقَطْ بَلْ ويَنالُ شَرَّ التَّقاعُدِ والتَّخَلُّفِ - انْتَهى.
(p-٢٢٢)فَقالَ تَعالى: ﴿وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا﴾ أيْ كالقُعُودِ فَتُقْبِلُوا عَلَيْهِ لِظَنِّكم أنَّهُ خَيْرٌ لَكم ﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ ﴿شَرٌّ لَكُمْ﴾ لِما فِيهِ مِنَ الذُّلِّ والفَقْرِ وحِرْمانِ الغَنِيمَةِ والأجْرِ ولَيْسَ أحَدٌ مِنكم إلّا قَدْ جَرَّبَ مِثْلَ ذَلِكَ مِرارًا في أُمُورِ دُنْياهُ، فَإذا صَحَّ ذَلِكَ في فَرْدٍ صارَ كُلُّ شَيْءٍ كَذَلِكَ في إمْكانِ خَيْرِيَّتِهِ وشَرِّيَّتِهِ فَوَجَبَ تَرْكُ الهَوى والرُّجُوعُ إلى العالِمِ المُنَزَّهِ عَنِ الغَرَضِ ولِذَلِكَ قالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فاللَّهُ قَدْ حَجَبَ عَنْكم سِرَّ التَّقْدِيرِ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿يَعْلَمُ﴾ أيْ لَهُ عِلْمُ كُلِّ شَيْءٍ وقَدْ أخْبَرَكم في صَدْرِ هَذا الأمْرِ أنَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ فَهو لا يَأْمُرُكم إلّا بِخَيْرٍ.
وقالَ الحَرالِيُّ: شَهادَةٌ بِحَقِّ العِلْمِ يُرْجَعُ إلَيْها عِنْدَ الأغْبِياءِ في تَنَزُّلِ الخِطابَ - انْتَهى.
والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ ذِكْرُ الخَيْرِ أوَّلًا دالٌّ عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا وذِكْرُ الشَّرِّ ثانِيًا دالٌّ عَلى حَذْفِهِ مِثْلِهِ أوَّلًا. (p-٢٢٣)ولَمّا أثْبَتَ سُبْحانَهُ وتَعالى شَأْنَهُ العِلْمَ لِنَفْسِهِ نَفاهُ عَنْهم فَقالَ: ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ لَيْسَ لَكم مِن أنْفُسِكم عِلْمٌ وإنَّما عَرَضَ لَكم ذَلِكَ مِن قَبْلِ ما عَلَّمَكم فَثِقُوا بِهِ وبادِرُوا إلى كُلِّ ما يَأْمُرُكم بِهِ وإنْ شَقَّ.
وقالَ الحَرالِيُّ: فَنَفى العِلْمَ عَنْهم لِكَلِمَةِ ”لا“ أيَّ الَّتِي هي لِلِاسْتِقْبالِ حَتّى تُفِيدَ دَوامَ الِاسْتِصْحابِ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٨٥] قالَ مِن حَيْثُ رُتْبَةُ هَذا الصِّنْفِ مِنَ النّاسِ مِنَ الأعْرابِ وغَيْرِهِمْ، وأمّا المُؤْمِنُونَ أيِ الرّاسِخُونَ فَقَدْ عَلَمَّهُمُ اللَّهُ مِن عِلْمِهِ ما عَلِمُوا أنَّ القِتالَ خَيْرٌ لَهم وأنَّ التَّخَلُّفَ شَرٌّ لَهُمُ - انْتَهى.
حَتّى أنَّ عِلْمَهم ذَلِكَ أفاضَ عَلى ألْسِنَتِهِمْ ما يُفِيضُ الدُّمُوعَ ويُنِيرُ القُلُوبَ، حَتّى «شاوَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ في التَّوَجُّهِ إلى غَزْوَةِ بَدْرٍ فَقامَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ وأحْسَنَ، ثُمَّ قامَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ وأحْسَنَ، ثُمَّ قامَ المِقْدادُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! امْضِ لِما أراكَ اللَّهُ فَنَحْنُ مَعَكَ، واللَّهِ لا نَقُولُ لَكَ كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] (p-٢٢٤)ولَكِنِ اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا مَعَكُما مُقاتِلُونَ، فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ! لَوْ سِرْتَ إلى بَرْكِ الغِمادِ لَجالَدْنا مَعَكَ مِن دُونِهِ حَتّى تَبْلُغَهُ؛ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْرًا ودَعا لَهُ، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أشِيرُوا عَلَيَّ أيُّها النّاسُ! فَقالَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ الأنْصارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: واللَّهِ لَكَأنَّكَ تُرِيدُنا يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: أجَلْ، قالَ: فَقَدْ آمَنّا بِكَ وصَدَّقْناكَ وشَهِدْنا أنَّ ما جِئْتَ بِهِ هو الحَقُّ وأعْطَيْناكَ عَلى ذَلِكَ عُهُودَنا ومَواثِيقَنا عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ، فامْضِ يا رَسُولَ اللَّهِ لِما أرَدْتَ فَنَحْنُ مَعَكَ. فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ! لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنا هَذا البَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْناهُ مَعَكَ! ما تَخَلَّفَ مِنّا رَجُلٌ واحِدٌ، وما نَكْرَهُ أنْ تَلْقى بِنا عَدُوَّنا غَدًا! إنّا لَصُبُرٌ في الحَرْبِ صُدُقٌ في اللِّقاءِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُرِيكَ مِنّا ما تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنا عَلى بَرَكَةِ اللَّهِ تَعالى» .
2:217Page 34
يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ قِتَالٖ فِيهِۖ قُلۡ قِتَالٞ فِيهِ كَبِيرٞۚ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفۡرُۢ بِهِۦ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَإِخۡرَاجُ أَهۡلِهِۦ مِنۡهُ أَكۡبَرُ عِندَ ٱللَّهِۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢١٧
They ask you about the sacred month1 - about fighting therein. Say, "Fighting therein is great [sin], but averting [people] from the way of Allāh and disbelief in Him and [preventing access to] al-Masjid al-Ḥarām and the expulsion of its people therefrom are greater [evil] in the sight of Allāh. And fitnah2 is greater than killing." And they will continue to fight you until they turn you back from your religion if they are able. And whoever of you reverts from his religion [to disbelief] and dies while he is a disbeliever - for those, their deeds have become worthless in this world and the Hereafter, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.
ولَمّا أخْبَرَهم سُبْحانَهُ وتَعالى بِإيجابِ القِتالِ عَلَيْهِمْ مُرْسَلًا في جَمِيعِ الأوْقاتِ وكانَ قَدْ أمَرَهم فِيما مَضى بِقَتْلِهِمْ حَيْثُ ثَقِفُوهم ثُمَّ قَيَّدَ عَلَيْهِمْ في القِتالِ في المَسْجِدِ الحَرامِ كانَ بِحَيْثُ يَسْألُ هُنا: هَلِ (p-٢٢٥)الأمْرُ في الحَرَمِ والحَرامِ كَما مَضى أمْ لا؟ وكانَ المُشْرِكُونَ قَدْ نَسَبُوهم في سُرِّيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ الَّتِي قَتَلُوا فِيها مِنَ المُشْرِكِينَ عَمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ إلى التَّعَدِّي بِالقِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ واشْتَدَّ تَعْيِيرُهم لَهم بِهِ فَكانَ مَوْضِعُ السُّؤالِ: هَلْ سَألُوا عَمّا عَيَّرَهم بِهِ الكُفّارُ مِن ذَلِكَ؟ فَقالَ مُخْبِرًا عَنْ سُؤالِهِمْ مُبَيِّنًا لِحالِهِمْ: ﴿يَسْألُونَكَ﴾ أيْ أهْلُ الإسْلامِ لا سِيَّما أهْلَ سُرِّيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ﴿عَنِ (p-٢٢٣)الشَّهْرِ الحَرامِ﴾ فَلَمْ يُعَيِّنِ الشَّهْرَ وهو رَجَبٌ لِيَكُونَ أعَمَّ، وسُمِّيَتِ الحُرُمَ لِتَعْظِيمِ حُرْمَتِها حَتّى حَرَّمُوا القِتالَ فِيها، فَأبْهَمَ المُرادُ مِنَ السُّؤالِ لِيَكُونَ لِلنَّفْسِ إلَيْهِ التِفاتٌ ثُمَّ بَيَّنَهُ بِبَدَلِ الِاشْتِمالِ في قَوْلِهِ: ﴿قِتالٍ فِيهِ﴾ ثُمَّ أمَرَ بِالجَوابِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ قِتالٌ فِيهِ﴾ أيَّ قِتالٍ كانَ فالمُسَوِّغُ العُمُومُ.
ولَمّا كانَ مُطْلَقُ القِتالِ فِيهِ في زَعْمِهِمْ لا يَجُوزُ حَتّى ولا لِمُسْتَحَقِّ القَتْلِ وكانَ في الواقِعِ القِتالُ عُدْوانًا فِيهِ أكْبَرُ مِنهُ في غَيْرِهِ قالَ: ﴿كَبِيرٌ﴾ أيْ في الجُمْلَةِ.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ المُؤْمِنِينَ في غايَةِ السَّعْيِ في تَسْهِيلِ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَيْسُوا مِنَ الصَّدِّ عَنْهُ ولا مِنَ الكُفْرِ في شَيْءٍ لَمْ يُشْكِلْ أنَّ ما بَعْدَهُ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ هو لِلْكُفّارِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وصَدٌّ﴾ أيَّ صَدٍّ كانَ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ المَلِكِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ أيِ الَّذِي هو دِينُهُ المُوصِلُ إلَيْهِ أيْ إلى رِضْوانِهِ، أوِ البَيْتِ الحَرامِ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمّى الحَجَّ سَبِيلَ اللَّهِ.
قالَ الحَرالِيُّ: والصَّدُّ صَرْفٌ إلى ناحِيَةٍ بِإعْراضٍ وتَكَرُّهٍ، والسَّبِيلُ طَرِيقُ الجادَّةِ السّابِلَةِ عَلَيْهِ الظّاهِرُ لِكُلِّ سالِكٍ (p-٢٢٧)مَنهَجُهُ ﴿وكُفْرٌ بِهِ﴾ أيَّ كُفْرٍ كانَ، أيْ بِالدِّينِ، أوْ بِذَلِكَ الصَّدِّ أيْ بِسَبَبِهِ فَإنَّهُ كُفْرٌ إلى كُفْرِهِمْ، وحُذِفَ الخَبَرُ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ دَلالَةً بَيِّنَةً لِمَن أمْعَنَ النَّظَرَ وهو أكْبَرُ أيْ مِنَ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، والتَّقْيِيدُ فِيما يَأْتِي بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى ما فَهِمْتُهُ مِن أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَبِيرٌ﴾ في زَعْمِهِمْ وفي الجُمْلَةِ لا أنَّهُ مِنَ الكَبائِرِ.
ولَمّا كانَ في تَقَدُّمِ الإذْنِ بِالقِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ وفي المَسْجِدِ الحَرامِ بِشَرْطٍ كَما مَضى كانَ مِمّا يُوجِبُ السُّؤالَ عَنِ القِتالِ فِيهِ في الجُمْلَةِ بِدُونِ ذَلِكَ الشَّرْطِ أوْ بِغَيْرِهِ تَوَقُّعًا لِلْإطْلاقِ لا سِيَّما والسُّرِّيَّةُ الَّتِي كانَتْ سَبَبًا لِنُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وهي سُرِّيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ كانَ الكَلامُ فِيها كَما رَواهُ ابْنُ إسْحاقَ عَنِ الأمْرَيْنِ كِلَيْهِما فَإنَّهُ قالَ: إنَّهم لَقُوا الكُفّارَ الَّذِينَ قَتَلُوا مِنهم وأسَرُوا وأخَذُوا عِيرَهم في آخِرِ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ فَهابُوهم فَلَطُفُوا لَهم حَتّى سَكَنُوا فَتَشاوَرُوا في أمْرِهِمْ وقالُوا: لَئِنْ تَرَكْتُمُوهم (p-٢٢٨)هَذِهِ اللَّيْلَةَ لَيَدْخُلُنَّ الحَرَمَ ولَئِنْ قَتَلْتُمُوهم لَتَقْتُلُنَّهم في الشَّهْرِ الحَرامِ، فَتَرَدَّدُوا ثُمَّ شَجَّعُوا أنْفُسَهم فَفَعَلُوا ما فَعَلُوا فَعَيَّرَهُمُ المُشْرِكُونَ بِذَلِكَ فاشْتَدَّ تَعْيِيرُهم لَهم واشْتَدَّ قَلَقُ الصَّحابَةِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ لا سِيَّما أهْلَ السُّرِّيَّةِ مِن ذَلِكَ ولا شَكَّ أنَّهم أخْبَرُوا النَّبِيَّ ﷺ بِكُلِّ ذَلِكَ فَإخْبارُهم لَهُ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ كافٍ في عِدَّةِ سُؤالاتِهِمْ فَضْلًا عَنْ دَلالَةِ ما مَضى عَلى التَّشَوُّفِ إلى السُّؤالِ عَنْهُ لَمّا كانَ ذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿والمَسْجِدِ﴾ أيْ ويَسْألُونَك عَنِ المَسْجِدِ ﴿الحَرامِ﴾ أيِ الحَرَمِ الَّذِي هو لِلصَّلاةِ والعِبادَةِ بِالخُضُوعِ لا لِغَيْرِ ذَلِكَ ﴿قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ عِنْدَكم عَلى نَحْوِ ما مَضى ثُمَّ ابْتَدَأ قائِلًا: ﴿وإخْراجُ﴾ كَما ابْتَدَأ قَوْلَهُ: ﴿وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقالَ: ﴿أهْلِهِ﴾ أيِ المَسْجِدِ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ لَهم في القِدَمِ وهم أوْلى النّاسِ بِهِ ﴿مِنهُ أكْبَرُ﴾ أيْ مِنَ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ خَطَأٌ وبِناءٌ عَلى الظَّنِّ والقَتْلِ فِيهِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا (p-٢٢٩)فَقَدْ حَذَفَ مِن كُلِّ جُمْلَةٍ ما دَلَّ عَلَيْهِ ما ثَبَتَ في الأُخْرى فَهو مِن وادِي الِاحْتِباكِ، وسِرُّ ما صَنَعَ في هَذا المَوْضِعِ مِنَ الِاحْتِباكِ أنَّهُ لَمّا كانَ القِتالُ في الشَّهْرِ الحَرامِ قَدْ وقَعَ مِنَ المُسْلِمِينَ حِينَ هَذا السُّؤالِ في سُرِّيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ أبْرَزَ السُّؤالَ عَنْهُ والجَوابَ، ولَمّا كانَ القِتالُ في المَسْجِدِ الحَرامِ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ وسَيَقَعُ مِنَ المُسْلِمِينَ أيْضًا عامَ الفَتْحِ طَواهُ وأضْمَرَهُ، ولَمّا كانَ الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِي هو البَيْتُ والكُفْرُ الواقِعُ بِسَبَبِهِ لَمْ يَقَعْ وسَيَقَعُ مِنَ الكُفّارِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ أخْفى خَبَرَهُ وقَدَّرَهُ، ولَمّا كانَ الإخْراجُ قَدْ وقَعَ مِنهم ذَكَرَ خَبَرَهُ وأظْهَرَهُ؛ فَأظْهَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى ما أبْرَزَهُ عَلى يَدِ الحَدَثانِ، وأضْمَرَ ما أضْمَرَهُ في صَدْرِ الزَّمانِ، وصَرَّحَ بِما صَرَّحَ بِهِ لِسانُ الواقِعِ، ولَوَّحَ إلى ما لَوَّحَ إلَيْهِ صارِمُ الفَتْحِ القاطِعِ - واللَّهُ الهادِي.
والمُرادُ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ الحَرَمُ كُلُّهُ، قالَ الماوَرْدِيُّ مِن أصْحابِنا: كُلُّ مَوْضِعٍ ذَكَرَ اللَّهُ فِيهِ المَسْجِدَ الحَرامَ فالمُرادُ بِهِ الحَرَمُ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] فَإنَّ المُرادَ بِهِ الكَعْبَةُ - نَقَلَهُ عَنِ ابْنِ المُلَقِّنِ.
وقالَ غَيْرُهُ: إنَّهُ يُطْلَقُ أيْضًا عَلى نَفْسِ مَكَّةَ مِثْلَ ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا (p-٢٢٧)مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الإسراء: ١] فَإنَّ في بَعْضِ طُرُقِ البُخارِيِّ: «فُرِّجَ سَقْفُ بَيْتِي وأنا بِمَكَّةَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ صَدْرِي ثُمَّ غَسَلَهُ بِماءِ زَمْزَمَ ثُمَّ جاءَ بِطَسْتٍ - إلى أنْ قالَ: ثُمَّ أخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إلى السَّماءِ» ويُطْلَقُ أيْضًا عَلى نَفْسِ المَسْجِدِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ﴾ [الحج: ٢٥]
ولَمّا كانَ كُلُّ ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ الكُفّارِ فِتْنَةً كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: أكْبَرُ، لِأنَّ ذَلِكَ فِتْنَةٌ ﴿والفِتْنَةُ﴾ أيْ بِالكُفْرِ والتَّكْفِيرِ بِالصَّدِّ والإخْراجِ وسائِرِ أنْواعِ الأذى الَّتِي تَرْتَكِبُونَها بِأهْلِ اللَّهِ في الحَرَمِ والأشْهُرِ الحُرُمِ ﴿أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾ ولَوْ كانَ في الشَّهْرِ الحَرامِ لِأنَّ هَمَّهُ يَزُولُ وغَمَّها يَطُولُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: وقَدْ فَتَنُوكم وقاتَلُوكم وكانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عالِمًا بِأنَّهم إنْ تَراخَوْا في قِتالِهِمْ لِيَتْرُكُوا الكُفْرَ لَمْ يَتَراخَوْا هم في قِتالِهِمْ (p-٢٣١)لِيَتْرُكُوا الإسْلامَ وكانَ أشَدُّ الأعْداءِ مَن إذا تَرَكْتَهُ لَمْ يَتْرُكْكَ قالَ تَعالى عاطِفًا عَلى ما قَدَّرْتَهُ: ﴿ولا يَزالُونَ﴾ أيِ الكُفّارُ ﴿يُقاتِلُونَكُمْ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ قِتالَكم كُلَّما لاحَتْ لَهم فُرْصَةٌ.
ولَمّا كانَ قِتالُهم إنَّما هو لِتَبْدِيلِ الدِّينِ الحَقِّ بِالباطِلِ عَلَّلَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى﴾ ولَكِنَّهم لَمّا كانُوا يُقَدِّرُونَ أنَّهُ هَيِّنٌ عَلَيْهِمْ لِقِلَّةِ المُسْلِمِينَ وضَعْفِهِمْ تَصَوَّرُوهُ غايَةً لا بُدَّ مِنِ انْتِهائِهِمْ إلَيْها، فَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِالتَّعْبِيرِ بِأداةِ الغايَةِ،
﴿يَرُدُّوكُمْ﴾ أيْ كافَّةً ما بَقِيَ مِنكم واحِدٌ ﴿عَنْ دِينِكُمْ﴾ الحَقِّ، ونَبَّهَ عَلى أنَّ ﴿حَتّى﴾ تَعْلِيلِيَّةٌ بِقَوْلِهِ مُخَوِّفًا مِنَ التَّوانِي عَنْهم فَيَسْتَحْكِمُ كَيْدُهم مُلْهِبًا لِلْأخْذِ في الجِدِّ في حَرْبِهِمْ وإنْ كانَ يُشْعِرُ بِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ: ﴿إنِ اسْتَطاعُوا﴾ أيْ إلى ذَلِكَ سَبِيلًا، (p-٢٣٢)فَأنْتُمْ أحَقُّ بِأنْ لا تَزالُوا كَذَلِكَ، لِأنَّكم قاطِعُونَ بِأنَّكم عَلى الحَقِّ وأنَّكم مَنصُورُونَ وأنَّهم عَلى الباطِلِ وهم مَخْذُولُونَ؛ ولا بُدَّ وإنْ طالَ المَدى لِاعْتِمادِكم عَلى اللَّهِ واعْتِمادِهِمْ عَلى قُوَّتِهِمْ، ومَن وُكِلَ إلى نَفْسِهِ ضاعَ؛ فالأمْرُ الَّذِي بَيْنَكم وبَيْنَهم أشَدُّ مِنَ الكَلامِ فَيَنْبَغِي الِاسْتِعْدادُ لَهُ بِعُدَّتِهِ والتَّأهُّبُ لَهُ بِأُهْبَتِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يُلْتَفَتَ إلى التَّأثُّرِ بِكَلامِهِمُ الَّذِي تُوحِيهِ إلَيْهِمُ الشَّياطِينُ طَعْنًا في الدِّينِ وصَدًّا عَنِ السَّبِيلِ وشُبَهِهِمُ الَّتِي أضَلُّوا عَلَيْهِمْ دِينَهم ولا أصْلَ لَها، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى ما وقَعَ مِنَ الرِّدَّةِ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ فَإنَّ القِتالَ عَلى الدِّينِ لَمْ يَنْقَضِ إلّا بَعْدَ الفُرُوغِ مِن أمْرِهِمْ.
قالَ الحَرالِيُّ: الِاسْتِطاعَةُ مُطاوَعَةُ النَّفْسِ في العَمَلِ وإعْطاؤُها الِانْقِيادَ فِيهِ، ثُمَّ قالَ: فِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ طائِفَةً تَرْتَدُّ عَنْ دِينِها وطائِفَةً تَثْبُتُ، لِأنَّ كَلامَ اللَّهِ لا يَخْرُجُ في بَتِّهِ واشْتِراطِهِ إلّا لِمَعْنًى واقِعٍ لِنَحْوٍ ما ويُوَضِّحُهُ تَصْرِيحُ الخِطابِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ﴾ إلى آخِرِهِ؛ وهو مِنَ الرِّدَّةِ ومِنهُ الرِّدَّةُ وهو كَفٌّ بِكُرْهٍ لِما شَأْنُهُ الإقْبالُ بِوَفْقٍ - انْتَهى.
وكانَ صِيغَةُ الِافْتِعالِ المُؤْذِنَةِ بِالتَّكَلُّفِ والعِلاجِ إشارَةً إلى أنَّ الدِّينَ لا يُرْجَعُ عَنْهُ إلّا بِإكْراهِ النَّفْسِ لِما في مُفارَقَةِ الإلْفِ مِنَ الألَمِ؛ وإجْماعُ القُرّاءِ عَلى الفَكِّ هُنا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الحُبُوطَ (p-٢٣٣)مَشْرُوطٌ بِالكُفْرِ ظاهِرًا بِاللِّسانِ وباطِنًا بِالقَلْبِ فَهو مُلِيحٌ بِالعَفْوِ عَنْ نُطْقِ اللِّسانِ مَعَ طُمَأْنِينَةِ القَلْبِ، وأشارَتْ قِراءَةُ الإدْغامِ في المائِدَةِ إلى أنَّ الصَّبْرَ أرْفَعُ دَرَجَةٍ مِنَ الإجابَةِ بِاللِّسانِ وإنْ كانَ القَلْبُ مُطْمَئِنًّا.
ولَمّا حَماهم سُبْحانَهُ وتَعالى بِإضافَةِ الدِّينِ إلَيْهِمْ بِأنَّهم يُرِيدُونَ سَلْبَهم ما اخْتارُوهُ لِأنْفُسِهِمْ لِحَقِّيَّتِهِ ورَدِّهم قَهْرًا إلى ما رَغِبُوا عَنْهُ لِبُطْلانِهِ خَوَّفَهم مِنَ التَّراخِي عَنْهم حَتّى يَصِلُوا إلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ﴾ أيْ يَفْعَلُ ما يَقْصِدُونَهُ مِنَ الرِّدَّةِ ﴿عَنْ دِينِهِ﴾ وعَطَفَ عَلى الشَّرْطِ قَوْلَهُ: ﴿فَيَمُتْ﴾ أيْ فَيَتَعَقَّبُ رِدَّتَهُ أنَّهُ يَمُوتُ ﴿وهُوَ﴾ أيْ (p-٢٣٤)والحالُ أنَّهُ ﴿كافِرٌ﴾
ولَمّا أفْرَدَ الضَّمِيرَ عَلى اللَّفْظِ نَصًّا عَلى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ جَمَعَ لِأنَّ إخْزاءَ الجَمْعِ إخْزاءٌ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنهم ولا عَكْسَ، وقَرَنَهُ بِفاءِ السَّبَبِ إعْلامًا بِأنَّ سُوءَ أعْمالِهِمْ هو السَّبَبُ في وبالِهِمْ فَقالَ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ البُعَداءُ البَغْضاءُ ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ أيْ بَطَلَتْ مَعانِيها وبَقِيَتْ صُوَرُها؛ مِن حَبِطَ الجُرْحُ إذا بَرَأ ونُفِيَ أثَرُهُ.
وقالَ الحَرالِيُّ: مِنَ الحَبَطِ وهو فَسادٌ في الشَّيْءِ الصّالِحِ يَأْتِي عَلَيْهِ مِن وجْهٍ يُظَنُّ بِهِ صَلاحُهُ وهو في الأعْمالِ بِمَنزِلَةِ البَطْحِ في الشَّيْءِ القائِمِ الَّذِي يُقْعِدُهُ عَنْ قِيامِهِ كَذَلِكَ الحَبَطُ في الشَّيْءِ الصّالِحِ يُفْسِدُهُ عَنْ وهْمِ صَلاحِهِ ﴿فِي الدُّنْيا﴾ بِزَوالِ ما فِيها مِن رُوحِ الأُنْسِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولَطِيفِ الوُصْلَةِ بِهِ وسُقُوطِ إضافَتِها إلَيْهِمْ إلّا مَقْرُونَةً بِبَيانِ حُبُوطِها فَقَطْ بَطَلَ ما كانَ لَها مِنَ الإقْبالِ مِنَ الحَقِّ (p-٢٣٥)والتَّعْظِيمِ مِنَ الخَلْقِ ﴿والآخِرَةِ﴾ بِإبْطالِ ما كانَ يَسْتَحِقُّ عَلَيْها مِنَ الثَّوابِ بِصادِقِ الوَعْدِ.
ولَمّا كانَتِ الرِّدَّةُ أقْبَحَ أنْواعِ الكُفْرِ كَرَّرَ المُناداةَ بِالبُعْدِ عَلى أهْلِها فَقالَ: ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ فَدَلَّ بِالصُّحْبَةِ عَلى أنَّهم أحَقُّ النّاسِ بِها فَهم غَيْرُ مُنْفَكِّينَ مِنها.
ولَمّا كانُوا كَذَلِكَ كانُوا كَأنَّهُمُ المُخْتَصُّونَ بِها دُونَ غَيْرِهِمْ لِبُلُوغِ ما لَهم فِيها مِنَ السُّفُولِ إلى حَدٍّ لا يُوازِيهِ غَيْرُهُ فَتَكُونُ لِذَلِكَ اللَّحْظِ لَهم بِالأيّامِ مِن غَيْرِهِمْ فَقالَ تَقْرِيرًا لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ أيْ مُقِيمُونَ إقامَةً لا آخِرَ لَها، وهَذا الشَّرْطُ مُلَوِّحٌ إلى ما وقَعَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الرِّدَّةِ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى إذا ساقَ شَيْئًا مَساقَ الشَّرْطِ اقْتَضى أنَّهُ سَيَقَعُ شَيْءٌ مِنهُ فَيَكُونُ المَعْنى: ومَن يَرْتَدَّ فَيَتُبْ عَنْ رِدَّتِهِ يَتُبِ اللَّهُ عَلَيْهِ كَما وقَعَ لِأكْثَرِهِمْ، وكانَ التَّعْبِيرُ بِما قَدْ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ إشارَةً إلى أنَّ عَذابَ غَيْرِهِمْ (p-٢٣٦)عَدَمٌ بِالنِّسْبَةِ إلى عَذابِهِمْ لِأنَّ كُفْرَهم أفْحَشُ أنْواعِ الكُفْرِ.
2:218Page 34
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ يَرۡجُونَ رَحۡمَتَ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢١٨
Indeed, those who have believed and those who have emigrated and fought in the cause of Allāh - those expect the mercy of Allāh. And Allāh is Forgiving and Merciful.
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى المَقْطُوعَ لَهم بِالنّارِ بَيَّنَ الَّذِينَ هم أهْلٌ لِرَجاءِ الجَنَّةِ لِئَلّا يَزالَ العَبْدُ هارِبًا مِن مُوجِباتِ النّارِ مُقْبِلًا عَلى مُرْجِئاتِ الجَنَّةِ خَوْفًا مِن أنْ يَقَعَ فِيما يُسْقِطُ رَجاءَهُ -
وقالَ الحَرالِيُّ: لَمّا ذَكَرَ أمْرَ المُتَزَلْزِلِينَ ذَكَرَ أمْرَ الثّابِتِينَ؛ انْتَهى - فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِالإيمانِ.
ولَمّا كانَتِ الهِجْرَةُ الَّتِي هي فِراقُ المَأْلُوفِ والجِهادُ الَّذِي هو المُخاطَرَةُ بِالنَّفْسِ في مُفارَقَةِ وطَنِ البَدَنِ والمالِ في مُفارَقَةِ وطَنِ النِّعْمَةِ أعْظَمَ الأشْياءِ عَلى النَّفْسِ بَعْدَ مُفارَقَةِ وطَنِ الدِّينِ كَرَّرَ لَهُما المَوْصُولَ إشْعارًا (p-٢٣٧)بِاسْتِحْقاقِهِما لِلصّالَّةِ في أنْفُسِهِما فَقالَ مُؤَكِّدًا لِلْمَعْنى بِالإخْراجِ في صِيغَةِ المُفاعَلَةِ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا المُهاجَرَةَ بِأنْ فارَقُوا بُغْضًا ونَفْرَةً تَصْدِيقًا لِإقْرارِهِمْ بِذَلِكَ دِيارَهم ومَن خالَفَهم فِيهِ مِن أهْلِهِمْ وأحْبابِهِمْ.
قالَ الحَرالِيُّ: مِنَ المُهاجَرَةِ وهو مُفاعَلَةٌ مِنَ الهِجْرَةِ وهو التَّخَلِّي عَمّا شَأْنُهُ الِاغْتِباطُ بِهِ لِمَكانِ ضَرَرٍ مِنهُ ﴿وجاهَدُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا المُجاهَدَةَ، مُفاعَلَةٌ مِنَ الجَهْدِ - فَتْحًا وضَمًّا، وهو الإبْلاغُ في الطّاقَةِ والمَشَقَّةِ في العَمَلِ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ دِينِ المَلِكِ الأعْظَمِ كُلَّ مَن خالَفَهم ﴿أُولَئِكَ﴾ العالُّو الرُّتْبَةِ العَظِيمُو الزُّلْفى والقُرْبَةِ ولَمّا كانَ أجْرُهم إنَّما هو مِن فَضْلِ اللَّهِ قالَ: ﴿يَرْجُونَ﴾ مِنَ الرَّجاءِ وهو تَرَقُّبُ الِانْتِفاعِ بِما تَقَدَّمَ لَهُ سَبَبُ ما - قالَهُ الحَرالِيُّ ﴿رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ (p-٢٣٨)أيْ إكْرامُهُ لَهم غَيْرَ قاطِعِينَ بِذَلِكَ عِلْمًا مِنهم أنَّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ لِأنَّهُ المَلِكُ الأعْظَمُ فَلا كُفُؤَ لَهُ وهم غَيْرُ قاطِعِينَ بِمَوْتِهِمْ مُحْسِنِينَ، قاطِعُونَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَوْ أخَذَهم بِما يَعْلَمُ مِن ذُنُوبِهِمْ عَذَّبَهم.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَحَلَّ النُّقْصانِ فَهو لا يَزالُ في فِعْلِ ما إنْ أُوخِذَ بِهِ هَلَكَ قالَ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ مُبَشِّرًا بِسِعَةِ الحِلْمِ في جُمْلَةٍ حالِيَّةٍ مِن واوِ ﴿يَرْجُونَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ويَخافُونَ عَذابَهُ فاللَّهُ مُنْتَقِمٌ عَظِيمٌ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ سَتُورٌ لِما فَرَطَ مِنهم مِنَ الصَّغائِرِ أوْ تابُوا عَنْهُ مِنَ الكَبائِرِ ﴿رَحِيمٌ﴾ فاعِلٌ بِهِمْ فِعْلَ الرّاحِمِ مِنَ الإحْسانِ والإكْرامِ والِاسْتِقْبالِ بِالرِّضا.
قالَ الحَرالِيُّ: وفي الخَتْمِ بِالرَّحْمَةِ أبَدًا في خَواتِمِ الآيِ إشْعارٌ بِأنَّ (p-٢٣٩)فَضْلَ اللَّهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ابْتِداءُ فَضْلٍ لَيْسَ في الحَقِيقَةِ جَزاءَ العَمَلِ فَكَما يَرْحَمُ العَبْدُ طِفْلًا ابْتِداءً يَرْحَمُهُ كَهْلًا انْتِهاءً ويَبْتَدِئُهُ بِرَحْمَتِهِ في مَعادِهِ كَما ابْتَدَأهُ بِرَحْمَتِهِ في ابْتِدائِهِ - انْتَهى بِالمَعْنى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences