Al-Biqa'iAl‑Baqarah · 2:22–23

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:22–23

2:22Page 4

ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٢

[He] who made for you the earth a bed [spread out] and the sky a ceiling and sent down from the sky, rain and brought forth thereby fruits as provision for you. So do not attribute to Allāh equals while you know [that there is nothing similar to Him].

وما أحْسَنَ الأمْرَ بِالعِبادَةِ حالَ الِاسْتِدْلالِ عَلى اسْتِحْقاقِها بِخَلْقِ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ وما بَعْدَهُ عَقِبَ إثْباتِ قُدْرَةِ الدّاعِي المُشِيرَةِ إلى التَّرْهِيبِ مِن سَطَواتِهِ ! ولَقَدْ بَدَعَ هَذا الِاسْتِدْلالُ عَلى التَّفَرُّدِ بِالِاسْتِحْقاقِ عَقِبَ أحْوالِ مَن قَرُبَ أنَّهم في غايَةِ الجُمُودِ بِأُمُورٍ مُشاهَدَةٍ يَصِلُ إلَيْها كُلُّ عاقِلٍ بِأوَّلِ وهْلَةٍ مِن دَحْوِ الأرْضِ وما بَعْدَهُ مِمّا بِهِ قَوامُ بَقائِهِمْ مِنَ السَّكَنِ والرِّزْقِ في سِياقٍ مُنَبِّهٍ عَلى النِّعْمَةِ مُحَذِّرٍ مِن سَلْبِها دالٍّ عَلى الإلَهِ بَعْدَ (p-١٤٥)الدَّلالَةِ بِالأنْفُسِ مِن حَيْثُ إنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْرِفُ ضَرُورَةً أنَّهُ وُجِدَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُوجِدٍ غَيْرَ النّاسِ، لِما يُشاهِدُ مِن أنَّ حالَ الكُلِّ كَحالِهِ بِالدَّلالَةِ بِالآفاقِ مِن حَيْثُ إنَّها مُتَغَيِّرَةٌ، فَهي مُفْتَقِرَةٌ إلى مُغَيِّرٍ هو الَّذِي أحْدَثَها لَيْسَ بِمُتَغَيِّرٍ، لِأنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جُسْمانِيٍّ في سِياقٍ مُذَكِّرٍ بِالنِّعَمِ الجِسامِ المُوجِبَةِ لِمَحَبَّةِ المُنْعِمِ وتَرْكِ المُنازَعَةِ وحُصُولِ الِانْقِيادِ فَقالَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الجَعْلِ وهو إظْهارُ أمْرٍ عَنْ سَبَبٍ وتَصْيِيرٍ ﴿لَكُمُ الأرْضَ﴾ أيِ المَحَلَّ الجامِعَ لِنَباتِ كُلِّ نابِتٍ ظاهِرٍ أوْ باطِنٍ، فالظّاهِرُ كالمَوالِدِ وكُلُّ ما الماءُ أصْلُهُ، والباطِنُ كالأعْمالِ والأخْلاقِ وكُلُّ ما أصْلُهُ ما الماءُ آيَتُهُ كالهُدى والعِلْمِ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ ولِتَحَقُّقِ دَلالَةِ اسْمِها عَلى هَذا المَعْنى جاءَ وصْفُها بِذَلِكَ مِن لَفْظِ اسْمِها فَقِيلَ: أرْضٌ أرِيضَةٌ، لِلْكَرِيمَةِ المُنْبِتَةِ، وأصْلُ مَعْناها ما سَفَلَ في مُقابَلَةِ مَعْنى السَّماءِ الَّذِي (p-١٤٦)هُوَ ما عَلا عَلى سُفْلِ الأرْضِ كَأنَّها لَوْحُ قَلَمِهِ الَّذِي يَظْهَرُ فِيها كِتابُهُ. انْتَهى.

﴿فِراشًا﴾ وهي بِساطٌ سَقْفُهُ السَّماءُ وهي مُسْتَقَرُّ الحَيَوانِ مِنَ الأحْياءِ والأمْواتِ، وأصْلُهُ كَما قالَ الحَرالِّيُّ: بِساطٌ يُضْطَجَعُ عَلَيْهِ لِلرّاحَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ،

﴿والسَّماءَ بِناءً﴾ أيْ خَيْمَةً تُحِيطُ بِصَلاحِ مَوْضِعِ السَّكَنِ وهو لَعَمْرِي بِناءٌ جَلِيلُ القَدْرِ، مُحْكَمُ الأمْرِ، بَهِيُّ المَنظَرِ، عَظِيمُ المَخْبَرِ.

ورُتِّبَتْ هَذِهِ النِّعَمُ الدّالَّةُ عَلى الخالِقِ الدّاعِيَةُ إلى شُكْرِهِ أحْكَمَ تَرْتِيبٍ، قَدَّمَ الإنْسانَ لِأنَّهُ أعْرَفُ بِنَفْسِهِ، والنِّعْمَةُ عَلَيْهِ أدْعى إلى الشُّكْرِ، وثَنّى (p-١٤٧)بِمَن قَبْلَهُ لِأنَّهُ أعْرَفُ بِنَوْعِهِ، وثَلَّثَ بِالأرْضِ لِأنَّها مَسْكَنُهُ الَّذِي لا بُدَّ لَهُ مِنهُ، ورَبَّعَ بِالسَّماءِ لِأنَّها سَقْفُهُ، وخَمَّسَ بِالماءِ لِأنَّهُ كالأثَرِ والمَنفَعَةِ الخارِجَةِ مِنها وما يَخْرُجُ بِسَبَبِهِ مِنَ الرِّزْقِ كالنَّسْلِ المُتَوَلِّدِ بَيْنَهُما فَقالَ: ﴿وأنْـزَلَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الإنْزالِ وهو الإهْواءُ بِالأمْرِ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ. انْتَهى.

﴿مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ بِإثارَتِها الرِّياحَ المُثِيرَةَ لِلسَّحابِ الحامِلِ لِلْماءِ ﴿ماءً﴾ أيْ جِسْمًا لَطِيفًا يُبْرِدُ غَلَّةَ العَطَشِ، بِهِ حَياةُ كُلِّ نامٍ. قالَ الحَرالِّيُّ: وهو أوَّلُ ظاهِرٍ لِلْعَيْنِ مِن أشْباحِ الخَلْقِ ﴿فَأخْرَجَ﴾ مِنَ الإخْراجِ وهو إظْهارٌ مِن حِجابٍ، وفي سَوْقِهِ بِالفاءِ تَحْقِيقٌ لِلتَّسْبِيبِ في الماءِ. انْتَهى.

وأتى بِجَمْعِ القِلَّةِ في الثَّمَرِ ونَكَّرَ الرِّزْقَ مَعَ المُشاهَدَةِ لِأنَّهُما بالِغانِ في الكَثْرَةِ إلى حَدٍّ لا يُحْصى تَحْقِيرًا لَهُما في جَنْبِ قُدْرَتِهِ إجْلالًا لَهُ فَقالَ (p-١٤٨)﴿بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا﴾ وإخْراجُ الأشْياءِ في حِجابِ الأسْبابِ أوْفَقُ بِالتَّكْلِيفِ بِالإيمانِ بِالغَيْبِ، لِأنَّهُ كَما قِيلَ: لَوْلا الأسْبابُ لَما ارْتابَ المُرْتابُ، والثَّمَرُ كَما قالَ الحَرالِّيُّ: مَطْعُوماتُ النَّجْمِ والشَّجَرِ وهي عَلَيْها، وعَبَّرَ بِمِن لِأنَّ لَيْسَ كُلُّ الثَّمَراتِ رِزْقًا لِما يَكُونُ عَلَيْهِ وفِيهِ مِنَ العَصْفِ والقِشْرِ والنَّوى، ولَيْسَ أيْضًا مِن كُلِّ الثَّمَراتِ رِزْقٌ فَمِنهُ ما هو لِلْمُداواةِ ومِنهُ سُمُومٌ وغَيْرُ ذَلِكَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿لَكُمُ﴾ إشْعارٌ بِأنَّ في الرِّزْقِ تَكْمِلَةً لِذَواتِهِمْ ومَصِيرًا إلى أنْ يَعُودَ بِالجَزاءِ مِنهم.

وقَدْ وُصِفَ الرَّبُّ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَوْصُولَيْنِ ذَكَرَ صِلَةَ الثّانِي بِلَفْظِ (p-١٤٩)الجَعْلِ، لِأنَّ حالَ القَوّامِ مُرَتَّبٌ عَلى حالِ الخَلْقِ، ومُصَيَّرٌ مِنهُ، فَلا يَشُكُّ ذُو عَقْلٍ في اسْتِحْقاقِ الِانْقِيادِ لِمَن تَوَلّى خَلْقَهُ وأقامَ تَرْكِيبَهُ؛ ولا يَشُكُّ ذُو حِسٍّ إذا تَيَقَّظَ مِن نَوْمٍ أوْ غَفْلَةٍ فَوَجَدَ بِساطًا قَدْ فُرِشَ لَهُ وخَيْمَةً قَدْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِ وعُولِجَ لَهُ طَعامٌ وشَرابٌ قُدِّمَ لَهُ أنَّ نَفْسَهُ تَنْبَعِثُ بِذاتِها لِتَعْظِيمِ مَن فَعَلَ ذَلِكَ بِها ولِتَقَلُّدِ نِعْمَتِهِ وإكْبارِهِ؛ فَلِتَنْزِيلِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ إلى هَذا البَيانِ الَّذِي يَضْطَرُّ النَّفْسَ إلى الإذْعانِ ويَدْخُلُ العِلْمُ بِمُقْتَضاها في رُتْبَةِ الضَّرُورَةِ والوِجْدانِ كانَتْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ دَعْوَةً عَرَبِيَّةً جارِيَةً عَلى مُقْتَضى أحْوالِ العَرَبِ، لِأنَّ العَرَبَ لا تَعْدُو بِأنْفُسِها العِلْمَ الضَّرُورِيَّ ولَيْسَ مِن شَأْنِها تَكَلُّفُ الأفْكارِ والتَّسَبُّبُ إلى تَوانِي العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ المَأْخُوذَةِ مِن مُقْتَضى الأماراتِ والأدِلَّةِ، فَعُومِلَتْ بِما جُبِلَتْ عَلَيْهِ فَتَنْزِلُ لَها لِتَكُونَ (p-١٥٠)نَقْلَتُها مِن فِطْرَةٍ إلى فِطْرَةٍ ومِن عِلْمٍ وِجْدانِيٍّ إلى عِلْمٍ وِجْدانِيٍّ عَلِيٍّ لِتُحْفَظَ عَلَيْها رُتْبَةُ الإعْرابِ والبَيانِ بِأنْ لا يَتَسَبَّبَ لَها إلى دُخُولِ رَيْبٍ في عُلُومِها، لِأنَّ كُلَّ عِلْمٍ مُكْتَسَبٍ يُتَكَلَّفُ التَّسَبُّبُ لَهُ بِآياتٍ وعَلاماتٍ ودَلائِلَ تَبْعُدُ مِنَ الحِسِّ وأوائِلِ هُجُومِ العَقْلِ تَتَعارَضُ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ ويَعْتادُهُ الرَّيْبُ، فَحُفِظَتْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ العَرَبِيَّةُ عَنِ التَّكَلُّفِ وأُجْرِيَتْ عَلى ما أحْكَمَهُ صَدْرُ السُّورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]

واعْلَمْ أنَّ حالَ المَخْلُوقِ في رِزْقِهِ مُحاذًى بِهِ حالُهُ في كَوْنِهِ، فَيُعْلَمُ بِالِاعْتِبارِ والتَّناسُبِ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ تَتَعَلَّمَ مِن جِهَتِهِ المَجْهُولاتُ أنَّ الماءَ بَزْرُ كَوْنِ الإنْسانِ كَما أنَّ الماءَ أصِلُ رِزْقِهِ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَن سَألَهُ مِمَّنْ هو فَلَمْ يُرِدْ أنْ يُعَيِّنَ لَهُ نَفْسَهُ: «نَحْنُ مِن ماءٍ» . ويُعْلَمُ كَذَلِكَ (p-١٥١)أيْضًا أنَّ لِلْأرْضِ والسَّماءِ مَدْخَلًا في أمْشاجِ الإنْسانِ رُتِّبَ عَلَيْهِ مُدْخَلُها في كَوْنِ رِزْقِهِ، وفي ذِكْرِ الأرْضِ مَعْرِفَةً أخْذٌ لِلْأرْضِ إلى نِهايَتِها وكَمالِها، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَنِ اغْتَصَبَ شِبْرًا مِن أرْضٍ؛ طَوَّقَهُ مِن سَبْعِ أرَضِينَ» . وكَذَلِكَ ذِكْرُ السَّماءِ أخْذٌ لَها إلى نِهايَتِها وكَمالِها؛ وقَدَّمَ الأرْضَ لِأنَّ نَظَرَ النُّفُوسِ إلى ما تَحْتَها أسْبَقُ لَها مِن نَظَرِها إلى ما عَلا عَلَيْها. ثُمَّ قالَ: ولِوُضُوحِ آيَةِ الرُّبُوبِيَّةِ تَقَلَّدَها الأكْثَرُ وإنَّما تَوَقَّفُوا في الرِّسالَةِ ولِذَلِكَ وصَلَ ذِكْرُ الرِّسالَةِ بِالتَّهْدِيدِ. انْتَهى.

ولَمّا أمَرَ بِعِبادَتِهِ وذَكَّرَهم سُبْحانَهُ بِما يَعْلَمُونَ أنَّهُ فاعِلُهُ وحْدَهُ؛ حَسُنَ النَّهْيُ عَنْ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ما لا أثَرَ لَهُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، بِفاءِ التَّسَبُّبِ عَنِ الأمْرَيْنِ كِلَيْهِما، قالَ مُعَبِّرًا بِالجَلالَةِ عَلى ما هو الألْيَقُ بِالتَّوْبِيخِ عَلى تَألُّهِ الغَيْرِ: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ﴾ أيْ ما إحاطَتُهُ بِصِفاتِ الكَمالِ. ويَجُوزُ أنْ (p-١٥٢)يَكُونَ مُسَبَّبًا عَنِ التَّقْوى المُرْتَجاةِ فَتَكُونُ لا نافِيَةً والفِعْلُ مَنصُوبٌ ﴿أنْدادًا﴾ أيْ عَلى حَسَبِ زَعْمِكم أنَّها تَفْعَلُ ما تُرِيدُونَ. قالَ الحَرالِّيُّ: جَمْعُ نِدٍّ وهو المُقاوِمُ في صِفَةِ القِيامِ والدَّوامِ، وعَبَّرَ بِالجَعْلِ لِأنَّ بِالجَعْلِ والمَصِيرِ مِن حالٍ إلى حالٍ أدْنى مِنها تَرِيْنُ الغَفْلَةُ عَلى القُلُوبِ، حَتّى لا تَشْهَدَ في النِّعَمِ والنِّقَمِ إلّا الخَلْقَ مِن مَلِكٍ أوْ ذِي إمْرَةٍ أوْ مِن أيِّ ذِي يَدٍ عُلْيا كانَ، ولَمّا شَهِدُوا ذَلِكَ مِنهم تَعَلَّقَ بِهِمْ رَجاؤُهم وخَوْفُهم وعاقَبَهم رَبُّهم عَلى ذَلِكَ بِأيْدِيهِمْ فاشْتَدَّ داعِي رَجائِهِمْ لَهم وسائِقُ خَوْفِهِمْ مِنهم فَتَذَلَّلُوا لَهم وخَضَعُوا، فَصارُوا بِذَلِكَ عَبَدَةَ الطّاغُوتِ وجَعَلُوهم لِلَّهِ أنْدادًا. انْتَهى.

وما أحْسَنَ قَوْلَهُ في تَأْنِيبِهِمْ وتَنْبِيهِهِمْ عَلى ما أزَرُوا بِأنْفُسِهِمْ: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ والحالُ أنَّكم ذَوُو عِلْمٍ عَلى ما تَزْعُمُونَ (p-١٥٣)فَإنَّهُ يُلَوِّحُ إلى أنَّ مَن أشْرَكَ بِهِ مَعَ قِيامِ هَذِهِ الأدِلَّةِ؛ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنهُ العِلْمُ، فَكانَ في عِدادِ البَهائِمِ. وفِيهِ كَما قالَ الحَرالِّيُّ: إعْلامٌ بِظُهُورِ آياتِ ما يَمْنَعُ جَعْلَ النِّدِّ لِما يُشاهِدُ أنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ أدْناهم وأعْلاهم مُقامُونَ مِنَ السَّماءِ وفي الأرْضِ ومِنَ الماءِ، فَمَن جَعَلَ لِلَّهِ نِدًّا مِمّا حَوَتْهُ السَّماءُ والأرْضُ واسْتَمَدَّ مِنَ الماءِ فَقَدْ خالَفَ العِلْمَ الضَّرُورِيَّ الَّذِي بِهِ تَقَلَّدَ التَّذَلُّلَ لِلرُّبُوبِيَّةِ في نَفْسِهِ، فَإنْ يُحْكَمْ بِذَلِكَ عَلى غَيْرِهِ مِمّا حالُهُ كَحالِهِ أحَقُّ في العِلْمِ. انْتَهى.

وفِي تَعْقِيبِها لِما قَبِلَها غايَةُ التَّبْكِيتِ عَلى (p-١٥٤)مَن تَرَكَ هَذا القادِرَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وعَبَدَ ما لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ.

وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ المُحْكَمِ الَّذِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الشَّرائِعُ واجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الكُتُبُ، وهو عَمُودُ الخُشُوعِ، وعَلَيْهِ مَدارُ الذُّلِّ والخُضُوعِ. قالَ الإمامُ أبُو الحَسَنِ الحَرالِّيُّ في العُرْوَةِ: وجْهُ إنْزالِ هَذا الحَرْفِ: تَحْقِيقُ اتِّصافِ العَبْدِ بِما هو اللّائِقُ بِهِ في صِدْقِ وِجْهَتِهِ إلى الحَقِّ بِانْقِطاعِهِ عَنْ نَفْسِهِ وبَراءَتِهِ مِنها والتِجائِهِ إلى رَبِّهِ اسْتِسْلامًا، وجُهْدِهِ في خِدْمَتِهِ إكْبارًا واسْتِنادِهِ إلَيْهِ اتِّكالًا، وسُكُونِهِ لَهُ طُمَأْنِينَةً ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] ويَتَأكَّدُ تَحَلِّي العَبْدِ بِمُسْتَحِقِّ أوْصافِهِ لِقِراءَةِ هَذا الحَرْفِ والعَمَلِ بِهِ بِحَسَبَ بَراءَتِهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِنَظِيرِهِ المُتَشابِهِ، لِأنَّ اتِّباعَ المُتَشابِهِ زَيْغٌ لِقُصُورِ العَقْلِ والفَهْمِ عَنْ نَيْلِهِ، ووُجُوبِ الِاقْتِصارِ عَلى الإيمانِ بِهِ مِن غَيْرِ مُوازَنَةٍ بَيْنَ ما خاطَبَ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ لِلتَّعَرُّفِ وبَيْنَ ما جَعَلَهُ لِلْعَبْدِ لِلِاعْتِبارِ، سُبْحانَهُ مَن لَمْ يَجْعَلْ سَبِيلًا إلى مَعْرِفَتِهِ إلّا بِالعَجْزِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ.

وجامِعُ مُنَزَّلِ المُحْكَمِ: ما افْتَتَحَ بِهِ التَّنْزِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] الآياتِ، وما قَدَّمَ في التَّرْتِيبِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ (p-١٥٥)اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] إلى ما يَنْتَظِمُ بِذَلِكَ مِن ذِكْرِ عِبادَةِ القَلْبِ الَّتِي هي المَعْرِفَةُ ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فَلْيَكُنْ أوَّلُ ما تَدْعُوهم إلَيْهِمْ عِبادَةَ اللَّهِ فَإذا عَرَفُوا اللَّهَ، ومَن ذَكَرَ عِبادَةَ النَّفْسِ الَّتِي هي الإجْمالُ في الصَّبْرِ وحُسْنِ الجَزاءِ ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨] ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد: ٢٢] ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] «لَوْ خَشَعَ قَلَبُ هَذا؛ لَخَشَعَتْ جَوارِحُهُ» . . . إلى سائِرِ أحْوالِ العَبْدِ الَّتِي يَتَحَقَّقُ بِها في حالِ الوُجْهَةِ إلى الرَّبِّ، وما تَقَدَّمَ مِن حَرْفَيِ الحَلالِ والحَرامِ لِإصْلاحِ الدُّنْيا، وحَرْفَيِ الأمْرِ والنَّهْيِ لِإصْلاحِ العُقْبى مُعامَلَةُ كِتابِهِ، والعَمَلُ بِهَذا الحَرْفِ اغْتِباطٌ بِالرِّقِّ وعِياذٌ مِنَ العِتْقِ، فَلِذَلِكَ هو أوَّلُ الِاخْتِصاصِ ومَبْدَأُ الِاصْطِفاءِ وإفْرادُ مُوالاةِ اللَّهِ وحْدَهُ مِن غَيْرِ شِرْكٍ في نَفْسٍ ولا غَيْرٍ، ولِذَلِكَ بُدِئَ بِتَنْزِيلِهِ النَّبِيُّ العَبْدُ ﷺ، وهو ثَمَرَةُ ما قَبْلَهُ وأساسُ (p-١٥٦)ما بَعْدَهُ، وهو لِلْعَبْدِ أحْوالٌ مُحَقِّقَةٌ لا يُشْرِكُهُ فِيها ذُو رِثاءٍ ولا نِفاقٍ، ويُشْرِكُهُ في الأرْبَعَةِ المُتَقَدِّمَةِ - يَعْنِي النَّهْيَ والأمْرَ والحَلالَ والحَرامَ، لِأنَّها أعْمالٌ ظاهِرَةٌ فَيَتَحَلّى بِها المُنافِقُ، ولَيْسَ يُمْكِنُهُ مَعَ نِفاقِهِ التَّحَلِّي بِالمَعْرِفَةِ، ولا بِالخُشُوعِ، ولا بِالخُضُوعِ، ولا بِالشَّوْقِ لِلِّقاءٍ، ولا بِالحُزْنِ في الإبْطاءِ، ولا بِالرِّضا بِالقَضاءِ، ولا بِالحُبِّ الجاذِبِ لِلْبَقاءِ في طَرِيقِ الفَناءِ، ولا بِشَيْءٍ مِمّا شَمِلَهُ آياتُ المُحْكَمِ المُنَزَّلَةُ في القُرْآنِ، وأحادِيثُهُ الوارِدَةُ لِلْبَيانِ، وإنَّما يَتَّصِفُ بِهَذا الحَرْفِ عِبادُ الرَّحْمَنِ ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] الَّذِينَ لَيْسَ لِلشَّيْطانِ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]

ولَمّا كانَ حَرْفُ المُحْكَمِ مُسْتَحَقَّ العَبْدِ في حَقِّ الرَّبِّ في فِطْرَتِهِ الَّتِي فَطَرَ عَلَيْها؛ كانَ ثابِتًا في كُلِّ مِلَّةٍ، وفي كُلِّ شِرْعَةٍ، فَكانَتْ آياتُهُ لِذَلِكَ هُنَّ أُمَّ الكِتابِ المُشْتَمِلِ عَلى الأحْرُفِ الأرْبَعَةِ، لِتَبَدُّلِها وتَناسُخِها وتَناسُبِها في الشَّرْعِ والمِلَلِ واخْتِلافِها عَلى مَذاهِبِ الأئِمَّةِ في المِلَّةِ الجامِعَةِ، مَعَ اتِّفاقِ المِلَلِ في الحَرْفِ المُحْكَمِ فَهو أُمُّها وقِيامُها الثّابِتُ حالَ تَبَدُّلِها وهو حَرْفُ الهُدى الَّذِي يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَن يَشاءُ، وقَرَأتُهُ العَمَلَةُ بِهِ هُمُ المُهْتَدُونَ أهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، كَما أنَّ المُتَّبِعِينَ لِحِرَفِ المُتَشابِهِ هُمُ المُتَفَرِّقُونَ في المِلَلِ وهم أهْلُ البِدَعِ والأهْواءِ المُشْتَغِلُونَ بِما لا يَعْنِيهِمْ، (p-١٥٧)وبِهَذا الحَرْفِ المُتَشابِهِ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ؛ فَحَرْفُ المُحْكَمِ لِلِاجْتِماعِ والهُدى، وحَرْفُ المُتَشابِهِ لِلِافْتِراقِ والضَّلالِ ﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]

ثُمَّ قالَ: اعْلَمْ أنَّ قِراءَةَ الأحْرُفِ الماضِيَةِ الأرْبَعَةِ هو حَظُّ العامَّةِ مِنَ الأُمَّةِ، العامِلِينَ لِرَبِّهِمْ عَلى الجَزاءِ، المُقارِضِينَ لَهُ عَلى المُضاعَفَةِ. وقِراءَةُ هَذا الحَرْفِ تَمامًا هو حَظُّ المُتَحَقِّقِينَ بِالعُبُودِيَّةِ، المُتَعَبِّدِينَ بِالأحْوالِ الصّادِقَةِ، المُشْفِقِينَ مِن وهْمِ المُعامَلَةِ؛ لِشُعُورِهِمْ أنَّ العَبْدَ لِسَيِّدِهِ مُصَرَّفٌ فِيما شاءَ وكَيْفَ شاءَ، لَيْسَ لَهُ في نَفْسِهِ حَقٌّ ولا حُكْمٌ، ولا حُجَّةَ لَهُ عَلى سَيِّدِهِ فِيما أقامَهُ فِيهِ مِن صُورَةِ سَعادَةٍ أوْ شَقاوَةٍ ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الإنفطار: ٨] ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١]

والَّذِي تَحْصُلُ بِهِ قِراءَةُ هَذا الحَرْفِ إمّا مِن جِهَةِ القَلْبِ؛ فالمَعْرِفَةُ بِعُبُودِيَّةِ الخَلْقِ لِلْحَقِّ رِقُّ خَلْقٍ ورِزْقٍ وتَصْرِيفٍ فِيما شاءَ مِمّا بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ ومِمّا بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ ومِمّا بَيْنَهُ وبَيْنَ أمْثالِهِ مِن سائِرِ العِبادِ، لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا، ولا يَأْخُذُ إلّا ما أعْطاهُ سَيِّدُهُ، ولا يَتَّقِي (p-١٥٨)إلّا ما وقاهُ سَيِّدُهُ، ولا يَكْشِفُ السُّوءَ عَنْهُ إلّا هو، فَيُسَلِّمُ لَهُ مَقالِيدَ أمْرِهِ في ظاهِرِهِ وباطِنِهِ، وذَلِكَ هو الدِّينُ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِي لا يَقْبَلُ سِواهُ ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] وهو دِينُ النَّبِيِّ العَبْدِ، وما يَتَحَقَّقُ لِلْعَبْدِ مِن ذَلِكَ عَنِ اعْتِبارِ العَقْلِ وخُلُوصِ اللُّبِّ هي المِلَّةُ الحَنِيفِيَّةُ مِلَّةُ النَّبِيِّ الخَلِيلِ، هَذا مِن جِهَةِ القَلْبِ؛ وأمّا مِن جِهَةِ حالِ النَّفْسِ؛ فَجَمِيعُ أحْوالِ العَبْدِ القِنِّ المُعْرِقِ في المِلْكِ: إنَّما أنا عَبْدٌ آكِلٌ مِثْلَ ما يَأْكُلُ العَبْدُ؛ وجِماعُ ذَلِكَ وأصْلُهُ: الذُّلُّ انْكِسارًا، والذُّلُّ عَطْفًا، والبَراءَةُ مِنَ التَّرَفُّعِ والفَخْرِ عَلى سائِرِ الخَلْقِ، والتَّحَقُّقُ بِالضَّعَةِ دُونَهم عَلى وصْفِ النَّفْسِ، بِذَلِكَ يَنْتَهِي حُسْنُ التَّخَلُّقِ مَعَ الخَلْقِ وصِدْقُ التَّعَبُّدِ لِلْحَقِّ؛ وإمّا مِن جِهَةِ العَمَلِ فَتُصْرَفُ الجَوارِحُ وإسْلامُها لِلَّهِ قَوْلًا وفِعْلًا وبَذْلًا، ومُسالَمَةُ الخَلْقِ لِسانًا ويَدًا، وهو تَمامُ الإسْلامِ وثَبَتُهُ، لا يُكْتَبُ أحَدُكم في المُسْلِمِينَ حَتّى يَسْلَمَ النّاسُ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ.

ويَخُصُّ (p-١٥٩)الهَيْئَةَ مِن ذَلِكَ ما هو أوْلى بِهَيْئاتِ العَبِيدِ كالَّذِي بُنِيَتْ عَلَيْهِ هَيْئَةُ الصَّلاةِ مِنَ الإطْراقِ في القِيامِ ووَضْعِ اليُمْنى عَلى اليُسْرى بِحِذاءِ الصَّدْرِ هَيْئَةُ العَبْدِ المُتَأدِّبِ المُنْتَظِرِ لِما لا يَدْرِي خَبَرَهُ مِن أمْرِ سَيِّدِهِ وكَهَيْئَةِ الجُلُوسِ فِيها الَّذِي هو جُلُوسُ العَبِيدِ، كَذَلِكَ كانَ ﷺ يَجْلِسُ لِطَعامِهِ لِيَسْتَوِيَ حالُ تَعْبُّدِهِ في أمْرِ دُنْياهُ وأُخْراهُ ويَقُولُ: «إنَّما أنا عَبْدٌ آكِلٌ كَما يَأْكُلُ العَبْدُ» ويُؤَثِّرُ جَمِيعُ ما هو هَيْئَةُ العَبِيدِ في تَعَبُّدِهِ ومَطْعَمِهِ ومَشْرَبِهِ ومَلْبَسِهِ ومَرْكَبِهِ وظَعْنِهِ وإقامَتِهِ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فَبِهَذِهِ الأُمُورِ مِن تَحَقُّقِ العُبُودِيَّةِ لِلْقَلْبِ وذُلِّ النَّفْسِ وانْكِسارِ الجَوارِحِ تَحْصُلُ قِراءَةُ حَرْفِ المُحْكَمِ واللَّهُ الوَلِيُّ الحَمِيدُ. انْتَهى.

2:23Page 4

وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٣

And if you are in doubt about what We have sent down [i.e., the Qur’ān] upon Our Servant [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)], then produce a sūrah the like thereof and call upon your witnesses [i.e., supporters] other than Allāh, if you should be truthful.

ولَمّا ثَبَتَتْ هَذِهِ الأدِلَّةُ فَوَجَبَ امْتِثالُ ما دَعَتْ إلَيْهِ ولَمْ يَبْقَ لِمُتَعَنِّتٍ شُبْهَةٌ إلّا أنْ يَقُولَ: لا أفْعَلُ حَتّى أعْلَمَ أنَّ هَذا الكِتابَ الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّهُ الهُدى كَلامُ اللَّهِ، قالَ مُبَيِّنًا أنَّهُ مِن عِنْدِهِ نَظْمًا كَما كانَ مِن عِنْدِهِ مَعْنًى، مُحَقِّقًا ما خَتَمَ بِهِ الَّتِي قَبْلَها مِن أنَّ مَن تَوَقَّفَ عَمّا دَعا إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ لا عِلْمَ لَهُ بِوَجْهٍ، وأتى بِأداةِ الشَّكِّ سُبْحانَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِحالِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِنَ البَعِيدِ جِدًّا أنْ يَجْزِمَ بِشَكِّهِمْ بَعْدَ هَذا البَيانِ: ﴿وإنْ﴾ أيْ فَإنَّ كُنْتُمْ مِن ذَوِي البَصائِرِ الصّافِيَةِ والضَّمائِرِ النَّيِّرَةِ عَلِمْتُمْ بِحَقِيقَةِ هَذِهِ المَعانِي وجَلالَةِ هَذِهِ الأسالِيبِ وجَزالَةِ تِلْكَ التَّراكِيبِ أنَّ هَذا (p-١٦٠)كَلامِي، فَبادَرْتُمْ إلى امْتِثالِ ما أمَرَ والِانْتِهاءِ عَمّا عَنْهُ زَجْرَ.

﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ﴾ أيْ شَكٍّ مُحِيطٍ بِكم مِنَ الكِتابِ الَّذِي قَلْتُ - ومَن أصْدَقُ مِنِّي قِيلًا -: إنَّهُ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]

(p-١٦١)وأشارَ هُنا أيْضًا إلى عَظْمَتِهِ وعَظْمَةِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ بِالنُّونِ التِفاتًا مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ فَقالَ: ﴿مِمّا نَـزَّلْنا﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ التَّنْزِيلِ وهو التَّقْرِيبُ لِلْفَهْمِ بِتَفْصِيلٍ وتَرْجَمَةٍ ونَحْوِ ذَلِكَ. انْتَهى.

﴿عَلى عَبْدِنا﴾ أيِ الخالِصِ لَنا الَّذِي لَمْ يَتَعَبَّدْ لِغَيْرِنا قَطُّ، فَلِذَلِكَ اسْتَحَقَّ الِاخْتِصاصَ دُونَ عُظَماءِ القَرْيَتَيْنِ وغَيْرِهِمْ، فارْتَبْتُمْ في أنَّهُ كَلامُنا نَزَلَ بِأمْرِنا وزَعَمْتُمْ أنَّ عَبْدَنا مُحَمَّدًا أتى بِهِ مِن عِنْدِهِ لِتَوَهُّمِكم أنَّ فِيما سَمِعْتُمْ مِنَ الكَلامِ شَيْئًا مِثْلُهُ (p-١٦٢)لِأجْلِ الإتْيانِ بِهِ مُنَجَّمًا أوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِن أحْوالِهِ.

﴿فَأْتُوا﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّنْجِيمِ أوْ غَيْرِهِ، قالَ الحَرالِّيُّ: الآتِي بِالأمْرِ يَكُونُ عَنْ مُكْنَةٍ وقُوَّةٍ ﴿بِسُورَةٍ﴾ أيْ نَجْمٍ واحِدٍ. قالَ الحَرالِّيُّ: السُّورَةُ تَمامُ جُمْلَةٍ مِنَ المَسْمُوعِ يُحِيطُ بِمَعْنًى تامٍّ بِمَنزِلَةِ إحاطَةِ السُّورِ بِالمَدِينَةِ. انْتَهى. وتَفْصِيلُ القُرْآنِ إلى سُوَرٍ وآياتٍ، لِأنَّ الشَّيْءَ إذا كانَ جِنْسًا وجُعِلَتْ لَهُ أنْواعٌ واشْتَمَلَتْ أنْواعُهُ عَلى أصْنافٍ؛ كانَ أحْسَنَ وأفْخَمَ لِشَأْنِهِ وأنْبَلَ، ولا سِيَّما إذا تَلاحَقَتِ الأشْكالُ بِغَرابَةِ (p-١٦٣)الِانْتِظامِ، وتَجاوَبَتِ النَّظائِرُ بِحُسْنِ الِالتِيامِ، وتَعانَقَتِ الأمْثالُ بِالتَّشابُهِ في تَمامِ الأحْكامِ وجَمالِ الأحْكامِ، وذَلِكَ أيْضًا أنْشَطُ لِلْقارِئِ وأعْظَمُ عِنْدَهُ لِما يَأْخُذُهُ مِنهُ مُسَمّى بِآياتٍ مَعْدُودَةٍ أوْ سُورَةٍ مَعْلُومَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿مِن مِثْلِهِ﴾ أيْ مِنَ الكَلامِ الَّذِي يُمْكِنُكم أنْ تَدَّعُوا أنَّهُ مِثْلُ ما نَزَّلْنا كَما قالَ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] فَإنَّ عَبْدَنا مِنكم ونَشَأ بَيْنَ أظْهُرِكم، فَهو لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَأْتِيَ بِما لا تَقْدِرُونَ عَلى مِثْلِهِ إلّا بِتَأْيِيدٍ مِنّا.

ولَمّا كانُوا يَسْتَقْبِحُونَ الكَذِبَ؛ قالَ: ﴿وادْعُوا شُهَداءَكُمْ﴾ أيْ مَن تَقْدِرُونَ عَلى دُعائِهِ مِنَ المَوْجُودِينَ بِحَضْرَتِكم في بَلْدَتِكم أوْ ما قارَبَها، (p-١٦٤)والشَّهِيدُ كَما قالَ الحَرالِّيُّ مَن يَكْثُرُ الحُضُورُ لَدَيْهِ، واسْتِبْصارُهُ فِيما حَضَرَهُ. انْتَهى.

﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ لِيَنْظُرُوا بَيْنَ الكَلامَيْنِ فَيَشْهَدُوا بِما تُؤَدِّيهِمْ إلَيْهِ مَعْرِفَتُهم مِنَ المُماثَلَةِ أوِ المُبايَنَةِ فَيَزُولَ الرَّيْبُ ويَظْهَرَ إلى الشَّهادَةِ الغَيْبُ أوْ لِيُعِينُوكم عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِ القِطْعَةِ المُحِيطَةِ الَّتِي تُرِيدُونَ مُعارَضَتَها. قالَ الحَرالِّيُّ: والدُّونُ مَنزِلَةُ القَرِيبِ، فالقَرِيبُ مِن جِهَةِ سُفْلٍ، وقَدْ عَقَلَتِ العَرَبُ أنَّ اسْمَ اللَّهِ لا يُطْلَقُ عَلى ما نالَهُ إدْراكُ العَقْلِ، فَكَيْفَ بِالحِسِّ ! فَقَدْ تَحَقَّقُوا أنَّ كُلَّ ما أدْرَكَتْهُ حَواسُّهم ونالَتْهُ عُقُولُهم فَإنَّهُ مِن دُونِ اللَّهِ. انْتَهى.

(p-١٦٥)فَفِي التَّعْبِيرِ بِهِ تَوْبِيخٌ لَهم بِأنَّهم لَمْ يَرْضَوْا بِشَهادَتِهِ سُبْحانَهُ.

وحِكْمَةُ الإتْيانِ بِمِن التَّبْعِيضِيَّةِ في هَذِهِ السُّورَةِ دُونَ بَقِيَّةِ القُرْآنِ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا فَرَضَ لَهم فِيها الرَّيْبَ الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ زَعْمُهم أنْ يَكُونُوا اطَّلَعُوا لَهُ عَلى مَثِيلٍ أوْ سَمِعُوا أنَّ أحَدًا عَثَرَ لَهُ عَلى شَبِيهٍ اقْتَضى الحالُ الإتْيانَ بِها لِيُفِيدَ أنَّ المَطْلُوبَ مِنهم في التَّحَدِّي قِطْعَةٌ مِن ذَلِكَ المَثَلِ الَّذِي ادَّعَوْهُ حَكِيمَةُ المَعانِي مُتَلائِمَةُ المَبانِي مُنْتَظِمٌ أوَّلُها بِآخِرِها كَسُورِ المَدِينَةِ في صِحَّةِ الِانْتِظامِ وحُسْنِ الِالتِيامِ والإحاطَةِ بِالمَبانِي الَّتِي هي كالمَعانِي والتِقاءِ الطَّرَفَيْنِ حَتّى صارَ بِحَيْثُ لا يُدْرى أوَّلُهُ مِن آخِرِهِ سَواءٌ كانَتِ القِطْعَةُ المَأْتِيُّ بِها تُبارِي آيَةً أوْ ما فَوْقَها لِأنَّ آياتِ القُرْآنِ كَسُورَةٍ يُعْرَفُ مِنِ ابْتِدائِها خِتامُها ويَهْدِي إلى افْتِتاحِها تَمامُها، فالتَّحَدِّي هُنا مُنْصَرِفٌ إلى الآيَةِ بِالنَّظَرِ الأوَّلِ وإلى ما فَوْقَها بِالنَّظَرِ الثّانِي.

والمُرادُ بِالسُّورَةِ هُنا مَفْهُومُها اللُّغَوِيُّ، لِأنَّها مِنَ المَثَلِ المَفْرُوضِ (p-١٦٦)وهُوَ لا وُجُودَ لَهُ في الخارِجِ حَتّى يَكُونَ لِقَطْعِهِ اصْطِلاحٌ في الأسْماءِ مَعْرُوفٌ، ولِأنَّ مَعْرِفَةَ المَعْنى الِاصْطِلاحِيِّ كانَتْ مَخْصُوصًا بِالمُصَدِّقِينَ ولَوْ أُرِيدَ التَّحَدِّي بِسُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ لَقِيلَ: فائْتُوا بِمِثْلِ سُورَةٍ مِنهُ، ولَما كانَ هَذا هو المُرادَ؛ قَصْرُهم في الدُّعاءِ عَلى مَن بِحَضْرَتِهِمْ مِنَ الشُّهَداءِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَقِيَّةِ السُّوَرِ المَذْكُورَةِ فِيها هَذا المَعْنى ما يَتِمُّ بِهِ هَذا الكَلامُ.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إيماءٌ إلى كَذِبِهِمْ في دَعْوى الشَّكِّ فِيهِ، قالَ الحَرالِّيُّ: والصّادِقُ الَّذِي يَكُونُ قَوْلُ لِسانِهِ وعَمَلُ جَوارِحِهِ مُطابِقًا لِما احْتَوى عَلَيْهِ قَلْبُهُ مِمّا لَهُ حَقِيقَةٌ ثابِتَةٌ بِحَسَبِهِ، وقالَ: اتَّسَقَتْ آيَةُ تَنْزِيلِ الوَحْيِ بِآيَةِ إنْزالِ الرِّزْقِ لَمّا كانَ نُزُولُ ما نَزَلَ عَلى الرَّسُولِ المُخَصِّصِ بِذَلِكَ يَنْبَغِي اعْتِبارُهُ بِمُقابَلَةِ نُزُولِ الرِّزْقِ، لِأنَّهُما رِزْقانِ: أحَدُهُما ظاهِرٌ يَعُمُّ الكافِرَ في نُزُولِهِ، والآخَرُ وهو الوَحْيُ رِزْقٌ (p-١٦٧)باطِنٌ يَخُصُّ الخاصَّةَ بِنُزُولِهِ ويَتَعَيَّنُ لَهُ أيُّهم أتَمُّهم فِطْرَةً وأكْمَلُهم ذاتًا؛ ولَمْ يَصْلُحْ أنْ يَعُمَّ بِنُزُولِ هَذا الرِّزْقِ الباطِنِ كَعُمُومِ الظّاهِرِ، فَتَبْطُلَ حِكْمَةُ الِاخْتِصاصِ في الرِّزْقَيْنِ، فَإنْ نازَعَهم رَيْبٌ في الِاخْتِصاصِ فَيَفْرِضُونَ أنَّهُ عامٌّ فَيُحاوِلُونَ مُعارَضَتَهُ، وكَما أنَّهم يَشْهَدُونَ بِتَمَكُّنِهِمْ مِنَ الحِسِّ عِنْدَ مُحاوَلَتِهِ عُمُومَهُ؛ فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَشْهَدُوا بِعَجْزِهِمْ عَنْ سُورَةٍ مَن مِثْلِهِ تَحَقُّقَ اخْتِصاصِ مَن نَزَلَ عَلَيْهِ بِهِ وأجْرى ذِكْرَهُ بِاسْمِ العُبُودِيَّةِ إعْلامًا بِوَفائِهِ بِأنْحاءِ التَّذَلُّلِ وإظْهارًا لِمَزِيَّةِ انْفِرادِهِ بِذَلِكَ دُونَهم لِيَظْهَرَ بِهِ سَبَبُ الِاخْتِصاصِ.

وانْتَظَمَ النُّونَ في ”نزلنا“ مِن يَتَنَزَّلُ بِالوَحْيِ مِن رُوحِ القُدُسِ، والرُّوحِ الأمِينِ، ونَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأنَّها تَقْتَضِي الِاسْتِتْباعَ، واقْتَضَتِ النُّونُ في لَفْظِ ”عَبْدنا“ ما يُظْهِرُهُ النَّبِيُّ ﷺ لَهم مِنَ الِانْقِيادِ والِاتِّباعِ وما اقْتَضاهُ خُلُقُهُ العَظِيمُ مِن خَفْضِ الجَناحِ، حَتّى إنَّهُ يُوافِقُ مَن وقَعَ عَلى وجْهٍ مِنَ الصَّوابِ مِن أُمَّتِهِ ﷺ، وحَتّى إنَّهُ يَتَّصِفُ بِأوْصافِ العَبْدِ في أكْلِهِ كَما قالَ: «آكُلُ كَما يَأْكُلُ العَبْدُ» . انْتَهى.

والتَّحَدِّي بِسُورَةٍ يَشْمَلُ أقْصَرَ سُورَةٍ كالكَوْثَرِ ومِثْلُها في التَّحَدِّي (p-١٦٨)آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ تُوازِيها وآياتٌ، كَما قالَهُ الإمامُ جَلالُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ المَحَلِّيُّ في شَرْحِ جَمْعِ الجَوامِعِ، وسَبَقَهُ الإمامُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الدّائِمِ البَرَماوِيُّ فَنَظَمَهُ في الألْفِيَّةِ في الأُصُولِ ونَقَلَهُ في شَرْحِها عَنْ ظاهِرِ كَلامِ إمامِ الحَرَمَيْنِ في الشّامِلِ وعَنْ كَلامِ الفُقَهاءِ في الصَّداقِ فِيما لَوْ أصْدَقَها تَعْلِيمَ سُورَةٍ فَلَقَّنَها بَعْضَ آيَةٍ، وسَبَقَهُما العَلّامَةُ سَعْدُ الدِّينِ مَسْعُودُ بْنُ عُمَرَ التَّفْتازانِيُّ فَقالَ في تَلْوِيحِهِ عَلى تَوْضِيحِ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ: المُعْجِزُ هو السُّورَةُ أوْ مِقْدارُها هَكَذا ذَكَرَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا في الإعْجازِ مِنَ الأُصُولِيِّينَ وغَيْرِهِمْ أنَّ التَّحَدِّيَ وقَعَ بِسُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ، والصَّوابُ أنَّهُ إنَّما وقَعَ بِقِطْعَةِ آيَةٍ فَما فَوْقَها، لِأنَّ المُرادَ بِالسُّورَةِ مَفْهُومُها اللُّغَوِيُّ لا الِاصْطِلاحِيُّ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ.

والحاصِلُ أنَّهُ لَمّا كانَ في آياتِ المُنافِقِينَ ذِكْرُ الأمْثالِ وكانُوا قَدِ اسْتَغْرَبُوا بَعْضَ أمْثالِ القُرْآنِ وجَعَلُوها مَوْضِعًا لِلشَّكِّ مِن حَيْثُ كانَتْ مَوْضِعًا لِلْيَقِينِ فَقالُوا: لَوْ كانَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَما ذَكَرَ فِيهِ أمْثالَ هَذِهِ الأمْثالِ، لِأنَّهُ أعْظَمُ مِن أنْ يَذْكُرَ ما دَعاهم إلى المُعارَضَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ (p-١٦٩)المَدَنِيَّةِ بِكُلِّ طَرِيقٍ يُمْكِنُهم، وأخْبَرَهم بِأنَّهم عاجِزُونَ عَنْها وأنَّ عَجْزَهم دائِمٌ تَحْقِيقًا لِأنَّهم في ذَلِكَ الحالِ مُعانِدُونَ لا شاكُّونَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском