Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:234–237
2:234Page 38
وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖ فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٢٣٤
And those who are taken in death among you and leave wives behind - they, [the wives, shall] wait four months and ten [days]. And when they have fulfilled their term, then there is no blame upon you for what they do with themselves in an acceptable manner.1 And Allāh is [fully] Aware of what you do.
ولَمّا ذَكَرَ الرِّضاعَ وكانَ مِن تَقادِيرِهِ ما إذا ماتَ الأبُ ذَكَرَ عِدَّةَ الوَفاةِ لِذَلِكَ وتَتْمِيمًا لِأنْواعِ العَدَدِ فَقالَ.
وقالَ الحَرالِيُّ: لَمّا ذَكَرَ عِدَّةَ الطَّلاقِ الَّذِي هو فِرْقَةُ الحَياةِ انْتَظَمَ بِرَأْسِ آيَتِهِ ذِكْرُ عِدَّةِ الوَفاةِ الَّذِي هو فِراقُ المَوْتِ واتَّصَلَ بِالآيَةِ السّابِقَةِ لِما انْجَرَّ في ذِكْرِ الرِّضاعِ مِن مَوْتِ الوالِدِ وأمْرِ الوارِثِ وكَذَلِكَ كَلُّ آيَةٍ تَكُونُ رَأْسًا لَها مُتَّصِلانِ مُتَّصِلٌ بِالرَّأْسِ النَّظِيرِ لَها المُنْتَظِمَةِ بِهِ ومُتَّصِلٌ بِالآيَةِ السّابِقَةِ قَبْلَها بِوَجْهٍ ما- انْتَهى.
فَقالَ: ﴿والَّذِينَ﴾ أيْ وأزْواجُ الَّذِينَ ﴿يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ أيْ يَحْصُلُ وفاتُهم بِأنْ يَسْتَوْفِيَ أنْفُسَهُمُ الَّتِي كانَتْ عارِيَةً في أبْدانِهِمُ الَّذِي أعارَهم إيّاها.
قالَ الحَرالِيُّ: مِنَ الوَفاةِ وهو اسْتِخْلاصُ الحَقِّ (p-٣٤١)مِن حَيْثُ وُضِعَ، إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ نَفَخَ الرُّوحَ وأوْدَعَ النَّفْسَ لِيَسْتَوْفِيَها بَعْدَ أجَلٍ مَن حَيْثُ أوْدَعَها فَكانَ ذَلِكَ تَوَفِّيًا تَفَعِّلًا مِنَ الوَفاءِ وهو أداءُ الحَقِّ ﴿ويَذَرُونَ﴾ مِنَ الوَذْرِ وهو أنْ يُؤْخَذَ المَرْءُ عَمّا شَأْنُهُ إمْساكُهُ ﴿أزْواجًا﴾ بَعْدَهم.
ولَمّا أُرِيدُ تَأْكِيدُ التَّرَبُّصِ مُراعاةً لِحَقِّ الأزْواجِ وحِفْظًا لِقُلُوبِ الأقارِبِ واحْتِياطًا لِلنِّكاحِ أتى بِهِ في صِيغَةِ الخَبَرِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ قَدْ وُجِدَ وتَمَّ فَقالَ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ أيْ يَنْتَظِرْنَ أزْواجَهُنَّ لِانْقِضاءِ العِدَّةِ. ولَمّا كانَ المَمْنُوعُ إنَّما هو العَقْدُ والتَّعَرُّضُ لَهُ بِالأفْعالِ دُونَ طَلَبِهِ بِالتَّعْرِيضِ قالَ مُعَبِّرًا بِالنَّفْسِ لِذَلِكَ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ العَجَلَةَ عَنْ ذَلِكَ إنَّما تَكُونُ شَهْوَةً نَفْسانِيَّةً بَهِيمِيَّةً لِيَكُونَ ذَلِكَ حاوِيًا عَلى البُعْدِ عَنْها: ﴿بِأنْفُسِهِنَّ﴾ فَلا يَبْذُلْنَها لِزَوْجٍ ولا يَخْرُجْنَ مِن مَنزِلِ الوَفاةِ ويَتْرُكْنَ الزِّينَةَ وكُلَّ ما لِلنَّفْسِ فِيهِ شَهْوَةٌ تَدْعُو إلى النِّكاحِ كَما بَيَّنَتْ ذَلِكَ السُّنَّةُ ﴿أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ (p-٣٤٢)إنْ كُنَّ حَرائِرَ ولَمْ يَكُنْ حَمْلٌ سَواءٌ كانَتْ صَغِيرَةً أوْ كَبِيرَةً تَحِيضُ أوْ لا، ابْتِداؤُها مِن حِينِ الوَفاةِ لِأنَّها السَّبَبُ وغَلَّبَ اللَّيالِيَ فَأسْقَطَ التّاءَ لِأنَّ أوَّلَ الشَّهْرِ اللَّيْلُ ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ ولَمّا كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ جَعَلَ المُسْلِمِينَ كالجَسَدِ الواحِدِ وكانَ الكَلامُ في أزْواجِ المَوْتى أعْلَمَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأنَّهُ يَجِبُ عَلى إخْوانِهِمُ المُسْلِمِينَ مَن حِفْظِ حُقُوقِهِمْ ما كانُوا يَحْفَظُونَهُ لَوْ كانُوا أحْياءً بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا جُناحَ (p-٣٤٠)عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يا أهْلَ الدِّينِ ﴿فِيما﴾ ولَمّا كانَ لا بُدَّ مِن إذْنِ المَرْأةِ وقَدْ تَأذَّنَ لِلْقاضِي عَلى رَغْمِ الوَلِيِّ عِنْدَ عَضْلِهِ مَثَلًا أسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِنَّ فَقالَ: ﴿فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ﴾ أيْ مِنَ النِّكاحِ ومُقَدَّماتِهِ الَّتِي كانَتْ مَمْنُوعَةً مِنها بِالإحْدادِ، ولا يُحْمَلُ هَذا عَلى المُباشَرَةِ لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلى - إنْكاحِ المَرْأةِ نَفْسَها لِمُعارَضَةِ آيَةِ ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] المُتَأيِّدَةِ بِالسُّنَّةِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ لا يَكُونُ عَلى وجْهٍ شَرْعِيٍّ قالَ: ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ لِيَنْصَرِفَ إلى الكامِلِ فَلا يَكُونُ في ذَلِكَ شَوْبُ نَكارَةٍ، فَإنْ فَعَلْنَ ما يُنْكَرُ كانَ عَلى النّاسِ الجُناحُ بِتَرْكِ الأمْرِ كَما عَلَيْهِنَّ بِالفِعْلِ؛ وأجْمَعَ الفُقَهاءُ غَيْرَ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِآيَةِ العِدَّةِ بِالحَوْلِ، والتَّقَدُّمُ في التِّلاوَةِ لا يَمْنَعُ التَّأخُّرَ في النُّزُولِ لِأنَّ التَّرْتِيبَ لَيْسَ عَلى تَرْتِيبِ النُّزُولِ - نَقَلَ ذَلِكَ الشَّمْسُ الأصْفَهانِيُّ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ ما سَيَأْتِي نَقْلُهُ لَهُ عَنْ مُجاهِدٍ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاللَّهُ حَدَّ لَكم هَذِهِ الحُدُودَ فاحْفَظُوها عَطَفَ (p-٣٤٤)عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُحَذِّرًا مِنَ التَّهاوُنِ في شَيْءٍ مِنها في أنْفُسِهِمْ أوْ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ في حَقِّ غَيْرِهِمْ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِن سِرٍّ وعَلانِيَةٍ.
ولَمّا كانَ هُنا مِن أمْرِ العِدَّةِ ما لَمْ تَعْرِفْهُ العَرَبُ قَبْلُ فَرُبَّما أنْكَرَتْهُ القُلُوبُ لِكَوْنِها لَمْ تَفْهَمْ سِرَّهُ وكانَ أمْرُ النِّكاحِ إنْ قُيِّدَ بِالمَعْرُوفِ باطِنًا خَتَمَ بِقَوْلِهِ ﴿خَبِيرٌ﴾ أيْ يَعْلَمُ خَفايا البَواطِنِ كَما يَعْلَمُ ظَواهِرَها فاحْذَرُوا مُخالَفَتَهُ وأطِيعُوا أمْرَهُ.
2:235Page 38
وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا عَرَّضۡتُم بِهِۦ مِنۡ خِطۡبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوۡ أَكۡنَنتُمۡ فِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ سَتَذۡكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّآ أَن تَقُولُواْ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗاۚ وَلَا تَعۡزِمُواْ عُقۡدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡكِتَٰبُ أَجَلَهُۥۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ ٢٣٥
There is no blame upon you for that to which you [indirectly] allude concerning a proposal to women or for what you conceal within yourselves. Allāh knows that you will have them in mind. But do not promise them secretly except for saying a proper saying. And do not determine to undertake a marriage contract until the decreed period1 reaches its end. And know that Allāh knows what is within yourselves, so beware of Him. And know that Allāh is Forgiving and Forbearing.
ولَمّا حَدَّ سُبْحانَهُ وتَعالى هَذِهِ المُدَّةَ لِمَنعِهِنَّ عَنِ الرِّجالِ بَيَّنَ أنَّ التَّعْرِيضَ بِالخِطْبَةِ لَيْسَ داخِلًا في المَنعِ فَقالَ: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ إثْمٌ يَمِيلُ ﴿فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾ أيْ قُلْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَقْصِدُونَ ما هو بَعِيدٌ عَنْهُ كَأنَّهُ في جانِبٍ وهو في جانِبٍ آخَرَ لا يَتَأدّى إلَيْهِ إلّا بِدَوْرَةٍ كَأنْتِ جَمِيلَةٌ أوْ نافِعَةٌ، وأنا عازِمٌ عَلى أنْ أتَزَوَّجَ، وعَسى أنْ يُيَسِّرَ اللَّهُ لِي قَرِينَةً صالِحَةً.
وقالَ الحَرالِيُّ: مِنَ التَّعْرِيضِ وهو تَفْعِيلٌ مِنَ (p-٣٤٥)العَرْضِ والعَرْضُ وهو إلْقاءُ القَوْلِ عَرْضًا أيْ ناحِيَةً عَلى غَيْرِ قَصْدٍ إلَيْهِ وصَمَدٍ نَحْوَهُ - انْتَهى. والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكِنايَةِ أنَّهُ كَلامٌ ظاهِرٌ في مَعْنى يُقْصَدُ بِهِ غَيْرُ مَعْناهُ الظّاهِرِ فَلا يُفْهَمُ المُرادُ إلّا بِالقَرائِنِ، كَقَوْلِ المُحْتاجِ: جِئْتُ لِأُسَلِّمَ عَلَيْكَ وأنْظُرَ وجْهَكَ الكَرِيمَ، ويُسَمّى التَّلْوِيحَ أيْضًا، والكِنايَةُ ذِكْرُ اللّازِمِ وإرادَةُ المَلْزُومِ، وقَدْ أفْهَمُ نَوْطُ الحِلِّ بِالتَّعْرِيضِ تَحْرِيمَ التَّصْرِيحِ المُقابِلِ لَهُ ولِلْكِنايَةِ، والصَّرِيحُ اسْمٌ لِما هو ظاهِرُ المُرادِ عِنْدَ السّامِعِ بِحَيْثُ يَسْبِقُ إلى فَهْمِهِ المُرادِ ولا يَسْبِقُ غَيْرُهُ عِنْدَ الإطْلاقِ ﴿مِن خِطْبَةِ﴾ وهي الخِطابُ في قَصْدِ التَّزَوُّجِ.
وقالَ الحَرالِيُّ: هي هَيْئَةُ الحالِ فِيما بَيْنَ الخاطِبِ والمَخْطُوبَةِ الَّتِي النُّطْقُ عَنْها هو الخُطْبَةُ بِالضَّمِّ ﴿النِّساءِ﴾ المُتَوَفّى عَنْهُنَّ أزْواجُهُنَّ ومَن أشْبَهَهُنَّ في طَلاقٍ بائِنٍ بِالثَّلاثِ أوْ غَيْرِها.
(p-٣٤٦)ولَمّا أحَلَّ لَهُ التَّعْرِيضُ وكانَ قَدْ يَعْزِمُ عَلى التَّصْرِيحِ إذا حَلَّ لَهُ ذَلِكَ نَفى عَنْهُ الحَرَجَ فِيهِ بِقَوْلِهِ ﴿أوْ أكْنَنْتُمْ﴾ أيْ أضْمَرْتُمْ ﴿فِي أنْفُسِكُمْ﴾ مِن تَصْرِيحٍ وغَيْرِهِ سَواءٌ كانَ مِن شَهَواتِ النَّفْسِ أوْ لا.
قالَ الحَرالِيُّ: مِنَ الكَنِّ - بِالفَتْحِ - وهو الَّذِي مِن مَعْناهُ الكِنُّ - بِالكَسْرِ - وهو ما وارى بِحَيْثُ لا يُوَصِّلُ بِهِ إلى شَيْءٍ.
ولَمّا كانَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهَذِهِ الأُمَّةِ عِنايَةٌ عَظِيمَةٌ في التَّخْفِيفِ عَنْها أعْلَمَها بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ: ﴿عَلِمَ اللَّهُ﴾ أيْ بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ ﴿أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ أيْ في العِدَّةِ فَأذِنَ لَكم في ذَلِكَ عَلى ما حَدَّ لَكم.
قالَ الحَرالِيُّ: فَفِيهِ إجْراءُ الشِّرْعَةِ عَلى الحِيلَةِ الخاصِّ (p-٣٤٧)بِهَذِهِ الأُمَّةِ انْتَهى.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاذْكُرُوهُنَّ، اسْتَثْنى مِنهُ قَوْلَهُ: ﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ﴾ أيْ في ذِكْرِكم إيّاهُنَّ ﴿سِرًّا﴾ ولَمّا كانَ السِّرُّ يُطْلَقُ عَلى ما أُسِرَّ بِالفِعْلِ وما هو أهْلٌ أنْ يُسَرَّ بِهِ وإنْ جَهَرَ بَيَّنَ أنَّ المُرادَ الثّانِي وهو السِّرُّ بِالقُوَّةِ فَقالَ: ﴿إلا أنْ تَقُولُوا﴾ أيْ في الذِّكْرِ لَهُنَّ ﴿قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ لا يَسْتَحْيِي مِنهُ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ النّاسِ، فَآلَ الأمْرُ إلى أنَّ المَعْنى لا تُواعِدُوهُنَّ إلّا ما لا يَسْتَحْيِي مِن ذِكْرِهِ فَيُسِرُّ وهو التَّعْرِيضُ؛ فَنَصَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى تَحْرِيمِ التَّصْرِيحِ بَعْدَ إفْهامِ الآيَةِ الأوْلى لِذَلِكَ اهْتِمامًا بِهِ لِما لِلنَّفْسِ مِنَ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ.
ولَمّا كانَتْ عِدَّةُ الوَفاةِ طَوِيلَةً فَكانَ حَبْسُ النَّفْسِ فِيها عَنِ النِّكاحِ شَدِيدًا وكانَتْ إباحَةُ التَّعْرِيضِ قَرِيبَةً مِنَ الرَّتْعِ حَوْلَ الحِمى وكانَ مَن يَرْتَعُ حَوْلَ الحُمّى يُوشِكُ أنْ يُواقِعَهُ خَصَّها بِاتِّباعِها النَّهْيَ عَنِ العَقْدِ قَبْلَ الِانْقِضاءِ حَمْلًا عَلى التَّحَرِّي ومَنعًا مِنَ التَّجَرِي فَقالَ: ﴿ولا تَعْزِمُوا﴾ أيْ تَبُتُّوا أيْ تَفْعَلُوا فِعْلًا بَتًّا مَقْطُوعًا بِهِ غَيْرَ مُتَرَدَّدٍ فِيهِ (p-٣٤٨)﴿عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ أيِ النِّكاحَ الَّذِي يَصِيرُ مَعْقُودًا لِلْمُعْتَدَّةِ عِدَّةً هي فِيها بائِنٌ فَضَمَّنَ العَزْمَ البَتَّةَ ولِذَلِكَ أسْقَطَ ”عَلى“ وأوْقَعَهُ عَلى العُقْدَةِ الَّتِي هي مِن آثارِهِ ولا تَتَحَقَّقُ بِدُونِهِ فَكَأنَّهُ قالَ: ولا تَعْزِمُوا عَلى النِّكاحِ باقِينَ عُقْدَتَهُ، وهو أبْلَغُ مِمّا لَوْ قِيلَ: ولا تَعْقِدُوا النِّكاحَ، فَإنَّ النَّهْيَ عَنِ العَزْمِ الَّذِي هو سَبَبُ العَقْدِ نَهْيٌ عَنِ العَقْدِ بِطَرِيقِ الأوْلى.
قالَ الحَرالِيُّ: والعُقْدَةُ تَوْثِيقُ جَمْعِ الطَّرَفَيْنِ المُفْتَرِقَيْنِ بِحَيْثُ يَشُقُّ حَلُّها (p-٣٤٩)وهُوَ مَعْنى دُونَ الكَتْبِ الَّذِي هو وصْلَةٌ وخَرَزٌ ﴿حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ﴾ أيِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِيما أنْزَلْتُ عَلَيْكم مِنهُ بَيانَ عِدَّةِ مَن زالَتْ عِصْمَتُها مِن رَجُلٍ بِوِفاةٍ أوْ طَلاقٍ، أوْ ما كُتِبَ وفُرِضَ مِنَ العِدَّةِ ﴿أجَلَهُ﴾ أيْ أخَّرَ مُدَّتَهُ الَّتِي ضَرَبَها لِلْعِدَّةِ.
ولَمّا أباحَ سُبْحانَهُ وتَعالى التَّعْرِيضَ وحَظَرَ عَزْمَ العُقْدَةِ وغَلَّظَ الأمْرَ بِتَعْلِيقِهِ بِالكِتابِ وبَقِيَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ أُمُورٌ كانَتِ الشَّهْوَةُ في مِثْلِها غالِبَةً والهَوى مُمِيلًا غَلَّظَ سُبْحانَهُ وتَعالى الزَّواجِرَ لِتُقاوِمَ تِلْكَ الدَّواعِيَ فَتَوَلّى تِلْكَ الأُمُورَ تَهْدِيدُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا﴾ أيْ أيُّها الرّاغِبُونَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ ولَهُ جَمِيعُ الكَمالِ ﴿يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكُمْ﴾ كُلّه ﴿فاحْذَرُوهُ﴾ ولا تَعْزِمُوا عَلى شَرٍّ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِن إحاطَةِ العِلْمِ إحاطَةُ القُدْرَةِ.
ولَمّا هَدَّدَهم بِعِلْمِهِ وكانَ ذَلِكَ النِّهايَةَ في التَّهْدِيدِ وكانَ كُلُّ أحَدٍ يَعْلَمُ مِن نَفْسِهِ في النَّقائِصِ ما يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ أخْبَرَهم بِما أوْجَبَ الإمْهالَ عَلى ذَلِكَ مِن مَنِّهِ بِغُفْرانِهِ وحِلْمِهِ حَثًّا عَلى التَّوْبَةِ وإقامَةً بَيْنَ الرَّجاءِ والهَيْبَةِ فَقالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ﴾ أيْ كَما اقْتَضى جَلالُهُ العُقُوبَةَ (p-٣٥٠)اقْتَضى جَمالُهُ العَفْوَ فَهو لِذَلِكَ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ سَتُورٌ لِذُنُوبِ الخَطّائِينَ إنْ تابُوا ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يُعاجِلُ أحَدٌ العُقُوبَةَ فَبادِرُوا بِالتَّوْبَةِ رَجاءَ غُفْرانِهِ ولا تَغْتَرُّوا بِإمْهالِهِ فَإنَّ غَضَبَ الحَلِيمِ لِكَوْنِهِ بَعْدَ طُولِ الأناةِ لا يُطاقُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ولا تُصَرِّحُوا لِلنِّساءِ المُعْتَدّاتِ بِعُقْدَةِ النِّكاحِ في عِدَّةٍ مِنَ العِدَدِ؛ والسِّرُّ في تَفاوُتِها أنَّ عِدَّةَ الوَفاةِ طُوِّلَتْ مُراعاةً لِلْوَرَثَةِ إلى حَدٍّ هو أقْصى دالٍّ عَلى بَراءَةِ الرَّحِمِ، لِأنَّ الماءَ يَكُونُ فِيهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ومِثْلَها عَلَقَةً ومِثْلَها مُضْغَةً ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ فَتِلْكَ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ، وقَدْ تَنْقُصُ الأشْهُرُ أرْبَعَةَ أيّامٍ فَزِيدَتْ عَلَيْها وجُبِرَتْ بِما أتَمَّ أقْرَبَ العُقُودِ إلَيْها؛ وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تَقْدِيرُ المُدَّةِ الأوْلى «بِاثْنَيْنِ وأرْبَعِينَ يَوْمًا» وفي رِوايَةٍ: «خَمْسٍ وأرْبَعِينَ» وفي رِوايَةٍ: «بِضْعٍ وأرْبَعِينَ» فَإذا حُمِلَ البِضْعُ عَلى سِتٍّ وزِيدَ (p-٣٥١)ما قَدْ تَنْقُصُهُ الأشْهُرُ صارَتْ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا؛ ولَمْ تَزِدْ عَلى ذَلِكَ مُراعاةً لِلْمَرْأةِ لِما قِيلَ: إنَّهُ يَقِلُّ صَبْرُ النِّساءِ بَعْدَ ذَلِكَ، واقْتُصِرَ في الِاسْتِبْراءِ عَلى قُرْءٍ وهو أقَلُّ دالٍّ عَلى بَراءَةِ الرَّحِمِ لِأنَّ السَّيِّدَ يَكُونُ مُخالِطًا لِلْأُمَّةِ غالِبًا فَيَشُقُّ الصَّبْرُ، وثُلِّثَتْ عِدَّةُ الحُرَّةِ جَرْيًا عَلى سُنَّةِ الشّارِعِ في الِاسْتِظْهارِ بِالتَّثْلِيثِ مَعَ زَوالِ عِلَّةِ الإسْراعِ مِنَ المُخالَطَةِ، ولِأنَّ أكْثَرَ الطَّلاقِ رَجْعِيٌّ فَرُبَّما كانَ عَنْ غَيْظٍ فَمُدَّتْ لِيَزُولَ فَيَتَرَوّى، وكانَتْ عِدَّةُ الأمَةِ مِنَ الطَّلاقِ بَيْنَ الِاسْتِبْراءِ وعِدَّةُ الحُرَّةِ لِما تَنازَعَها مِن حَقِّ السَّيِّدِ المُقْتَضِي لِلْقَصْرِ وحَقِّ الزَّوْجِ المُقْتَضِي لِلطُّولِ مَعَ عَدَمِ إمْكانِ التَّصْنِيفِ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.
2:236Page 38
لَّا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمۡ تَمَسُّوهُنَّ أَوۡ تَفۡرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلۡمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلۡمُقۡتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَٰعَۢا بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٢٣٦
There is no blame upon you if you divorce women you have not touched1 nor specified for them an obligation.2 But give them [a gift of] compensation - the wealthy according to his capability and the poor according to his capability - a provision according to what is acceptable, a duty upon the doers of good.
ولَمّا تَمَّتْ أحْكامُ العِدَدِ وما يَتْبَعُها مِمّا حَقُّ الرِّجالِ فِيهِ أغْلَبُ أتْبَعَها أحْكامَ الأصْدِقَةِ، ولَمّا كانَ الكَلامُ قَدْ طالَ في أحْكامِ الطَّلاقِ (p-٣٥٢)والمَوْتِ ولَمْ يَذْكُرِ الصَّداقَ وكانَ قَدْ خَتَمَ تِلْكَ الأحْكامَ بِصِفَتَيِ الغَفْرِ والحِلْمِ وكانَ الصَّداقُ مَعْلُومًا عِنْدَهم قَبْلَ الإسْلامِ اقْتَضى ذَلِكَ السُّؤالَ: هَلْ يَجِبُ لِلْمُفارَقَةِ صَداقٌ أوْ هو مِمّا دَخَلَ تَحْتَ المَغْفِرَةِ والحِلْمِ فَلا يَجِبُ؟ فَقِيلَ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ لا تَبِعَةَ مِن مَهْرٍ ولا غَيْرِهِ إلّا ما يَأْتِي مِنَ المُتْعَةِ، وأصْلُ الجُناحِ المَيْلُ مِنَ الثِّقَلِ ﴿إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ أيْ إنْ طَلَّقَ أحَدٌ مِنكم ما يَمْلِكُ عِصْمَتَهُ مِنهُنَّ ﴿ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أيْ تُجامِعُوهُنَّ.
مِنَ المَسِّ ومِنَ المُماسَّةِ في القِراءَةِ الأُخْرى وهو مُلاقاةُ الجُرْمَيْنِ بِغَيْرِ حائِلٍ بَيْنَهُما - قالَهُ الحَرالِيُّ ﴿أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أيْ تُسَمُّوا لَهُنَّ مَهْرًا مَعْلُومًا. أيْ لا جُناحَ عَلَيْكم ما لَمْ يَقَعْ أحَدُ الأمْرَيْنِ أيْ مُدَّةَ انْتِفائِهِ ولا يَنْتَفِي الأحَدُ المُبْهَمُ إلّا بِانْتِفاءِ الأمْرَيْنِ مَعًا فَإذا انْتَفَيا انْتَفى الجُناحُ وإنْ وُجِدا أوْ أحَدُهُما وُجِدَ، فَإنْ وُجِدَ المَسِيسُ وجَبَ المُسَمّى أوْ مَهْرُ المِثْلِ. وإنْ وُجِدَ الفَرْضُ وجَبَ نِصْفُهُ إنْ خَلا عَنْ مَسِيسٍ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَفي إنْبائِهِ صِحَّةُ عَقْدِ النِّكاحِ مَعَ إهْمالِ ذِكْرِ الصَّداقِ (p-٣٥٣)لا مَعَ إبْطالِهِ، فَفِيهِ صِحَّةُ نِكاحِ التَّفْوِيضِ ونِكاحِ التَّأْخِيرِ لِذِكْرِ الصَّداقِ، فَبانَ بِهِ أنَّ الصَّداقَ لَيْسَ رُكْنًا فِيهِ وأنَّ إبْطالَهُ مانِعٌ مِن بِنائِهِ، فَيَكُونُ لَهُ ثَلاثَةُ أحْوالٍ مِن رَفْعِ الجُناحِ فِيهِ عَنِ المُهْمِلِ الَّذِي لَمْ يَمَسَّ فِيهِ كَأنَّهُ كانَ يَسْتَحِقُّ فَرْضًا ما فَرُفِعَ عَنْهُ جُناحُهُ مِن حَيْثُ إنَّ عَلى الماسِّ كُلِّيَّةَ النِّحْلَةِ وعَلى الفارِضِ شَطْرَ النَّحْلَةِ فَرُفِعَ عَنْهُ جُناحُ الفَرْضِ وجُبِرَ مَوْضِعُ الفَرْضِ بِالإمْتاعِ، ولِذَلِكَ ألْزَمَتِ المُتْعَةَ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ - انْتَهى.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: وطَلِّقُوهُنَّ إنْ أرَدْتُمْ وراعُوا فِيهِنَّ ما أوْجَبْتُ مِنَ الحُقُوقِ لَكم وعَلَيْكم عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ﴾ أيْ جَبْرًا لِما وقَعَ مِنَ الكَسْرِ بِالطَّلاقِ عَلى حَسَبِ حالِ المُطَلَّقَيْنِ، والمُطَلَّقَةُ مِن غَيْرِ مَسٍّ ولا فَرْضٍ تَسْتَحِقُّهُ لِلْمُتْعَةِ بِالإجْماعِ - نَقَلَهُ الأصْبَهانِيُّ. و﴿عَلى المُوسِعِ﴾ مِنهم أيِ الَّذِي لَهُ في حالِهِ سَعَةٌ.
وقالَ الحَرالِيُّ: هو مِنَ الإيساعِ وهو المُكْنَةُ في السَّعَةِ الَّتِي هي أكْثَرُ مِنَ (p-٣٥٤)الكِفايَةِ ﴿قَدَرُهُ﴾ مِنَ القَدْرِ وهو الحَدُّ المَحْدُودُ في الشَّيْءِ حِسًّا أوْ مَعْنًى ﴿وعَلى المُقْتِرِ﴾ أيِ الَّذِي في حالِهِ ضِيقٌ.
قالَ الحَرالِيُّ: هو مِنَ الإقْتارِ وهو النَّقْصُ مِنَ القَدْرِ الكافِي - انْتَهى ﴿قَدَرُهُ﴾ أيْ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ ويُطِيقُهُ، وقِراءَةُ فَتْحِ الدّالِ كَقِراءَةِ إسْكانِها فَإنَّهُما لُغَتانِ أوْ أنَّ الفَتْحَ مُشِيرٌ إلى التَّفَضُّلِ بِتَحَمُّلِ شَيْءٍ ما فَوْقَ القُدْرَةِ ﴿مَتاعًا﴾ أيْ تَمْتِيعًا ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ وهو ما لَيْسَ فِيهِ في الشَّرْعِ نَكارَةٌ ﴿حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ صارَ الإحْسانُ لَهم وصْفًا لازِمًا، والإحْسانُ غايَةُ رُتَبِ الدِّينِ كَأنَّهُ كَما قالَ الحَرالِيُّ إسْلامٌ ظاهِرٌ يُقِيمُهُ إيمانٌ باطِنٌ يُكْمِلُهُ إحْسانٌ شُهُودِيٌّ - انْتَهى.
فالكَلامُ عَلى هَذا النِّظامِ إلْهابٌ وتَهْيِيجٌ لا قَيْدٌ، وإنَّما كانَتْ إحْسانًا لِأنَّ مَلاكَ القَصْدِ فِيها كَما قالَ الحَرالِيُّ ما تَطِيبُ بِهِ نَفْسُ المَرْأةِ ويَبْقى باطِنُها وباطِنُ أهْلِها سَلَمًا أوْ ذا مَوَدَّةٍ (p-٣٥٥)﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ [الطلاق: ١] انْتَهى. ولا شَكَّ في أنَّ هَذا إحْسانٌ.
2:237Page 38
وَإِن طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدۡ فَرَضۡتُمۡ لَهُنَّ فَرِيضَةٗ فَنِصۡفُ مَا فَرَضۡتُمۡ إِلَّآ أَن يَعۡفُونَ أَوۡ يَعۡفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ عُقۡدَةُ ٱلنِّكَاحِۚ وَأَن تَعۡفُوٓاْ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۚ وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ بَيۡنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٢٣٧
And if you divorce them before you have touched them and you have already specified for them an obligation, then [give] half of what you specified - unless they forego the right or the one in whose hand is the marriage contract foregoes it. And to forego it is nearer to righteousness. And do not forget graciousness between you. Indeed Allāh, of whatever you do, is Seeing.
ولَمّا نُفِيَ الجُناحُ بِانْتِفاءِ المَسِيسِ والفَرْضِ فَأفْهَمَ أنَّهُما إذا وُجِدا وُجِدَ الجُناحُ بِوُجُوبِ المَفْرُوضِ كُلِّهِ أتْبَعَهُ ما إذا انْتَفى أحَدُهُما فَقَطْ فَذَكَرَ الحُكْمَ عِنْدَ انْتِفاءِ المَسِيسِ وحْدَهُ صَرِيحًا في ضِدِّ المُفَوَّضَةِ السّابِقَةِ وأفْهَمَ بِذَلِكَ ما إذا انْتَفى الفَرْضُ وحْدَهُ تَلْوِيحًا فَقالَ: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ أيِ الزَّوْجاتِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أيْ تُجامِعُوهُنَّ سَواءٌ كانَتْ هُناكَ خَلْوَةٌ أوْ لا ﴿وقَدْ﴾ أيْ والحالُ أنَّكم ﴿فَرَضْتُمْ﴾ أيْ سَمَّيْتُمْ ﴿لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أيْ مَهْرًا مُقَدَّرًا ﴿فَنِصْفُ﴾ أيْ فالمَأْخُوذُ نِصْفُ ﴿ما فَرَضْتُمْ﴾ أيْ سَمَّيْتُمْ لَهُنَّ مِنَ الصَّداقِ لا غَيْرَ.
ولَمّا أوْجَبَ لَها ذَلِكَ بَعَثَها عَلى تَرْكِهِ لِأنَّ الزَّوْجَ لَمْ يَنْتَفِعْ مِنها بِشَيْءٍ بِالتَّعْبِيرِ بِالعَفْوِ فَقالَ: ﴿إلا أنْ يَعْفُونَ﴾ أيِ النِّساءُ فَإنَّ النُّونَ ضَمِيرُهُنَّ والواوَ لامُ الفِعْلِ فَلا يُؤْخَذُ مِنكم شَيْءٌ ﴿أوْ يَعْفُوَ الَّذِي (p-٣٥٦)بِيَدِهِ﴾ أيْ إلَيْهِ ولَكِنْ لَمّا كانَ أغْلَبُ الأعْمالِ بِاليَدِ أُسْنِدَتْ كُلُّها إلَيْها فَصارَتْ كِنايَةً عَنِ القُدْرَةِ ﴿عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ وهو الزَّوْجُ الَّذِي إنْ شاءَ أبْقاها وإنْ شاءَ حَلَّها فَيُسْمَحُ لَها بِالجَمِيعِ كانَ التَّعْبِيرُ بِهَذا هَزًّا لِلزَّوْجِ إلى العَفْوِ في نَظِيرِ ما جُعِلَ إلَيْهِ مِن هَذا دُونَها.
قالَ الحَرالِيُّ: إذا قَرَنَ هَذا الإيرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] خِطابًا لِلْأزْواجِ قَوِيَ فَسَّرَ مَن جَعَلَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةَ النِّكاحِ هو الزَّوْجُ مُعادَلَةً لِلزَّوْجاتِ، ومَن خَصَّ عَفْوَهُنَّ بِالمالِكاتِ أيِ الرّاشِداتِ خَصَّ هَذا بِالأوْلِياءِ فَكانَ هَذا النَّمَطُ مِنَ التَّهْدِيفِ لِلِاخْتِلافِ لَيْسَ عَنْ سَعَةِ إيهامٍ وكَأنَّهُ عَنْ تَبْقِيَةٍ بِوَجْهٍ ما مِن نِهايَةِ الإفْصاحِ فَمَنشَأُ الخِلافِ فِيهِ دُونَ مَنشَأِ الخِلافِ مِن خِطاباتِ السَّعَةِ بِالإيهامِ - انْتَهى.
وجَعَلَ الإمامُ هَذا مَفْهُومًا مِنَ التَّعْبِيرِ بِالعُقْدَةِ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى المَفْعُولِ كالأكْلَةِ واللُّقْمَةِ والَّذِي بِيَدِهِ ذَلِكَ الزَّوْجُ والَّذِي بَيْدَ الوَلِيِّ العَقْدُ وهو المَصْدَرُ كالأكْلِ واللَّقْمِ لا العُقْدَةُ الحاصِلَةُ بَعْدَ العَقْدِ ﴿وأنْ تَعْفُوا﴾ أيُّها الرِّجالُ والنِّساءُ ﴿أقْرَبُ﴾ أيْ مِنَ الحُكْمِ بِالعَدْلِ الَّذِي هو السَّواءُ.
ولَمّا كانَ المَقامُ لِلتَّرْغِيبِ عَبَّرَ بِاللّامِ الدّالَّةِ عَلى مَزِيدِ القُرْبِ دُونَ (p-٣٥٧)إلى فَقالَ: ﴿لِلتَّقْوى﴾ أمّا مِنَ المَرْأةِ فَلِأجْلِ أنَّ الزَّوْجَ لَمْ يَنَلْ مِنها شَيْئًا ولا حَظِيَ بِطائِلٍ فَهو أقْرَبُ إلى رِضاهُ، وأمّا مِنَ الرَّجُلِ فَلَمّا أشارَ إلَيْهِ بِجَعْلِ العُقْدَةِ بِيَدِهِ فَإنَّهُ كَما رَبَطَها بِاخْتِيارِهِ حَلَّها بِاخْتِيارِهِ فَدَفَعَهُ الكُلُّ أقْرَبَ إلى جَبْرِ المَرْأةِ ورِضاها، ومَن فَعَلَ الفَضْلَ كانَ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ أقْرَبَ إلى أنْ يَفْعَلَ الواجِبَ بِمَن لَمْ يَفْضُلْ.
ولَمّا كانَ العَفْوُ فَضْلًا مِنَ العافِي وإحْسانًا لَها مِنهُ وكانُوا إنَّما يَتَفاخَرُونَ بِالفَضائِلِ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْسَوُا﴾ أيْ تَتْرُكُوا تَرْكَ المَنسِيِّ، والتَّعْبِيرُ بِالنِّسْيانِ آكَدُ في النَّهْيِ ﴿الفَضْلَ﴾ أيْ أنْ تَكُونُوا مُفَضَّلِينَ في جَمِيعِ ما مَضى لا مُفَضَّلًا عَلَيْكُمْ، فَإنَّ اليَدَ العُلْيا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى، وزادَهُ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِ واقِعًا فِيكم مِن بَعْضِكم لِبَعْضٍ لَيْسَ شَيْءٌ مِنهُ خارِجًا عَنْكُمْ، ولَنْ يَنالَ اللَّهَ مِنهُ شَيْءٌ لِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَما أمَرَكم بِهِ إلّا لِنَفْعِكم خاصَّةً، لِئَلّا يَتَأذّى الزَّوْجُ (p-٣٥٨)بِبَذْلٍ لَمْ يَنْتَفِعْ في مُقابِلِهِ مِنَ المَرْأةِ بِشَيْءٍ، ولا المَرْأةُ بِطَلاقٍ لَمْ يَحْصُلْ لَها في نَظِيرِ ما يَلْحَقُها مِنَ الكَسْرِ بِسَبَبِهِ شَيْءٌ، وهو يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بِالتَّغْلِيبِ خِطابًا لِلْقَبِيلَيْنِ.
وخَصَّهُ الحَرالِيُّ بِالرِّجالِ فَقالَ: فَمِن حَقِّ الزَّوْجِ الَّذِي لَهُ فَضْلُ الرُّجُولَةِ أنْ يَكُونَ هو العافِيَ وأنْ لا يُؤاخِذَ النِّساءَ بِالعَفْوِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ في الخِطابِ أمْرٌ لَهُنَّ ولا تَحْرِيضٌ، فَمِن أقْبَحِ ما يَكُونُ حَمْلُ الرَّجُلِ عَلى المَرْأةِ في اسْتِرْجاعِ ما آتاها بِما يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] فَيَنْبَغِي أنْ لا تَنْسَوْا ذَلِكَ الفَضْلَ فَتَجْرُونَ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ تُلْزَمُوا بِهِ - انْتَهى.
(p-٣٥٩)ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ وإنْ دَقَّ ﴿بَصِيرٌ﴾ وأفْهَمَ ذَلِكَ: وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ بَعْدَ المَسِيسِ وقَبْلَ الفَرْضِ فَجَمِيعُ مَهْرِ المِثْلِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences