Al-Biqa'iAl‑Baqarah · 2:249–252

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:249–252

2:249Page 41

فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلۡجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبۡتَلِيكُم بِنَهَرٖ فَمَن شَرِبَ مِنۡهُ فَلَيۡسَ مِنِّي وَمَن لَّمۡ يَطۡعَمۡهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّيٓ إِلَّا مَنِ ٱغۡتَرَفَ غُرۡفَةَۢ بِيَدِهِۦۚ فَشَرِبُواْ مِنۡهُ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلۡيَوۡمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦۚ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٢٤٩

And when Saul went forth with the soldiers, he said, "Indeed, Allāh will be testing you with a river. So whoever drinks from it is not of me, and whoever does not taste it is indeed of me, excepting one who takes [from it] in the hollow of his hand." But they drank from it, except a [very] few of them. Then when he had crossed it along with those who believed with him, they said, "There is no power for us today against Goliath and his soldiers." But those who were certain that they would meet Allāh said, "How many a small company has overcome a large company by permission of Allāh. And Allāh is with the patient."

(p-٤٢٦)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَأتاهُمُ التّابُوتُ عَلى الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ فَأطاعُوا نَبِيَّهم فِيهِ فَمَلَّكُوهُ وانْتَدَبُوا مَعَهُ فَخَرَجَ بِهِمْ إلى العَدُوِّ وفَصَلَ بِالجُنُودِ مِن مَحَلِّ السَّكَنِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا فَصَلَ﴾ مِنَ الفَصْلِ وهو انْقِطاعُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وأصْلُهُ: فَصَلَ نَفْسَهُ أوْ جُنْدَهُ - أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ كَثُرَ حَذْفُ المَفْعُولِ لِلْعِلْمِ بِهِ فَصارَ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ اللّازِمِ ﴿طالُوتُ﴾ أيِ الَّذِي مَلَّكُوهُ ﴿بِالجُنُودِ﴾ أيِ الَّتِي اخْتارَها وخَرَجُوا لِلِقاءِ مَن سَألُوا لِقاءَهُ لِكُفْرِهِ بِاللَّهِ مَعَ ما قَدْ أحْرَقَهم بِهِ مِن أنْواعِ القَهْرِ.

قالَ الحَرالِيُّ: وهو جَمْعُ جُنْدٍ وهم أتْباعٌ يَكُونُونَ نَجْدَةً لِلْمُسْتَتْبِعِ ﴿قالَ﴾ أيْ مَلِكُهم ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ وأنْتُمْ خارِجُونَ في مَرْضاتِهِ ﴿مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾ مِنَ الماءِ الَّذِي جَعَلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حَياةً لِكُلِّ (p-٤٢٧)شَيْءٍ، فَضَرَبَهُ مَثَلًا لِلدُّنْيا الَّتِي مَن رَكَنَ إلَيْها ذَلَّ ومَن صَدَفَ عَنْها عَزَّ.

قالَ الحَرالِيُّ: فَأظْهَرَ اللَّهُ عَلى لِسانِهِ ما أنْبَأ بِهِ نَبِيَّهم في قَوْلِهِ ﴿وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧] - انْتَهى.

﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ﴾ أيْ مَلَأ بَطْنَهُ ﴿فَلَيْسَ مِنِّي﴾ أيْ كَمَنِ انْغَمَسَ في الدُّنْيا فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ كَمَن عَزَفَ عَنْها بِكُلِّيَّتِهِ ثُمَّ تَلا هَذِهِ (p-٤٢٨)الدَّرَجَةُ العَلِيَّةُ الَّتِي قَدْ قُدِّمَتْ لِلْعِنايَةِ بِها بِما يَلِيها مِنَ الِاقْتِصادِ فَقالَ مُسْتَثْنِيًا مَن ﴿فَمَن شَرِبَ﴾ ﴿إلا مَنِ اغْتَرَفَ﴾ أيْ تَكَلَّفَ الغَرْفَ ﴿غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ فَفي قِراءَةِ فَتْحِ الغَيْنِ إعْرابٌ عَنْ مَعْنى إفْرادِها أخْذَةً ما أخَذَتْ مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ، وفي الضَّمِّ إعْلامٌ بِمَلْئِها، والغَرْفُ بِالفَتْحِ الأخْذُ بِكُلِّيَّةِ اليَدِ، والغَرْفَةُ الفَعْلَةُ الواحِدَةُ مِنهُ، وبِالضَّمِّ اسْمُ ما حَوَتْهُ الغَرْفَةُ، فَكانَ في المُغْتَرِفِينَ مَنِ اسْتَوْفى الغُرْفَةَ ومِنهم مَن لَمْ يَسْتَوْفِ - قالَهُ الحَرالِيُّ وقالَ: فَكانَ فِيهِ إيذانٌ بِتَصْنِيفِهِمْ ثَلاثَةَ أصْنافٍ: مَن لَمْ يَطْعَمْهُ البَتَّةَ وأُولَئِكَ الَّذِينَ ثَبَتُوا وظَنُّوا أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ، ومَن شَرِبَ مِنهم وأُولَئِكَ الَّذِينَ افْتُتِنُوا وانْقَطَعُوا عَنِ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ ومَنِ اغْتَرَفَ غَرْفَةً وهُمُ الَّذِينَ ثَبَتُوا وتَزَلْزَلُوا حَتّى ثَبَّتَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَطْعَمُوا.

ولَمّا كانَ قَصَصُ بَنِي إسْرائِيلَ مِثالًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ كانَ مُبْتَلى هَذِهِ الأُمَّةَ بِالنَّهْرِ ابْتَلاهم بِنَهْرِ الدُّنْيا الجارِي خِلالَها، فَكانَتْ جُيُوشُهم بِحُكْمِ هَذا الإيحاءِ الِاعْتِبارِيِّ إذا مَرُّوا بِنَهْرِ أمْوالِ النّاسِ وبِلادِهِمْ وزُرُوعِهِمْ وأقْطارِهِمْ في سَبِيلِهِمْ إلى غَزْوِهِمْ، فَمَن أصابَ مِن أمْوالِ النّاسِ ما لَمْ يَنَلْهُ الإذْنُ مِنَ اللَّهِ انْقَطَعَ عَنْ ذَلِكَ الجَيْشِ ولَوْ حَضَرَهُ. فَما كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ (p-٤٢٩)عِيانًا يَكُونُ وُقُوعُهُ في هَذِهِ الأُمَّةِ اسْتِبْصارًا سُتْرَةً لَها وفَضِيحَةً لِأُولَئِكَ، ومَن لَمْ يُصِبْ مِنها شَيْئًا بَتًّا كانَ أهْلَ ثَبْتِ ذَلِكَ الجَيْشِ الثّابِتِ المُثَبَّتِ، قِيلَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! ما بالُ فَرَسِكَ لَمْ يُكَبَّ بِكَ قَطُّ؟ قالَ: ما وطِئْتُ بِهِ زَرْعَ مُسْلِمٍ قَطُّ.

ومَن أصابَ ما لَهُ فِيهِ ضَرُورَةٌ مِن مَنزِلٍ يَنْزِلُهُ أوْ غَلَبَةِ عادَةٍ تَقَعُ مِنهُ ويَوَدُّهُ أنْ لا يَقَعَ فَهَؤُلاءِ يَقْبَلُونَ التَّثْبِيتَ مِنَ الَّذِينَ تَوَرَّعُوا كُلَّ الوَرَعِ، فَمَلاكُ هَذا الدِّينِ الزُّهْدُ في القَلْبِ والوَرَعُ في التَّناوُلِ بِاليَدِ، قالَ ﷺ:

«إنَّما تُنْصَرُونَ بِضُعَفائِكم» وفي إلاحَةِ هَذا التَّمْثِيلِ والِاعْتِبارِ أنَّ أعْظَمَ الجُيُوشِ جَيْشٌ يَكُونُ فِيهِ مِن أهْلِ الوَرَعِ بِعَدَدِ الثّابِتِينَ مِن أصْحابِ طالُوتَ الَّذِينَ بِعَدَدِهِمْ كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ وهم ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ عَدَدُ المُرْسَلِينَ مِن كَثْرَةِ عَدَدِ النَّبِيِّينَ، قالَ: وفي إفْرادِ اليَدِ إيذانٌ بِأنَّها غَرْفَةُ اليَدِ اليُمْنى لِأنَّها اليَدُ الخاصَّةُ (p-٤٣٠)لِلتَّعْرِيفِ، فَفي اعْتِبارِهِ أنَّ الأخْذَ مِنَ الدُّنْيا إنَّما يَكُونُ بِيَدٍ لا بِيَدَيْنِ لِاشْتِمالِ اليَدَيْنِ عَلى جانِبَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ - انْتَهى.

فَعَرَضَ لَهُمُ النَّهْرُ كَما أخْبَرَهم بِهِ ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ﴾ مُجاوَزِينَ حَدَّ الِاقْتِصادِ ﴿إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾ فَأطاعُوا فَأرْواهُمُ اللَّهُ وقَوّى قُلُوبَهُمْ، ومَن عَصى في شُرْبِهِ غَلَبَهُ العَطَشُ وضَعُفَ عَنِ اللِّقاءِ فَبَقِيَ عَلى شاطِئِ النَّهْرِ.

قالَ الحَرالِيُّ: وفِيما يُذْكَرُ أنَّهُ قُرِئَ بِالرَّفْعِ وهو إخْراجٌ لَهم مِنَ الشّارِبِينَ بِالِاتِّباعِ كَأنَّ الكَلامَ (p-٤٣١)مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ حَيْثُ صارَ تابِعًا وإعْرابُهُ مِمّا أهْمَلَهُ النُّحاةُ فَلَمْ يُحْكِمُوهُ وحُكْمُهُ أنَّ ما بُنِيَ عَلى إخْراجٍ اتُّبِعَ وما لَمْ يُبْنَ عَلى إخْراجِهِ وكَأنَّهُ إنَّما انْثَنى إلَيْهِ بَعْدَ مَضارِّ الكَلامِ الأوَّلِ قُطِعَ ونُصِبَ - انْتَهى.

وكانَ المَعْنى في النَّصْبِ أنَّهُ لَمّا اسْتَقَرَّ الفِعْلُ لِلْكُلِّ رَجَعَ الِاسْتِثْناءُ إلى البَعْضِ، وفي الِاتِّباعِ نَوى الِاسْتِثْناءَ مِنَ الأوَّلِ فَصارَ كالمُفْرَغِ وهَذِهِ القِراءَةُ عَزاها الأهْوازِيُّ في كِتابِ الشَّواذِّ إلى الأعْمَشِ وعَزاها السَّمِينُ في إعْرابِهِ إلى عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وعَقَدَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في نَحْوِ نِصْفِ كِتابِهِ لِاتِّباعِ مِثْلِ هَذا بابًا تَرْجَمَهُ بِقَوْلِهِ: بابُ ما يَكُونُ فِيهِ إلّا وما بَعْدَهُ وصْفًا بِمَنزِلَةِ غَيْرٍ ومِثْلٍ، ودَلَّ عَلَيْهِ بِأبْياتٍ (p-٤٣٢)كَثِيرَةٍ مِنها:

؎وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ

قالَ كَأنَّهُ قالَ: وكُلُّ أخٍ غَيْرَ الفَرْقَدَيْنِ، وسَوّى بَيْنَ هَذا وبَيْنَ آيَةِ ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] بِالرَّفْعِ و﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] وجَوَّزَ في ما قامَ القَوْمُ إلّا زَبَدٌ، - بِالرَّفْعِ البَدَلَ والصِّفَةَ، قالَ الرَّضِيُّ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ: وكُلُّ أخٍ - البَيْتَ، وقَوْلِهِ ﷺ: «النّاسُ كُلُّهم هَلْكى إلّا العالِمُونَ، والعالِمُونَ كُلُّهم هَلْكى إلّا العامِلُونَ والعامِلُونَ كُلُّهم هَلْكى إلّا المُخْلِصُونَ، والمُخْلِصُونَ عَلى خَطَرٍ عَظِيمٍ» وقالَ السَّمِينُ: والفَرْقُ بَيْنَ الوَصْفِ بِإلا والوَصْفِ بِغَيْرِها أنْ لا يُوصَفَ بِها المَعارِفُ والنَّكِراتُ والظّاهِرُ والمُضْمَرُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لا يُوصَفُ بِها إلّا النَّكِرَةُ والمَعْرِفَةُ بِلامِ الجِنْسِ فَإنَّهُ في قُوَّةِ النَّكِرَةِ.

ولَمّا ذَكَرَ فِتْنَتَهم بِالنَّهْرِ أتْبَعَهُ فِتْنَةَ اللِّقاءِ بِبَحْرِ الجَيْشِ وما فِيهِ مِن عَظِيمِ الخَطَرِ المُزَلْزِلِ لِلْقُلُوبِ حَثًّا عَلى سُؤالِ العافِيَةِ وتَعْرِيفًا بِعَظِيمٍ رُتْبَتِها كَما قالَ ﷺ يَوْمَ عَرَضَ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ عَلى أهْلِ الطّائِفِ ومَسَّهُ مِنهم مِن عَظِيمِ الأذى ما مَسَّهُ: «إنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عَلِيَّ غَضَبٌ (p-٤٣٣)فَلا أُبالِي ولَكِنْ هي أوْسَعُ لِي» ! .

فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ﴾ أيِ النَّهْرَ مِن غَيْرِ شُرْبٍ، مِنَ المُجاوَزَةِ مُفاعَلَةٌ مِنَ الجَوازِ وهو العُبُورُ مِن عُدْوَةٍ دُنْيا إلى عَدُوَّةٍ قُصْوى ﴿هُوَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِالإيمانِ وجاوَزُوا ﴿مَعَهُ﴾ وتَراءَتِ الفِئَتانِ ﴿قالُوا﴾ أيْ مُعْظَمُهم.

قالَ الحَرالِيُّ: رَدَّ الضَّمِيرَ مَرَدًّا عامًّا إيذانًا بِكَثْرَةِ الَّذِينَ اغْتَرَفُوا وقِلَّةِ الَّذِينَ لَمْ يَطْعَمُوا كَما آذَنَ ضَمِيرُ شَرِبُوا بِكَثْرَةِ الَّذِينَ شَرِبُوا مِنهُ - انْتَهى.

﴿لا طاقَةَ﴾ مِمّا مِنهُ الطَّوْقُ وهو ما اسْتَقَلَّ بِهِ الفاعِلُ ولَمْ يُعْجِزْهُ ﴿لَنا اليَوْمَ﴾ أيْ عَلى ما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الحالِ ﴿بِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾ لِما هم فِيهِ مِنَ القُوَّةِ والكَثْرَةِ.

قالَ الحَرالِيُّ: فَفِيهِ مِن نَحْوِ قَوْلِهِمْ ﴿ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ﴾ [البقرة: ٢٤٧] اعْتِمادًا عَلى أنَّ النَّصْرَ بِعُدَّةِ مالٍ أوْ قُوَّةٍ، ولَيْسَ إلّا بِنَصْرِ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ: فَإذا نُوظِرَ هَذا الإنْباءُ مِنهم والطَّلَبُ أيْ كَما يَأْتِي في ﴿رَبَّنا أفْرِغْ﴾ [البقرة: ٢٥٠] بِما تَوَلّى اللَّهُ مِن أمْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ في جَيْشِهِمُ المَمْثُولِ لِهَذا الجَيْشِ في سُورَةِ الأنْفالِ مِن نَحْوِ (p-٤٣٤)قَوْلِهِ ﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ﴾ [الأنفال: ١١] - الآياتِ، عِلْمٌ عَظِيمٌ فَضَّلَ اللَّهُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ واسْتَشْعَرَ بِما يَكُونُ لَها في خاتِمَتِها مِمّا هو أعْظَمُ نَبَأً وأكْمَلُ عِيانًا فَلِلَّهِ الحَمْدُ عَلى ما أعْظَمَ مِن فَضْلِهِ ولُطْفِهِ - انْتَهى.

ولَمّا أخْبَرَ عَنْهم بِهَذا القَوْلِ نَبَّهَ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَصْدُرَ مِمَّنْ يَظُنُّ أنَّ أجْلَهُ مُقَدَّرٌ لا يَزِيدُ بِالجُبْنِ والإحْجامِ ولا يَنْقُصُ بِالجُرْأةِ والإقْدامِ وأنَّهُ يَلْقى اللَّهَ فَيُجازِيهِ عَلى عَمَلِهِ وأنَّ النَّصْرَ مِنَ اللَّهِ لا بِالقُوَّةِ والعَدَدِ فَقالَ: ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ أيْ يَعْلَمُونَ ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِالظَّنِّ لَمّا ذَكَرَ ﴿أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ إشارَةً إلى أنَّهُ يَكْفِي في الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ والرَّجاءِ لَهُ الظَّنُّ لِأنَّهُ يُوجِبُ فِرارَ العَقْلِ مِمّا يَظُنُّ أنَّهُ يَكْرَهُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنْقاذًا لِنَفْسِهِ مِنَ الهَلاكِ بِذَلِكَ كَما أسْرَفَ هَؤُلاءِ في الشُّرْبِ لِظَنِّ الهَلاكِ بِعَدَمِهِ ورَجَعُوا لِظَنِّ الهَلاكِ بِاللِّقاءِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الظَّنُّ عَلى بابِهِ ويُأوَّلُ اللِّقاءُ بِالحالَةِ الحَسَنَةِ ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ كَما كانَ في هَذِهِ الأُمَّةِ في يَوْمِ (p-٤٣٥)بَدْرٍ ﴿غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى أنَّ سَبَبَ النَّصْرِ الطّاعَةُ والذِّكْرُ لِلَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ بِتَمْكِينِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ، فَلا يَنْبَغِي لِمَن عَلِمَ ذَلِكَ أنْ يَفْتُرَ عَنْ ذِكْرِهِ ويَرْضى بِقَضائِهِ.

ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مَلاكَ ذَلِكَ كُلِّهِ الصَّبْرُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿مَعَ الصّابِرِينَ﴾ ولا يَخْذُلُ مَن كانَ مَعَهُ.

2:250Page 41

وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٥٠

And when they went forth to [face] Goliath and his soldiers, they said, "Our Lord, pour upon us patience and plant firmly our feet and give us victory over the disbelieving people."

ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم صَدَقُوا قَوْلَهم قَبْلَ المُباشَرَةِ بِالفِعْلِ عِنْدَها فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا قالُوا لَهم ذَلِكَ جَمَعَ اللَّهُ كَلِمَتَهم فاعْتَمَدُوا عَلَيْهِ وبَرَزُوا لِلْقِتالِ بَيْنَ يَدَيْهِ: ﴿ولَمّا بَرَزُوا﴾ وهم عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّعْفِ والقِلَّةِ، والبُرُوزُ هو الخُرُوجُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ يُوارى في بِرازٍ مِنَ الأرْضِ وهو الَّذِي لا يَكُونُ فِيهِ ما يَتَوارى فِيهِ عَنْ عَيْنِ النّاظِرِ ﴿لِجالُوتَ﴾ اسْمُ مَلِكٍ مِن مُلُوكِ الكَنْعانِيِّينَ كانَ بِالشّامِ في زَمَنِ (p-٤٣٦)بَنِي إسْرائِيلَ ﴿وجُنُودِهِ﴾ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ القُوَّةِ والكَثْرَةِ والجُرْأةِ بِالتَّعَوُّدِ بِالنَّصْرِ ﴿قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ﴾ مِنَ الإفْراغِ وهو السَّكْبُ المُفِيضُ عَلى كُلِّيَّةِ المَسْكُوبِ عَلَيْهِ ﴿عَلَيْنا صَبْرًا﴾ حَتّى نَبْلُغَ مِنَ الضَّرْبِ ما نُحِبُّ في مِثْلِ هَذا المَوْطِنِ ﴿وثَبِّتْ﴾ مِنَ التَّثْبِيتِ تَفْعِيلٌ مِنَ الثَّباتِ وهو التَّمَكُّنُ في المَوْضِعِ الَّذِي شَأْنُهُ الِاسْتِزْلالُ ﴿أقْدامَنا﴾ جَمْعُ قَدَمٍ وهو ما يَقُومُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ ويَعْتَمِدُهُ، أيْ بِتَقْوِيَةِ قُلُوبِنا حَتّى لا نَفِرَّ وتَكُونَ ضَرَباتُنا مُنْكَبَّةً مُوجِعَةً وأشارُوا بِقَوْلِهِمْ ﴿وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ مَوْضِعَ قَوْلِهِمْ: عَلَيْهِمْ، إلى أنَّهم إنَّما يُقاتِلُونَهم لِتَضْيِيعِهِمْ حَقَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا لِحَظٍّ مِن حُظُوظٍ النَّفْسِ كَما كانَ مِن مُعْظَمِهِمْ أوَّلَ ما سَألُوا وإلى أنَّهم أقْوِياءُ فَلا بُدَّ لَهم مِن مَعُونَتِهِ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ وتَعالى،

2:251Page 41

فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٥١

So they defeated them by permission of Allāh, and David killed Goliath, and Allāh gave him the kingship and wisdom [i.e., prophethood] and taught him from that which He willed. And if it were not for Allāh checking [some] people by means of others, the earth would have been corrupted, but Allāh is the possessor of bounty for the worlds.

ثُمَّ رَتَّبَ عَلى ذَلِكَ النَّتِيجَةِ حَثًّا عَلى الِاقْتِداءِ بِهِمْ لِنِيلِ (p-٤٣٧)ما نالُوا فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَأجابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى دُعاءَهُمْ: ﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ مِمّا مِنهُ الهَزِيمَةُ وهو فِرارُ مَن شَأْنُهُ الثَّباتُ - قالَهُ الحَرالِيُّ، وقالَ: ولَمْ يَكُنْ فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ، كَما لِهَذِهِ الأُمَّةِ فِي

﴿ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] انْتَهى.

﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ. ثُمَّ بَيَّنَ ما خَصَّ بِهِ المُتَوَلِّيَ لِعِظَمِ الأمْرِ بِتَعْرِيضِ نَفْسِهِ لِلتَّلَفِ في ذاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الخِلالِ الشَّرِيفَةِ المُوجِبَةِ لِكَمالِ الحَياةِ المُوصِلَةِ إلى البَقاءِ السَّرْمَدِيِّ فَقالَ: ﴿وقَتَلَ داوُدُ﴾ وكانَ في جَيْشِ طالُوت ﴿جالُوتَ﴾

قالَ الحَرالِيُّ: مُناظَرَةُ قَوْلِهِ ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] ﴿وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] - انْتَهى.

وفِي الزَّبُورِ في المَزْمُورِ الحادِي والخَمْسِينَ بَعْدَ المِائَةِ وهو آخِرُهُ: صَغِيرًا كُنْتَ في إخْوَتِي، حَدَثًا في بَيْتِ (p-٤٣٨)أبِي، راعِيًا غَنَمَهُ، يَدايَ صَنَعَتا الأُرْغُنَ، وأصابِعِي عَمِلَتِ القِيثارَ، مِنَ الآنِ اخْتارَنِي الرَّبُّ إلَهِي واسْتَجابَ لِي وأرْسَلَ مَلاكَهُ وأخَذَنِي مِن غَنَمِ أبِي ومَسَحَنِي بِدُهْنٍ مَسَحَتْهُ إخْوَتِي حِسانٌ وأكْرَمَنِي ولَمْ يسر بِهِمُ الرَّبُّ، خَرَجْتُ مُلْتَقِيًا الفِلَسْطِينِيَّ الجَبّارَ الغَرِيبَ فَدَعا عَلَيَّ بِأوْثانِهِ فَرَمَيْتُهُ بِثَلاثَةِ أحْجارٍ في جَبْهَتِهِ بِقُوَّةِ الرَّبِّ فَصَرَعْتُهُ واسْتَلَلْتُ سَيْفَهُ وقَطَعْتُ بِهِ رَأسَهُ ونَزَعْتُ العارَ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ.

﴿وآتاهُ اللَّهُ﴾ بِجَلالِهِ وعَظَمَتِهِ ﴿المُلْكَ﴾

قالَ الحَرالِيُّ: كانَ داوُدُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَهم مِن سِبْطِ المَلِكِ فاجْتَمَعَتْ لَهُ المَزِيَّتانِ مِنِ اسْتِحْقاقِ البَيْتِ وظُهُورِ الآيَةِ عَلى يَدَيْهِ بِقَتْلِ جالُوتَ، قالَ تَعالى: ﴿والحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٥١] تَخْلِيصًا لِلْمُلْكِ مِمّا يَلْحَقُهُ بِفَقْدِ الحِكْمَةِ مِنِ اعْتِداءِ الحُدُودِ انْتَهى. فَكانَ داوُدُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوَّلَ مَن جُمِعَ لَهُ بَيْنَ المُلْكِ والنُّبُوَّةِ ﴿وعَلَّمَهُ﴾ أيْ زِيادَةً مِمّا يَحْتاجانِ إلَيْهِ ﴿مِمّا يَشاءُ﴾ مِن صَنْعَةِ الدُّرُوعِ وكَلامِ الطَّيْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

(p-٤٣٩)ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى هَذِهِ الواقِعَةَ عَلى طُولِها هَذا البَيانَ الَّذِي يَعْجَزُ عَنْهُ الإنْسُ والجانُّ بَيَّنَ حِكْمَةَ الجِهادِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ بَلْ ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ مِن تَسْلِيطِ بَعْضِ النّاسِ عَلى بَعْضٍ بِسَبَبِ أنَّهُ جَبَلَ البَشَرَ عَلى خَلائِقَ مُوجِبَةٍ لِلتَّجَبُّرِ وطَلَبِ التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ المُفْضِي إلى الِاخْتِلافِ فَقالَ - بانِيًا لَهُ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَدَفَعَ اللَّهُ بِذَلِكَ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ ما كانَ ابْتَلاهم بِهِ -: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ﴾ المُحِيطِ بِالحِكْمَةِ والقُدْرَةِ بِقُوَّتِهِ وقُدْرَتِهِ ﴿النّاسَ﴾ وقُرِئَ: دِفاعُ.

قالَ الحَرالِيُّ: فِعالٌ مِنِ اثْنَيْنِ وما يَقَعُ مِن أحَدِهِما دَفْعٌ وهو رَدُّ الشَّيْءِ (p-٤٤٠)بِغَلَبَةٍ وقَهْرٍ عَنْ وُجْهَتِهِ الَّتِي هو مُنْبَعِثٌ إلَيْها بِأشَدِّ مُنْتَهٍ، وهو أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ إشارَةً إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَفْعَلُ في ذَلِكَ فِعْلَ المَبالِغِ.

ولَمّا أثْبَتَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ الفِعْلَ لَهُ خَلْقًا وإيجادًا بَيَّنَ أنَّهُ لِعِبادِهِ كَسْبًا ومُباشَرَةً فَقالَ: ﴿بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ فَتارَةً يَنْصُرُ قَوِيَّهم عَلى ضَعِيفِهِمْ كَما هو مُقْتَضى القِياسِ، وتارَةً يَنْصُرُ ضَعِيفَهم - كَما فَعَلَ في قِصَّةِ طالُوتَ - عَلى قَوِيِّهِمْ حَتّى لا يَزالَ ما أقامَ بَيْنَهم مِن سَبَبِ الحِفْظِ بِهَيْبَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ قائِمًا ﴿لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ بِأكْلِ القَوِيِّ الضَّعِيفَ حَتّى لا يَبْقى أحَدٌ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ﴾ تَعالى بِعَظَمَتِهِ وجَلالِهِ وعِزَّتِهِ وكَمالِهِ يَكُفُّ بَعْضَ النّاسِ بِبَعْضٍ ويُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا وقَدْ يُؤَيَّدُ الدِّينُ بِالرَّجُلِ الفاجِرِ عَلى نِظامٍ دَبَّرَهُ وقانُونٍ أحْكَمَهُ في الأزَلِ يَكُونُ سَبَبًا لِكَفِّ القَوِيِّ عَنِ الضَّعِيفِ إبْقاءً لِهَذا الوُجُودِ عَلى هَذا النِّظامِ إلى الحَدِّ الَّذِي حَدَّهُ ثُمَّ يُزِيلُ الشَّحْناءَ عَلى زَمَنِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (p-٤٤١)لِيَتِمَّ العِلْمُ بِكَمالِ قُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ وذَلِكَ مِن فَضْلِهِ عَلى عِبادِهِ وهو ﴿ذُو فَضْلٍ﴾ عَظِيمٍ جِدًّا ﴿عَلى العالَمِينَ﴾ أيْ كُلِّهِمْ أوَّلًا بِالإيجادِ وثانِيًا بِالدِّفاعِ فَهو يَكُفُّ مِن ظُلْمِ الظَّلَمَةِ إمّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ أوْ بِالصّالِحِينَ وقَلِيلٌ ما هم ويُسْبِغُ عَلَيْهِمْ غَيْرَ ذَلِكَ مِن أثْوابِ نِعَمِهِ ظاهِرَةً وباطِنَةً، ومِمّا يَشْتَدُّ اتِّصالُهُ بِهَذِهِ القِصَّةِ ما أسْنَدَهُ الحافِظُ أبُو القاسِمِ بْنُ عَساكِرَ في الكُنى مِن تارِيخِ دِمَشْقَ في تَرْجَمَةِ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ عَنِ الأصْمَعِيِّ قالَ: أنْشَدَنا أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ قالَ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا يُنْشِدُ وقَدْ كُنْتُ خَرَجْتُ إلى ظاهِرِ البَصْرَةِ مُتَفَرِّجًا مِمّا نالَنِي مِن طَلَبِ الحَجّاجِ واسْتِخْفائِي مِنهُ:

؎صُبْرُ النَّفْسِ عِنْدَ كُلِّ مُلِمٍّ إنَّ في الصَّبْرِ حِيلَةَ المُحْتالِ

؎لا تُضَيِّقَنَّ في الأُمُورِ فَقَدْ ∗∗∗ يُكْشَفُ لَأْواؤُها بِغَيْرِ احْتِيالِ

؎رُبَّما تَجْزَعُ النُّفُوسُ مِنَ ∗∗∗ الأمْرِ لَهُ فُرْجَةٌ كَحَلِّ العِقالِ

؎قَدْ يُصابُ الجَبانُ في آخِرِ ∗∗∗ الصَّفِّ ويَنْجُو مُقارِعُ الأبْطالِ

فَقُلْتُ ما وراءَكَ يا أعْرابِيُّ؟ فَقالَ: ماتَ الحَجّاجُ، فَلَمْ أدْرِ بِأيِّهِما أفْرَحُ بِمَوْتِ الحَجّاجِ أوْ بِقَوْلِهِ: لَهُ فُرْجَةٌ! لِأنِّي كُنْتُ أطْلُبُ شاهِدًا لِاخْتِيارِي (p-٤٤٢)القِراءَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً﴾ [البقرة: ٢٤٩] – انْتَهى.

ولَعَلَّ خِتامَ قَصَصِ بَنِي إسْرائِيلَ بِهَذِهِ القِصَّةِ لِما فِيها لِلنَّبِيِّ ﷺ مِن واضِحِ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ دَعْواهُ الرِّسالَةَ لِأنَّها مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا القَلِيلُ مِن حُذّاقِ عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ عَقَّبَها بِآيَةِ الكُرْسِيِّ الَّتِي هي العَلَمُ الأعْظَمُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ فَكانَ ذَلِكَ في غايَةِ المُناسَبَةِ لِما في أوائِلِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى

﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] إلى آخِرِ تِلْكَ الآياتِ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ المُتَضَمِّنَةِ لِدَلائِلِ النُّبُوَّةِ المُفْتَتَحِ بِها قَصَصُ بَنِي إسْرائِيلَ فَكانَتْ دَلائِلُ التَّوْحِيدِ مُكْتَنِفَةً قِصَّتَهم أوَّلَها وآخِرَها مَعَ ما في أثْنائِها جَرْيًا عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ في مُناضَلَةِ العُلَماءِ ومُجادَلَةِ الفُضَلاءِ، فَكانَ خُلاصَةُ ذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: ”الَم“ تَنْبِيهًا لِلنُّفُوسِ بِما اسْتَأْثَرَ العَلِيمُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِعِلْمِهِ فَلَمّا ألْقَتِ الأسْماعَ وأحْضَرَتِ الأفْهامَ قِيلَ يا أيُّها النّاسُ فَلَمّا عَظُمَ التَّشَوُّفُ قالَ ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] ثُمَّ عَيَّنَهُ بَعْدَ وصْفِهِ بِما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] كَما سَيُجْمَعُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ فاصِلٍ أوَّلَ سُورَةِ التَّوْحِيدِ آلِ عِمْرانَ المُنَزَّلَةِ في مُجادَلَةِ أهْلِ الكِتابِ مِنَ النَّصارى وغَيْرِهِمْ، وتُخْتَمُ قِصَصُهم بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا (p-٤٤٠)مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٣] يَعْنِي بِالمُنادِي واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ القائِلَ ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] - إلى آخِرِها، ومِمّا يَجِبُ التَّنَبُّهُ لَهُ مِن قِصَّتِهِمْ هَذِهِ ما فِيها لِأنَّها تَدْرِيبٌ لِمَن كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ وتَأْدِيبٌ في مُلاقاةِ الرِّجالِ مِنَ الإرْشادِ إلى أنَّ أكْثَرَ حَدِيثِ النَّفْسِ وأمانِيِّها الكَذِبُ لا سِيَّما بِالثَّباتِ في مَزالِّ الأقْدامِ فَتَشَجَّعَ الإنْسانُ، فَإذا تَوَرَّطَ أقْبَلَتْ بِهِ عَلى الهَلَعِ حَتّى لا يَتَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ كَما أدَّبَهم بِهِ نَبِيُّهم ﷺ، وذَلِكَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَ كَوْنِهِمْ لا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً سَألُوا نَبِيَّهم ﷺ بَعْثَ مَلَكٍ لِلْجِهادِ، فَلَمّا بُعِثَ فَخالَفَ أغْراضَهم لَمْ يُفاجِئُوهُ إلّا بِالِاعْتِراضِ، ثُمَّ لَمّا اسْتَقَرَّ الحالُ بَعْدَ نَصْبِ الأدِلَّةِ وإظْهارِ الآياتِ نَدَبَهُمْ، فانْتُدِبَ جَيْشٌ لا يُحْصى كَثْرَةً، فَشَرَطَ عَلَيْهِمُ الشّابُّ الفارِغُ بِناءَ دارٍ وبِناءً بِامْرَأةٍ، فَلَمْ يَكُنِ المَوْجُودُ بِالشَّرْطِ إلّا ثَمانِينَ ألْفًا؛ ثُمَّ امْتُحِنُوا بِالنَّهْرِ فَلَمْ يَثْبُتْ مِنهم إلّا ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ وهم دُونَ الثُّلُثِ مِن ثُمُنِ العُشْرِ مِنَ المُتَّصِفِينَ بِالشَّرْطِ مِنَ الَّذِينَ هم دُونَ الدُّونِ مِنَ المُنْتَدَبِينَ الَّذِينَ هم دُونَ الدُّونِ مِنَ السّائِلِينَ في بَعْثِ المَلَكِ، فَكانَ الخالِصُونَ مَعَهُ، كَما قالَ بَعْضُ الأوْلِياءِ المُتَأخِّرِينَ لِآخِرِ قَصْدِهِ بِالزِّيارَةِ:

؎ألَمْ تَعْلَمْ بِأنِّي صَيْرَفِيٌّ ∗∗∗ أحُكُّ الأصْدِقاءَ عَلى مَحَكِّ

؎ (p-٤٤٤)فَمِنهم بَهَرْجٌ لا خَيْرَ فِيهِ ∗∗∗ ومِنهم مَن أُجَوِّزُهُ بِشَكِّ

؎وأنْتَ الخالِصُ الذَّهَبِ المُصَفّى ∗∗∗ بِتَزْكِيَتِي ومِثْلِي مَن يُزَكِّي

وهَذا سِرُّ قَوْلِ الصّادِقِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أُمَّتِي كالإبِلِ المِائَةِ لا تَكادُ تَجِدُ فِيها راحِلَةً» وقَوْلُهُ ﷺ «لا تَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ واسْألُوا اللَّهَ العافِيَةَ، فَإذا لَقِيتُمُوهم فاصْبِرُوا» فالحاصِلُ أنَّهُ عَلى العاقِلِ المُعْتَقِدِ جَهْلَهُ بِالعَواقِبِ وشُمُولَ قُدْرَةِ رَبِّهِ أنْ لا يَثِقَ بِنَفْسِهِ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، ولا يَزالُ يَصِفُها بِالعَجْزِ وإنِ ادَّعَتْ خِلافَ ذَلِكَ، ويَتَبَرَّأُ مِن حَوْلِهِ وقُوَّتِهِ إلى حَوْلِ مَوْلاهُ وقُوَّتِهِ ولا يَنْفَكُّ يَسْألُهُ العَفْوَ والعافِيَةَ.

2:252Page 41

تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢٥٢

These are the verses of Allāh which We recite to you, [O Muḥammad], in truth. And indeed, you are from among the messengers.

ولَمّا عَلَتْ هَذِهِ الآياتُ عَنْ أقْصى ما يَعْرِفُهُ البُصَراءُ البُلَغاءُ مِنَ الغاياتِ، وتَجاوَزَتْ إلى حَدٍّ تَعْجِزُ العُقُولُ عَنْ مَنالِهِ، وتَضاءَلَ نَوافِذُ الأفْهامِ عَنِ الإتْيانِ بِشَيْءٍ مِن مِثالِهِ، نَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ﴾ أيِ الآياتُ المُعْجِزاتُ لِمَن شَمَخَتْ أُنُوفُهُمْ، وتَعالَتْ في مَراتِبِ الكِبْرِ هِمَمُهم ونُفُوسُهُمْ؛ والإشارَةُ إلى ما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ ولا سِيَّما هَذِهِ القِصَّةَ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ والعِبارَةَ عَنْ ذَلِكَ في هَذِهِ الأسالِيبِ الباهِرَةِ والأفانِينِ المُعْجِزَةِ القاهِرَةِ ﴿آياتُ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي عَلَتْ عَظَمَتُهُ وتَمَّتْ قُدْرَتُهُ وقُوَّتُهُ، ولَمّا كانَتِ الجَلالَةُ مِن حَيْثُ إنَّها اسْمٌ لِلَذّاتٍ جامِعَةً لِصِفاتِ الكَمالِ والجَمالِ ونُعُوتِ الجَلال (p-٤٤٥)لَفَتَ القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ إشارَةً إلى إعْجازِهِمْ عَنْ هَذا النَّظْمِ بِنُعُوتِ الكِبْرِ والتَّعالِي فَقالَ: ﴿نَتْلُوها﴾ أيْ نُنَزِّلُها شَيْئًا في إثْرِ شَيْءٍ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَلَيْكَ﴾ تَثْبِيتًا لِدَعائِمِ الكِتابِ الَّذِي هو الهُدى، وتَشْيِيدًا لِقَواعِدِهِ ﴿بِالحَقِّ﴾ قالَ الإمامُ سَعْدُ الدِّينِ التَّفْتازانِيُّ في شَرْحِ العَقائِدِ: الحَقُّ الحُكْمُ المُطابِقُ لِلْواقِعِ، يُطْلَقُ عَلى الأقْوالِ والعَقائِدِ والأدْيانِ والمَذاهِبِ بِاعْتِبارِ اشْتِمالِها عَلى ذَلِكَ ويُقابِلُهُ الباطِلُ، وأمّا الصِّدْقُ فَقَدْ شاعَ في الأقْوالِ خاصَّةً ويُقابِلُهُ الكَذِبُ، وقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُما بِأنَّ المُطابَقَةَ تُعْتَبَرُ في الحَقِّ مِن جانِبِ الواقِعِ. وفي الصِّدْقِ مِن جانِبِ الحُكْمِ؛ فَمَعْنى صِدْقِ الحُكْمِ مُطابَقَتُهُ الواقِعَ. ومَعْنى حَقِّيَّتِهِ مُطابَقَةُ الواقِعِ إيّاهُ - انْتَهى.

فَمَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا: إنّا عالِمُونَ بِالواقِعِ مِن هَذِهِ الآياتِ فَأتَيْنا بِعِبارَةٍ يُطابِقُها ذَلِكَ الواقِعُ لا يَزِيدُ عَنْها ولا يَنْقُصُ، فَتِلْكَ العِبارَةُ ثابِتَةٌ ثَباتَ الواقِعِ لا يَتَمَكَّنُ مُنْصِفٌ عالِمٌ مِن إنْكارِها ولا إنْكارِ شَيْءٍ مِنها، كَما لا يَتَمَكَّنُ مِن إنْكارِ الواقِعِ المَعْلُومِ وُقُوعُهُ، ويَكُونُ الخَبَرُ عَنْها صِدْقًا لِأنَّهُ مُطابِقٌ لِذَلِكَ الواقِعِ بِغَيْرِ زِيادَةٍ ولا نَقْصٍ؛ والحاصِلُ أنَّ الحَقَّ يُعْتَبَرُ مِن جانِبِ المُخْبِرِ، فَإنَّهُ يَأْتِي بِعِبارَةٍ يُساوِيها الواقِعُ فَتَكُونُ حَقًّا، وأنَّ الصِّدْقَ يُعْتَبَرُ مِن جانِبِ السّامِعِ، فَإنَّهُ (p-٤٤٦)يَنْظُرُ إلى الخَبَرِ، فَإنْ وجَدَهُ مُطابِقًا لِلْواقِعِ قالَ: هَذا صِدْقٌ، ولَيْسَ بِبَعِيدٍ أنْ يَكُونَ مِنَ الشَّواهِدِ عَلى ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةُ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣] وقَوْلُهُ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ [ص: ٨٤] ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ٣٧] و﴿هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر: ٣١] وكَذا ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥] أيْ أنَّ هَذا الفِعْلَ وهو خَلْقُنا لَها لَسْنا مُتَعَدِّينَ فِيهِ، وهَذا الواقِعُ يُطابِقُ خَلْقَها لا يَزِيدُ عَلَيْهِ بِمَعْنى أنَّهُ كانَ عَلَيْنا أنْ نَزِيدَ فِيها شَيْئًا ولَيْسَ لَنا الِاقْتِصارُ عَلى ما وجَدَ ولا نَنْقُصُ عَنْهُ بِمَعْنى أنَّهُ كانَ عَلَيْنا أنْ نَجْعَلَها ناقِصَةً عَمّا هي عَلَيْهِ ولَمْ يَكُنْ لَنا إتْمامُها هَكَذا؛ أوْ بِالحَقِّ الَّذِي هو قُدْرَتُنا واخْتِيارُنا لا كَما يَدَّعِيهِ الفَلاسِفَةُ مِنَ الفِعْلِ بِالذّاتِ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ: أوْ بِسَبَبِ الحَقِّ أيْ إقامَتِهِ وإثْباتِهِ وإبْطالِ الباطِلِ ونَفْيِهِ، وقَوْلُهُ

﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [الحجر: ٦٤] أيْ أتَيْناكَ بِالخَبَرِ بِعَذابِهِمْ وهو ثابِتٌ، لِأنَّ مَضْمُونَهُ إذا وقَعَ فَنِسْبَتُهُ إلى الخَبَرِ (p-٤٤٧)عُلِمَتْ مُطابَقَتُهُ لَهُ أيْ مُطابَقَةُ الواقِعِ إيّاهُ وإخْبارِنا عَنْهُ عَلى ما هو بِهِ فَنَحْنُ صادِقُونَ فِيهِ، أيْ نَسَبُنا وُقُوعَ العَذابِ إلَيْهِمْ نِسْبَةُ تَطابُقِ الواقِعَ فَإذا وقَعَ نَظَرَتْ إلى إخْبارِنا فَرَأيْتُهُ مُطابِقًا لَهُ فَعَلِمَتْ صِدْقَنا فِيهِ؛ والَّذِي لا يَدَعُ في ذَلِكَ لَبْسًا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حِكايَةً عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠] أتى بِمُطابَقَةِ الواقِعِ لِتَأْوِيلِها، وأمّا صِدْقُهُ ﷺ فَهو بِنِسْبَةِ الخَبَرِ إلى الواقِعِ وهو أنَّهُ رَأى ما أخْبَرَ بِهِ وذَلِكَ مَوْجُودٌ مِن حِينِ إخْبارِهِ ﷺ فَإنَّ خَبَرَهُ كانَ حِينَ إخْبارِهِ بِهِ مُطابِقًا لِلْواقِعِ، وأمّا صِدْقُ الرُّؤْيا فَبِاعْتِبارِ أنَّهُ كانَ لَها واقِعٌ طابَقَهُ تَأْوِيلُها؛ فَإنْ قِيلَ: تَأْسِيسُ المُفاعَلَةِ أنْ تَكُونَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصاعِدًا يَفْعَلُ أحَدُهُما بِالآخَرِ ما يَفْعَلُ الآخَرُ بِهِ، فَهَبْ أنّا اعْتَبَرْنا المُطابَقَةَ مِن جانِبٍ واحِدٍ فَذَلِكَ لا يَنْفِي اعْتِبارَها مِنَ الجانِبِ الآخَرِ فَماذا يُغْنِي ما ادَّعَيْتَهُ، قِيلَ إنَّها وإنْ كانَ لا بُدَّ فِيها مِن مُراعاةِ الجانِبَيْنِ لَكِنَّها تُفْهِمُ أنَّ الَّذِي أسْنَدَ إلَيْهِ الفِعْلَ هو الطّالِبُ، بِخِلافِ بابِ التَّفاعُلِ فَإنَّهُ لا دَلالَةَ لِفِعْلِهِ عَلى ذَلِكَ، وجُمْلَةُ الأمْرِ أنَّ الواقِعَ أحَقُّ بِاسْمِ الحَقِّ لِأنَّهُ الثّابِتُ والخَبَرَ أحَقُّ بِاسْمِ الصِّدْقِ، والواقِعَ (p-٤٤٨)طالِبٌ لِخَبَرٍ يُطابِقُهُ لِيُعْرَفَ عَلى ما هو عَلَيْهِ والخَبَرَ طالِبٌ لِمُطابَقَةِ الواقِعِ لَهُ فَيَكْتَسِبُ الشَّرَفَ بِتَسْمِيَتِهِ صِدْقًا.

وأوَّلُ ثابِتٍ في نَفْسِ الأمْرِ هو الواقِعُ فَإنَّهُ قَبْلَ الخَبَرِ عَنْهُ بِأنَّهُ وقَعَ، فَإذا كانَ مَبْدَأُ الطَّلَبِ مِنَ الواقِعِ سُمِّيَ الخَبَرُ بِاسْمِهِ، إذا كانَ مَبْدَأُ الطَّلَبِ مِنَ الخَبَرِ سُمِّيَ بِاسْمِهِ الحَقِيقِ بِهِ، ولَعَلَّكَ إذا اعْتَبَرْتَ آياتِ الكِتابِ النّاطِقِ بِالصَّوابِ وجَدْتَها كُلَّها عَلى هَذا الأُسْلُوبِ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُوَفِّقُ.

ولَمّا ثَبَتَ أنَّ التِّلاوَةَ عَلَيْهِ ﷺ حَقٌّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكَ﴾ أيْ والحالُ أنَّكَ ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ بِما دَلَّتْ هَذِهِ الآياتُ عَلَيْهِ مِن عِلْمِكَ بِها مِن غَيْرِ مُعَلِّمٍ مِنَ البَشَرِ ثُمَّ بِإعْجازِها الباقِي عَلى مَدى الدَّهْرِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском