Al-Biqa'iAl‑Baqarah · 2:254–256

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:254–256

2:254Page 42

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خُلَّةٞ وَلَا شَفَٰعَةٞۗ وَٱلۡكَٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٥٤

O you who have believed, spend from that which We have provided for you before there comes a Day in which there is no exchange [i.e., ransom] and no friendship and no intercession. And the disbelievers - they are the wrongdoers.

ولَمّا كانَ الِاخْتِلافُ عَلى الأنْبِياءِ سَبَبًا لِلْجِهادِ الَّذِي هو حَظِيرَةُ الدِّينِ وكانَ عِمادُ [الجِهادِ] النَّفَقَةَ أتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ رُجُوعًا إلى أوَّلِ السُّورَةِ مِن هُنا إلى آخِرِها وإلى التَّأْكِيدِ بِلَفْظِ الأمْرِ لِما تَقَدَّمَ الحَثُّ عَلَيْهِ مِن أمْرِ النَّفَقَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِألْسِنَتِهِمْ (p-٢٢)بِالإيمانِ ﴿أنْفِقُوا﴾ تَصْدِيقًا لِدَعْواكم في جَمِيعِ أبْوابِ الجِهادِ الأصْغَرِ والأكْبَرِ ولا تَبْخَلُوا فَأيُّ داءٍ أدْوَأُ مِنَ البُخْلِ، ومَن يُوقَ شَحَّ نَفْسه فَأُولَئِكَ هم المُفْلِحُونَ.

ولَمّا أمَرَ بِذَلِكَ هَوَّنَهُ عَلَيْهِمْ بِالإعْلامِ بِأنَّهُ لَهُ لا لَهم فَقالَ: ﴿مِمّا﴾ أيِ الشَّيْءِ الَّذِي ورَدَّ القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ حَثًّا عَلى المُبادَرَةِ إلى امْتِثالِ الأمْرِ وتَقْبِيحًا بِحالِ مَن أبْطَأ عَنْهُ فَقالَ: ﴿رَزَقْناكُمْ﴾ (p-٢٣)بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، وجَزَمَ هُنا بِالأمْرِ لِأنَّهُ لَمّا رَغَّبَ في النَّفَقَةِ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى في أسالِيبَ مُتَعَدِّدَةٍ صارَتْ دَواعِي العُقَلاءِ في دَرَجَةِ القَبُولِ لِما تُنْدَبُ إلَيْهِ مِن أمْرِها وإنْ كانَ الخُرُوجُ عَمّا في اليَدِ في غايَةِ الكَراهَةِ إلى النَّفْسِ، وصَرَفَ الأمْرَ بِالتَّبْعِيضِ إلى الحَلالِ الطَّيِّبِ، فَمَنَعَ احْتِجاجَ المُعْتَزِلَةِ بِها في أنَّ الرِّزْقَ لا يَكُونُ إلّا حَلالًا لِكَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهِ، وأتْبَعَهُ بِما يُرَغِّبُ ويُرَهِّبُ مِن حالِ يَوْمِ التَّنادِ الَّذِي تَنْقَطِعُ فِيهِ الأسْبابُ الَّتِي أقامَها سُبْحانَهُ وتَعالى في هَذِهِ الدّارِ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ مَوْصُوفٌ بِأنَّهُ ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ مَوْجُودٌ ﴿ولا خُلَّةٌ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: هي مِمّا مِنهُ المُخالَلَةُ وهي المُداخَلَةُ فِيما يَقْبَلُ التَّداخُلَ حَتّى يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ خِلالَ الآخَرِ، ومَوْقِعُ مَعْناها المُوافَقَةُ في وصْفِ الرِّضى والسُّخْطِ، فالخَلِيلُ مِن رِضاهُ رِضى خَلِيلِهِ وفِعالُهُ مِن فِعالِهِ. انْتَهى.

﴿ولا شَفاعَةٌ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لا يُفْدى فِيهِ أسِيرٌ بِمالٍ، ولا يُراعى لِصَداقَةٍ مِن مُساوٍ ولا شَفاعَةٍ مِن كَبِيرٍ، لِعَدَمِ إرادَةِ اللَّهِ (p-٢٤)سُبْحانَهُ وتَعالى لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ ولا يَكُونُ إلّا ما يُرِيدُ، وفي الآيَةِ التِفاتٌ شَدِيدٌ إلى أوَّلِ السُّورَةِ حَيْثُ وصَفَ المُؤْمِنِينَ بِالإنْفاقِ مِمّا رَزَقَهم والإيقانِ بِالآخِرَةِ، وبَيانٌ لِأنَّ المُرادَ بِالإنْفاقِ أعَمُّ مِنَ الزَّكاةِ وأنَّ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ جَمِيعَ وُجُوهِ الإنْفاقِ مِن جَمِيعِ المَعادِنِ والحُظُوظِ الَّتِي تُكْسِبُ المَعالِي وتُنْجِي مِنَ المَهالِكِ، وسَيَأْتِي في الآياتِ الحاثَّةِ عَلى النَّفَقَةِ ما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ﴾ [البقرة: ٢٧١] وغَيْرِها وقالَ الحَرالِّيُّ: فانْتَظَمَ هَذا الِانْتِهاءَ في الخِطابِ بِما في ابْتِداءِ السُّورَةِ مِنَ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣] إلى قَوْلِهِ ﴿المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] فَلِذَلِكَ وقَعَ بَعْدَ هَذا الِانْتِهاءِ افْتِتاحُ آيَةٍ هي سَيِّدَةُ آيِ هَذِهِ السُّورَةِ المُنْتَظَمَةِ بِأوَّلِها انْتِظامًا مَعْنَوِيًّا بِرَأْسِ ﴿الم﴾ [البقرة: ١] ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] فَكانَ في إشارَةِ هَذا الِانْتِظامِ تَوْطِئَةٌ لِما أفْصَحَ بِهِ الخِطابُ في فاتِحَةِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، لِما ذُكِرَ مِن أنَّ القُرْآنَ مَثانِي إفْهامٍ وحَمْدٍ. فَكانَ أوَّلُهُ حَمْدًا وآخِرُهُ حَمْدًا يَنْثَنِي ما بَيْنَ الحَمْدَيْنِ عَلى أوَّلِهِ، كَما قالَ ”حَمِدَنِي عَبْدِي، أثْنى عَلَيَّ عَبْدِي“ فَجُمْلَتُهُ حَمْدٌ وتَفاصِيلُهُ ثَناءٌ. انْتَهى.

ولَمّا حَثَّ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى الإنْفاقِ خَتَمَ الآيَةَ بِذَمِّ الكافِرِينَ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَتَحَلَّوْا بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِتَخَلِّيهِمْ مِنَ الإيمانِ وبُعْدِهِمْ عَنْهُ وتَكْذِيبِهِمْ (p-٢٥)بِذَلِكَ اليَوْمِ فَهم لا يُنْفِقُونَ لِخَوْفِهِ ولا رَجائِهِ فَقالَ بَدَلَ، ولا نُصْرَةَ لِكافِرٍ: ﴿والكافِرُونَ﴾ أيِ المَعْلُومُ كُفْرُهم في ذَلِكَ اليَوْمِ، وهَذا العَطْفُ يُرْشِدُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: فالَّذِينَ آمَنُوا يَفْعَلُونَ ما أمَرْناهم بِهِ لِأنَّهُمُ المُحِقُّونَ، والكافِرُونَ ﴿هُمُ﴾ المُخْتَصُّونَ بِأنَّهُمُ ﴿الظّالِمُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الظُّلْمِ لا غَيْرُهُمْ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الظّالِمَ خاسِرٌ وأنَّهُ مَخْذُولٌ غَيْرُ مَنصُورٍ، لِأنَّهُ يَضَعُ الأُمُورَ في غَيْرِ مَواضِعِها، ومَن كانَ كَذَلِكَ لا يَثْبُتُ لَهُ أمْرٌ ولا يَرْتَفِعُ لَهُ شَأْنٌ بَلْ هو دائِمًا عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ، ولِأجْلِ ذَلِكَ يَخْتِمُ سُبْحانَهُ وتَعالى كَثِيرًا مِن آياتِهِ بِقَوْلِهِ ”وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصار“ فَقَدِ انْتَفى بِذَلِكَ جَمِيعُ أنْواعِ الخَلاصِ المَعْهُودَةِ في الدُّنْيا في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الافْتِداءِ بِالمالِ والمُراعاةِ لِصَداقَةٍ أوْ عَظَمَةِ ذِي شَفاعَةٍ أوْ نُصْرَةٍ بِقُوَّةٍ.

2:255Page 42

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ ٢٥٥

Allāh - there is no deity except Him, the Ever-Living,1 the Self-Sustaining.2 Neither drowsiness overtakes Him nor sleep. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. Who is it that can intercede with Him except by His permission? He knows what is [presently] before them and what will be after them,3 and they encompass not a thing of His knowledge except for what He wills. His Kursī4 extends over the heavens and the earth, and their preservation tires Him not. And He is the Most High,5 the Most Great.6

ولَمّا ابْتَدَأ سُبْحانَهُ وتَعالى الفاتِحَةَ كَما مَضى بِذِكْرِ الذّاتِ، ثُمَّ تَعَرَّفَ بِالأفْعالِ لِأنَّها مُشاهَداتٌ، ثُمَّ رَقّى الخِطابَ إلى التَّعْرِيفِ بِالصِّفاتِ، ثُمَّ أعْلاهُ رُجُوعًا إلى الذّاتِ لِلتَّأهُّلِ لِلْمَعْرِفَةِ ابْتَدَأ هَذِهِ السُّورَةَ بِصِفَةِ الكَلامِ لِأنَّها أعْظَمُ المُعْجِزاتِ وأبْيَنُها وأدَلُّها عَلى غَيْبِ الذّاتِ وأوْقَعُها (p-٢٦)فِي النُّفُوسِ لا سِيَّما عِنْدَ العَرَبِ، ثُمَّ تَعَرَّفَ بِالأفْعالِ فَأكْثَرَ مِنها. فَلَمّا لَمْ يَبْقَ لَبْسٌ أثْبَتَ الوَحْدانِيَّةَ بِآيَتِها السّابِقَةِ مُخَلِّلًا ذَلِكَ بِأفانِينِ الحُكْمِ ومَحاسِنِ الأحْكامِ وأنْواعِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ في مُحْكَمِ الوَصْفِ والتَّرْتِيبِ فَلَمّا تَمَّتِ الأوامِرُ وهالَتْ تِلْكَ الزَّواجِرُ [وتَشَوَّقَتِ الأنْفُسُ] وتَشَوَّفَتِ الخَواطِرُ إلى مَعْرِفَةِ سَبَبِ انْقِطاعِ الوَصْلِ بِانْبِتارِ الأسْبابِ وانْتِفاءِ الشَّفاعَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، إذْ كانَ المَأْلُوفُ مِن مُلُوكِ الدُّنْيا أنَّهم لا يَكادُونَ يَتَمَكَّنُونَ مِن أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ حَقَّ التَّمَكُّنِ مِن كَثْرَةِ الشُّفَعاءِ والرّاغِبِينَ مِنَ الأصْدِقاءِ، إذْ كانَ المَلِكُ مِنهم لا يَخْلُو مَجْلِسُهُ قَطُّ عَنْ جَمْعٍ كُلٌّ مِنهم صالِحٌ لِلْقِيامِ مَقامَهُ ولَوْ خَذَلَهُ أوْ وجَّهَ إلَيْهِ مَكْرَهُ ضَعْضَعَ أمْرُهُ وفَتَّ في عَضُدِهِ فَهو مُحْتاجٌ إلى مُراعاتِهِمْ واسْتِرْضائِهِمْ ومُداراتِهِمْ، بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى صِفَةَ الآمِرِ بِما هو عَلَيْهِ مِنَ الجَلالِ والعَظَمَةِ ونُفُوذِ الأمْرِ والعُلُوِّ عَنِ الصَّدِّ والتَّنَزُّهِ عَنِ الكُفْرِ والنِّدِّ والتَّفَرُّدِ بِجَمِيعِ الكَمالاتِ والهَيْبَةِ المانِعَةِ بَعْدَ انْكِشافِها هُناكَ أتَمَّ انْكِشافٍ لِأنْ تَتَوَجَّهَ الهِمَمُ لِغَيْرِهِ وأنْ تَنْطِقَ بِغَيْرِ إذْنِهِ وأنْ يَكُونَ غَيْرَ ما يُرِيدُ لِيَكُونَ ذَلِكَ أدْعى إلى قَبُولِ أمْرِهِ والوُقُوفِ عِنْدَ نَهْيِهِ وزَجْرِهِ، ولِأجْلِ هَذِهِ الأغْراضِ ساقَ الكَلامَ مَساقَ جَوابِ السُّؤالِ فَكَأنَّهُ (p-٢٧)قِيلَ: هَذا ما لا يُعْرَفُ مِن أحْوالِ المُلُوكِ فَمَنِ المَلِكُ في ذَلِكَ اليَوْمِ؟ فَذَكَرَ آيَةَ الكُرْسِيِّ [سَيِّدَةَ] آيِ القُرْآنِ الَّتِي ما اشْتَمَلَ كِتابٌ عَلى مِثْلِها مُفْتَتِحًا لَها بِالِاسْمِ العَلَمِ الفَرْدِ الجامِعِ الَّذِي لَمْ يَتَسَمَّ بِهِ غَيْرُهُ، وذَلِكَ لَمّا تَأهَّلَ السّامِعُ بَعْدَ التَّعَرُّفِ بِالكَلامِ والتَّوَدُّدِ بِالأفْعالِ لِمَقامِ المَعْرِفَةِ فَتَرَقّى إلى أوْجِ المُراقَبَةِ وحَضْرَةِ المُشاهَدَةِ فَقالَ عائِدًا إلى مَظْهَرِ الجَلالِ الجامِعِ لِصِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ لِأنَّهُ مِن أعْظَمِ مَقاماتِهِ: ﴿اللَّهُ﴾ أيْ هو المَلِكُ في ذَلِكَ اليَوْمِ ثُمَّ أثْبَتَ لَهُ صِفاتِ الكَمالِ (p-٢٨)مُنَزِّهًا عَنْ شَوائِبِ النَّقْصِ مُفْتَتِحًا لَها بِالتَّفَرُّدِ فَقالَ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ مُقَرِّرًا لِكَمالِ التَّوْحِيدِ، فَإنَّهُ المَقْصُودُ الأعْظَمُ مِن جَمِيعِ الشَّرائِعِ ولَكِنَّ الإنْسانَ لِما جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ النُّقْصانِ لا بُدَّ [لَهُ] مِن تَرْغِيبٍ يَشُدُّهُ وتَرْهِيبٍ يَرُدُّهُ ومَواعِظَ تُرَفِّقُهُ وأعْمالٍ تَصْدُقُهُ وأخْلاقٍ تُحَقِّقُهُ، فَخَلَّلَ سُبْحانَهُ وتَعالى آيَ التَّوْحِيدِ بِالأحْكامِ والقِصَصِ، والأحْكامُ تُفِيدُ الأعْمالَ الصّالِحَةَ فَتَرْفَعُ أسْتارَ الغَفْلَةِ عَنْ عُيُونِ القُلُوبِ وتُكْسِبُ الأخْلاقَ الفاضِلَةَ لِتَصْقُلَ الصَّدَأ عَنْ مَرائِي النُّفُوسِ فَتَتَجَلّى فِيها حَقائِقُ التَّوْحِيدِ، والقِصَصُ تُلْزِمُ بِمَواعِظِها واعْتِباراتِها بِالأحْكامِ وتُقَرِّرُ دَلائِلَ المَعارِفِ فَيَرْسُخُ التَّوْحِيدُ، وكانَ هَذا التَّفْصِيلُ لِأنَّهُ أنْشَطُ لِلنَّفْسِ بِالِانْتِقالِ مِن نَوْعٍ إلى آخَرَ مَعَ الهَزِّ بِحُسْنِ النَّظْمِ وبَلاغَةِ التَّناسُبِ والإلْهابِ بِبَداعَةِ الرَّبْطِ وبَراعَةِ التَّلاحُمِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا أتى بِالخِطابِ عَلى بَيانِ جَوامِعٍ مِن مَعالِمِ الدِّينِ وجِهاتِ الِاعْتِبارِ وبَيانِ أحْكامِ الجِهادِ (p-٢٩)والإنْفاقِ فِيهِ فَتَمَّ الدِّينُ بِحَظِيرَتِهِ مَعالِمَ إسْلامٍ وشَعائِرَ إيمانٍ ولَمْحَةَ إحْسانٍ أعْلى تَعالى الخِطابَ إلى بَيانِ أمْرِ الإحْسانِ كَما اسْتَوْفى البَيانَ في أمْرِ الإيمانِ والإسْلامِ فاسْتَفْتَحَ هَذا الخِطابَ العَلِيَّ الَّذِي يَسُودُ كُلَّ خِطابٍ لِيُعْلِيَ بِهِ الَّذِينَ آمَنُوا فَيُخْرِجَهم بِهِ مِن ظُلْمَةِ الإيمانِ بِالغَيْبِ الَّذِي نُورُهُ يُذْهِبُ ظُلْمَةَ الشَّكِّ والكُفْرِ إلى صَفاءِ ضِياءِ الإيقانِ الَّذِي يَصِيرُ نُورُ الإيمانِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ ظُلْمَةً كَما يَصِيرُ نُورُ القَمَرِ عِنْدَ ضِياءِ الشَّمْسِ ظُلْمَةً، فَكانَتْ نِسْبَةُ هَذِهِ الآيَةِ مِن آيَةِ الإلَهِيَّةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] وما بَعْدَها مِنَ الاعْتِبارِ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ نِسْبَةَ ما بَيْنَ عُلُوِّ اسْمِهِ اللَّهِ الَّذِي لَمْ يَقَعْ فِيهِ شِرْكٌ بِحَقٍّ ولا بِباطِلٍ إلى اسْمِهِ الإلَهِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ الشِّرْكُ بِالباطِلِ فَيَنْقُلُ تَعالى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اسْتَقَرَّ لَهم إيمانُ الِاعْتِبارِ بِآيَةِ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] وما بَعْدَها مِنَ الاعْتِبارِ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ إلى يَقِينِ العِيانِ بِاسْمِهِ ”الله“ وما يَلْتَئِمُ بِمَعْناهُ مِن أوْصافِهِ العَظِيمَةِ. انْتَهى.

ولَمّا وحَّدَ سُبْحانَهُ وتَعالى نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ أثْبَتَ اسْتِحْقاقَهُ لِذَلِكَ بِحَياتِهِ وبَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ بِوَصْفِ القَيُّومِيَّةِ فَقالَ: (p-٣٠)﴿الحَيُّ﴾ [أيِ الَّذِي لَهُ الحَياةُ وهي صِفَةٌ تُوجِبُ صِحَّةَ العِلْمِ والقُدْرَةِ أيِ الَّذِي يَصِحُّ أنْ يَعْلَمَ ويَقْدِرَ] ﴿القَيُّومُ﴾ أيِ القائِمُ بِنَفْسِهِ المُقِيمُ لِغَيْرِهِ عَلى الدَّوامِ عَلى أعْلى ما يَكُونُ مِنَ القِيامِ والإقامَةِ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَيْعُولُ زِيدَتْ في أُصُولِهِ الياءُ لِيَجْتَمِعَ فِيهِ لَفْظُ ما هو مِن مَعْناهُ الَّذِي هو القِيامُ بِالأمْرِ مَعَ واوِهِ الَّتِي هي مِن قامَ يَقُومُ فَأفادَتْ صِيغَتُهُ مِنَ المُبالَغَةِ ما في القَيّامِ والقَوّامِ عَلى حَدِّ ما تُفْهِمُهُ مَعانِي الحُرُوفِ عِنْدَ المُخاطَبَةِ بِها مِن أئِمَّةِ العُلَماءِ الوالِجِينَ في مَدِينَةِ العِلْمِ المُحَمَّدِيِّ مِن بابِهِ العَلَوِيِّ. انْتَهى.

ثُمَّ بَيَّنَ قَيُّومِيَّتَهُ وكَمالَ حَياتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: هي مَجالُ النُّعاسِ في العَيْنَيْنِ قَبْلَ أنْ يَسْتَغْرِقَ الحَواسَّ ويُخامِرَ القَلْبَ ﴿ولا نَوْمٌ﴾ وهو ما وصَلَ مِنَ النُّعاسِ إلى القَلْبِ فَغَشِيَهُ (p-٣١)فِي حَقِّ مَن يَنامُ قَلْبُهُ وما اسْتَغْرَقَ الحَواسَّ في حَقِّ مَن لا يَنامُ قَلْبُهُ. انْتَهى، ولَمّا عَبَّرَ بِالأخْذِ الَّذِي هو بِمَعْنى القَهْرِ والغَلَبَةِ وجَبَ تَقْدِيمُ السِّنَةِ، كَما لَوْ قِيلَ: فُلانٌ لا يَغْلِبُهُ أمِيرٌ ولا سُلْطانٌ، ثُمَّ بَيَّنَ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ﴾ أيْ بِيَدِهِ وفي تَصَرُّفِهِ واخْتِصاصِهِ ﴿ما في السَّماواتِ﴾ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الأرْضُ ﴿وما في الأرْضِ﴾ أيْ مِنَ السِّنَةِ والنَّوْمِ وغَيْرِهِما إبْداعًا ودَوامًا وما هو في قَبْضَتِهِ وتَصَرُّفِهِ لا يَغْلِبُهُ. قالَ الحَرالِّيُّ: وسَلَبَ بِالجُمْلَةِ الأُولى أمْرَ المَلَكُوتِ مِن أيْدِي المَلائِكَةِ إلى قَهْرِ جَبَرُوتِهِ والآثارَ مِن نُجُومِ الأفْلاكِ إلى جَبْرِهِ، وسَلَبَ بِالجُمْلَةِ الثّانِيَةِ الآثارَ والصَّنائِعَ مِن أيْدِي خَلِيفَتِهِ وخَلِيقَتِهِ إلى قَضائِهِ وقَدَرِهِ وظُهُورِ قُدْرَتِهِ، فَكانَ هَذا الخِطابُ بِما أبْدى لِلْفَهْمِ إقامَةَ قِيامِهِ عَلى مَجْعُولِ الحِكْمَةِ الأرْضِيَّةِ والسَّمائِيَّةِ الَّتِي هي حِجابُ قَيُّومِيَّتِهِ سَلْبًا لِقِيامِ ما سِواهُ. انْتَهى.

ثُمَّ بَيَّنَ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِقَوْلِهِ مُنْكِرًا عَلى مَن رُبَّما تَوَهَّمَ أنَّ شَيْئًا يَخْرُجُ عَنْ أمْرِهِ فَلا يَكُونُ مُخْتَصًّا بِهِ ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ﴾ أيْ مِمّا ادَّعى الكُفّارُ شَفاعَتَهُ وغَيْرِهِ ﴿عِنْدَهُ إلا بِإذْنِهِ﴾ أيْ بِتَمْكِينِهِ لِأنَّ (p-٣٢)مَن لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ عَلى مُخالَفَتِهِ كانَ مِنَ البَيِّنِ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ في قَبْضَتِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى تَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ. قالَ الحَرالِّيُّ: وحَقِيقَةُ الشَّفاعَةِ وصْلَةٌ بَيْنَ الشَّفِيعِ والمَشْفُوعِ لَهُ لِمَزِيَّةِ وصْلَةٍ بَيْنَ الشَّفِيعِ والمَشْفُوعِ عِنْدَهُ، فَكانَ الإذْنُ في باطِنِ الشَّفاعَةِ حَظًّا مِن سَلْبِ ما لِلشُّفَعاءِ لِيَصِيرَ بِالحَقِيقَةِ إنَّما الشَّفاعَةُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَهو سُبْحانُهُ وتَعالى بِالحَقِيقَةِ الَّذِي شَفَعَ عِنْدَ نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ، فَبِإخْفائِهِ تَعالى شَفاعَتَهُ في شَفاعَةِ الشُّفَعاءِ كانَ هو الشَّفِيعَ في الِابْتِداءِ مِن وراءِ حِجابٍ لِأنَّ إبْداءَهُ كُلَّهُ في حِجابٍ وإعادَتَهُ مِن غَيْرِ حِجابٍ، فَلِذَلِكَ هو سُبْحانَهُ وتَعالى خاتَمُ الشُّفَعاءِ حَيْثُ يَقُولُ كَما ورَدَ في الخَبَرِ «شَفَعَ الأنْبِياءُ والمُرْسَلُونَ ولَمْ يَبْقَ إلّا الحَيُّ القَيُّومُ» انْتَهى. ثُمَّ بَيَّنَ جَمِيعَ ما مَضى بِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ ما في الخافِقَيْنِ مِمَّنِ ادَّعَتْ شَفاعَتَهُ وغَيْرَهم. قالَ الحَرالِّيُّ: أيْ ما أتاهم عِلْمُهُ مِن أمْرِ أنْفُسِهِمْ وغَيْرِهِمْ، لِأنَّ ما بَيْنَ يَدَيِ المَرْءِ يُحِيطُ بِهِ حِسُّهُ، وما عَلِمَهُ أيْضًا فَكَأنَّهُ بَيْنَ يَدَيْ قَلْبِهِ يُحِيطُ بِهِ عِلْمُهُ ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ وهو ما لَمْ يَنَلْهُ عِلْمُهُمْ، لِأنَّ الخَلْفَ هو ما لا يَنالُهُ الحِسُّ، فَأنْبَأ أنَّ عِلْمَهُ مِن وراءِ عِلْمِهِمْ مُحِيطٌ بِعِلْمِهِمْ فِيما عَلِمُوا وما لَمْ يَعْلَمُوا. انْتَهى.

ولَمّا بَيَّنَ قَهْرَهُ لَهم بِعِلْمِهِ بَيَّنَ عَجْزَهم عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مِن عِلْمِهِ إلّا ما (p-٣٣)أفاضَ عَلَيْهِمْ بِحِلْمِهِ فَقالَ: ﴿ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ﴾ أيْ قَلِيلٍ ولا كَثِيرٍ ﴿مِن عِلْمِهِ إلا بِما شاءَ﴾ فَبانَ بِذَلِكَ ما سَبَقَهُ، لِأنَّ مَن كانَ شامِلَ العِلْمِ ولا يَعْلَمُ غَيْرُهُ إلّا ما عَلِمَهُ كانَ كامِلَ القُدْرَةِ، فَكانَ كُلُّ شَيْءٍ في قَبْضَتِهِ، فَكانَ مُنَزَّهًا عَنِ الكُفْؤِ مُتَعالِيًا عَنْ كُلِّ عَجْزٍ وجَهْلٍ، فَكانَ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ غَيْرُهُ أنْ يَنْطِقَ إلّا بِإذْنِهِ لِأنَّهُ يُسَبِّبُ لَهُ ما يَمْنَعُهُ مِمّا لا يُرِيدُهُ.

ثُمَّ بَيَّنَ ما في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن إحاطَةِ عِلْمِهِ وتَمامِ قُدْرَتِهِ بِقَوْلِهِ مُصَوِّرًا لِعَظَمَتِهِ وتَمامِ عِلْمِهِ وكِبْرِيائِهِ وقُدْرَتِهِ بِما اعْتادَهُ النّاسُ في مُلُوكِهِمْ: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ ومادَّةُ كَرَسَ تَدُورُ عَلى القُوَّةِ والِاجْتِماعِ والعَظَمَةِ (p-٣٤)والكِرْسُ الَّذِي هو البَوْلُ والبَعْرُ المُلَبَّدُ مَأْخُوذٌ مِن ذَلِكَ. وقالَ الأصْفَهانِيُّ: الكُرْسِيُّ ما يُجْلَسُ عَلَيْهِ ولا يُفَضَّلُ عَنْ مَقْعَدِ القاعِدِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: مَعْنى الكِرْسِ هو الجَمْعُ، فَكُلُّ ما كانَ أتَمَّ جَمْعًا فَهو أحَقُّ بِمَعْناهُ، ويُقالُ عَلى المُرَقِّي لِلسَّرِيرِ الَّذِي يُسَمّى العَرْشَ الَّذِي يَضَعُ الصّاعِدُ عَلَيْهِ قَدَمَهُ إذا صَعِدَ وإذا نَزَلَ وحِينَ يَسْتَوِي إنْ شاءَ: كُرْسِيٌّ، ثُمَّ قالَ: والكُرْسِيُّ فِيهِ صُوَرُ الأشْياءِ كُلِّها كَما بَدَتْ آيَتُهُ في الأرْضِ (p-٣٥)الَّتِي فِيها مَوْجُوداتُ الأشْياءِ كُلِّها، فَما في الأرْضِ صُورَةٌ إلّا ولَها في الكُرْسِيِّ مِثْلٌ، فَما في العَرْشِ إقامَتُهُ فَفي الكُرْسِيِّ أمْثِلَتُهُ، وما في السَّماواتِ إقامَتُهُ فَفي الأرْضِ صُورَتُهُ، فَكانَ الوُجُودُ مَثْنِيًّا كَما كانَ القُرْآنُ مَثانِيَ إجْمالًا وتَفْصِيلًا في القُرْآنِ ومِدادًا وصُوَرًا في الكَوْنِ، فَجَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ العَلِيَّةُ تَفْصِيلَ المُفَصَّلاتِ وانْبِهامَ صُورَةِ المِدادِيّاتِ بِنِسْبَةِ ما بَيْنَ السَّماءِ وما مِنهُ، وجَعَلَ وُسْعَ الكُرْسِيِّ وُسْعًا واحِدًا حَيْثُ قالَ: ﴿السَّماواتِ والأرْضَ﴾ ولَمْ يَكُنْ وُسْعانِ لِأنَّ الأرْضَ في السَّماواتِ والسَّماواتِ في الكُرْسِيِّ والكُرْسِيَّ في العَرْشِ والعَرْشَ في الهَواءِ. انْتَهى. فَبانَ بِذَلِكَ ما قَبْلُهُ لِأنَّ مَن كانَ بِهَذِهِ العَظَمَةِ في هَذا التَّدْبِيرِ المُحْكَمِ والصُّنْعِ المُتْقَنِ كانَ بِهَذا العِلْمِ وهَذِهِ القُدْرَةِ الَّتِي لا يُثْقِلُها شَيْءٌ ولِذا قالَ: ﴿ولا يَئُودُهُ﴾ أيْ يُثْقِلُهُ. قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الأوْدِ أيْ (p-٣٦)بُلُوغُ المَجْهُودِ ذَوْدًا، ويُقابِلُهُ ياءٌ مِن لَفْظِ يَدٍ أيْ وهو القُوَّةُ، وأصْلُ مَعْناهُ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى [أعْلَمُ] أنَّهُ لا يُعْجِزُهُ عُلُوُّ أيْدِهِ ولِذَلِكَ يُفَسِّرُهُ اللُّغَوِيُّونَ بِلَفْظَةِ يُثْقِلُهُ ﴿حِفْظُهُما﴾ في قَيُّومِيَّتِهِ كَما يُثْقِلُ غَيْرَهُ أوْ يُعْجِزُهُ حِفْظُ ما يُنْشِئُهُ بَلْ هو عَلَيْهِ يَسِيرٌ لِأنَّهُ لَوْ أثْقَلَهُ لاخْتَلَّ أمْرُهُما ولَوْ يَسِيرًا ولَقَدِرَ غَيْرُهُ ولَوْ يَوْمًا ما عَلى غَيْرِ ما يُرِيدُهُ. والحِفْظُ قالَ الحَرالِّيُّ: الرِّعايَةُ لِما هو مُتَداعٍ في نَفْسِهِ فَيَكُونُ تَماسُكُهُ بِالرِّعايَةِ لَهُ عَمّا يُوهِنُهُ أوْ يُبْطِلُهُ. انْتَهى. ولَمّا لَمْ يَكُنْ عُلُوُّهُ وعَظَمَتُهُ بِالقَهْرِ والسُّلْطانِ والإحاطَةِ بِالكَمالِ مُنْحَصِرًا فِيما تَقَدَّمَ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ المُتَفَرِّدُ بِأنَّهُ ﴿العَلِيُّ﴾ أيِ الَّذِي لا رُتْبَةَ إلّا وهي مُنْحَطَّةٌ عَنْ رُتْبَتِهِ ﴿العَظِيمُ﴾ كَما أنْبَأ عَنْ ذَلِكَ افْتِتاحُ الآيَةِ بِالِاسْمِ العَلَمِ الأعْظَمِ الجامِعِ لِجَمِيعِ مَعانِي الأسْماءِ الحُسْنى عُلُوًّا وعَظَمَةً تَتَقاصَرُ عَنْهُما الأفْهامُ لِما غَلَبَ عَلَيْها مِنَ الأوْهامِ، ونَظْمُ الِاسْمَيْنِ هَكَذا دالٌّ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِالعِظَمِ عُلُوُّ الرُّتْبَةِ وبُعْدُ المَنالِ عَنْ إدْراكِ (p-٣٧)العُقُولِ، وقَدْ خُتِمَتِ الآيَةُ بِما بُدِئَتْ بِهِ غَيْرَ أنَّ بَدْأها بِالعَظَمَةِ كَما قالَ الحَرالِّيُّ كانَ بِاسْمِ ”الله“ إلاحَةً وخَتْمَها كانَ بِذَلِكَ إفْصاحًا لِما ذُكِرَ مِن أنَّ الإبْداءَ مِن وراءِ حِجابٍ والإعادَةَ بِغَيْرِ حِجابٍ، كَذَلِكَ تَنَزَّلَ القُرْآنُ، مَبْدَأُ الخِطابِ إلاحَةٌ وخاتِمَتُهُ إفْصاحٌ لِيَتَطابَقَ الوَحْيُ والكَوْنُ تَطابُقَ قائِمٍ ومُقامٍ ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] ولِما في العُلُوِّ مِنَ الظُّهُورِ وفي العَظَمَةِ مِنَ الخَفاءِ لِمَوْضِعِ الإحاطَةِ لِأنَّ العَظِيمَ هو ما يَسْتَغْرِقُ كَما يَسْتَغْرِقُ الجِسْمُ العَظِيمُ جَمِيعَ الأقْطارِ ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ [الروم: ٢٧] وذَلِكَ حِينَ كانَ ظاهِرُ العُلُوِّ هو كِبْرِياءَهُ الَّذِي شَهِدَ بِهِ كَبِيرُ خَلْقِهِ، قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيما أنْبَأ عَنْهُ نَبِيُّهُ ﷺ

«الكِبْرِياءُ رِدائِي» لِأنَّ الرِّداءَ هو ما عَلى الظّاهِرِ ”والعَظَمَةُ إزارِي“ والإزارُ ما سَتَرَ الباطِنَ والأسْفَلَ، فَإذا في السَّماءِ كِبْرِياؤُهُ وفي الأرْضِ عَظَمَتُهُ، وفي العَرْشِ عُلُوُّهُ وفي الكُرْسِيِّ عَظَمَتُهُ، فَعَظَمَتُهُ أخْفى ما يَكُونُ حَيْثُ التَّفْصِيلُ، وكِبْرِياؤُهُ وعُلُوُّهُ أجْلى ما يَكُونُ حَيْثُ الإبْهامُ والِانْبِهامُ، فَتَبَيَّنَ بِهَذا المَعْنى عُلُوُّ رُتْبَةِ هَذِهِ الآيَةِ بِما عَلَتْ عَلى الإيمانِ عُلُوَّ الإيمانِ عَلى الكُفْرانِ، ولِما ألاحَتْهُ لِلْأفْهامِ مِن قَيُّومِيَّتِهِ تَعالى وعُلُوِّهِ وعَظَمَتِهِ وإبادَةِ ما سِواهُ في أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِمْ شَيْءٌ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إذا بَدا بادٍ ما سِواهُ كانَ في إلاحَةِ هَذِهِ الآيَةِ العَلِيَّةِ العَظِيمَةِ تَقْرِيرُ دِينِ الإسْلامِ الَّذِي هو دِينُ الإلْقاءِ كَما كانَ فِيما تَقَدَّمَ مِن إيرادِ السُّورَةِ تَقْرِيرَ دِينِ القَيِّمَةِ الَّذِي (p-٣٨)ما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا بِهِ مُخْلِصِينَ حُنَفاءَ ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ، ولِذَلِكَ كانَ ذِكْرُ دِينِ الإسْلامِ في سُورَةِ الإفْصاحِ بِمَعانِي هَذِهِ السُّورَةِ آلِ عِمْرانَ إثْرَ قَوْلِهِ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] انْتَهى. وقَدْ عُلِمَ مِن هَذا التَّقْرِيرِ أنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ اسْتُؤْنِفَتْ فَهي عِلَّةٌ لِما قَبْلَها وأنَّ الأخِيرَةَ شارِحَةٌ لِلازِمِ العِلْمِ المُحِيطِ وهو القُدْرَةُ التّامَّةُ الَّتِي أقَمْتُ دَلِيلَ لُزُومِها في طَهَ، فَمَنِ ادَّعى شِرْكَةً فَلْيَحْفَظْ هَذا الكَوْنَ ولَوْ في عامٍ مِنَ الأعْوامِ ولْيُعْلِمْ بِما هو فاعِلٌ في ذَلِكَ العامِ لِيَصِحَّ قَوْلُهُ: وأنّى لَهُ ذَلِكَ وأنّى! واتَّضَحَ بِما تَقَرَّرَ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ العُلُوِّ والعَظَمَةِ أنَّ الكافِرَ بِهِ هو الظّالِمُ، وأنَّ يَوْمَ تَجَلِّيهِ لِلْفَصْلِ لا تَكُونُ فِيهِ شَفاعَةٌ ولا خُلَّةٌ، وأمّا البَيْعُ فَهم عَنْهُ في أشْغَلِ الشُّغْلِ، وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ الفِداءَ فَقَدْ عُلِمَ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلَيْهِ ولا تَعْرِيجَ عَلَيْهِ، وبِهَذِهِ الأسْرارِ اتَّضَحَ قَوْلُ (p-٣٩)السَّيِّدِ المُخْتارِ ﷺ: «إنَّ هَذِهِ الآيَةَ سَيِّدَةُ آيِ القُرْآنِ» وذَلِكَ لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن أسْماءِ الذّاتِ والصِّفاتِ والأفْعالِ، ونَفْيِ النَّقْصِ وإثْباتِ الكَمالِ، ووَفَتْ بِهِ مِن أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ في أحْكَمِ نِظامٍ وأبْدَعِ أُسْلُوبٍ مُتَمَحِّضَةً لِذَلِكَ، فَإنَّ فَضْلَ الذِّكْرِ والعِلْمِ يَتْبَعُ المَذْكُورَ والمَعْلُومَ، وقَدِ احْتَوَتْ عَلى الصِّفاتِ السَّبْعِ: الحَياةِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ [والإرادَةِ] والكَلامِ صَرِيحًا، فَإنَّ الإذْنَ لا يَكُونُ إلّا بِالكَلامِ والإرادَةِ، وعَلى السَّمْعِ والبَصَرِ مِن لازِمِ ”لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ“ ومِن لازِمِ ”الحَيّ“ لِأنَّ المُرادَ الحَياةُ الكامِلَةُ؛ وكُرِّرَتْ فِيها الأسْماءُ الشَّرِيفَةُ ظاهِرَةً ومُضْمَرَةً سَبْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً بَلْ إحْدى وعِشْرِينَ، ولَمْ يَتَضَمَّنْ هَذا المَجْمُوعَ آيَةٌ غَيْرُها في كِتابِ اللَّهِ، وهي خَمْسُونَ كَلِمَةً عَلى عَدَدِ الصَّلَواتِ المَأْمُورِ بِها أوَّلًا في تِلْكَ الحَضْرَةِ السَّماءِ حَضْرَةِ العَرْشِ والكُرْسِيِّ فَوْقَ سِدْرَةِ المُنْتَهى، وبِعَدَدِ ما اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ مِن رُتْبَةِ الأجْرِ آخِرًا، فَكَأنَّها مَراقٍ لِرُوحِ قارِئِها إلى ذَلِكَ المَحَلِّ الأسْمى الَّذِي هو آتِيهِ الَّذِي تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ (p-٤٠)كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ولَعَلَّ هَذا سِرُّ ما ثَبَتَ مِن أنَّهُ لا يَقْرَبُ مَن يَقْرَؤُها عِنْدَ النَّوْمِ شَيْطانٌ، لِأنَّ مَن كانَ في حَضْرَةِ الرَّحْمَنِ عالٍ عَنْ وساوِسِ الشَّيْطانِ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُوَفِّقُ.

2:256Page 42

لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٥٦

There shall be no compulsion in [acceptance of] the religion. The right course has become distinct from the wrong. So whoever disbelieves in ṭāghūt1 and believes in Allāh has grasped the most trustworthy handhold with no break in it. And Allāh is Hearing and Knowing.

[و] لَمّا اتَّضَحَتِ الدَّلائِلُ لِكُلِّ عالِمٍ وجاهِلٍ صارَ الدِّينُ إلى حَدٍّ لا يَحْتاجُ فِيهِ مُنْصِفٌ لِنَفْسِهِ إلى إكْراهٍ فِيهِ فَقالَ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا نَقَلَ سُبْحانَهُ وتَعالى رُتْبَةَ الخِطابِ مِن حَدِّ خِطابِ الأمْرِ والنَّهْيِ والحُدُودِ وما يَنْبَنِي عَلَيْهِ المُقامُ بِهِ دِينُ القَيِّمَةِ الَّذِي أخْفى لَهم أمْرَ العَظَمَةِ والجَبَرُوتِ الجابِرَ لِأهْلِ المَلَكُوتِ والمِلْكِ فِيما هم فِيهِ مُصَرَّفُونَ إلى عُلُوِّ رُتْبَةِ دِينِ اللَّهِ المَرْضِيِّ الَّذِي لا لَبْسَ فِيهِ ولا حِجابَ عَلَيْهِ ولا عِوَجَ لَهُ، وهو إطْلاعُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَبْدَهُ عَلى قَيُّومِيَّتِهِ الظّاهِرَةِ بِكُلِّ بادٍ وفي كُلِّ بادٍ وعَلى كُلِّ بادٍ وأظْهَرَ مِن كُلِّ بادٍ وعَظَمَتِهِ الخَفِيَّةِ الَّتِي لا يُشِيرُ إلَيْها اسْمٌ ولا يُجَوِّزُها رَسْمٌ وهي مِدادُ كُلِّ مِدادٍ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى وأعْلَنَ بِوَضْعِ الإكْراهِ الخَفِيِّ مَوْقِعَهُ في دِينِ القَيِّمَةِ مِن حَيْثُ ما فِيهِ مِن حَمْلِ الأنْفُسِ عَلى كُرْهِها فِيما كَتَبَ عَلَيْها مِمّا هو عِلْمُ عِقابِها وآيَةُ عَذابِها، فَذَهَبَ بِالِاطِّلاعِ عَلى أمْرِ اللَّهِ في قَيُّومِيَّتِهِ وعَظَمَتِهِ كَرْهُ النَّفْسِ بِشُهُودِها جَمِيعَ ما تَجْرِي فِيهِ لَها ما عَلَيْها.

(p-٤١)فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ بِما اسْتَشْعَرَتْهُ قُلُوبُهم مِن ماءِ التَّوْحِيدِ الجارِي تَحْتَ مُخْتَلِفاتِ أثْمارِ أعْمالِهِمْ فَعادَ حُلْوُهُ ومُرُّهُ بِذَلِكَ التَّوْحِيدِ حُلْوًا، كَما يُقالُ في الكِبْرِيتِ الأحْمَرِ الَّذِي يَقْلِبُ أعْيانَ الأشْياءِ الدَّنِيَّةِ إلى حالِ أرْفَعِها. انْتَهى.

ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ وتَعالى انْتِفاءَ الإكْراهِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: وهو حُسْنُ التَّصَرُّفِ في الأمْرِ والإقامَةِ عَلَيْهِ بِحَسَبِ ما يَثْبُتُ ويَدُومُ ﴿مِنَ الغَيِّ﴾ وهو سُوءُ التَّصَرُّفِ في الشَّيْءِ وإجْراؤُهُ عَلى ما تَسُوءُ عاقِبَتُهُ. انْتَهى. أيْ فَصارَ كُلُّ ذِي لُبٍّ يَعْرِفُ أنَّ الإسْلامَ خَيْرٌ كُلُّهُ وغَيْرَهُ شَرٌّ كُلُّهُ، لِما تَبَيَّنَ مِنَ الدَّلائِلِ وصارَ بِحَيْثُ يُبادِرُ كُلُّ مَن أرادَ نَفْعَ نَفْسِهِ إلَيْهِ ويَخْضَعُ أجْبَرُ الجَبابِرَةِ لَدَيْهِ فَكَأنَّهُ لِقُوَّةِ ظُهُورِهِ وغَلَبَةِ نُورِهِ قَدِ انْتَفى عَنْهُ الإكْراهُ بِحَذافِيرِهِ، (p-٤٢)لِأنَّ الإكْراهَ الحَمْلُ عَلى ما لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ وجْهُ المَصْلَحَةِ فَلَمْ يَبْقَ مِنهُ مانِعٌ إلّا حَظَّ النَّفْسِ الخَبِيثَ في شَهَواتِها البَهِيمِيَّةِ والشَّيْطانِيَّةِ ﴿فَمَن﴾ أيْ فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِأنَّهُ مَن ﴿يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ﴾ وهو نَفْسُهُ وما دَعَتْ إلَيْهِ ومالَتْ بِطَبْعِها الرَّدِيءِ إلَيْهِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: وهو ما أفْحَشَ في الإخْراجِ عَنِ الحَدِّ المُوقِفِ عَنِ الهَلَكَةِ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ وزِيادَةُ انْتِهاءٍ مِمّا مِنهُ الطُّغْيانُ. انْتَهى.

﴿ويُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى مَيْلًا مَعَ العَقْلِ الَّذِي هو خَيْرٌ كُلُّهُ لِما رَأى بِنُورِهِ مِنَ الأدِلَّةِ القاطِعَةِ والبَراهِينِ السّاطِعَةِ وداوَمَ عَلى ذَلِكَ بِما أفادَتْهُ صِيغَةُ المُضارِعِ مِن يَكْفُرْ ويُؤْمِن ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ﴾ عَلى بَصِيرَةٍ مِنهُ ﴿بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ أيِ الَّتِي لا يَقَعُ شَكٌّ في أنَّها أوْثَقُ الأسْبابِ في نَجاتِهِ بِما ألْقى بِيَدِهِ واسْتَسْلَمَ لِرَبِّهِ

﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٢] والعُرْوَةُ ما تُشَدُّ بِهِ العِيابُ ونَحْوُها (p-٤٣)بِتَداخُلِها بَعْضِها في بَعْضٍ دُخُولًا لا يَنْفَصِمُ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ إلّا بِفَصْمِ طَرَفِهِ فَإذا انْفَصَمَتْ مِنهُ عُرْوَةٌ انْفَصَمَ جَمِيعُهُ، والوُثْقى صِيغَةُ فُعْلى لِلْمُبالَغَةِ مِنَ الثِّقَةِ بِشِدَّةِ ما شَأْنُهُ أنْ يُخافَ وهْنُهُ، ثُمَّ بَيَّنَ وثاقَتَها بِقَوْلِهِ: ﴿لا انْفِصامَ لَها﴾ أيْ لا مُطاوَعَةَ في حَلٍّ ولا صَدْعٍ ولا ذَهابٍ. قالَ ابْنُ القَطّاعِ: فَصَمْتَ الشَّيْءَ صَدَعْتَهُ، والعُقْدَةَ حَلَلْتَها، والشَّيْءَ عَنْهُ ذَهَبَ. وقالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الفَصْمِ وهو خُرُوجُ العُرى بَعْضِها مِن بَعْضٍ، أيْ فَهَذِهِ العُرْوَةُ لا انْحِلالَ لَها أصْلًا، وهو تَمْثِيلٌ لِلْمَعْلُومِ بِالنَّظَرِ والِاحْتِجاجُ بِالمُشاهَدِ المَحْسُوسِ لِيَتَصَوَّرَهُ السّامِعُ كَأنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ فَيُحْكَمَ اعْتِقادُهُ فِيهِ ويَجِلَّ اغْتِباطُهُ بِهِ، فَعُلِمَ مِن هَذا أنَّهُ لَمْ يَبْقَ عائِقٌ عَنِ الدُّخُولِ في هَذا الدِّينِ إلّا القَضاءَ والقَدَرَ، فَمَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ قَيَّضَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَهُ مِنَ الأسْبابِ ما يُخْرِجُهُ بِهِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، ومَن غَلَبَتْ عَلَيْهِ الشَّقاوَةُ سَلَّطَ عَلَيْهِ الشَّياطِينَ فَأخْرَجَتْهُ مِن نُورِ الفِطْرَةِ إلى ظُلُماتِ الكُفْرِ والحَيْرَةِ.

ولَمّا كانَ كُلٌّ مِنَ الإيمانِ والكُفْرِ المُتَقَدِّمَيْنِ قَوْلًا وفِعْلًا واعْتِقادًا قالَ مُرَغِّبًا فِيهِما ومُرَهِّبًا مِن تَرْكِهِما: ﴿واللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ صِفاتُ (p-٤٤)الكَمالِ ﴿سَمِيعٌ﴾ أيْ لِما يُقالُ مِمّا يَدُلُّ عَلى الإيمانِ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ بِما يُفْعَلُ أوْ يُضْمَرُ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ ومُجازٍ عَلَيْهِ، ولَعَلَّ في الآيَةِ التِفاتًا إلى ما ذَكَرَ أوَّلَ السُّورَةِ في الكُفّارِ مِن أنَّهُ سَواءٌ عَلَيْهِمُ الإنْذارُ وتَرْكُهُ وإلى المُنافِقِينَ وتَقْبِيحِ ما هم عَلَيْهِ مِمّا هو في غايَةِ المُخالَفَةِ لِما صارَتْ أدِلَّتُهُ أوْضَحَ مِنَ الشَّمْسِ وهي مُشْعِرَةٌ بِالإذْنِ في الإعْراضِ عَنِ المُنافِقِينَ،

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском