Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:257–259
2:257Page 43
ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخۡرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِۗ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٥٧
Allāh is the Ally1 of those who believe. He brings them out from darknesses into the light. And those who disbelieve - their allies are ṭāghūt. They take them out of the light into darknesses.2 Those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.
ولِما قَرَّرَ ذَلِكَ وأرْشَدَ السِّياقُ إلى شَيْءٍ اقْتَضَتِ البَلاغَةُ طَيَّهُ إرْشادًا إلى البُعْدِ مِنهُ والهَرَبِ عَنْهُ لِبَشاعَتِهِ وسُوءِ مَغَبَّتِهِ وهو ومَن يُؤْمِن بِالطّاغُوتِ ويَكْفُرْ بِاللَّهِ فَلا يُتَمَسَّكُ لَهُ واللَّهُ يُهْوِيهِ إلى الجَحِيمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَمَن يُخَلِّصُ النَّفْسَ مِن ظُلُماتِ الهَوى والشَّهْوَةِ ووَساوِسِ الشَّيْطانِ؟ فَقالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿اللَّهُ﴾ أيْ بِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ والأسْماءِ الحُسْنى (p-٤٥)﴿ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ يَتَوَلّى مَصالِحَهُمْ، ولِذَلِكَ بَيَّنَ وِلايَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ﴾ [أيِ المَعْنَوِيَّةِ] جَمْعِ ظُلْمَةٍ وهو ما يَطْمِسُ البادِياتِ حِسًّا أوْ مَعْنىً، وجَمَعَها لِأنَّ طُرُقَ الضَّلالِ كَثِيرَةٌ فَإنَّ الكُفْرَ أنْواعٌ ﴿إلى النُّورِ﴾ أيِ المَعْنَوِيِّ وهو ما يُظْهِرُ البادِياتِ حِسًّا أوْ مَعْنىً - قالَهُ الحَرالِّيُّ، ووَحَّدَهُ لِأنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ واحِدٌ ﴿ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] ومِنَ المَحامِلِ الحَسَنَةِ أنْ يُشارَ بِالجَمْعِ إلى ما يَنْشَأُ مِنَ الجَهْلِ عَنِ المَشاعِرِ الَّتِي أخْبَرَ بِالخَتْمِ عَلَيْها، فَصارَ البَصَرُ عُرْيًا عَنِ الاعْتِبارِ، والسَّمْعُ خالِيًا عَنِ الفَهْمِ والِاسْتِبْصارِ، والقَلْبُ مُعْرِضًا عَنِ التَّدَبُّرِ والِافْتِكارِ، وبِالوَحْدَةِ في النُّورِ إلى صَلاحِ القَلْبِ فَإنَّهُ كَفِيلٌ بِجَلْبِ كُلِّ سارٍّ ودَفْعِ كُلِّ ضارٍّ، والنُّورُ الَّذِي هو العَقْلُ والفِطْرَةُ الأُولى ذُو جِهَةٍ واحِدَةٍ وهي القَوْمُ، والظُّلْمَةُ النّاشِئَةُ عَنِ النَّفْسِ ذاتُ جِهاتٍ هي في غايَةِ الِاخْتِلافِ.
(p-٤٦)ولَمّا ذَكَرَ عِبادَهُ الخُلَّصَ ذَكَرَ عُبّادَ الشَّهَواتِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ سَتَرُوا ما دَلَّتْ عَلَيْهِ أدِلَّةُ العُقُولِ أوَّلًا والنُّقُولِ ثانِيًا بِشَهَواتِ النُّفُوسِ ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ مِن شَهَواتِهِمْ وما أدَّتْ إلَيْهِ مِنَ اتِّباعِ كُلِّ ما أطْغى مِنَ الشَّياطِينِ والعُكُوفِ عَلى الأصْنامِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ بَيَّنَ اسْتِيلاءَهم عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ﴾ وإسْنادُهُ إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ يُؤَيِّدُ أنَّ جَمْعَ الظُّلُماتِ لِكَثْرَةِ أنْواعِ الكُفْرِ ﴿مِنَ النُّورِ﴾ أيِ الفِطْرِيِّ ﴿إلى الظُّلُماتِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: وفِيهِ بَيانُ اسْتِواءِ جَمِيعِ الخَلْقِ في حَقِيقَةِ النُّورِ الأوَّلِ إلى الرُّوحِ المُجَنَّدَةِ إلى الفِطْرَةِ المُسْتَوِيَةِ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» انْتَهى.
(p-٤٧)ولَمّا ذَكَرَ اسْتِيلاءَ الشَّهَواتِ عَلَيْهِمُ الدّاعِي إلَيْها الطَّيْشُ والخِفَّةُ النّاشِئَ عَنْ عُنْصُرِ النّارِ الَّتِي هي شُعْبَةٌ مِنَ الشَّيْطانِ بَيَّنَ أنَّ جَزاءَهم مِن جِنْسِ مُرْتَكَبِهِمْ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ الحالُّونَ في مَحَلِّ البُعْدِ والبُغْضِ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: الَّذِينَ اتَّبَعُوها مِن حَيْثُ لَمْ يَشْعُرُوا مِن حَيْثُ إنَّ الصّاحِبَ مَنِ اتَّبَعَ مَصْحُوبَهُ. انْتَهى. ولَمّا عُلِمَ مِن ذِكْرِ الصُّحْبَةِ دَوامُهم فِيها صَرَّحَ بِهِ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ مُبَيِّنًا اخْتِصاصَهم بِها: ﴿هُمْ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿فِيها خالِدُونَ﴾ إلى ما لا آخِرَ لَهُ. قالَ الحَرالِّيُّ: وجَعَلَ الخُلُودَ وصْفًا لَهم إشْعارًا بِأنَّهم فِيها وهم في دُنْياهُمُ. انْتَهى.
2:258Page 43
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٥٨
Have you not considered the one who argued with Abraham about his Lord [merely] because Allāh had given him kingship? When Abraham said, "My Lord is the one who gives life and causes death," he said, "I give life and cause death." Abraham said, "Indeed, Allāh brings up the sun from the east, so bring it up from the west." So the disbeliever was overwhelmed [by astonishment], and Allāh does not guide the wrongdoing people.
ولَمّا ذَكَرَ ما لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الإحاطَةِ والعَظَمَةِ وأتْبَعَهُ أمْرَ الإيمانِ وتَوَلِّيهِ حِزْبَهُ وأمْرَ الكُفْرانِ وخِذْلانَهُ أهْلَهُ أخَذَ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ بِقِصَّةِ المُحاجِّ لِلْخَلِيلِ والمارِّ عَلى القَرْيَةِ مُذَكِّرًا بِقِصَّةِ الَّذِينَ قالَ لَهم مُوتُوا ثُمَّ أحْياهم في سِياقِ التَّعْجِيبِ مِن تِلْكَ الجُرْأةِ، قالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ ما أظْهَرَهُ الحَقُّ في آيَةِ عَظَمَتِهِ وما اتَّصَلَ بِها في خاصَّةِ عِبادِهِ اخْتَصَّ هَذا الخِطابَ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِعُلُوِّ مَفْهُومِ مَغْزاهُ عَمَّنْ دُونَهُ، انْتَهى. فَقالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ أيْ تَعْلَمْ بِما نُخْبِرُكَ (p-٤٨)بِهِ عِلْمًا هو عِنْدَكَ كالمُشاهَدَةِ لِما لَكَ مِن كَمالِ البَصِيرَةِ وبِما أوْدَعْناهُ فِيكَ مِنَ المَعانِي المُنِيرَةِ. ولَمّا كانَ هَذا المُحاجُّ بَعِيدًا مِنَ الصَّوابِ كَثِيفَ الحِجابِ أشارَ إلى بُعْدِهِ بِحَرْفِ الغايَةِ فَقالَ: ﴿إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ﴾ أيِ الَّذِي هو أبُو العَرَبِ وهم أحَقُّ [النّاسِ] بِالِاقْتِداءِ بِهِ ﴿فِي رَبِّهِ﴾ الضَّمِيرُ يَصِحُّ أنْ يَعُودَ عَلى كُلٍّ مِنهُما أيْ فِيما يَخْتَصُّ بِهِ خالِقُهُ المُرَبِّي لَهُ المُحْسِنُ إلَيْهِ بَعْدَ وُضُوحِ هَذِهِ الأدِلَّةِ وقِيامِ هَذِهِ البَراهِينِ إشارَةً إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أوْضَحَ عَلى لِسانِ كُلِّ نَبِيٍّ أمْرَهُ وبَيَّنَ عَظَمَتَهُ وقَدْرَهُ مَعَ أنَّهُ رَكَزَ ذَلِكَ في جَمِيعِ الفِطَرِ وقادَها إلى بُحُورِ جَلالِهِ بِأدْنى نَظَرٍ فَكَأنَّ نُمْرُودَ المُحاجَّ لِلْخَلِيلِ مِمَّنْ أخْرَجَتْهُ الشَّياطِينُ مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ، (p-٤٩)ولَمّا كانَ ذَلِكَ أمْرًا باهِرًا مُعْجِبًا بَيَّنَ أنَّ عِلَّتَهُ الكِبْرُ الَّذِي أشْقى إبْلِيسَ فَقالَ: ﴿أنْ﴾ أيْ لِأجْلِ أنْ ﴿آتاهُ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْلى بِفَيْضِ فَضْلِهِ ﴿المُلْكَ﴾ الفانِيَ في الدُّنْيا الدَّنِيئَةِ، فَجَعَلَ مَوْضِعَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ مِن شُكْرٍ مِن مِلْكِهِ ذَلِكَ مُحاجَّتَهُ فِيهِ وكِبْرَهُ زَعَمَ عَلَيْهِ، وعَرَّفَهُ إشارَةً إلى كَمالِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الآدَمِيِّينَ بِالحُكْمِ عَلى جَمِيعِ الأرْضِ. قالَ الحَرالِّيُّ: وفي إشْعارِهِ أنَّ المُلْكَ فِتْنَةٌ وبَلاءٌ عَلى مَن أُوتِيَهُ. انْتَهى. فَتَكَبَّرَ بِما خَوَّلَهُ اللَّهُ فِيهِ عَلى عِبادِ اللَّهِ وهم يُطِيعُونَهُ لِما مَكَّنَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الأسْبابِ إلى أنْ رَسَخَتْ قَدَمُهُ في الكِبْرِ المُخْتَصِّ بِالمَلِكِ الأعْظَمِ مالِكِ المُلْكِ ومُبِيدِ المُلُوكِ فَظَنَّ جَهْلًا أنَّهُ أهْلٌ لَهُ.
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِمُحاجَّتِهِ بَيَّنَ ما هي تَقْرِيرًا لِآيَةِ ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] دَلالَةً عَلى البَعْثِ لِيَوْمٍ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ فَقالَ: ﴿إذْ﴾ أيْ حاجَّهُ حِينَ ﴿قالَ إبْراهِيمُ رَبِّيَ﴾ أيِ الَّذِي أحْسَنَ إلَيَّ بِخَلْقِي وإدامَةِ الهِدايَةِ [لِي] (p-٥٠)﴿الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ أيْ وحْدَهُ، وهَذِهِ العِبارَةُ تَدُلُّ عَلى تَقَدُّمِ كَلامٍ في هَذا وادِّعاءِ أحَدٍ لِمُشارَكَةٍ في هَذِهِ الصِّفَةِ.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا أمْرٌ ظاهِرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَماذا الَّذِي يُحاجُّ المُحاجُّ فِيهِ؟ أُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيْ ذَلِكَ المُحاجُّ بِجُرْأةٍ وعَدَمِ تَأمُّلٍ لِما ألِفَهُ مِن ذُلِّ النّاسِ لَهُ وطَواعِيَتِهِمْ لِجَبَرُوتِهِ ﴿أنا﴾ أيْ أيْضًا ﴿أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ بِأنْ أمُنَّ عَلى مَنِ اسْتَحَقَّ القَتْلَ وأقْتُلَ مَن لا يَسْتَحِقُّ القَتْلَ.
فَلَمّا رَأى إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قَدِ اجْتَرَأ عَلى عَظِيمٍ وأنَّ مُحاجَّتَهُ في نَفْسِ الإحْياءِ رُبَّما خَفِيَتْ أوْ طالَتْ رَأى أنْ يُعَجِّلَ إبْهاتَهُ مَعَ بَيانِ حَقارَتِهِ بِما هو أجْلى مِن ذَلِكَ، وفِيهِ أنَّهُ دُونَ ما ادَّعاهُ بِمَراتِبَ لِأنَّ الإحْياءَ إفاضَةُ الرُّوحِ عَلى صُورَةٍ بَعْدَ إيجادِها مِنَ العَدَمِ بِأنْ (p-٥١)﴿قالَ إبْراهِيمُ﴾ وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ مِن حُسْنِ الِاحْتِجاجِ تَرْكُ المِراءِ بِمُتابَعَةِ الحُجَّةِ المُلْبِسَةِ كَما قالَ تَعالى ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلا مِراءً ظاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢] نَقَلَ المُحاجَّ مِنَ الحُجَّةِ الواقِعَةِ في الأنْفُسِ إلى الحُجَّةِ الواقِعَةِ في الآفاقِ بِأعْظَمِ كَواكِبِها الشَّمْسِ ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] فَفي ظاهِرِ الِاحْتِجاجِ انْتِقالٌ وفي [طَيِّهِ تَقْرِيرُ الأوَّلِ لِأنَّ الرُّوحَ شَمْسُ البَدَنِ فَكَأنَّهُ ضَرْبُ مَثَلٍ مِن حَيْثُ أنَّ الإحْياءَ إنَّما هو أنْ يُؤْتى بِشَمْسِ الرُّوحِ مِن حَيْثُ غَرَبَتْ فَكانَ في ظاهِرٍ واسْتِقْبالٍ حُجَّةً قاطِعَةً] باطِنُهُ تَتْمِيمٌ لِلْحُجَّةِ الأُولى قالَ تَعالى: ﴿فَإنَّ﴾ بِالفاءِ الرّابِطَةِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ إشْعارًا لِتَتِمَّةِ الحُجَّةِ الأُولى بِالحُجَّةِ الثّانِيَةِ. انْتَهى. أيْ تَسَبَّبَ عَنْ دَعْواكَ هَذِهِ أوْ أقُولُ لَكَ: إنَّ ﴿اللَّهُ﴾ بِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ والجَلالِ بِاسْتِجْماعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿يَأْتِي بِالشَّمْسِ﴾ أيْ وهو الَّذِي أوْجَدَها ﴿مِنَ المَشْرِقِ﴾ أيْ في كُلِّ يَوْمٍ مِن قَبْلِ أنْ تُوجَدَ أنْتَ بِدُهُورٍ ﴿فَأْتِ بِها﴾ أنْتَ ﴿مِنَ المَغْرِبِ﴾ ولَوْ يَوْمًا واحِدًا.
(p-٥٢)قالَ الحَرالِّيُّ: إظْهارًا لِمَرْجِعِ العالَمِ بِكُلِّيَّتِهِ إلى واحِدٍ، وأنَّ قَيُّومَ الإنْسانِ في الإحْياءِ والإماتَةِ هو قَيُّومُ الآفاقِ في طُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها، وفي لَحْنِهِ إشْعارٌ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لا بُدَّ وأنْ يَأْتِيَ بِالشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ لِيَكُونَ في ذَلِكَ إظْهارُ تَصْرِيفِهِ لَها حَيْثُ شاءَ حَتّى يُطْلِعَها مِن حَيْثُ غَرَبَتْ كَما يُطْلِعُ الرُّوحَ مِن حَيْثُ قُبِضَتْ لِيَكُونَ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها آيَةَ مُقارَبَةِ قِيامِ السّاعَةِ وطُلُوعِ الأرْواحِ مِن أبْدانِها. انْتَهى.
﴿فَبُهِتَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ البَهْتِ وهو بَقاءُ الشَّيْءِ عَلى حالِهِ وصُورَتِهِ لا يَتَغَيَّرُ عَنْها لِأمْرٍ يَبْهَرُهُ وقْعُهُ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ بُهِتَ ﴿الَّذِي كَفَرَ﴾ أيْ حَصَلَ لَهُ الكُفْرُ بِتِلْكَ الدَّعْوى الَّتِي لَزِمَهُ بِها إنْكارُهُ لِاخْتِصاصِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالقُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ وادِّعاؤُهُ لِنَفْسِهِ الشَّرِكَةَ، فَبَيَّنَ لَهُ الخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ [بِهَذا المِثالِ] أنَّهُ عاجِزٌ عَنْ تَحْوِيلِ صُورَةٍ صَوَّرَها اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ووَضَعَها في جِهَةٍ [إلى] غَيْرِ تِلْكَ الجِهَةِ فَكَيْفَ لَهُ بِأنْ يُوجِدَ صُورَةً مِنَ العَدَمِ فَكَيْفَ ثُمَّ كَيْفَ بِإفاضَةِ الرُّوحِ عَلَيْها فَكَيْفَ بِالرُّوحِ الحَسّاسَةِ فَكَيْفَ بِالرُّوحِ النّاطِقَةِ! وسَيَأْتِي لِهَذا الشَّأْنِ في سُورَةِ الشُّعَراءِ مَزِيدُ بَيانٍ، فَيالِلَّهِ ما أعْلى مَقاماتِ الأنْبِياءِ! وما أصْفى بَصائِرَهُمْ! وما أسْمى دَرَجاتِهِمْ وأزْكى عَناصِرَهُمْ! عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ مِنِّي أعْظَمُ الصَّلاةِ والسَّلامِ وأعْلى (p-٥٣)التَّحِيَّةِ والإكْرامِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: فَعَرَّفَهُ أيْ في قَوْلِهِ: ﴿كَفَرَ﴾ بِوَصْفِهِ مِن حَيْثُ دَخَلَ عَلَيْهِ البَهْتُ مِنهُ. انْتَهى. أيْ لِأنَّهُ سَتَرَ ما يَعْلَمُهُ مِن عَجْزِ نَفْسِهِ وقُدْرَةِ خالِقِهِ، فَكَشَفَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِلِسانِ خَلِيلِهِ ﷺ السِّتْرَ الَّذِي أرْخاهُ كَشْفًا واضِحًا وهَتَكَهُ بِعَظِيمِ البَيانِ هَتْكًا فاضِحًا.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لِأنَّهُ ظَلَمَ في ادِّعائِهِ ذَلِكَ وفي الوَجْهِ الَّذِي ادَّعى ذَلِكَ بِسَبَبِهِ مِن قَتْلِ البَرِيءِ وتَرْكِ المُجْتَرِئِ، قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ﴾ أيِ الَّذِينَ أعْطاهم قُوَّةَ المُقاوَمَةِ لِلْأُمُورِ ﴿الظّالِمِينَ﴾ عامَّةً لِوَضْعِهِمُ الأشْياءَ بِإرادَتِهِ وتَقْدِيرِهِ في غَيْرِ مَواضِعِها، لِأنَّهُ أظْلَمَ قُلُوبَهم فَجَعَلَها أحْلَكَ مِنَ اللَّيْلِ الحالِكِ فَلَمْ يُبْقِ لَهم [ذَلِكَ] وجْهًا ثابِتًا يَسْتَمْسِكُونَ بِهِ، فَأيْنَ مِنهُمُ الهِدايَةُ وقَدْ صارُوا بِمَراحِلَ عَنْ مَواطِنِ أهْلِ العِنايَةِ! وقَصْرُ فِعْلِ الهِدايَةِ لِإفادَةِ العُمُومِ، قالَ الإمامُ: فاخْتَصَرَ اللَّفْظَ إفادَةً لِزِيادَةِ المَعْنى وهو مِنَ اللَّطائِفِ القُرْآنِيَّةِ.
2:259Page 43
أَوۡ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرۡيَةٖ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحۡيِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٖ ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَۖ قَالَ لَبِثۡتُ يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۖ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِاْئَةَ عَامٖ فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجۡعَلَكَ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِۖ وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَيۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمٗاۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٥٩
Or [consider such an example] as the one who passed by a township which had fallen into ruin. He said, "How will Allāh bring this to life after its death?" So Allāh caused him to die for a hundred years; then He revived him. He said, "How long have you remained?" He [the man] said, "I have remained a day or part of a day." He said, "Rather, you have remained one hundred years. Look at your food and your drink; it has not changed with time. And look at your donkey; and We will make you a sign for the people. And look at the bones [of this donkey] - how We raise them and then We cover them with flesh." And when it became clear to him, he said, "I know that Allāh is over all things competent."
ولَمّا كانَ الإحْياءُ والإماتَةُ مِن أظْهَرِ آياتِ الرَّبّانِيَّةِ وأخَصِّها بِها أظْهَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى الغَيْرَةَ عَلَيْها تارَةً بِإبْهاتِ المُدَّعِي لِلْمُشارَكَةِ، وتارَةً (p-٥٤)بِإشْهادِ المُسْتَبْعِدِ في نَفْسِهِ وغَيْرِهِ بِفِعْلِ رَبِّهِ، وتارَةً بِإشْهادِ المُسْتَرْشِدِ في غَيْرِهِ بِنَفْسِهِ مُعَبِّرًا في كُلٍّ مِنها بِما اقْتَضاهُ حالُهُ وأشْعَرَ بِهِ سُؤالُهُ، فَعَبَّرَ في الكافِرِ بِإلى إشارَةً إلى أنَّهُ في مَحَلِّ البُعْدِ عَنِ المُخاطَبِ ﷺ، وفي المُتَعَجِّبِ بِإسْقاطِها إسْقاطًا لِذَلِكَ البُعْدِ، وفي المُسْتَرْشِدِ المُسْتَطْلِعِ بِإذْ كَما هي العادَةُ المُسْتَمِرَّةُ في أهْلِ الصَّفاءِ والمَحَبَّةِ والوَفاءِ فَأتْبَعَ التَّعْجِيبَ مِن حالِ المُحاجِجِ التَّعْجِيبَ أيْضًا مِن حالِ مَنِ اسْتَعْظَمَ إحْياءَهُ تَعالى لِتِلْكَ القَرْيَةِ. ولَمّا كانَ مَعْنى ﴿ألَمْ تَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] هَلْ رَأيْتَ لِأنَّ هَلْ كَما ذَكَرَ الرَّضِيُّ وغَيْرُهُ تَخْتَصُّ مَعَ كَوْنِها لِلِاسْتِفْهامِ بِأنْ تُفِيدَ فائِدَةَ النّافِي حَتّى جازَ أنْ يَجِيءَ بَعْدَها ”إلّا“ قَصْدًا لِلْإيجابِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ رَأيْتَ الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ ﴿أوْ﴾ هَلْ رَأيْتَ ﴿كالَّذِي﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لِأنَّ أخْبارَ الأوَّلِينَ إنَّما هي مَواعِظُ لَنا: أقَوْمُكَ كَهَذا المُحاجِّ لِأعْظَمِ إبائِهِمْ فَهم يَقُولُونَ: إنَّ الإحْياءَ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، (p-٥٥)أوْ هم كالَّذِي ﴿مَرَّ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: [مِنَ المُرُورِ] وهو جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مَسْلَكٍ إلى غَيْرِهِ مَعَ التِفاتٍ إلَيْهِ [فِي] سَبِيلِهِ ﴿عَلى قَرْيَةٍ﴾ وهي الَّتِي خَرَجَ مِنها الأُلُوفُ أوْ بَيْتُ المَقْدِسِ ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ﴾ أيْ مُتَهَدِّمَةٌ ساقِطَةٌ جُدْرانُها ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ سُقُوفِها، أوْ خالِيَةٌ عَلى بَقاءِ سُقُوفِها. قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الخَوا وهو خُلُوُّ الشَّيْءِ عَمّا شَأْنُهُ أنْ يُعِينَهُ حِسًّا أوْ مَعْنىً، والعُرُوشُ جَمْعُ عَرْشٍ مِن نَحْوِ مَعْنى العَرِيشِ وهو ما أُقِيمَ مِنَ البِناءِ عَلى حالَةِ عُجالَةٍ يَدْفَعُ سَوْرَةَ الحَرِّ والبَرْدِ ولا يَدْفَعُ جُمْلَتَها كالكِنِّ المُشَيَّدِ، فَكانَ المُشَيَّدُ في الحَقِيقَةِ عَرِيشًا لِوَهاءِ الدُّنْيا بِجُمْلَتِها في عَيْنِ الِاسْتِبْصارِ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما الَّذِي في حالِهِ ذَلِكَ مِمّا يَعْجَبُ مِنهُ؟ قِيلَ: ﴿قالَ أنّى يُحْيِي هَذِهِ﴾ أيِ القَرْيَةَ ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ بِما صارَتْ إلَيْهِ مِنَ الخَرابِ وذَهابِ الأهْلِ فَيُعِيدُها إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ عامِرَةً آهِلَةً. قالَ الحَرالِّيُّ: وفي لَفْظَةِ ”أنّى“ لِشُمُولِ مَعْناها لِمَعْنى كَيْفَ وحَيْثُ ومَتى اسْتِبْعادُهُ الإحْياءَ في الكَيْفِ والمَكانِ والزَّمانِ، ومَنشَأُ هَذا الِاسْتِبْعادِ إنَّما يُطَوِّقُ النَّفْسَ (p-٥٦)مِن طَلَبِها لِمَعْرِفَةِ تَكْيِيفِ ما لا يَصِلُ إلَيْهِ عِلْمُها. انْتَهى.
ولَمّا كانَ هَذا المُسْتَبْعِدُ قاصِرًا عَنْ رُتْبَةِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في التَّهَيُّؤِ لِلطُّمَأْنِينَةِ بَلْ كانَ إيقانُهُ عَلى الكَيْفِيَّةِ مُتَوَقِّفًا في الحِكْمَةِ عَلى تَرْكِهِ في عالَمِ الغَيْبِ المُدَّةَ الَّتِي ضُرِبَتْ لِبَقائِهِ مَيِّتًا لِيَكُونَ ذَلِكَ كالتَّخْمِيرِ في الطِّينِ لِتَتَهَيَّأ نَفْسُهُ لِعِلْمِ ذَلِكَ والإيقانِ بِهِ قالَ: ﴿فَأماتَهُ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنْ أماتَهُ ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ فَمَهْما أرادَ كانَ [لِإيقانِهِ عَلى عِلْمِ ذَلِكَ عِنايَةً مِنَ اللَّهِ بِهِ] ﴿مِائَةَ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ أنَّ مُدَّةَ مَوْتِهِ كانَتْ طَوِيلَةً لِيَكُونَ قَدْ بَلِيَ فِيها فَتَكُونَ إعادَتُهُ أمْكَنَ في القُدْرَةِ عَلى ما تَسْتَبْعِدُهُ العَرَبُ وأنَّ ذَلِكَ الزَّمانَ كانَ حَسَنًا طَيِّبًا لِقَبُولِهِ الإحْياءَ والعِمارَةَ عَبَّرَ عَنْهُ بِما يَدُلُّ عَلى السَّعَةِ فَقالَ: ﴿عامٍ﴾ حَتّى بَلِيَ حِمارُهُ وحَفِظَ طَعامَهُ وشَرابَهُ مِنَ التَّغَيُّرِ لِيَتَحَقَّقَ كَمالُ القُدْرَةِ بِحِفْظِ ما شَأْنُهُ التَّغَيُّرُ وتَغَيُّرِ ما شَأْنُهُ البَقاءُ وإعادَةُ ما فَنِيَ.
قالَ الحَرالِّيُّ: وخَصَّ المِائَةَ لِكَمالِها في العَدِّ المُثَلَّثِ مِنَ الآحادِ [و] العَشَراتِ وعُشْرُها وتْرُ الشَّفْعِ لِأنَّ ما تَمَّ في الثّالِثِ كانَ ما زادَ عَلَيْهِ تَكْرارًا يُجْزِئُ عَنْهُ الثَّلاثُ ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ في بَيانِهِ إشْعارٌ (p-٥٧)بِأنَّ بَدَنَهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ ولا فَنِيَ فَناءَ حِمارِهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ ثُمَّ نَشَرَهُ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ كَما قالَ ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢] انْتَهى.
ولَمّا أحاطَ العِلْمُ بِأنَّ هَذا العَمَلَ لِأجْلِ إيقانِهِ عَلى القُدْرَةِ تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى ما حَصَلَ لَهُ بَعْدَ البَعْثِ فَأُجِيبَتْ بِقَوْلِهِ تَنْبِيهًا لَهُ ولِكُلِّ سامِعٍ عَلى ما في قِصَّتِهِ مِنَ الخَوارِقِ: ﴿قالَ﴾ أيْ لَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أوْ مَن شاءَ مِمَّنْ خِطابُهُ ناشِئٌ عَنْهُ ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ أيْ في رَقْدَتِكَ هَذِهِ ﴿قالَ﴾ لِنَظَرِهِ إلى سَلامَةِ طَعامِهِ وشَرابِهِ ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا﴾ ثُمَّ تَغَيَّرَ ظَنُّهُ بِحَسَبِ الشَّمْسِ أوْ غَيْرِها فَقالَ: ﴿أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ وكَأنَّهُ اسْتَعْجَلَ بِهَذا الجَوابِ - كَما هي عادَةُ الإنْسانِ - قَبْلَ النَّظَرِ إلى حِمارِهِ ﴿قالَ﴾ أيِ الَّذِي خاطَبَهُ مُضْرِبًا عَنْ جَوابِهِ بَيانًا لِأنَّهُ غَلَطٌ ظاهِرٌ ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ﴾ مُعَبِّرًا عَنِ الحَوْلِ بِلَفْظٍ يَدُورُ عَلى مَعْنى السَّعَةِ والِامْتِدادِ والطُّولِ [ودَلَّهُ] عَلى ذَلِكَ وعَلى كَمالِ القُدْرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ﴾ أيِ الَّذِي كانَ مَعَكَ لَمّا رَقَدْتَ وهو أسْرَعُ الأشْياءِ فَسادًا تِينٌ وعَصِيرٌ ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ مِنَ السَّنَةِ أيْ يَتَغَيَّرْ بِمَرِّ السِّنِينَ عَلى طُولِ مُرُورِها وقُوَّةِ تَقَلُّباتِها وتَأْثِيرِها، ومَعْنى القِراءَةِ بِهاءِ السَّكْتِ أنَّ الخَبَرَ بِذَلِكَ أمْرٌ جازِمٌ مُقْنِعٌ لا مِرْيَةَ فِيهِ ولا تَرَدُّدَ أصْلًا ﴿وانْظُرْ إلى﴾ ﴿حِمارِكَ﴾ بالِيًا رَمِيمًا، فَجَمَعَ اللَّهُ [لَهُ] سُبْحانَهُ (p-٥٨)وتَعالى بَيْنَ آيَتَيِ الرَّطْبِ في حِفْظِهِ واليابِسِ في نَقْضِهِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَعَلْنا ذَلِكَ لِنَجْعَلَهُ آيَةً لَكَ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ أوْ لِتَعْلَمَ أنْتَ قُدْرَتَنا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولِنَجْعَلَكَ﴾ أيْ في مَجْمُوعِ خَبَرِكَ ﴿آيَةً لِلنّاسِ﴾ أيْ كافَّةً فَكانَ أمْرُهُ إبْقاءً وتَثْبِيتًا آيَةً في مَوْجُودِ الدُّنْيا عَلى ما سَيَكُونُ في أمْرِ الآخِرَةِ قِيامَ ساعَةٍ وبَعْثًا ونُشُورًا، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
ولَمّا أمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى ما جَعَلَهُ لَهُ آيَةً عَلى لُبْثِهِ ذَلِكَ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ أمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى ما جَعَلَهُ لَهُ آيَةً عَلى اقْتِدارِهِ عَلى الإحْياءِ كَيْفَ ما أرادَ فَقالَ: ﴿وانْظُرْ إلى العِظامِ﴾ أيْ مِن حِمارِكَ وهي جَمْعُ عَظْمٍ وهو عِمادُ البَدَنِ الَّذِي عَلَيْهِ مُقَوِّمُ صُورَتِهِ ﴿كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: بِالرّاءِ مِنَ النَّشْرِ وهو عَوْدُ الفانِي إلى صُورَتِهِ الأُولى وبِالضَّمِّ جَعْلٌ وتَصْيِيرٌ إلَيْهِ، وبِالزّايِ مِنَ النَّشْزِ وهو إظْهارُ الشَّيْءِ وإعْلاؤُهُ، مِن نَشَزِ الأرْضِ وهو ما ارْتَفَعَ مِنها وظَهَرَ. انْتَهى. وضُمَّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ يَنْظِمُ ذَلِكَ كُلَّهُ ﴿ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: جَعَلَ حَياتَهُ بَعْثًا وحَياةَ حِمارِهِ نُشُورًا وأراهُ [النَّشْرَ]، واللَّحْمَ الَّذِي لُحِمَ بَيْنَ العِظامِ حَتّى (p-٥٩)صارَتْ صُورَةً واحِدَةً لِيَتَبَيَّنَ أمْرُ السّاعَةِ عِيانًا فَيَكُونَ حُجَّةً عَلى الكافِرِ والمُسْتَبْعِدِ ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ أيْ هَذا الأمْرُ الخارِقُ الباهِرُ الدّالُّ عَلى ما وصَفَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهِ نَفْسَهُ المُقَدَّسَةَ في آيَةِ الكُرْسِيِّ. قالَ الحَرالِّيُّ: وفي صِيغَةِ تَفَعَّلَ إشْعارٌ بِتَرَدُّدِهِ في النَّظَرِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ حَتّى اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ أمْرُ ما أُعْلِمَ بِهِ واضْمَحَلَّ عِنْدَهُ ما قَدَّرَهُ ﴿قالَ أعْلَمُ﴾ بِصِيغَةِ الفِعْلِ بِناءً عَلى نَفْسِهِ وبِصِيغَةِ الأمْرِ إفادَةً لِغَيْرِهِ ما عَلِمَ لِتَدُلَّ القِراءَتانِ عَلى أنَّهُ عَلِمَ وعُلِّمَ لِأنَّ العِلْمَ إنَّما يَتِمُّ حِينَ يَصِلُ إلى غَيْرِ العالِمِ [فَيَجْمَعُ فَضْلَ العِلْمِ والتَّعْلِيمِ. انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَدُلَّ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في أعْلَمُ عَلى أنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَّصِفًا بِهَذا العِلْمِ] مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى حالٍ ولا اسْتِقْبالٍ ويَكُونُ ذَلِكَ اعْتِذارًا عَنْ تَعْبِيرِهِ في التَّعْجِيبِ بِما دَلَّ عَلى الِاسْتِبْعادِ بِأنَّهُ إنَّما قالَهُ اسْتِبْعادًا لِتَعْلِيقِ القُدْرَةِ بِذَلِكَ لا لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ أيْ لِما أعْلَمُ مِن عَظَمَتِهِ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ مِن هَذا وغَيْرِهِ ﴿قَدِيرٌ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: في إشْعارِهِ إلْزامُ البَصائِرِ شُهُودَ قُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في تَعَيُّنِها في الأسْبابِ الحِكْمِيَّةِ الَّتِي تَتَقَيَّدُ بِها الأبْصارُ إلْحاقًا لِما دُونَ آيَةِ الإحْياءِ والإماتَةِ بِأمْرِها لِيَسْتَوِيَ في العِلْمِ أنَّ مُحْيِيكَ هو مُصَرِّفُكَ، فَكَما أنَّ حَياتَكَ بِقُدْرَتِهِ [فَكَذَلِكَ عَمَلُكَ (p-٦٠)بِقُدْرَتِهِ] فَلاءَمَ تَفْصِيلُ إفْرادِ القُدْرَةِ لِلَّهِ بِما تَقَدَّمَ مِن إبْداءِ الحِفْظِ بِاللَّهِ والعَظَمَةِ لِلَّهِ، فَكَأنَّها جَوامِعُ وتَفاصِيلُ كُلُّها تَقْتَضِي إحاطَةَ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِكُلِّيَّةِ ما أجْمَلَ وبِدَقائِقِ تَفاصِيلِ ما فَصَّلَ. انْتَهى. وفي الآيَةِ بَيانٌ لِوَجْهِ مُغالَطَةِ الكافِرِ لِمَنِ اسْتَخَفَّهُ مِن قَوْمِهِ في المُحاجَّةِ مَعَ الخَلِيلِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ بِأنَّ الإحْياءَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ المَلِكُ الأُلُوهِيَّةَ هو هَذا الإحْياءُ الحَقِيقِيُّ لا التَّخْلِيَةُ عَمَّنِ اسْتَحَقَّ القَتْلَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences