Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:264–269
2:264Page 44
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبۡطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ صَفۡوَانٍ عَلَيۡهِ تُرَابٞ فَأَصَابَهُۥ وَابِلٞ فَتَرَكَهُۥ صَلۡدٗاۖ لَّا يَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَيۡءٖ مِّمَّا كَسَبُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٦٤
O you who have believed, do not invalidate your charities with reminders [of it] or injury as does one who spends his wealth [only] to be seen by the people and does not believe in Allāh and the Last Day. His example is like that of a [large] smooth stone upon which is dust and is hit by a downpour that leaves it bare. They are unable [to keep] anything of what they have earned. And Allāh does not guide the disbelieving people.
ولَمّا شَرَطَ لِقَبُولِها شَرْطًا ووَهّى (p-٧٩)ما عَرِيَ مِنها [عَنْهُ] أتْبَعَهُ التَّصْرِيحَ بِالنَّهْيِ عَنْ إهْمالِهِ والنَّصَّ عَلى مَحْقِهِ لَها وإبْطالِهِ وضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا وضَرَبَ لِلْمَثَلِ مَثَلًا مُبالَغَةً في الزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِذَلِكَ صَدِّقُوا إقْرارَكم بِأنْ ﴿لا تُبْطِلُوا﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: فَبَيَّنَ أنَّ ما اشْتَرَطَهُ في الأجْرِ المُطْلَقِ مُبْطِلٌ لِلْإنْفاقِ. انْتَهى.
﴿صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ فَرُبَّما وازى عِقابُهُما ثَوابَ الصَّدَقَةِ أوْ زادَ فَكانَ كالإبْطالِ لِأوَّلِهِ إلى أنْ لا ثَوابَ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَألْحَقَ عَمَلَ الإخْلاصِ بِآفَةِ ما تَعْقُبُهُ بِما بُنِيَ عَلى أصْلِ الرِّياءِ. انْتَهى. فَقالَ: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ﴾ لِغَيْرِ اللَّهِ، إنَّما يُنْفِقُهُ ﴿رِئاءَ النّاسِ﴾ أيْ لِقَصْدِ أنْ يَرَوْهُ. قالَ الحَرالِّيُّ: هو الفِعْلُ المَقْصُودُ بِهِ رُؤْيَةُ الخَلْقِ غَفْلَةً عَنْ رُؤْيَةِ الحَقِّ وعَمايَةً عَنْهُ.
ولَمّا شَبَّهَ المانَّ والمُؤْذِيَ بِالمُرائِي لِأنَّهُ أسْقَطُ النّاسِ وأدْناهم هِمَّةً وأسْوَؤُهم نَظَرًا وأعْماهم قَلْبًا فَأُولُو الهِمَمِ العَلِيَّةِ لا سِيَّما العَرَبُ أشَدُّ شَيْءٍ نَفْرَةً مِنهُ وأبْعَدُهُ عَنْهُ وكانَ لِمَن يُرائِي حالانِ ألْحَقَهُ (p-٨٠)بِأشَدِّهِما فَقالَ: ﴿ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفَةُ الكَمالِ ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الجَزاءُ بَعْدَ نَقْدِ الأعْمالِ جَيِّدِها مِن رَدِيئِها. قالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا ضَرَبَ مَثَلًا لِنَماءِ النَّفَقَةِ بِالحَرْثِ ضَرَبَ مَثَلًا لِإبْطالِها بِخَطَإ الحارِثِ في الحَرْثِ فَقالَ: ﴿فَمَثَلُهُ﴾ في إنْفاقِهِ مُقارِنًا لِما يُفْسِدُهُ، ومَثَلُ نَفَقَتِهِ ﴿كَمَثَلِ صَفْوانٍ﴾ وما زُرِعَ عَلَيْهِ، وهو صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ الصَّفا وهي الحِجارَةُ المُلْسُ الصُّلْبَةُ الَّتِي [لا] تَقْبَلُ انْصِداعَها بِالنَّباتِ. انْتَهى.
﴿عَلَيْهِ تُرابٌ﴾ فاغْتَرَّ بِهِ بَعْضُ الجَهَلَةِ فَزَرَعَ عَلَيْهِ.
ولَمّا كانَتْ إزالَةُ التُّرابِ عَمّا وقَعَ عَلَيْهِ عَقِبَ وُقُوعِهِ أجْدَرَ ما زالَتْ بِحَذافِيرِهِ ولا سِيَّما إنْ كانَ حَجَرًا أمْلَسَ قالَ إبْلاغًا في إبْطالِ الرِّياءِ لِلْعَمَلِ: ﴿فَأصابَهُ﴾ أيْ عَقِبَ كَوْنِ التُّرابِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ مُهِمَّةٍ بِخِلافِ ما يَأْتِي مِنَ الرَّبْوَةِ فَإنَّها صِفَةٌ لازِمَةٌ فَلَوْ تَعَقَّبَها المَطَرُ لَدامَ بِدَوامِها فَأفْسَدَها ﴿وابِلٌ﴾ أيْ مَطَرٌ كَثِيرٌ فَأزالَ التُّرابَ عَنْهُ ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ أيْ صَخْرًا لا يَقْبَلُ النَّباتَ بِوَجْهٍ بَلْ يَخِيبُ مَن (p-٨١)يَأْمُلُهُ كَما يُقالُ أصْلَدَ الزَّنْدُ إذا لَمْ يُورِ، فَجَعَلَ قَلْبَ المُؤْذِي المانِّ بِمَنزِلَةِ الصَّفْوانِ الَّذِي أصابَهُ وابِلُ المَطَرِ، فَأذْهَبَ عائِدَ نَفَقَتِهِ كَما أذْهَبَ بَذْرَ الحارِثِ عَلى الصَّفْوانِ وابِلُ المَطَرِ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يُصْلِحَ البَذْرَ، قالَهُ الحَرالِّيُّ وفِيهِ تَصَرُّفٌ. ولَمّا بانَ بِهَذا بُطْلانُ العَمَلِ في المَثَلِ والمَمْثُولِ تَرْجَمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَقْدِرُونَ﴾ أيِ المُمَثَّلُ لَهم والمُمَثَّلُ بِهِمْ ﴿عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ فالآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ ولَمّا كانَ الزّارِعُ عَلى مِثْلِ هَذا عَجَبًا في الضَّلالِ والغَباوَةِ وكانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ عَمَلَ المُؤْذِينَ كَما لا يَقْبَلُ عَمَلَ المُرائِينَ، عَطَفَ عَلَيْهِ مُعْلِمًا أنَّهُ يُعْمِي البُصَراءَ عَنْ أبْيَنِ الأُمُورِ إذا أرادَ ومَهْما شاءَ فَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ الحِكْمَةُ كُلُّها ﴿لا يَهْدِي﴾ أيْ لِوَجْهِ مَصْلَحَةٍ. ولَمّا كانَ كُلٌّ مِنَ المُؤْذِي والمُرائِي قَدْ غَطّى مَحاسِنَ عَمَلِهِ بِما جَرَّهُ مِنَ السُّوءِ قالَ: ﴿القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ وفي ذِكْرِهِ ولِهَذِهِ الجُمْلَةِ وحْدَها أشَدُّ تَرْهِيبٍ لِلْمُتَصَدِّقِ عَلى هَذا الوَجْهِ.
2:265Page 45
وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثۡبِيتٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ كَمَثَلِ جَنَّةِۭ بِرَبۡوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٞ فَـَٔاتَتۡ أُكُلَهَا ضِعۡفَيۡنِ فَإِن لَّمۡ يُصِبۡهَا وَابِلٞ فَطَلّٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٢٦٥
And the example of those who spend their wealth seeking means to the approval of Allāh and assuring [reward for] themselves is like a garden on high ground which is hit by a downpour - so it yields its fruits in double. And [even] if it is not hit by a downpour, then a drizzle [is sufficient]. And Allāh, of what you do, is Seeing.
ولَمّا فَرَغَ مِن مَثَلِ العارِي عَنِ الشَّرْطِ ضَرَبَ لِلْمُقْتَرِنِ بِالشَّرْطِ مِنَ (p-٨٢)الإنْفاقِ مَثَلًا مُنَبِّهًا فِيهِ عَلى أنَّ غَيْرَهُ لَيْسَ مُبْتَغىً بِهِ وجْهُ اللَّهِ فَقالَ: ﴿ومَثَلُ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: عَطْفًا عَلى ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] ﴿ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] عَطْفَ مُقابَلَةٍ وعَلى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦١] عَطْفَ مُناسَبَةٍ. انْتَهى.
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ﴾ أيْ مَثَلُ نَفَقاتِهِمْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ دُنْياوِيَّةٍ ولا شائِبَةٍ نَفْسانِيَّةٍ بَلْ ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ فَلِذَلِكَ صَلُحَ كُلَّ الصَّلاحِ فَعَرِيَ عَنِ المَنِّ والأذى وغَيْرِهِما مِنَ الشَّوائِبِ المُوجِبَةِ لِلْخَلَلِ قالَ الحَرالِّيُّ: والمَرْضاةُ مَفْعَلَةٌ لِتَكَرُّرِ الرِّضى ودَوامِهِ. انْتَهى.
﴿وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ بِالنَّظَرِ في إصْلاحِ العَمَلِ وإخْلاصِهِ بِالحَمْلِ عَلى الحِلْمِ والصَّفْحِ والصَّبْرِ عَلى جَمِيعِ مَشاقِّ التَّكالِيفِ فَإنَّ مَن راضَ نَفْسَهُ بِحَمْلِها عَلى بَذْلِ المالِ الَّذِي [هُوَ] شَقِيقُ (p-٨٣)الرُّوحِ وذَلَّتْ لَهُ خاضِعَةً وقَلَّ طَمَعُها في اتِّباعِهِ لِشَهَواتِها فَسَهُلَ عَلَيْهِ حَمْلُها عَلى سائِرِ العِباداتِ، ومَتى تَرَكَها وهي مَطْبُوعَةٌ عَلى النَّقائِصِ زادَ طَمَعًا في اتِّباعِ الشَّهَواتِ ولُزُومِ الدَّناءاتِ، فَمِن لِلتَّبْعِيضِ مَفْعُولٌ بِهِ مِثْلُها في قَوْلِهِمْ: لَيَّنَ مِن عَطْفِهِ وحَرَّكَ مِن نَشاطِهِ ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾ أيْ بُسْتانٍ ومَثَلِ صاحِبِها. قالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ حَرْثُ الدُّنْيا حَبًّا وثَمَرًا جَعَلَ نَفَقاتِ الأُخْرى كَذَلِكَ حَبًّا وتَمْرًا. فَمَن أنْفَقَ في السَّبِيلِ جَعَلَ مَثَلَهُ كالحَبِّ، ومَن أنْفَقَ ابْتِغاءً لِمَرْضاةِ اللَّهِ جَعَلَ مَثَلَهُ كالجَنَّةِ الَّتِي لَها أصْلٌ ثابِتٌ تَدُورُ عَلَيْها الثَّمَراتُ وهي ثابِتَةٌ وتَسْتَغْنِي مِنَ الماءِ بِما لا يَسْتَغْنِي بِهِ الحَرْثُ لِأنَّ الحَرْثَ مُسْتَجِدٌّ في كُلِّ وقْتٍ، كَما أنَّ الجِهادَ واقِعٌ عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ والمُنْفِقُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ يُنْفِقُ في كُلِّ وجْهٍ دائِمُ الإنْفاقِ، فَكانَ مَثَلُهُ مَثَلَ الجَنَّةِ الدّائِمَةِ لِيَتَطابَقَ المَثَلانِ بِالمَمْثُولَيْنِ، فَعَمَّتْ هَذِهِ النَّفَقَةُ جِهاتِ الإنْفاقِ كُلَّها في جَمِيعِ (p-٨٤)سُبُلِ الخَيْرِ. انْتَهى.
﴿بِرَبْوَةٍ﴾ أيْ مَكانٍ عالٍ لَيْسَ بِجَبَلٍ. قالَ الحَرالِّيُّ: في إعْلامِهِ أنَّ خَيْرَ الجَنّاتِ ما كانَ في الرَّبْوَةِ لِتَنالَها الشَّمْسُ وتَخْتَرِقَها الرِّياحُ اللَّواقِحُ، فَأمّا ما كانَ مِنَ الجِنانِ في الوِهادِ تَجاوَزَتْها الرِّياحُ اللَّواقِحُ مِن فَوْقِها فَضَعُفَتْ حَياتُها، لِأنَّ الرِّياحَ هي حَياةُ النَّباتِ ”الرِّيحُ مِن نَفَسِ الرَّحْمَنِ“ انْتَهى. ثُمَّ وصَفَها بِقَوْلِهِ: ﴿أصابَها وابِلٌ﴾ أيْ مَطَرٌ كَثِيرٌ ﴿فَآتَتْ أُكُلَها﴾ أيْ أخْرَجَتْهُ بِإذْنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى حَتّى صارَ في قُوَّةِ المُعْطِي ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ أيْ مِثْلَ ما كانَتْ تُخْرِجُهُ لَوْ أصابَها دُونَ الوابِلِ، كَذا قالُوا: مِثْلَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ أرْبَعَةُ أمْثالِهِ، لِأنَّ المُرادَ بِالضِّعْفِ قَدْرُ الشَّيْءِ ومِثْلُهُ مَعَهُ فَيَكُونُ الضِّعْفانِ أرْبَعَةً. واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ؛ والآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ، ذِكْرُ المُنْفِقِ أوَّلًا دالٌّ عَلى حَذْفِ صاحِبِ الجَنَّةِ ثانِيًا، وذِكْرُ الجَنَّةِ ثانِيًا دالٌّ عَلى حَذْفِ النَّفَقَةِ أوَّلًا.
ولَمّا كانَ الوابِلُ قَدْ لا يُوجَدُ قالَ: ﴿فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ أيْ فَيُصِيبُها لِعُلُوِّها طَلٌّ، وهو النَّدى الَّذِي يَنْزِلُ في الضَّبابِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: الطَّلُّ [سِنٌّ] مِن أسْنانِ المَطَرِ خَفِيٌّ لا يُدْرِكُهُ الحِسُّ حَتّى يَجْتَمِعَ، فَإنَّ المَطَرَ يَنْزِلُ خَفِيًّا عَنِ الحِسِّ وهو الطَّلُّ، ثُمَّ يَبْدُو بِلَطافَةٍ وهو الطَّشُّ، ثُمَّ يَقْوى وهو الرَّشُّ، ثُمَّ يَتَزايَدُ ويَتَّصِلُ وهو الهَطْلُ، ثُمَّ يَكْثُرُ ويَتَقارَبُ وهو الوابِلُ، ثُمَّ يَعْظُمُ سَكْبُهُ وهو الجُودُ؛ فَلَهُ (p-٨٥)أسْنانٌ مِمّا لا يَنالُهُ الحِسُّ لِلَطافَتِهِ إلى ما لا يَحْمِلُهُ الحِسُّ كَثْرَةً. انْتَهى. والمَعْنى أنَّ أهْلَ هَذا الصِّنْفِ لا يَتَطَرَّقُ إلى أعْمالِهِمْ فَسادٌ، غايَتُها أنْ يَطْرُقَها النَّقْصُ بِاعْتِبارِ ضَعْفِ النِّيّاتِ، ولِذَلِكَ كانَ التَّقْدِيرُ تَسْبِيبًا عَنْ ذَلِكَ: فاللَّهُ بِما تَسْتَحِقُّونَ عَلى نِيّاتِكم عَلِيمٌ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ بِما ظَهَرَ مِنهُ ﴿بَصِيرٌ﴾ كَما هو كَذَلِكَ بِما بَطَنَ، فاجْتَهِدُوا في إحْسانِ الظّاهِرِ والباطِنِ. وقَدَّمَ مَثَلَ العارِي عَنِ الشَّرْطِ عَلَيْهِ لِأنَّ دَرْءَ المَفاسِدِ أوْلى مِن جَلْبِ المَصالِحِ.
2:266Page 45
أَيَوَدُّ أَحَدُكُمۡ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَابٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلۡكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٞ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعۡصَارٞ فِيهِ نَارٞ فَٱحۡتَرَقَتۡۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ ٢٦٦
Would one of you like to have a garden of palm trees and grapevines underneath which rivers flow in which he has from every fruit? But he is afflicted with old age and has weak [i.e., immature] offspring, and it is hit by a whirlwind containing fire and is burned. Thus does Allāh make clear to you [His] verses that you might give thought.
ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ المَنَّ مُبْطِلٌ لِلصَّدَقَةِ ومَثَّلَهُ بِالرِّياءِ وضَرَبَ لَهُما مَثَلًا ورَغَّبَ في الخالِصِ وخَتَمَ ذَلِكَ بِما يَصْلُحُ لِلتَّرْهِيبِ مِنَ المَنِّ والرِّياءِ رَجَعَ إلَيْهِما دَلالَةً عَلى الِاهْتِمامِ بِهِما فَضَرَبَ لَهُما مَثَلًا أوْضَحَ مِنَ السّالِفِ وأشَدَّ في التَّنْفِيرِ عَنْهُما والبُعْدِ مِنهُما فَقالَ، وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا تَراجَعَ خَبَرُ الإنْفاقَيْنِ ومُقابِلُهُما تَراجَعَتْ أمْثالُها فَضَرَبَ لِمَن يُنْفِقُ مُقابِلًا لِمَن يَبْتَغِي مَرْضاةَ اللَّهِ تَعالى مَثَلًا بِالجَنَّةِ المُخَلَّفَةِ، انْتَهى. فَقالَ، مُنْكِرًا عَلى مَن يُبْطِلُ عَمَلَهُ كَأهْلِ مَثَلِ الصَّفْوانِ بَعْدَ كَشْفِ الحالِ بِضَرْبِ هَذِهِ الأمْثالِ: ﴿أيَوَدُّ أحَدُكُمْ﴾ أيْ يُحِبُّ حُبًّا شَدِيدًا (p-٨٦)﴿أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ أيْ حَدِيقَةٌ تَسْتُرُ داخِلَها وعَيَّنَ هُنا ما أبْهَمَهُ في المَثَلِ الأوَّلِ فَقالَ: ﴿مِن نَخِيلٍ﴾ جَمْعِ نَخْلَةٍ وهي الشَّجَرَةُ القائِمَةُ عَلى ساقِ الحَيَّةِ مِن أعْلاها أشْبَهُ الشَّجَرِ بِالآدَمِيِّ، ثابِتٌ ورَقُها، مُغَذٍّ مُؤَدَمٌ ثَمَرُها، في كُلِّيَّتِها نَفْعُها حَتّى في خَشَبِها طَعامٌ لِلْآدَمِيِّ بِخِلافِ سائِرِ الشَّجَرِ، مَثَلُها كَمَثَلِ المُؤْمِنِ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ كُلُّهُ ﴿وأعْنابٍ﴾ جَمْعِ عِنَبٍ وهو شَجَرٌ مُتَكَرِّمٌ لا يَخْتَصُّ ذَهابُهُ بِجِهَةِ العُلُوِّ اخْتِصاصَ النَّخْلَةِ بَلْ يَتَفَرَّعُ عُلُوًّا وسُفْلًا ويَمْنَةً ويَسْرَةً، مَثَلُهُ مَثَلُ المُؤْمِنِ المُتَّقِي الَّذِي يُكْرِمُ بِتَقْواهُ في كُلِّ جِهَةٍ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
ولَمّا كانَتِ الجِنانُ لا تَقُومُ وتَدُومُها إلّا بِالماءِ قالَ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ لِكَرَمِ أرْضِها. وقالَ الحَرالِّيُّ: وفي إشْعارِهِ تَكَلُّفُ ذَلِكَ فِيها بِخِلافِ الأُولى الَّتِي هي بَعْلٌ فَإنَّ الجائِحَةَ في السَّقْيِ أشَدُّ عَلى المالِكِ مِنها في البَعْلِ لِقِلَّةِ الكُلْفَةِ في البَعْلِ ولِشِدَّةِ الكُلَفِ في السَّقْيِ. انْتَهى.
ولَمّا وصَفَها بِكَثْرَةِ الماءِ ذَكَرَ نَتِيجَةَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ أيْ مَعَ النَّخْلِ والعِنَبِ. ولَمّا ذَكَرَ كَرَمَها ذَكَرَ شِدَّةَ (p-٨٧)الحاجَةِ إلَيْها فَقالَ: ﴿وأصابَهُ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ أصابَهُ ﴿الكِبَرُ﴾ فَصارَ لا يَقْدِرُ عَلى اكْتِسابٍ ﴿ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ﴾ بِالصِّغَرِ كَما ضَعُفَ هو بِالكِبَرِ ﴿فَأصابَها﴾ أيِ الجَنَّةُ مَرَّةً مِنَ المَرّاتِ ﴿إعْصارٌ﴾ أيْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ جِدًّا. قالَ الحَرالِّيُّ: صِيغَةُ اشْتِدادٍ بِزِيادَةِ الهَمْزَةِ والألِفِ فِيهِ مِنَ العَصْرِ وهو [الشِّدَّةُ المُخْرِجَةُ لِخَبْءِ الأشْياءِ، والإعْصارُ رِيحٌ شَدِيدَةٌ في غَيْمٍ يَكُونُ فِيها حِدَّةٌ مِن بَرْدِ الزَّمْهَرِيرِ، وهُوَ] أحَدُ قِسْمَيِ النّارِ، نَظِيرُهُ مِنَ السَّعِيرِ السَّمُومُ. وقالَ الأصْفَهانِيُّ: رِيحٌ تَسْتَدِيرُ في الأرْضِ ثُمَّ تَسْطَعُ نَحْوَ السَّماءِ كالعَمُودِ ﴿فِيهِ نارٌ فاحْتَرَقَتْ﴾ تِلْكَ الجَنَّةُ وبَقِيَ صاحِبُها بِمَضْيَعَةٍ مَعَ ضَعْفِهِ وثِقَلِ ظَهْرِهِ بِالعِيالِ وقِلَّةِ المالِ. قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الاحْتِراقِ وهو ذَهابُ رُوحِ الشَّيْءِ وصُورَتِهِ ذَهابًا وحَيًا بِإصابَةِ قاصِفٍ لَطِيفٍ يَشِيعُ في كُلِّيَّتِهِ فَيُذْهِبُهُ ويُفْنِيهِ؛ فَجَعَلَ المَثَلَ الأوَّلَ في الحَبِّ أيِ الَّذِي عَلى الصَّفْوانِ لِآفَةٍ مِن تَحْتِهِ. وجَعَلَ المَثَلَ في الجَنَّةِ بِجائِحَةٍ مِن فَوْقِهِ كَأنَّهُما جِهَتا طُرُوِّ العِلَلِ والآفاتِ مِن جِهَةِ أصْلٍ أوْ فَرْعٍ. انْتَهى. فَحالُ مَن راءى في أعْمالِهِ أوْ آذى في صَدَقَةِ مالِهِ في يَوْمِ القِيامَةِ وأهْوالِهِ كَحالِ هَذا في نَفْسِهِ وعِيالِهِ عِنْدَ خَيْبَةِ (p-٨٨)آمالِهِ، ورَوى البُخارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في التَّفْسِيرِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ [قالَ قالَ عُمَرُ ] رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِأصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: ”فِيمَ تَرَوْنَ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ ﴿أيَوَدُّ أحَدُكُمْ﴾ إلى أنْ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ضُرِبَتْ مَثَلًا لِعَمَلٍ، قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أيُّ عَمَلٍ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِعَمَلٍ، قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لِرَجُلٍ غَنِيٍّ يَعْمَلُ بِطاعَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ لَهُ الشَّيْطانَ فَعَمِلَ بِالمَعاصِي حَتّى أغْرَقَ أعْمالَهُ“ .
ولَمّا بَيَّنَ لَهم هَذا البَيانَ الَّذِي أبْهَتَ بُلَغاءَ الإنْسِ والجانِّ نَبَّهَهم عَلى تَعْظِيمِهِ لِتَبْجِيلِهِ وتَكْرِيمِهِ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا البَيانِ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿لَكُمُ الآياتِ﴾ أيْ كُلَّها ﴿لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ أيْ لِيَكُونَ حالُكم حالَ مَن يُرْجى أنْ يَحْمِلَ نَفْسَهُ عَلى الفِكْرِ، ومَن يَكُونُ كَذَلِكَ يَنْتَفِعُ بِفِكْرِهِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: فَتَبْنُونَ الأُمُورَ عَلى تَثْبِيتٍ، لا خَيْرَ في عِبادَةٍ إلّا بِتَفَكُّرٍ، كَما أنَّ البانِيَ لا بُدَّ أنْ يُفَكِّرَ في بِنائِهِ، كَما قالَ الحَكِيمُ: أوَّلُ الفِكْرَةِ آخِرُ العَمَلِ وأوَّلُ العَمَلِ آخِرُ الفِكْرَةِ، كَذَلِكَ مِن حَقِّ أعْمالِ الدِّينِ ألّا تَقَعَ إلّا بِفِكْرَةٍ في إصْلاحِ أوائِلِها السّابِقَةِ وأواخِرِها اللّاحِقَةِ، فَكانُوا في ذَلِكَ صِنْفَيْنِ بِما يُشْعِرُ بِهِ ”لَعَلَّكم“ مُطابِقَيْنِ لِلْمَثَلِ مُتَفَكِّرًا مُضاعَفًا (p-٨٩)حَرْثُهُ وجَنَّتُهُ وعامِلًا بِغَيْرِ فِكْرَةٍ تَسْتَهْوِيهِ أهْواءُ نَفْسِهِ فَتَلْحَقُهُ الآفَةُ في عَمَلِهِ في حَرْثِهِ وجَنَّتِهِ مِن سابِقِهِ أوْ لاحِقِهِ. انْتَهى.
2:267Page 45
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ وَمِمَّآ أَخۡرَجۡنَا لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِۖ وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ وَلَسۡتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ٢٦٧
O you who have believed, spend from the good things which you have earned and from that which We have produced for you from the earth. And do not aim toward the defective therefrom, spending [from that] while you would not take it [yourself] except with closed eyes. And know that Allāh is Free of need and Praiseworthy.
ولَمّا رَغِبَ في الفِعْلِ وتَخْلِيصِهِ عَنِ الشَّوائِبِ أتْبَعَهُ المالَ المُنْفَقَ مِنهُ فَأمَرَ بِطِيبِهِ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِالإيمانِ ﴿أنْفِقُوا﴾ أيْ تَصْدِيقًا لِإيمانِكم ﴿مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ وإنَّما قَدَّمَ الفِعْلَ لِأنَّهُ ألْصَقُ بِالإنْسانِ وتَطْيِيبُهُ أعَمُّ نَفْعًا، ولَمّا ذَكَرَ ما أباحَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن أرْباحِ التِّجاراتِ ونَحْوِها أتْبَعَهُ ما أباحَهُ مِن مَنافِعِ النَّباتاتِ ونَحْوِها مُنَبِّهًا بِذَلِكَ عَلى أنَّ كُلَّ ما يَتَقَلَّبُ العِبادُ فِيهِ مِن أنْفُسِهِمْ وغَيْرِها نِعْمَةٌ مِنهُ أنْشَأها مِنَ الأرْضِ الَّتِي أبْدَعَها مِنَ العَدَمِ تَرْغِيبًا في الجُودِ بِهِ وفي جَعْلِهِ خَيارًا حَلالًا وتَرْهِيبًا مِنَ الشُّحِّ بِهِ وجَعَلَهُ دَيْنًا أوْ حَرامًا فَقالَ: ﴿ومِمّا أخْرَجْنا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا ﴿لَكُمْ﴾ نِعْمَةً مِنّا عَلَيْكم ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: قَدَّمَ خِطابَ المُكْتَسِبِينَ بِأعْمالِهِمْ كَأنَّهُمُ المُهاجِرُونَ وعَطَفَ عَلَيْهِمُ المُنْفِقِينَ مِنَ الحَرْثِ والزَّرْعِ كَأنَّهُمُ الأنْصارُ. انْتَهى.
ولَمّا أمَرَ بِذَلِكَ أكَّدَ الأمْرَ بِهِ بِالنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ فَقالَ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا﴾ أيْ لا تَتَكَلَّفُوا أنْ تَقْصِدُوا ﴿الخَبِيثَ مِنهُ﴾ أيْ خاصَّةً (p-٩٠)﴿تُنْفِقُونَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: الخَبِيثُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ بِزِيادَةِ الياءِ مِنَ الخُبْثِ وهو ما يُنافِرُ حِسَّ النَّفْسِ: ظاهِرَهُ وباطِنَهُ، في مُقابِلِهِ ما يَرْتاحُ إلَيْهِ مِنَ الطَّيِّبِ الَّذِي يَنْبَسِطُ إلَيْهِ ظاهِرًا وباطِنًا، وقالَ: فَفي إلاحَتِهِ مَعْنى حَصْرٍ كَأنَّهم لا يُنْفِقُونَ إلّا مِنهُ لِيَتَجاوَزَ النَّهْيُ مَن يُنْفِقُ مِن طَيِّبِهِ وخَبِيثِهِ عَلى غَيْرِ قَصْدِ اخْتِصاصِ النَّفَقَةِ مِنَ الخَبِيثِ. انْتَهى. ثُمَّ أوْضَحَ قَباحَةَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ أيْ إذا كانَ لَكم عَلى أحَدٍ حَقٌّ فَأعْطاكُمُوهُ ﴿إلا أنْ تُغْمِضُوا﴾ أيْ تُسامِحُوا ﴿فِيهِ﴾ بِالحَياءِ مَعَ الكَراهَةِ. قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الإغْماضِ وهو الإغْضاءُ عَنِ العَيْبِ فِيما يُسْتَعْمَلُ، أصْلُهُ مِنَ الغُمْضِ وهي نَوْمَةٌ تَغْشى الحِسَّ ثُمَّ تَنْقَشِعُ، وقالَ: ولَمّا كانَ الآخِذُ هو اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى خَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا﴾ انْتَهى.
وعَبَّرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ فَقالَ: ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ المُسْتَكْمِلَ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ مِنَ الجَلالِ والجَمالِ ﴿غَنِيٌّ﴾ يَفْضُلُ عَلى مَن أسْلَفَ خَيْرًا رَغْبَةً فِيما عِنْدَهُ ولَيْسَتْ بِهِ حاجَةٌ تَدْعُوهُ إلى أخْذِ الرَّدِيءِ ولا رَغَّبَكم في أصْلِ الإنْفاقِ لِحاجَةٍ مِنهُ إلى شَيْءٍ مِمّا عِنْدَكم (p-٩١)وإنَّما ذَلِكَ لُطْفٌ مِنهُ بِكم لِيُجْرِيَ عَلَيْهِ الثَّوابَ والعِقابَ ﴿حَمِيدٌ﴾ يُجازِي المُحْسِنَ أفْضَلَ الجَزاءِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَحْمُودًا ولا يَزالُ عَذَّبَ أوْ أثابَ. قالَ الحَرالِّيُّ: وهي صِيغَةُ مُبالَغَةٍ بِزِيادَةِ ياءٍ مِنَ الحَمْدِ الَّذِي هو سَواءُ أمْرِ اللَّهِ الَّذِي لا تَفاوُتَ فِيهِ مِن جِهَةِ إبْدائِهِ وافَقَ الأنْفُسَ أوْ خالَفَها.
2:268Page 45
ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٢٦٨
Satan threatens you with poverty and orders you to immorality, while Allāh promises you forgiveness from Him and bounty. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.
ولَمّا رَغَّبَ سُبْحانَهُ وتَعالى في الإنْفاقِ وخَتَمَ آياتِهِ بِما يَقْتَضِي الوَعْدَ مِن أصْدَقِ القائِلِينَ بِالغِنى والإثابَةِ في الدّارَيْنِ أتْبَعَهُ بِما لِلْعَدُوِّ الكاذِبِ مِن ضِدِّ ذَلِكَ فَقالَ مُحَذِّرًا مِنَ البُخْلِ - في جَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: هَذا ما لا يُشَكُّ فِيهِ فَما لِلنُّفُوسِ لا تُوجَدُ غالِبًا إلّا شَحِيحَةً بِالإنْفاقِ-: ﴿الشَّيْطانُ﴾ أيِ الَّذِي اسْمُهُ أسْوَأُ الأسْماءِ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي الهَلاكَ والبُعْدَ، وأحَدُ الوَصْفَيْنِ كافٍ في مُجانَبَتِهِ فَكَيْفَ إذا اجْتَمَعا! ﴿يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ المانِعَ مِنَ الإنْفاقِ. قالَ الحَرالِّيُّ: الَّذِي لِخَوْفِهِ تَقاطَعَ أهْلُ الدُّنْيا وتَدابَرُوا وحَرَصُوا وادَّخَرُوا. وكُلُّ ذَلِكَ لا يُزِيلُ الفَقْرَ، كُلُّ حَرِيصٍ فَقِيرٌ ولَوْ مَلَكَ الدُّنْيا، وكُلُّ مُقْتَنِعٍ غَنِيٌّ، ومِن حَقِّ مَن كانَ عَبْدًا لِغَنِيٍّ أنْ يَتَحَقَّقَ أنَّهُ غَنِيٌّ يُغْنِي سَيِّدَهُ، فَفي خَوْفِ الفَقْرِ إباقُ العَبْدِ عَنْ رَبِّهِ؛ والفَقْرُ فَقْدُ ما إلَيْهِ الحاجَةُ في وقْتٍ مِن قِيامِ المَرْءِ في ظاهِرِهِ وباطِنِهِ. انْتَهى.
﴿ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ المُبْطِلَةِ لَهُ مِنَ المَنِّ والأذى وغَيْرِهِما مِن مُسْتَلَذّاتِ الأنْفُسِ ورُبَّما كانَ فِيها إتْلافُ الأمْوالِ وإذْهابُ (p-٩٢)الأرْواحِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: وكُلُّ ما اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ اسْتِقْباحاتُ العَقْلِ والشَّرْعِ والطَّبْعِ فَهو فَحْشاءٌ، وأعْظَمُ مُرادٍ بِها هُنا البُخْلُ الَّذِي هو أدْوَأُ داءٍ، لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ الفَقْرِ، وعَلَيْهِ يَنْبَنِي شَرُّ الدُّنْيا والآخِرَةِ ويُلازِمُهُ الحِرْصُ ويُتابِعُهُ الحَسَدُ ويَتَلاحَقُ بِهِ الشَّرُّ كُلُّهُ [انْتَهى] وفِيهِ تَصَرُّفٌ.
ولَمّا ذَكَرَ ما لِلْعَدُوِّ مِنَ الشَّرِّ أتْبَعَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِما لَهُ مِنَ الخَيْرِ فَقالَ مُصَرِّحًا بِما تَقَدَّمَ التَّلْوِيحُ بِهِ:﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى والصِّفاتُ العُلى الرَّحِيمُ الوَدُودُ ﴿يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ﴾ لِما وقَعَ مِنكم مِن تَقْصِيرٍ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَقْدُرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ لِما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ بِصِفاتِ الكَمالِ ولِما جُبِلَ عَلَيْهِ الإنْسانُ مِنَ النَّقْصِ ﴿وفَضْلا﴾ بِالزِّيادَةِ في الدّارَيْنِ، وكُلُّ نِعْمَةٍ مِنهُ فَضْلٌ؛ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِكُلِّ كَمالٍ ﴿واسِعٌ﴾ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى [حَلِيمٍ] غَنِيٌّ، وأتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلِيمٌ﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يُضِيعُ شَيْئًا وإنْ دَقَّ. قالَ الحَرالِّيُّ: وفي إشْعارِهِ تَوْهِينٌ لِكَيْدِ الشَّيْطانِ ووَعْدٌ كَرِيمٌ لِلْمَفْتُونِ بِخَوْفِ الفَقْرِ وعَمَلِ الفَحْشاءِ لِما (p-٩٣)عَلِمَهُ مِن ضَعْفِ الأنْفُسِ وسُرْعَةِ قَبُولِها مِنَ الوَسْواسِ. انْتَهى. فَخَتَمَ آخِرَ آياتِ الأمْثالِ بِما خَتَمَ بِهِ أوَّلَها تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا.
2:269Page 45
يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢٦٩
He gives wisdom1 to whom He wills, and whoever has been given wisdom has certainly been given much good. And none will remember except those of understanding.
ولَمّا انْقَضى الكَلامُ في الإنْفاقِ والمالِ المُنْفَقِ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ تَصْرِيحًا وتَلْوِيحًا وخَتَمَ ذَلِكَ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ وتَضَمَّنَ ذَلِكَ مَعَ التَّصْرِيحِ بِأنَّهُ عَلِيمٌ أنَّهُ حَكِيمٌ أتْبَعَ ذَلِكَ الوَصْفَ بِأنَّ مِن سَعَتِهِ وعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ أنَّهُ يَهَبُ مِن صِفاتِهِ ما يَشاءُ لِمَن يَشاءُ بِأنْ يُؤْتِيَهُ الحِكْمَةَ فَيُوقِفَهُ عَلى عِلْمِ ما خَفِيَ مِن هَذِهِ الأمْثالِ المُتْقَنَةِ والأقْوالِ الحَسَنَةِ تَصْرِيحًا وتَلْوِيحًا ويُوَفِّقُهُ لِلْعَمَلِ بِذَلِكَ إنْشاءً وتَصْحِيحًا فَقالَ تَعالى مُنَبِّهًا عَلى تَرْجِيحِ العَمَلِ بِأمْرِ الرَّحْمَنِ وقَبُولِ وعْدِهِ بِأنَّهُ عَلى مُقْتَضى العَقْلِ والحِكْمَةِ وأنَّ أمْرَ الشَّيْطانِ ووَعْدَهُ عَلى وفْقِ الهَوى والشَّهْوَةِ: وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا أبْدى سُبْحانَهُ وتَعالى أمْرَ الآخِرَةِ وأظْهَرَ ما فِيها وبَيَّنَ أمْرَ الدُّنْيا مِنَ التَّرْتِيبِ والتَّسْبِيبِ ورَجْعِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ عَوْدًا عَلى بَدْءٍ أنْبَأ تَعالى أنَّ ذَلِكَ مِن حِكْمَتِهِ وأنْهى الحِكْمَةَ لِما فِيها مِنَ اسْتِيفاءِ حِكْمَةِ الدّارَيْنِ فَلَيْسَ الحَكِيمُ مَن عَلِمَ أمْرَ الدُّنْيا بَلْ مَن عَلِمَ (p-٩٤)أمْرَ ما بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ فَداوى أدْواءَ الدُّنْيا بِدَواءِ الآخِرَةِ وداوى النَّفْسَ بِدَواءِ الدّارَيْنِ وضَمَّ جَوامِعَها في تَيْسِيرِ الكَلِمِ كَما ضَمَّها لِمَنِ اصْطَفاهُ ﴿ذَلِكَ مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ﴾ [الإسراء: ٣٩] فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ﴾ انْتَهى. وفي تَرْتِيبِها عَلى واسِعٍ عَلِيمٍ بَعْدَ غَنِيٍّ حَمِيدٍ بَعْدَ عَزِيزٍ حَكِيمٍ التَّحْذِيرُ مِنَ التَّعْرِيضِ لِإنْفاقِ ما يَرُدُّهُ لِعِزَّتِهِ وغِناهُ وسَعَتِهِ ويَذُمُّ عَلَيْهِ لِعِلْمِهِ لِرَداءَتِهِ أوْ فَسادٍ في نِيَّتِهِ وإنْ خَفِيَ فَإنَّ ذَلِكَ خارِجٌ عَنْ مِنهاجِ الحِكْمَةِ مِنّا ومُقْتَضى الحِكْمَةِ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما وقَعَ لِقابِيلَ إذْ قَرَّبَ رَدِيئًا كَما هو مَشْهُورٌ في قِصَّتِهِ، ولَعَلَّهُ لَوَّحَ إلَيْهِ بِالتَّذَكُّرِ في خِتامِ هَذِهِ الآيَةِ ثُمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠] فَصارَ كَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ يُؤْتِي الحِكْمَةَ [وهِيَ العِلْمُ] بِالأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ المُزَيَّنُ بِالعَمَلِ والعَمَلُ المُتْقَنُ بِالعِلْمِ ﴿مَن يَشاءُ﴾ مِن عِبادِهِ، ثُمَّ مَدَحَ مَن حَلّاهُ بِها فَقالَ مُشِيرًا بِبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ إلى أنَّها مَقْصُودَةٌ في نَفْسِها: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ﴾ أيِ الَّتِي هي صِفَةٌ مِن صِفاتِهِ، وأشارَ بِالتَّعْرِيفِ إلى كَمالِها (p-٩٥)بِحَسَبِ ما تَحْتَمِلُهُ قُوى العَبِيدِ، والحِكْمَةُ قُوَّةٌ تَجْمَعُ أمْرَيْنِ: العِلْمَ المُطابِقَ وفِعْلَ العَدْلِ وهو العَمَلُ عَلى وفْقِ العِلْمِ. قالَ الأصْبَهانِيُّ: والقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ كَمالِ الإنْسانِ لَيْسَ إلّا هاتَيْنِ القُوَّتَيْنِ ﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ قالَ الحَرالِّيُّ ما مَعْناهُ: إنَّهُ نَكِرَةٌ لِما في الحِكْمَةِ مِنَ التَّسَبُّبِ الَّذِي فِيهِ كُلْفَةٌ ولَوْ يُسِّرَتْ فَكانَ الخَيْرُ الكَثِيرُ المُعَرَّفُ في الكَلِمَةِ لِما فِيها مِنَ اليُسْرِ والحِياطَةِ والإنالَةِ الَّذِي لا يُنالُ مِنهُ مَنالٌ بِسَبَبٍ وإنَّما هو فَضْلُهُ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ فَيَصِيرُ سُبْحانَهُ وتَعالى سَمْعَهُ وبَصَرَهُ. إلى آخِرِهِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّ ذَلِكَ الَّذِي أُوتِيَ الحِكْمَةَ يَصِيرُ ذا لُبٍّ فَيَتَأهَّلُ لِأنْ يَتَذَكَّرَ بِما يُلْقِيهِ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن كَلِمَتِهِ ما بَثَّ في الأنْفُسِ والآفاقِ مِن حِكْمَتِهِ وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿وما يَذَّكَّرُ﴾ أيْ بِكَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى حِكَمَهُ ﴿إلا أُولُو الألْبابِ﴾ (p-٩٦)أيْ أصْحابُ العُقُولِ الصّافِيَةِ عَنْ دَواعِي الهَوى المُنْبَعِثَةِ مِنَ التَّوَهُّماتِ الحاصِلَةِ عَنِ الوَسْوَسَةِ فَهم يَتَرَقَّوْنَ بِالتَّذَكُّرِ بِأنَّهم لا حَوْلَ لَهم عَنِ المُسَبِّباتِ إلى أسْبابِها إلى أنْ يَصِلُوا إلى مُسَبِّبِها فَيَعْرِفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ. وقالالحَرالِّيُّ: الَّذِينَ لَهم لُبُّ العَقْلِ الَّذِي يَنالُ لُبَّ الحِسِّ كَأنَّ الدُّنْيا قِشْرٌ تُنالُ بِظاهِرِ العَقْلِ، والآخِرَةَ لُبٌّ تُنالُ بِلُبِّ العَقْلِ ظاهِرًا لِظاهِرٍ وباطِنًا لِباطِنٍ، مَن تَذَكَّرَ ابْتِداءً مِنَ الابْتِداءاتِ السّابِقَةِ ورَدَ عَلَيْهِ فَضْلُ اللَّهِ مِنهُ، مَن رَجَعَ مِن حِسِّهِ إلى نَفْسِهِ تَنَشَّأتْ لَهُ أوْصافُ الفَضائِلِ النَّفْسانِيَّةِ وتَرَقّى عَمّا في مَحْسُوسِهِ مِنَ المَهاوِي الشَّهْوانِيَّةِ، ومَن تَخَلَّصَ مِن نَفْسِهِ إلى رُوحِهِ تَحَسَّسَ بِالوَصْلَةِ الرَّحْمانِيَّةِ والمَحَبَّةِ الرَّبّانِيَّةِ، كَذَلِكَ مَن تَرَقّى مِن رُوحِهِ إلى أمْرِهِ تَحَقَّقَ بِالإحاطَةِ الوَحْدانِيَّةِ، ومَنِ اسْتَبْطَنَ مِن أمْرِهِ إلى سِرِّهِ اجْتَمَعَ إلى الأوَّلِيَّةِ الفَرْدانِيَّةِ؛ فَهَذا التَّرْتِيبُ مِن كَمالاتِ هَذِهِ الحِكْمَةِ المُؤْتاةِ المُنَزَّلَةِ بِالوَحْيِ في هَذا الكِتابِ الجامِعِ لِنَبَإ ما سَبَقَ وخَبَرِ ما لَحِقَ وباطِنِ ما ظَهَرَ أنْهى تَعالى إلى ذِكْرِها أعْمالَ (p-٩٧)الخَلْقِ وخُصُوصًا في الجُودِ بِالمَوْجُودِ كَما أنْهى إقامَةَ مَبْنى الدِّينِ بِظُهُورِ وُجُودِهِ، فَأنْهى تَنْزِيلَ أمْرِهِ بِظُهُورِ وُجُودِهِ وأنْهى اسْتِخْلافَ عِبادِهِ بِالِانْتِهاءِ إلى مَدَدِ جُودِهِ، فَكانَ أعْلى الحِكْمَةِ الجُودُ [بِالمَوْجُودِ] فَبِذَلِكَ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ - اتَّصَلَ ذِكْرُ آيَةِ الحِكْمَةِ بِالإنْفاقِ نَظْمًا وبِآيَةِ الكُرْسِيِّ مُناظَرَةً. انْتَهى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences