Al-Biqa'iAl‑Baqarah · 2:26–29

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:26–29

2:26Page 5

۞ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٦

Indeed, Allāh is not timid to present an example - that of a mosquito or what is smaller1 than it. And those who have believed know that it is the truth from their Lord. But as for those who disbelieve, they say, "What did Allāh intend by this as an example?" He misleads many thereby and guides many thereby. And He misleads not except the defiantly disobedient,

ولَمّا ثَبَتَ بِعَجْزِهِمْ عَنِ المُعارَضَةِ أنَّ هَذا الكَلامَ كَلامُهُ سُبْحانَهُ؛ ثَبَتَ أنَّ ما فِيهِ مِنَ الأمْثالِ أقْوالُهُ فَهَدَّدَهم في هَذِهِ السُّورَةِ المَدَنِيَّةِ عَلى العِنادِ وتَلاهُ بِالآيَةِ الَّتِي أخْبَرَ فِيها بِأنَّ ثِمارَ الدُّنْيا وأزْواجَها وإنْ شابَهَتْ ما في الجَنَّةِ بِالِاسْمِ وبَعْضِ الشَّكْلِ فَقَدْ بايَنَتْهُ بِالطُّعُومِ والطَّهارَةِ وما لا يَعْلَمُهُ حَقَّ عِلْمِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى فاضْمَحَلَّتْ نِسْبَتُها إلَيْها، وكانَ في خَتْمِ الآيَةِ بِـ ”خالِدُونَ“ إشارَةٌ إلى أنَّ الأمْثالَ الَّتِي هي أحْسَنُ كَلامِ النّاسِ وإنْ شابَهَتْ أمْثالَهُ سُبْحانَهُ في الِاسْمِ ودَوامِ الذِّكْرِ فَلا نِسْبَةَ لَها إلَيْها لِجِهاتٍ لا تَخْفى عَلى المُنْصِفِ فَلَمْ يَبْقَ إلّا طَعْنُهم بِأنَّها لِكَوْنِها بِالأشْياءِ الحَقِيرَةِ لا تَلِيقُ بِكِبْرِيائِهِ فَبَيَّنَ حُسْنَها ووُجُوبَ الِاعْتِدادِ بِها وإنْعامَ النَّظَرِ فِيها بِالإشارَةِ بِعَدَمِ الِاسْتِحْياءِ مِن ضَرْبِها لِكَوْنِها حَقًّا إلى أنَّ الأشْياءَ كُلَّها وإنْ عَظُمَتْ حَقِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى جَلالِهِ وعَظَمَتِهِ وكَمالِهِ، فَلَوْ تَرَكَ التَّمْثِيلَ بِها لِذَلِكَ (p-١٩٩)لانْسَدَّ ذَلِكَ البابُ الَّذِي هو مِن أعْجَبِ العُجابِ فَقالَ تَعالى عَلى طَرِيقِ الِاسْتِنْتاجِ مِنَ المُقَدِّماتِ المُسَلَّماتِ وأكَّدَ سُبْحانَهُ دَفْعًا لِظَنِّ أنَّهُ يَتْرُكُ لِما لَبَّسُوا بِهِ الأمْثالَ الَّتِي هي أكْشَفُ شَيْءٍ لِلْأشْكالِ وأجْلى في جَمِيعِ الأحْوالِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا كانَتِ الدَّعْوَةُ تُحْوِجُ مَعَ المُتَوَقِّفِ فِيها (p-٢٠٠)والآبِي لَها إلى تَقْرِيبٍ لِلْفَهْمِ بِضَرْبِ الأمْثالِ وكانَتْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ جامِعَةَ الدَّعَواتِ وصَلَ بِها هَذِهِ الآيَةَ الجامِعَةَ لِإقامَةِ الحُجَّةِ في ضَرْبِ الأمْثالِ وأنَّ ذَلِكَ مِنَ الحَقِّ سُبْحانَهُ ﴿واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ولِيَخْتِمَ ذِكْرَ ما تَضَمَّنَهُ صَدْرُ السُّورَةِ مِنَ الحُرُوفِ الَّتِي أنْزَلَ عَلَيْها القُرْآنَ بِسابِعِها الَّذِي هو حَرْفُ المَثَلِ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّ مِقْدارَ الحِكْمَةِ الشّاهِدَ لِلْمُمَثِّلِ في البَعُوضَةِ وفِيما هو أظْهَرُ لِلْحِسِّ وآخُذُ في العِلْمِ. وإنَّما يَجِبُ الِالتِفاتُ لِلْقَدْرِ لا لِلْمِقْدارِ ولِوَقْعِ المَثَلِ عَلى مُمَثِّلِهِ قَلَّ أوْ جَلَّ دَنا أوْ عَلا فَتَنَزَّهَ تَعالى عَمّا يَجِدُهُ الخَلْقُ عِنْدَما يَنْشَأُ مِن بَواطِنِهِمْ وهْمُهم أنْ يُظْهِرُوا أمْرًا فَيَتَوَهَّمُونَ فِيهِ نَقْصًا فَيُرْجِعُهم ذَلِكَ عَنْ إظْهارِهِ قَوْلًا أوْ فِعْلًا. انْتَهى. فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ جَلالًا وعَظَمَةً (p-٢٠١)وكَمالًا ﴿لا يَسْتَحْيِي﴾ أيْ لا يَفْعَلُ ما يَفْعَلُهُ المُسْتَحِيِي مِن تَرْكِ ما يَسْتَحِيِي مِنهُ.

والحَياءُ قالَ الحَرالِّيُّ انْقِباضُ النَّفْسِ عَنْ عادَةِ انْبِساطِها في ظاهِرِ البَدَنِ لِمُواجَهَةِ ما تَراهُ نَقْصًا حَيْثُ يَتَعَذَّرُ عَلَيْها الفِرارُ بِالبَدَنِ. ”أنْ“ كَلِمَةٌ مَدْلُولُها مِمَّنْ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ حَقِيقَةُ باطِنِ مَن ذاتُهُ وعِلْمُهُ يَتَّصِلُ بِها ما يُظْهِرُها، وسِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ يَراها اسْمًا، وعامَّةُ النُّحاةِ لِانْعِجامِ مَعْناها عَلَيْهِمْ يَرَوْنَها حَرْفًا ﴿يَضْرِبَ﴾ مِن ضَرَبَ المَثَلَ وهو وقْعُ المَثَلِ عَلى المُمَثَّلِ، (p-٢٠٢)لِأنَّ أصْلَ الضَّرْبِ وقْعُ شَيْءٍ عَلى شَيْءٍ، والمَعْنى أنْ يُوجَدَ الضَّرْبُ مُتَجَدِّدًا مُسْتَمِرًّا وهَذا لا يُساوِيهِ أنْ يُقالَ مِن ضَرْبِهِ مَثَلًا، فَإنَّهُ يَصْدُقُ لِمَثَلٍ واحِدٍ سابِقٍ أوْ لاحِقٍ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ المَصْدَرَ لا يَقَعُ إلّا عَلى كَمالِ الحَقِيقَةِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى زَمانٍ ولا غَيْرِهِ وأمّا بِفِعْلٍ فَإنَّهُ يُفْهَمُ إيقاعُ الحَقِيقَةِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ أيْضًا إلى زَمانٍ، وبِفَهْمِها مَعَ النَّظَرِ إلى الزَّمانِ مَعَ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ ومَعَ كَمالِ الحَقِيقَةِ وقَبْلَ كَمالِها عِنْدَ الشُّرُوعِ فِيها وإلى هَذا القَيْدِ الأخِيرِ يُنْظَرُ قَوْلُ الحَرالِّيِّ: إنَّ الحَياءَ مِن أنْ يَضْرِبَ المَثَلَ اسْتِحْياءٌ مِن وقْعِهِ في الباطِنِ، والحَياءُ مِن ضَرْبِهِ المَثَلَ اسْتِحْياءٌ مِن إظْهارِهِ بِالقَوْلِ، فَنَفى الأصْلَ الأبْلَغَ الَّذِي بِنَفْيِهِ يَكُونُ نَفْيُ الضَّرْبِ أحَقَّ، فَلْيُراجَعْ هَذا المَعْنى مَعَ تَكْرارِ كَلِمَةِ ”إنْ“ فَإنَّها كَثِيرَةُ الدَّوْرِ في القُرْآنِ جَلِيلَةُ قَدْرِ المَعْنى في مَواقِعِها، وإنَّما يَجْرِي (p-٢٠٣)عَلى تَرْكِ الِالتِفاتِ إلى مَوْقِعِ مَعْناها ما يَقُولُهُ النُّحاةُ في مَعْنى التَّقْرِيبِ: إنَّ ”أنْ“ والفِعْلَ في مَعْنى المَصْدَرِ، والواجِبُ في الإعْرابِ والبَيانِ الإفْصاحُ عَنْ تَرَتُّبِ مَعانِيهِما، وعِنْدَ هَذا يَجِبُ أنْ تَكُونَ أنْ اسْمًا والفِعْلُ صِلَتُها نَحْوُ مَن وما ﴿مَثَلا ما﴾ ”مَثَلٌ“ أمْرٌ ظاهِرٌ لِلْحِسِّ ونَحْوِهِ، يُعْتَبَرُ بِهِ أمْرٌ خَفِيٌّ يُطابِقُهُ فَيَنْفَهِمُ مَعْناهُ بِاعْتِبارِهِ، و”ما“ في نَحْوِ هَذا المَوْقِعِ لِمَعْنى الِاسْتِغْراقِ، فَهي هُنا لِشُمُولِ الأدْنى والأعْلى مِنَ الأمْثالِ. انْتَهى.

ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَعُوضَةً﴾

وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ ضَرْبُ المَثَلِ مُتَعَلِّقًا بِمِثْلٍ ومُمَثَّلٍ كانَ الضَّرْبُ واقِعًا عَلَيْهِما، فَكانَ لِذَلِكَ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ: مَثَلًا ما، وبَعُوضَةً، والبَعُوضُ جِنْسٌ مَعْرُوفٌ مِن أدْنى الحَيَوانِ الطّائِرِ مِقْدارًا وفِيهِ اسْتِقْلالٌ وتَمامُ خِلْقَةٍ، يُشْعِرُ بِهِ مَعْنى البَعْضِ الَّذِي مِنهُ لَفْظُهُ، لِأنَّ البَعْضَ يُوجَدُ فِيهِ (p-٢٠٤)جَمِيعُ أجْزاءِ الكُلِّ فَهو بِذَلِكَ كُلٌّ،

﴿فَما فَوْقَها﴾ أيْ مِن مَعْنًى يَكُونُ أظْهَرَ مِنها، والفاءُ تَدُلُّ عَلى ارْتِباطٍ ما إمّا تَعْقِيبٌ واتِّصالٌ أوْ تَسْبِيبٌ، فَفِيهِ هُنا إعْلامٌ بِأقْرَبِ ما يَلِيهِ عَلى الِاتِّصالِ والتَّدْرِيجِ إلى أنْهى ما يَكُونُ. انْتَهى. والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ إنِ اعْتُبِرَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كانَ هو وأنْتُمْ وغَيْرُكم بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ في الحَقارَةِ، وإنِ اعْتُبِرَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْكم كانَ الفَرِيقانِ بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ في أنَّهُ خَلْقٌ حَقِيرٌ ضَعِيفٌ صَغِيرٌ مِن تُرابٍ، وأمّا شَرَفُ بَعْضِهِ عَلى بَعْضٍ فَإنَّما كانَ بِتَشْرِيفِ اللَّهِ لَهُ ولَوْ شاءَ لِعَكَسَ الحالَ.

ثُمَّ ذَكَرَ شَأْنَ قِسْمَيِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ بِقِسْمَيْ كُلٍّ مِنهم في قَبُولِ أمْثالِهِ فَقالَ مُؤَكِّدًا بِالتَّقْسِيمِ لِأنَّ حالَ كُلٍّ مِنَ القِسْمَيْنِ حالُ المُنْكِرِ لِما وقَعَ لِلْآخَرِ: ﴿فَأمّا﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: كَأنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن ”إنَّ“ (p-٢٠٥)دالَّةٌ عَلى باطِنِ ذاتٍ و”ما“ دالَّةٌ عَلى ظاهِرِ مُبْهَمٍ، يُؤْتى بِهِ لِلتَّقْسِيمِ. انْتَهى.

﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِما ذَكَرْنا أوَّلَ السُّورَةِ، ولَمّا تَضَمَّنَ ”أمّا“ مَعْنى الشَّرْطِ كَما فَسَّرَهُ سِيبَوَيْهِ بِمَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ أُجِيبَ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ﴾ أيْ ضَرْبُ المَثَلِ ﴿الحَقُّ﴾ كائِنًا ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بِجَمِيعِ أنْواعِ الإحْسانِ، وأنَّهُ ما أرادَ بِهِمْ إلّا تَرْبِيَتَهم بِالإحْسانِ بِضَرْبِهِ عَلى عَوائِدِ فَضْلِهِ، وأمّا أمْثالُ غَيْرِهِ فَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها نَوْعٌ مِنَ الباطِلِ فَلا بُدَّ فِيها مِن ضَرْبٍ مِنَ التَّسَمُّحِ تَكُونُ بِهِ غَيْرَ جَدِيرَةٍ باسِمِ الحَقِّ ولا عَرِيقَةَ فِيهِ.

قالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا كانَ الَّذِينَ آمَنُوا مِمَّنْ بادَرَ فَأجابَ وكانَ ضَرْبُ المَثَلِ تَأْكِيدَ دَعْوَةٍ ومَوْعِظَةٍ لِمَن حَصَلَ مِنهُ تَوَقُّفٌ حَصَلَ لِلَّذِينِ آمَنُوا اسْتِبْصارٌ بِنُورِ الإيمانِ في ضَرْبِ المَثَلِ، فَصارُوا عالِمِينَ بِمَوْقِعِ الحَقِّ فِيهِ، وكَما اسْتَبْصَرَ فِيهِ الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَغْلَقَ مَعْناهُ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا وجَهِلُوهُ (p-٢٠٦)فاسْتَفْهَمُوا عَنْهُ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ لِمَوْقِعِهِ. انْتَهى. فَلِذا قالَ ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيِ المُجاهِرُونَ مِنهم والمُساتِرُونَ ﴿فَيَقُولُونَ﴾ أيْ قَوْلًا مُسْتَمِرًّا ﴿ماذا﴾ أيِ الَّذِي ﴿أرادَ اللَّهُ﴾ الَّذِي هو أجَلُّ جَلِيلٍ ﴿بِهَذا﴾ الحَقِيرِ أيْ بِضَرْبِهِ لَهُ ﴿مَثَلا﴾ أيْ عَلى جِهَةِ المِثْلِيَّةِ اسْتِهْزاءً وجَهْلًا وعِنادًا وجَفاءً؛ ثُمَّ وصَلَ بِذَلِكَ ذِكْرَ ثَمَرَتِهِ عِنْدَ الفَرِيقَيْنِ جَوابًا لِسُؤالِ مَن سَألَ (p-٢٠٧)مِنهم فَقالَ: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ أيْ مِنهم بِأنْ لا يُفْهِمَهُمُ المُرادَ مِنهُ فَيَظُنُّونَ بِذَلِكَ الظُّنُونَ. وقالَ الحَرالِّيُّ: وكانَ إضْلالًا لَهم، لِأنَّ في ضَرْبِ المَثَلِ بِما يَسْبِقُ لَهُمُ اسْتِزْراؤُهُ بِنَحْوِ الذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ الَّذِي اسْتَزْرَوْا ضَرْبَ المَثَلِ بِهِ تَطْرِيقٌ لَهم إلى الجَهالَةِ فَكانَ ذَلِكَ إضْلالًا، وقَدَّمَ الجَوابَ بِالإضْلالِ لِأنَّهُ مُسْتَحَقُّ المُسْتَفْهِمِ، والإضْلالُ التَّطْرِيقُ لِلْخُرُوجِ عَنِ الطَّرِيقِ الجادَّةِ المُنْجِيَةِ. انْتَهى.

﴿ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ أيْ بِبَرَكَةِ اعْتِقادِهِمُ الخَيْرَ وتَسْلِيمِهِمْ لَهُ الأمْرَ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ فَيُفْهِمُهُمُ المُرادَ مِنهُ ويَشْرَحُ صُدُورَهم لِما فِيهِ مِنَ المَعارِفِ فَيَزِيدُهم بِهِ إيمانًا وطُمَأْنِينَةً وإيقانًا، والمَهْدِيُّونَ كَثِيرٌ في الواقِعِ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الضّالِّينَ. ولَمّا كانَ المَقامُ لِلتَّرْهِيبِ كَما مَضى في قَوْلِهِ: ﴿فاتَّقُوا النّارَ﴾ [البقرة: ٢٤] اكْتَفى في المُهْتَدِينَ بِما سَبَقَ مِن بَشارَتِهِمْ وقالَ في ذَمِّ القِسْمِ الآخَرِ وتَحْذِيرِهِ: ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلا﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: كَأنَّها مُرَكَّبَةٌ (p-٢٠٨)مِن ”إنْ“ و”لا“ مَدْلُولُها نَفْيُ حَقِيقَةِ ذاتٍ عَنْ حُكْمِ ما قَبْلَها. انْتَهى.

﴿الفاسِقِينَ﴾ أيِ الخارِجِينَ عَنِ العَدْلِ والخَيْرِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: الَّذِينَ خَرَجُوا عَنْ إحاطَةِ الِاسْتِبْصارِ وجِهاتِ تَلَقِّي الفِطْرَةِ والعَهْدِ المُوثَقِ وحُسْنِ الرِّعايَةِ، لِأنَّ الفِسْقَ خُرُوجٌ عَنْ مُحِيطٍ كالكِمامِ لِلثَّمَرَةِ والجُحْرِ لِلْفَأْرَةِ. انْتَهى.

2:27Page 5

ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٢٧

Who break the covenant of Allāh after contracting it and sever that which Allāh has ordered to be joined and cause corruption on earth. It is those who are the losers.

ثُمَّ بَيَّنَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ﴾ مِنَ النَّقْضِ وهو حَلُّ أجْزاءِ الشَّيْءِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ ﴿عَهْدَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي أخَذَهُ عَلَيْهِمْ عَلى ما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ بِما رَكَزَ فِيهِمْ مِنَ العُقُولِ ونَصَبَ لَهم مِنَ الدَّلائِلِ، والعَهْدُ التَّقَدُّمُ في الأمْرِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.

(p-٢٠٩)ولَمّا كانَ المُرادُ عَهْدًا خاصًّا وهو إرْسالُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أثْبَتَ الخَبَرَ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ أيْ بِدَلالَةِ الكُتُبِ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ مَعَ تَقْرِيبِهِ مِنَ الفِطَرِ وتَسْهِيلِهِ لِلنَّظَرِ، والوَثاقُ شِدَّةُ الرَّبْطِ وقُوَّةُ ما بِهِ يُرْبَطُ - قالَهُ الحَرالِّيُّ ﴿ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ، ولَمّا كانَ البَيانُ بَعْدَ الإجْمالِ أرْوَعَ لِلنَّفْسِ قالَ: ”بِهِ“ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ يُوصَلَ﴾ أيْ مِنَ الخَيْراتِ، قالَ الحَرالِّيُّ: والقَطْعُ الإبانَةُ في الشَّيْءِ الواحِدِ والوَصْلُ مَصِيرًا لِتَكْمِلَةٍ مَعَ المُكَمِّلِ شَيْئًا واحِدًا كالَّذِي يُشاهَدُ في إيصالِ الماءِ ونَحْوِهِ وهو إعْلامٌ بِأنَّهم يَقْطَعُونَ مُتَّصِلَ الفِطْرَةِ ونَحْوِها فَيَسْقُطُونَ عَنْ مُسْتَواها وقَدْ أمَرَ اللَّهُ أنْ يُوصَلَ بِمَزِيدِ عِلْمٍ يَتَّصِلُ بِها حَتّى يَصِلَ نَشْؤُها إلى أتَمِّ ما تَنْتَهِي إلَيْهِ، وكَذَلِكَ حالُهم في كُلِّ أمْرٍ (p-٢١٠)يَجِبُ أنْ يُوصَلَ فَيَأْتُونَ فِيما يَطْلُبُ فِيهِ الأمْرَ الأكْمَلَ بِضِدِّهِ الأنْقَصِ. انْتَهى.

﴿ويُفْسِدُونَ﴾؛ ولَمّا قَصَرَ الفِعْلَ لِيَكُونَ أعَمَّ قالَ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ بِالنُّكُوبِ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ. قالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَتِ الأرْضُ مَوْضُوعَةً لِلنَّشْءِ مِنها وفِيها ومَوْضِعَ ظُهُورِ عامَّةِ الصُّوَرِ الرّابِيَةِ اللّازِمَةِ الجِسْمِيَّةِ ومَحَلَّ تَنَشُّؤِ صُورَةِ النَّفْسِ بِالأعْمالِ والأخْلاقِ وكانَ الإفْسادُ نَقْضَ الصُّوَرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] كانَ فِعْلُهم فِيها مِن نَحْوِ (p-٢١١)فِعْلِهِمْ في وضْعِ الضِّدِّ السَّيِّئِ مَوْضِعَ ضِدِّهِ الأكْمَلِ والتَّقْصِيرُ بِما شَأْنُهُ التَّكْمِلَةُ فَكانَ إفْسادًا لِذَلِكَ. انْتَهى.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ فِعْلَ هَؤُلاءِ لِقَبِيحٌ جِدًّا فَما حالُهم ؟ قالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ الأباعِدُ مِنَ الصَّوابِ ﴿هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ قَصَرُوا الخُسْرانَ عَلَيْهِمْ، والخَسارَةُ النَّقْصُ فِيما شَأْنُهُ النَّماءُ، قالَهُ الحَرالِّيُّ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ هَذا نَتِيجَةُ ما مَضى مِن أوْصافِهِمْ. قالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ الخاسِرُ مَن كانَ عِنْدَهُ رَأْسُ مالٍ مُهَيَّأٍ لِلنَّماءِ والزِّيادَةِ فَنَقْصُهُ عَنْ سُوءِ تَدْبِيرٍ، وكانَ أمْرُهم في الأحْوالِ الثَّلاثِ المَنسُوقَةِ حالَ مَن نَقَصَ ما شَأْنُهُ (p-٢١٢)النَّماءُ كانُوا بِذَلِكَ خاسِرِينَ فَلِذَلِكَ انْخَتَمَتِ الآيَةُ بِهَذا؛ وأُشِيرَ إلَيْهِمْ بِأداةِ البُعْدِ لِوَضْعِهِمْ في أبْعَدِ المَواضِعِ عَنْ مَحَلِّ الخَيْرِ. انْتَهى.

2:28Page 5

كَيۡفَ تَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمۡ أَمۡوَٰتٗا فَأَحۡيَٰكُمۡۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٨

How can you disbelieve in Allāh when you were lifeless and He brought you to life; then He will cause you to die, then He will bring you [back] to life, and then to Him you will be returned.

ولَمّا دَعا سُبْحانَهُ إلى التَّوْحِيدِ ودَلَّ عَلَيْهِ وأنْذَرَ مَن أعْرَضَ وبَشَّرَ مَن أقْبَلَ وذَكَرَ حالَ الفَرِيقَيْنِ في قَبُولِ الأدِلَّةِ الَّتِي زُبْدَتُها الأمْثالُ وإبائِها التَفَتَ إلى تَبْكِيتِ المُدَبِّرِ لَعَلَّهُ يَسْتَبْصِرُ، واسْتَمَرَّ سُبْحانَهُ في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ حَتّى قامَتْ قِيامَ الأعْلامِ ونَفَذَتْ نُفُوذَ السِّهامِ حَتّى تَخَلَّلَتْ صَمِيمَ العِظامِ لَقَدْ ظَهَرَتْ فَلا تَخْفى عَلى أحَدٍ إلّا عَلى أكْمَهَ لا يُبْصِرُ القَمَرَ في أُسْلُوبٍ مُشِيرًا إلى البَعْثِ مُنَبِّهٍ عَلى التَّخَلُّصِ مِنَ الخَسارَةِ، وما أبْدَعَ افْتِتاحَ ذَلِكَ عَقِبَ ”الخاسِرِينَ“ بِقَوْلِهِ عَلى طَرِيقِ التِفاتِ المُغْضَبِ المُسْتَعْطِفِ المُعْجَبِ ! ﴿كَيْفَ﴾ (p-٢١٣)وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا تَقَدَّمَتِ الدَّعْوَةُ لِلنّاسِ فَأجابَ مُبادِرٌ وتَوَقَّفَ مُتَوَقِّفٌ فَضُرِبَتِ الأمْثالُ فاسْتَدْرَكَ وآمَنَ وتَمادى مُتَمادٍ عَلى كُفْرِهِ صَرَفَ وجْهَ الخِطابِ عَنِ المُواجَهَةِ مِنَ الحَقِّ تَعالى وأجْرى عَلى لِسانِ لُؤْمٍ وإنْكارٍ، فَجاءَ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِإيضاحِ انْقِطاعِ العُذْرِ في التَّمادِي عَلى الكُفْرِ، وجاءَ بِلَفْظِ كَيْفَ لِقُصُورِ نَظَرِهِمْ عَلى الكَيْفِيّاتِ المَحْسُوسَةِ فَإنَّ كَيْفَ كَلِمَةٌ مَدْلُولُها اسْتِفْهامٌ عَنْ عُمُومِ الأحْوالِ الَّتِي شَأْنُها أنْ تُدْرَكَ بِالحَواسِّ، فَكَأنَّهُ يُقالُ لَهم بِمُدْرِكٍ: أيُّ حاسَّةٍ تَمادَيْتُمْ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ ؟ عَلى ما تَقْتَضِيهِ صِيغَةُ الفِعْلِ الدّائِمِ في ﴿تَكْفُرُونَ﴾ انْتَهى.

وقالَ: ”بِاللَّهِ“ أيْ مَعَ ظُهُورِ عَظَمَتِهِ وعُلُوِّهِ، والإنْكارُ المُوجِبُ لِنَفْيِ المُنْكَرِ، كَما في قَوْلِكَ: أتَطِيرُ بِغَيْرِ جَناحٍ، يُفِيدُ أنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الكُفْرُ في حَيِّزِ المُمْتَنِعِ لِما عَلى بُطْلانِهِ وصِحَّةِ التَّوْحِيدِ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي تَفُوتُ الحَصْرَ، وإنْكارُ حالِهِ إنْكارٌ لِوُجُودِهِ عَلى طَرِيقِ البُرْهانِ، لِأنَّهُ إذا امْتَنَعَ أنْ يُوجَدَ في حالٍ (p-٢١٤)مِنَ الأحْوالِ امْتَنَعَ وُجُودُهُ مُطْلَقًا.

قالَ الحَرالِّيُّ: وأعْلى هَذا الخِطابَ فَأبْعَدُوا عَنْ تَيْسِيرِهِ بِذِكْرِ اسْمِ ”اللَّهِ“ لَمّا لَمْ يَكُونُوا مِن أهْلِ قَبُولِ التَّنَزُّلِ بِدَعْوى اسْمِ الرُّبُوبِيَّةِ حَيْثُ لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ أجابَ مُبادِرًا ولا تالِيًا حَسْبَما تُشْعِرُ بِهِ آيَةُ تَحْقِيقِ ضَرْبِ الأمْثالِ. ولَمّا جَرى هَذا الخِطابُ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ أعْقَبَ بِذِكْرِ الأفْعالِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي هي غاياتٌ مِنَ المَوْتِ والإحْياءِ المَعْرُوفِ اللَّذَيْنِ لا يُنْكِرُ الكُفّارُ أمْرَهُما. انْتَهى.

﴿وكُنْتُمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّكم تَعْلَمُونَ أنَّكم كُنْتُمْ ﴿أمْواتًا﴾ بَلْ مَواتًا تُرابًا ثُمَّ نُطَفًا. قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ المَوْتِ وهو حالُ خَفاءٍ وغَيْبٍ يُضافُ إلى ظاهِرِ عالَمٍ يَتَأخَّرُ عَنْهُ أوْ يَتَقَدَّمُهُ تَفَقُّدٌ فِيهِ خَواصُّ ذَلِكَ الظُّهُورِ الظّاهِرَةِ. انْتَهى. وإطْلاقُ المَوْتِ عَلى ما لَمْ تَحُلَّهُ حَياةٌ مَجازٌ، وسِرُّ التَّعْبِيرِ بِهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ أكْثَرُ ما تَكُونُ الإعادَةُ الَّتِي يُنْكِرُونَها مِثْلَ الِابْتِداءِ، فَلا وجْهَ أصْلًا لِإنْكارِها مَعَ الِاعْتِرافِ بِالِابْتِداءِ. فَكَيْفَ والإعادَةُ دُونَهُ ﴿فَأحْياكُمْ﴾ فَصِرْتُمْ ذَوِي حِسٍّ وبَطْشٍ وعَقْلٍ. قالَ (p-٢١٥)الحَرالِّيُّ: وجاءَ بِالفاءِ المُشْعِرَةِ بِالتَّعْقِيبِ لَمّا لَمْ يَكُنْ لَهم مَعْرِفَةٌ بِمَهْلِ المَوْتِ الَّذِي قَبْلَ حَياةِ الوِلادَةِ، والحَياةُ تَكامُلٌ في ذاتٍ ما أدْناهُ حَياةُ النَّباتِ بِالنُّمُوِّ والِاهْتِزازِ مَعَ انْغِراسِهِ إلى حَياةِ ما يَدِبُّ بِحَرَكَتِهِ وحِسِّهِ إلى غايَةِ حَياةِ الإنْسانِ في تَصَرُّفِهِ وتَصْرِيفِهِ إلى ما وراءَ ذَلِكَ مِنَ التَّكامُلِ. انْتَهى.

﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ بَعْدَ مَدِّ الأعْمارِ والتَّقْلِيبِ في الأطْوارِ فَإذا أنْتُمْ أجْسادٌ كالفَخّارِ كَأنَّهُ لَمْ تَحِلَّ بِها حَياةٌ ساعَةً قَطُّ، وبُدِّلْتُمْ بَعْدَ الأُنْسِ بِكُمُ الوَحْشَةَ، وإثْرَ مَحَبَّةِ القُرْبِ مِنكُمُ النَّفْرَةَ؛ وتَمْثِيلُ المَوْتِ بِما نَعْهَدُهُ أنَّ طَلَبَ المَلِكِ كَما أنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ مِنَ الرَّوْعِ ما يَكادُ يُتْلِفُ ورُبَّما أتْلَفَ كانَ طَلَبُ مَلِكِ المُلُوكِ مُوجِبًا لِلْمَوْتِ. قالَ الحَرالِّيُّ: وهَذِهِ الأحْوالُ الثَّلاثَةُ أيِ المَوْتُ المُعَبَّرُ بِهِ عَنِ العَدَمِ ثُمَّ الحَياةُ ثُمَّ المَوْتُ مَعْرُوفَةٌ لَهم لا يُمْكِنُهم إنْكارُها، وإذا صَحَّ مِنهُمُ الإقْرارُ بِحَياةِ مَوْتٍ لَزِمَهُمُ الإقْرارُ بِحَياةِ مَوْتٍ آخَرَ لِوُجُوبِ الحُكْمِ بِصِحَّةِ وُجُودِ ما قَدْ سَبَقَ مِثْلُهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ (p-٢١٦)بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] ولَدُنْ ذَلِكَ مِنَ العِلْمِ أنَّ المَوْتَ والحَياةَ مُزْدَوِجانِ مُتَضايِفانِ، وإذا اسْتَوْفى المَوْتَ الأوَّلَ إحْياؤُهُ فَلا بُدَّ مِنِ اسْتِيفاءِ المَوْتِ الثّانِي إحْياؤُهُ أيْضًا، لِأنَّهُ لَوْلا اسْتِقْبالُ الحَياةِ لَما كانَ مَوْتًا بَلْ بَطْلًا وفَقْدًا واضْمِحْلالًا، لِأنَّ حَقِيقَةَ المَوْتِ حالُ غَيْبٍ بَيْنَ يَدَيْهِ ظُهُورٌ، والحَياةُ نِهايَةٌ ثابِتَةٌ، والمَوْتُ مَبْدَأُ غَيْبٍ زائِلٍ، فَجِنْسُ المَوْتِ كُلِّهِ مُتَقَضٍّ ونِهايَةٌ، والحَياةُ ثابِتَةٌ دائِمَةٌ؛ ولِذَلِكَ ورَدَ ما صَحَّ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في أنَّ المَوْتَ يُذْبَحُ، إعْلامٌ بِانْقِضاءِ جِنْسِهِ وثَباتِ الحَياةِ، ولِذَلِكَ قُدِّمَ في الذِّكْرِ وأُعْقِبَ بِالحَياةِ حَيْثُ اسْتَغْرَقَتْهُما كَلِمَةُ ”ألْ“ في (p-٢١٧)قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ٢] وثَبَتَ الخِطابُ عَلى إقْرارِ الحَياةِ والكَمالِ، كَما ورَدَ عَنْهُ ﷺ في قَوْلِهِ: «نَعِيمُ الجَنَّةِ لا آخِرَ لَهُ»، فَوَجَبَ بِظاهِرِ ما أحَسَّهُ الكُفّارُ وباطِنِ ما اقْتَضاهُ هَذا النَّحْوُ مِنَ العِلْمِ دُونَهُ انْتِشارُ حَياةٍ ثانِيَةٍ بَعْدَ مِيتَةِ الدُّنْيا. انْتَهى.

ولَمّا كانَ عَلى البَعْثِ والحَشْرِ مِنَ الأدِلَّةِ ما جَعَلَهُما كالمَحْسُوسَيْنِ عَدَّهُما في حَيِّزِ المَعْلُومِ لَهم كالإحْياءِ الأوَّلِ والمَوْتِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ فَيَنْشُرُكم بَعْدَ طَيِّكم ويَبْعَثُكم بَعْدَ حَبْسِكم في البَرْزَخِ، فَتَكُونُونَ كَما كُنْتُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ ذَوِي قُدْرَةٍ عَلى الِانْتِشارِ بِتِلْكَ القُدْرَةِ الَّتِي ابْتَدَأكم بِها وأماتَكم، (p-٢١٨)وهَذا لا يَنْفِي أنْ يَكُونَ لَهم في البَرْزَخِ إحْساسٌ بِدُونِ هَذِهِ الهَيْئَةِ الكامِلَةِ،

﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فَيَحْشُرُكم بَعْدَ طُولِ الوُقُوفِ لِلْجَزاءِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ؛ وفي هَذا كَما قالَ الحَرالِّيُّ: إعْلامٌ بِأنَّهم إنْ لَمْ يَرْجِعُوا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ بِداعِي العِلْمِ في الدُّنْيا فَبَعْدَ مَهْلٍ مِنَ الإحْياءِ الثّانِي يَرْجِعُونَ إلَيْهِ قَهْرًا حَيْثُ يُشاهِدُونَ انْقِطاعَ أسْبابِهِمْ مِمَّنْ تَعَلَّقُوا بِهِ ويَتَبَرَّأُ مِنهم ما عَبَدُوهُ مِن دُونِ اللَّهِ، وإنَّما جاءَ هَذا المَهْلُ بَعْدَ البَعْثِ لِما يَبْقى لَهم مِنَ الطَّمَعِ في شُرَكائِهِمْ حَيْثُ يَدْعُونَهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم، فَحِينَئِذٍ يَضْطَرُّهُمُ انْقِطاعُ أسْبابِهِمْ إلى الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ فَيَرْجِعُونَ قَسْرًا وسَوْقًا فَحِينَئِذٍ يَجْزِيهِمْ بِما كَسَبُوا في دُنْياهم، كَما قالَ تَعالى في خِطابٍ يَعُمُّ كافَّةَ أهْلِ الجَزاءِ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١] وهَذا آخِرُ خِطابِ الإقْبالِ عَلَيْهِمْ مِن دَعْوَةِ اللَّهِ لَهم ولِسانِ النَّكِيرِ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ كانَتْ آيَةُ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] آخِرَ آيَةٍ أُنْزِلَتْ في القُرْآنِ، لِأنَّها نِهايَةٌ لَيْسَ وراءَهُ قَوْلٌ يَعُمُّ أهْلَ الجَزاءِ؛ والرَّجْعُ عَوْدُ (p-٢١٩)الشَّيْءِ عِنْدَ انْتِهاءِ غايَتِهِ إلى مَبْدَئِها. انْتَهى.

2:29Page 5

هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٢٩

It is He who created for you all of that which is on the earth. Then He directed Himself1 to the heaven, [His being above all creation], and made them seven heavens, and He is Knowing of all things.

ولَمّا أجْمَلَ سُبْحانَهُ في أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ أوَّلَ أمْرِهِمْ وأوْسَطَهُ وآخِرَهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّهُ مُنَبِّهٌ عَلى أنَّ الكُفْرَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مِن قَبِيلِ المُمْتَنِعِ لِما عَلَيْهِ مِن باهِرِ الأدِلَّةِ شَرَعَ يُفَصِّلُهُ عَلى وجْهٍ داعٍ لَهم إلى جَنابِهِ بِالِامْتِنانِ بِأنْواعِ الإحْسانِ بِأمْرٍ أعْلى في إفادَةِ المَقْصُودِ مِمّا قَبْلَهُ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في التَّرَقِّي مِنَ العالِي إلى الأعْلى فَساقَ سُبْحانَهُ ابْتِداءَ الخَلْقِ الَّذِي هو مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ مَساقَ الإنْعامِ عَلى عِبادِهِ بِما فِيهِ مِن مَنافِعِهِمْ لِيَكُونَ داعِيًا إلى تَوْحِيدِهِ مِن وجْهَيْنِ: كَوْنُهُ دالًّا (p-٢٢٠)عَلى عَظَمَةٍ مُؤَثِّرَةٍ وكَمالِ قُدْرَتِهِ، وكَوْنِهِ إحْسانًا إلى عِبادِهِ ولُطْفًا بِهِمْ، وقَدْ جُبِلَتِ القُلُوبُ عَلى حُبِّ مَن أحْسَنَ إلَيْها فَقالَ: ﴿هُوَ﴾، قالَ الحَرالِّيُّ: وهي كَلِمَةٌ مَدْلُولُها العَلِيُّ غَيْبُ الإلَهِيَّةِ القائِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ الَّذِي لا يَظْهَرُ لِشَيْءٍ، فَذاتُهُ أبَدًا غَيْبٌ، وظاهِرُهُ الأسْماءُ المُظْهَرَةُ مِن عُلُوِّ إحاطَةِ اسْمِ اللَّهِ إلى تَنَزُّلِ اسْمِ المَلِكِ، فَما بَيْنَهُما مِنَ الأسْماءِ المُظْهَرَةِ، ثُمَّ قالَ: لَمّا انْتَهى الخِطابُ بِذِكْرِ إرْجاعِهِمْ إلى اللَّهِ وكانَ هَذا خِطابًا خاصًّا مَعَ المُتَمادِي عَلى كُفْرِهِ اتَّبَعَ عِنْدَ إعْراضِهِ وإدْبارِهِ بِهَذا الحَتْمِ تَهْدِيدًا رَمى بِهِ بَيْنَ أكْتافِهِمْ وتَسْبِيبًا نِيطَ بِهِمْ ومُدَّ لَهم كالمُرَخّى لَهُ في السَّبَبِ الَّذِي يُرادُ (p-٢٢١)أنْ يُجْذَبَ بِهِ، إمّا بِأنْ يَتَدارَكَهُ لُطْفٌ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ طَوْعًا، أوْ يُرادُ بِهِ قَسْرًا عِنْدَ انْتِهاءِ مَدى إدْبارِهِ، وانْتَظَمَ بِهِ خَتْمُ آيَةِ الدَّعْوَةِ بِنَحْوٍ مَنِ ابْتِدائِها، إلّا أنَّ هَذِهِ عَلى نِهايَةِ الِاقْتِطاعِ بَيْنَ طَرَفَيْها وتِلْكَ عَلى أظْهَرِ الِاتِّساقِ؛ فَأُبْعِدُوا في هَذِهِ كَلَّ البُعْدِ بِإسْنادِ الأمْرِ إلى اسْمٍ هو الَّذِي هو غَيْبٌ اسْمُ اللَّهِ وأُسْنِدَ إلَيْهِ خَلْقُ ما خُلِقَ لَهم في الأرْضِ الَّذِي هو أظْهَرُ شَيْءٍ لِلْحِسِّ. انْتَهى.

﴿الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ﴾ دِينًا ودُنْيا لُطْفًا بِكم ﴿ما في الأرْضِ﴾ أيْ بَعْدَ أنْ سَوّاهُنَّ سَبْعًا، قالَ الحَرالِّيُّ: وقَوْلُهُ: ﴿جَمِيعًا﴾ إعْلامٌ بِأنَّ حاجَةَ الإنْسانِ لا تَقُومُ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ وإنَّما تَقُومُ بِكُلِّيَّةِ ما في الأرْضِ حَتّى لَوْ بَطَلَ مِنها شَيْءٌ تَداعى سائِرُها. انْتَهى. والآيَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأصْلَ في الأشْياءِ الإباحَةُ، فَلا يُمْنَعُ شَيْءٌ إلّا بِدَلِيلٍ.

(p-٢٢٢)ولَمّا كانَتِ السَّماءُ أشْرَفَ مِن جِهَةِ العُلُوِّ الَّذِي لا يُرامُ، والجَوْهَرِ البالِغِ في الإحْكامِ، والزِّينَةِ البَدِيعَةِ النِّظامِ، المَبْنِيَّةِ عَلى المَصالِحِ الجِسامِ، وكَثْرَةِ المَنافِعِ والأعْلامِ؛ عَبَّرَ في أمْرِها بِثُمَّ فَقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ أيْ وشَرَّفَ عَلى ذَلِكَ جِهَةَ العُلُوِّ بِنَفْسِ الجِهَةِ والحُسْنِ والطَّهارَةِ وكَثْرَةِ المَنافِعِ، ثُمَّ عَلَّقَ إرادَتَهُ ومَشِيئَتَهُ بِتَسْوِيَتِها مِن غَيْرِ أدْنى عُدُولٍ ونَظَرٍ إلى غَيْرِها، وفَخَّمَ أمْرَها بِالإبْهامِ ثُمَّ التَّفْسِيرِ، والإفْرادِ الصّالِحِ لِجِهَةِ العُلُوِّ (p-٢٢٣)تَنْبِيهًا عَلى الشَّرَفِ، ولِلْجِنْسِ الصّالِحِ لِلْكَثْرَةِ، ولِذَلِكَ أعادَ الضَّمِيرَ جَمْعًا، فَكانَ خَلْقُ الأرْضِ وتَهْيِئَتُها لِما يُرادُ مِنها قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ، ودَحْوُها بَعْدَ خَلْقِ السَّماءِ؛ عَلى أنَّ ثُمَّ لِلتَّعْظِيمِ لا لِلتَّرْتِيبِ فَلا إشْكالَ، وتَقْدِيمُ الأرْضِ هُنا لِأنَّها أدَلُّ لِشِدَّةِ المُلابَسَةِ والمُباشَرَةِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: أعْلى الخِطابَ بِذِكْرِ الِاسْتِواءِ إلى السَّماءِ الَّذِي هو مَوْضِعُ التَّخَوُّفِ لَهم لِنُزُولِ المُخَوِّفاتِ مِنهُ عَلَيْهِمْ فَقِيلَ لَهم: هَذا المَحَلُّ الَّذِي تَخافُونَ مِنهُ هو اسْتَوى إلَيْهِ، ومَجْرى لَفْظِ الِاسْتِواءِ في الرُّتْبَةِ والمَكانَةِ أحَقُّ بِمَعْناهُ مِن مَوْقِعِهِ في المَكانِ والشَّهادَةِ؛ وبِالجُمْلَةِ فالأحَقُّ بِمَجْرى الكَلِمِ وُقُوعُها نَبَأً عَنِ الأوَّلِ الحَقِّ، ثُمَّ وُقُوعُها نَبَأً عَمّا في أمْرِهِ ومَلَكُوتِهِ، ثُمَّ وُقُوعُها نَبَأً عَمّا في مِلْكِهِ وإشْهادِهِ؛ فَلِذَلِكَ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ لا تَصْلُحُ أنْ تُخْتَصَّ بِالمَحْسُوساتِ البادِيَةِ في المُلْكِ دُونَ الحَقائِقِ الَّتِي مِن ورائِها مِن عالَمِ المَلَكُوتِ، وما بِهِ ظَهَرَ المُلْكُ والمَلَكُوتُ مِن نَبَأِ اللَّهِ عَنْ نَفْسِهِ مِنَ الِاسْتِواءِ ونَحْوِهِ في نَبَأِ اللَّهِ عَنْ نَفْسِهِ أحَقُّ (p-٢٢٤)حَقِيقَةٍ، ثُمَّ النَّبَأُ بِهِ عَنِ الرُّوحِ مَثَلًا واسْتِوائِها عَلى الجِسْمِ ثُمَّ عَلى الرَّأْسِ مَثَلًا واسْتِوائِهِ عَلى الجُثَّةِ فَلَيْسَ تَسْتَحِقُّ الظَّواهِرُ حَقائِقَ الألْفاظِ عَلى بَواطِنِها بَلْ كانَتِ البَواطِنُ أحَقَّ بِاسْتِحْقاقِ الألْفاظِ؛ وبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ كَثِيرٌ مِن لَبْسِ الخِطابِ عَلى المُقْتَصِرِينَ بِحَقائِقِ الألْفاظِ عَلى مَحْسُوساتِهِمْ ﴿فَسَوّاهُنَّ﴾ التَّسْوِيَةُ إعْطاءُ أجْزاءِ الشَّيْءِ حَظَّهُ لِكَمالِ صُورَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ أعْطى لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ حَظَّها ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ [فصلت: ١٢] انْتَهى. وخَلَقَ جَمِيعَ ما فِيها لَكم، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ؛ (p-٢٢٥)حَذَفَ أوَّلًا كَوْنَ الأراضِي سَبْعًا لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، وثانِيًا كَوْنُ ما في السَّماءِ لَنا لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ؛ وهو فَنٌّ عَزِيزٌ نَفِيسٌ وقَدْ جَمَعْتُ فِيهِ كِتابًا حَسَنًا ذَكَرْتُ فِيهِ تَعْرِيفَهُ ومَأْخَذَهُ مِنَ اللُّغَةِ وما حَضَرَنِي مِن أمْثِلَتِهِ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ وكَلامِ الفُقَهاءِ وسَمَّيْتُهُ ”الإدْراكَ لِفَنِّ الِاحْتِباكِ“ .

ولَمّا كانَ الخَلْقُ عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ دالًّا بِالبَدِيهَةِ عَلى أتَمِّ قُدْرَةٍ لِصانِعِهِ وكانَ العِلْمُ بِأنَّ مَبْنى ذَلِكَ عَلى العِلْمِ مُحْتاجًا إلى تَأمُّلٍ اغْتَنى في مَقْطَعِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском