Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:270–274
2:270Page 46
وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوۡ نَذَرۡتُم مِّن نَّذۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُهُۥۗ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٍ ٢٧٠
And whatever you spend of expenditures or make of vows - indeed, Allāh knows of it. And for the wrongdoers there are no helpers.
ولَمّا كانَ السِّياقُ سابِقًا ولاحِقًا لِلْإنْفاقِ عُلِمَ أنَّ التَّقْدِيرَ: فَما جَمَعْتُمْ مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللَّهَ مُطالِبُكم في وضْعِهِ وجَمْعِهِ بِوَجْهِ الحِكْمَةِ ومُحاسِبُكم عَلى ذَلِكَ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ حَثًّا عَلى الإسْرارِ بِالنَّفَقَةِ في الخَيْرِ والوَفاءِ بِالنَّذْرِ وتَحْذِيرًا مِنَ الإنْفاقِ في المَعْصِيَةِ ولَوْ عَلى أدَقِّ الوُجُوهِ بِأنَّهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ كُلَّهُ ويُجازِي عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ﴾ أيْ في وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَدَخَلَ فِيهِ جَمِيعُ التَّوَسُّعاتِ المَشْرُوعاتِ عِنْدَ النِّكاحِ والخِتانِ والوِلادَةِ واتِّخاذِ المَسْكَنِ وفي الدَّعَواتِ لِلْإخْوانِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ كَثِيرًا ما يَخْشى فَواتَ أمْرٍ فَيَنْذُرُ إنْ حَصَلَ بِنَفَقَةٍ في وجْهِ خَيْرٍ ونَحْوِ ذَلِكَ ولَكِنْ رُبَّما ظَنَّ أنَّ التَّرْغِيبَ في الإنْفاقِ خاصٌّ بِما نَدَبَ اللَّهُ إلَيْهِ ابْتِداءً لا بِما ألْزَمَهُ الإنْسانُ نَفْسَهُ (p-٩٨)[قالَ] ﴿أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ﴾ وإدْخالُ مِن لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ. قالَ الحَرالِّيُّ: والنَّذْرُ إبْرامُ العِدَةِ بِخَيْرٍ يُسْتَقْبَلُ فِعْلُهُ أوْ يُرْتَقَبُ لَهُ ما يَلْتَزِمُ بِهِ وهو أدْنى الإنْفاقِ لا سِيَّما إذا كانَ عَلى وجْهِ الِاشْتِراطِ، قالَ ﷺ: ”إنَّما يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ“ انْتَهى.
﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ عَظَّمَ الأمْرَ بِهَذا الِاسْمِ الأعْظَمِ ﴿يَعْلَمُهُ﴾ ذَكَرَ الضَّمِيرَ لِأنَّهُ مَعَ وُضُوحِ عَوْدِهِ إلى المُتَقَدِّمِ أشَدُّ تَعْظِيمًا لِلنَّذْرِ لِما قَدْ يُتَوَهَّمُ فِيهِ مِنَ النَّقْصِ عَنْ مَندُوبِ الشَّرْعِ فَتَحَرَّوْا في طِيبِ ذَلِكَ والوَفاءِ بِهِ وجَمِيعِ ما يَدْخُلُ فِيهِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي تَحَرِّي مَن يَطْلُبُ إرْضاءَ مَلِكٍ عَظِيمٍ بِما يُهْدِي إلَيْهِ ويَعْرِضُهُ عَلَيْهِ، فَما تَصَرَّفْتُمْ فِيهِ بِالحِكْمَةِ مِن إنْفاقٍ أوْ غَيْرِهِ فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يُجازِيكم عَلَيْهِ عَلى حَسَبِ ما ذَكَرَ لَكم مِنَ التَّضْعِيفِ، ومَن فَعَلَ مِنكم شَيْئًا [مِنهُ] عَلى غَيْرِ وجْهِ الحِكْمَةِ فَهو ظالِمٌ واضِعٌ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَهو مَرْدُودٌ عَلَيْهِ ومُعاقَبٌ بِهِ وما لَهُ مِن ناصِرٍ، هَكَذا كانَ الأصْلُ ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمَّ وعَلَّقَ الحُكْمَ بِالوَصْفِ فَقالَ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ﴾ أيِ الواضِعِينَ لِلشَّيْءِ في (p-٩٩)غَيْرِ مَوْضِعِهِ ﴿مِن أنْصارٍ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: فَفي إفْهامِهِ أنَّ اللَّهَ آخِذٌ بِيَدِ السَّخِيِّ وبِيَدِ الكَرِيمِ كُلَّما عَثَرَ فَيَجِدُ لَهُ نَصِيرًا ولا يَجِدُ الظّالِمُ بِوَضْعِ القَهْرِ مَوْضِعَ البِرِّ ناصِرًا، وفِيهِ اسْتِغْراقُ نَفْيٍ بِما تُعْرِبُ عَنْهُ كَلِمَةُ ”مِن“. انْتَهى.
2:271Page 46
إِن تُبۡدُواْ ٱلصَّدَقَٰتِ فَنِعِمَّا هِيَۖ وَإِن تُخۡفُوهَا وَتُؤۡتُوهَا ٱلۡفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّـَٔاتِكُمۡۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٢٧١
If you disclose your charitable expenditures, they are good; but if you conceal them and give them to the poor, it is better for you, and He will remove from you some of your misdeeds [thereby]. And Allāh, of what you do, is [fully] Aware.
ولَمّا كانَ حالُ الإنْفاقِ المَحْثُوثِ عَلَيْهِ يَخْتَلِفُ بِالسِّرِّ والجَهْرِ فَكانَ مِمّا يُسْألُ عَنْهُ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى حاثًّا عَلى الصَّدَقَةِ في كِلْتا الحالَتَيْنِ مَعَ تَرْجِيحِ الإسْرارِ لِما فِيهِ مِنَ البُعْدِ عَنِ الرِّياءِ: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ﴾ أيِ المُتَطَوَّعَ بِها، قالَ الحَرالِّيُّ: وهي مِن أدْنى النَّفَقَةِ ولِذَلِكَ لا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ ولا لِآلِ مُحَمَّدٍ لِأنَّها طُهْرَةٌ وغَسُولٌ يَعافُها أهْلُ الرُّتْبَةِ [العَلِيَّةِ] والِاصْطِفاءِ، وقالَ: والهَدِيَّةُ أجَلُّ حَقِّ المالِ لِأنَّها لِمَن فَوْقَ رُتْبَةِ المُهْدِي والهِبَةُ لِأنَّها لِلْمِثْلِ ﴿فَنِعِمّا هِيَ﴾ فَجَمَعَ لَها الأمْداحَ المُبْهَمَةَ لِأنَّ نِعْمَ كَلِمَةُ مُبالَغَةٍ تَجْمَعُ المَدْحَ كُلَّهُ وما كَلِمَةٌ مُبْهَمَةٌ تَجْمَعُ المَمْدُوحَ فَتَطابَقَتا في الإبْهامِ؛ وقالَ أبُو طالِبٍ العَبْدِيُّ في شَرْحِ الإيضاحِ: إنَّ نِعْمَ،، وبِئْسَ لِلْمُبالَغَةِ فالمُرادُ بِهِما التَّناهِي في المَدْحِ والذَّمِّ ولِاخْتِصاصِهِما بِهَذا المَعْنى مُنِعَتا التَّصَرُّفَ، واقْتُصِرَ بِهِما عَلى المَعْنى لِأنَّ المَدْحَ والذَّمَّ إنَّما يَكُونانِ مُتَعَلِّقَيْنِ بِما ثَبَتَ واسْتَقَرَّ، لا يُمْدَحُ الإنْسانُ بِما لَمْ يَقَعْ مِنهُ. (p-١٠٠)انْتَهى.
﴿وإنْ تُخْفُوها﴾ حَتّى لا يَعْلَمَ بِها إلّا مَن فَعَلْتُمُوها لَهُ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ بِها سَدَّ الخَلَّةِ قالَ: ﴿وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهُوَ﴾ أيْ فَذَلِكَ الإخْفاءُ والقَصْدُ لِلْمُحْتاجِ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ وأقْرَبُ إلى الإخْلاصِ الَّذِي هو رُوحُ العِباداتِ، وفي تَعْرِيفِها وجَمْعِها ما رُبَّما أشْعَرَ بِعُمُومِ الفَرْضِ والنَّفْلِ لِما في إظْهارِ المالِ الخَفِيِّ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلظُّلْمِ والحَسَدِ وفي إفْهامِ السِّياقِ أنَّ الصَّدَقَةَ تَجُوزُ عَلى الغَنِيِّ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنّا نَرْفَعُ بِها دَرَجاتِكُمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ويُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ﴾ أيِ الَّتِي بَيْنَنا وبَيْنَكم.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلا تَخافُوا مِن إخْفائِها [أنْ يَضِيعَ عَلَيْكُمْ] شَيْءٌ مِنها فَإنَّ اللَّهَ بِكُلِّ ما فَعَلْتُمُوهُ مِنها عَلِيمٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ تَعْمِيمًا وتَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ كُلُّ كَمالٍ ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ ﴿خَبِيرٌ﴾ فَلَمْ يَدَعْ حاجَةً أصْلًا إلى الإعْلانِ فَعَلَيْكم بِالإخْفاءِ فَإنَّهُ أقْرَبُ إلى صَلاحِ الدِّينِ والدُّنْيا فَأخْلِصُوا فِيهِ وقَرُّوا عَيْنًا بِالجَزاءِ عَلَيْهِ.
2:272Page 46
۞ لَّيۡسَ عَلَيۡكَ هُدَىٰهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلِأَنفُسِكُمۡۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ ٱللَّهِۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ ٢٧٢
Not upon you, [O Muḥammad], is [responsibility for] their guidance, but Allāh guides whom He wills. And whatever good you [believers] spend is for yourselves, and you do not spend except seeking the face [i.e., approval] of Allāh. And whatever you spend of good1 - it will be fully repaid to you, and you will not be wronged.
ولَمّا حَثَّ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى وُجُوهِ الخَيْرِ ورَغَّبَ في لُزُومِ الهُدى وكانَ أكْثَرُهم مُعْرِضِينَ، لِأنَّ ما دَعا إلَيْهِ هادِمٌ لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ (p-١٠١)مِنَ الحُبِّ لِتَوْفِيرِ المالِ والحَفِيظَةِ عَلى النَّفْسِ، وكانَ ﷺ شَدِيدَ الأسَفِ عَلَيْهِمْ دائِمَ القَلَقِ مِن أجْلِهِمْ لِعَظِيمِ رَحْمَتِهِ لَهم وشَفَقَتِهِ عَلَيْهِمْ، فَكانَ يَجِدُ مِن تَقاعُدِهِمْ عَمّا يَدْعُوهم إلَيْهِ مِن هَذِهِ الحالَةِ العَلِيَّةِ الَّتِي هي حِكْمَةُ اللَّهِ الَّتِي رَأْسُها الإيمانُ بِاللَّهِ واشْتِراءُ الآخِرَةِ بِكُلِّيَّةِ الدُّنْيا وجْدًا شَدِيدًا، خَفَّضَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْهِ الأمْرَ وخَفَّفَ عَلَيْهِ الحالَ فَقالَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ﴾ أيْ عِنْدَكَ ﴿هُداهُمْ﴾ حَتّى تَكُونَ قادِرًا عَلَيْهِ، فَما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ، وأمّا خَلْقُ الهِدايَةِ لَهم فَلَيْسَ عَلَيْكَ ولا تَقْدِرُ عَلَيْهِ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ﴾ الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ [هُوَ] القادِرُ عَلى ذَلِكَ وحْدَهُ فَهو ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ فَظَهَرَ مِن هَذا أنَّهُ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ عَلَيْكَ بِمَعْنى عِنْدَكَ ومَعَكَ ونَحْوِ ذَلِكَ، لِأنَّ لَكِنَّ لِلِاسْتِدْراكِ وهو أنْ يَكُونَ حُكْمُ ما بَعْدَها مُخالِفًا لِما قَبْلَها وكَلامُ أهْلِ اللُّغَةِ يُساعِدُ عَلى ذَلِكَ، قالَ الإمامُ عَبْدُ الحَقِّ في كِتابِهِ الواعِي: في حَدِيثِ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: كُنْتُ أُضَحِّي بِالجِذْعِ وعَلَيْنا ألْفُ شاةٍ، مَعْناهُ: وعِنْدَنا ألْفُ شاةٍ، تَقُولُ العَرَبُ: عَلَيْنا كَذا وكَذا، أيْ مَنَنّا. فَسَّرَهُ قاسِمٌ؛ انْتَهى. وهو يَرْجِعُ إلى القُدْرَةِ كَما تَقُولُ: عَلَيَّ رِضى فُلانٍ، أيْ أنا مُطِيقٌ لِذَلِكَ قادِرٌ عَلى حَمْلِهِ، فالمَعْنى: (p-١٠٢)لَسْتَ تَقْدِرُ عَلى إيجادِ الِاهْتِداءِ فِيهِمْ أصْلًا وإنَّما ذَلِكَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَهو يَهْدِي مَن يَشاءُ فَيَفْعَلُ ما يُقَدِّرُهُ سُبْحانَهُ لَهُ مِن وُجُوهِ الهُدى مِن نَفَقَةٍ وغَيْرِها. قالَ الحَرالِّيُّ ما مَعْناهُ: إنَّ الأنْصارَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِن أوَّلِ مُرادٍ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعَلَ فِيهِمْ نُصْرَةَ دِينِهِ.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الأعْظَمُ في هَذِهِ الحِكْمَةِ وهَذا الهُدى إنَّما هو الهُدى لِلتَّوَسُّلِ إلى الجَوادِ بِالجُودِ بِالنَّفْسِ والمالِ النّائِلِ عُمُومًا القَرِيبَ والبَعِيدَ والمُؤْمِنَ والكافِرَ بِمَنزِلَةِ المَطَرِ الجُودِ الَّذِي يَأْخُذُ السَّهْلَ والجَبَلَ حَتّى كانَ هَذا الخِطابُ صارِفًا لِقَوْمٍ تَحَرَّجُوا مِنَ الصَّدَقَةِ عَلى فُقَراءِ الكُفّارِ وصِلَةِ قَراباتِهِمْ مِنهم فَحُمِلُوا عَلى عُمُومِ الإنْفاقِ. انْتَهى. فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ﴾ أيْ مالٍ ومَعْرُوفٍ عَلى مُؤْمِنٍ أوْ كافِرٍ يَحِلُّ فِعْلُ ذَلِكَ مَعَهُ ولَوْ قَلَّ «لا تَحْقِرَنَّ جارَةٌ لِجارَتِها ولَوْ فِرْسِنَ شاةٍ» ﴿فَلأنْفُسِكُمْ﴾ كَما «قِيلَ لَهُ ﷺ عَنْ شاةٍ ذُبِحَتْ: ذَهَبَتْ أيْ بِالهَدِيَّةِ والصَّدَقَةِ إلّا رَقَبَتَها! فَقالَ: بَقِيَتْ إلّا رَقَبَتَها!» فَهو يُفْهِمُ أنَّكم إنْ بَخِلْتُمْ أوْ مَنَنْتُمْ فَإنَّما تَفْعَلُونَ (p-١٠٣)ذَلِكَ بِأنْفُسِكم.
ولَمّا كانَ الكَلامُ في النَّفَقَةِ مَعَ المُؤْمِنِينَ [المُنْفِقِينَ] وفي سَبِيلِ اللَّهِ وعَبَّرَ عَنْها بِالخَيْرِ وكُلِّ ذَلِكَ إشارَةً إلى الإخْلاصِ الحَرِيِّ بِحالِ المُؤْمِنِ فَقالَ: ﴿وما﴾ أيْ والحالُ أنَّكم ما ﴿تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغاءَ﴾ أيْ إرادَةَ.
ولَمّا كانَ تَذَكُّرُ الوَجْهِ لِما لَهُ مِنَ الشَّرَفِ أدْعى إلى الِاجْتِهادِ في تَشْرِيفِ العَمَلِ بِإحْسانِهِ وإخْلاصِهِ قالَ: ﴿وجْهِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ مِن سَدِّ خَلَّةِ فَقِيرٍ أوْ صِلَةِ رَحِمِ مُسْلِمٍ أوْ كافِرٍ تَجُوزُ الصَّدَقَةُ عَلَيْهِ لا لِأنْفُسِكم ولا غَيْرِها بَلْ تَخَلُّصًا مِن إمْساكِ المالِ بِأداءِ الأمانَةِ فِيهِ إلى عِبادِ اللَّهِ لِأنَّهم عِبادُهُ، هَذا هو الَّذِي يَدْعُو إلَيْهِ الإيمانُ فَلا يُظَنُّ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَفْعَلَ غَيْرَهُ وذَلِكَ يَقْتَضِي البُعْدَ جِدًّا عَنِ الأذى والرِّياءِ وكُلِّ نَقِيصَةٍ والمُلابَسَةَ لِكُلِّ ما يُوجِبُ القَبُولَ مِنَ الكَمالِ الحِسِّيِّ والمَعْنَوِيِّ.
ولَمّا كانَ الإيقانُ بِالوَفا مُرَغِّبًا في الإحْسانِ ومُبْعِدًا مِنَ الإساءَةِ والِامْتِنانِ خَوْفًا مِن جَزاءِ المَلِكِ الدَّيّانِ [قالَ] ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ﴾ [أيْ] عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ وبِأيِّ وصْفٍ كانَ التَّصَدُّقُ (p-١٠٤)والمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ ﴿يُوَفَّ﴾ أيْ يُبالَغُ في وفائِهِ بِالتَّضْعِيفِ واصِلًا ﴿إلَيْكم وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ أيْ لا يَقَعُ عَلَيْكم ظُلْمٌ في تَرْكِ شَيْءٍ مِمّا أنْفَقْتُمُوهُ ولا في نَقْصٍ مِمّا وُعِدْتُمُوهُ مِنَ التَّضْعِيفِ إنْ أحْسَنْتُمْ والمُماثَلَةِ إنْ أسَأْتُمْ.
2:273Page 46
لِلۡفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحۡصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ ضَرۡبٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعۡرِفُهُم بِسِيمَٰهُمۡ لَا يَسۡـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافٗاۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ ٢٧٣
[Charity is] for the poor who have been restricted for the cause of Allāh, unable to move about in the land. An ignorant [person] would think them self-sufficient because of their restraint, but you will know them by their [characteristic] sign. They do not ask people persistently [or at all]. And whatever you spend of good - indeed, Allāh is Knowing of it.
ولَمّا كانَ غالِبُ هَذِهِ الأحْكامِ الَّتِي ذُكِرَتْ في الإنْفاقِ مِن أجْلِ المَحاوِيجِ وكانَ ما مَضى شامِلًا لِلْمُؤْمِنِ وغَيْرِهِ بَيَّنَ أنَّ مَحَطَّ القَصْدِ في الحَثِّ عَلَيْها المُؤْمِنُ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ﴾ أيْ هَذِهِ الأحْكامُ لَهم ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا﴾ أيْ مُنِعُوا عَنِ التَّكَسُّبِ، وأشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ إلى أنَّ المُقْعِدَ لَهم عَنْ ذَلِكَ الِاشْتِغالِ بِإقامَةِ الدِّينِ بِالجِهادِ وغَيْرِهِ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ﴾ بِالتِّجارَةِ لِأجْلِ ذَلِكَ وأشارَ إلى شِدَّةِ رِضاهم عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِعَدَمِ شِكايَتِهِمْ فَقالَ: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ﴾ أيِ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ فِطْنَةُ الخُلَّصِ ﴿أغْنِياءَ مِنَ﴾ أجْلِ ﴿التَّعَفُّفِ﴾ عَنِ المَسْألَةِ والتَّلْوِيحِ بِها قَناعَةً بِما أعْطاهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَوْلاهم ورِضىً عَنْهُ (p-١٠٥)وشَرَفَ نَفْسٍ، والتَّعَفُّفُ تَكَلُّفُ العِفَّةِ وهي كَفُّ ما يَنْبَسِطُ لِلشَّهْوَةِ مِنَ الآدَمِيِّ إلّا بِحَقِّهِ ووَجْهِهِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
ولَمّا ذَكَرَ خَفاءَهم عَلى الغَبِيِّ ذَكَرَ جَلاءَهم عِنْدَ المُتَوَسِّمِ فَقالَ: ﴿تَعْرِفُهُمْ﴾ أيْ يا أبْصَرَ المُوقِنِينَ وأفْطَنَهم أنْتَ ومَن رَسَخَتْ قَدَمُهُ في مُتابَعَتِكَ ﴿بِسِيماهُمْ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: وهي صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ السِّمَةِ والوَسْمِ وهي العَلامَةُ الخَفِيَّةُ الَّتِي تَتَراءى لِلْمُسْتَبْصِرِ. انْتَهى. وتِلْكَ العَلامَةُ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ هي السَّكِينَةُ والوَقارُ وضَعْفُ الصَّوْتِ ورَثاثَةُ الحالِ مَعَ عُلُوِّ الهِمَّةِ والبَراءَةِ مِنَ الشَّماخَةِ والكِبْرِ والبَطَرِ والخُيَلاءِ ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿لا يَسْألُونَ﴾ لِطُمُوحِ أبْصارِ بَصائِرِهِمْ عَنِ الخَلْقِ إلى الخالِقِ ﴿النّاسَ﴾ مِن مَلِكٍ ولا غَيْرِهِ ﴿إلْحافًا﴾ سُؤالَ إلْزامٍ، أخْذًا مِنَ اللِّحافِ الَّذِي يُتَغَطّى بِهِ لِلُزُومِهِ لِما يُغَطِّيهِ، ومِنهُ لاحَفَهُ أيْ لازَمَهُ. وقالَ الحَرالِّيُّ: هو لُزُومٌ ومُداوَمَةٌ في الشَّيْءِ مِن حُرُوفِ الحِلْفِ الَّذِي هو إنْهاءُ الخَبَرِ إلى الغايَةِ كَذَلِكَ [اللَّحْفُ] إنْهاءُ السُّؤالِ إلى الغايَةِ. انْتَهى. وإنَّما يَسْألُونَ إنْ سَألُوا عَلى وجْهِ العَرْضِ (p-١٠٦)والتَّلْوِيحِ الخَفِيِّ، كَما كانَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَسْتَقْرِئُ غَيْرَهُ الآيَةَ لِيُضَيِّفَهُ وهو أعْرَفُ بِها مِمَّنْ [يَسْتَقْرِئُهُ] فَلا يَفْهَمُ مُرادَهُ إلّا النَّبِيُّ ﷺ؛ فالتَّعْبِيرُ بِالتَّعَفُّفِ يُفِيدُ الِاجْتِهادَ في العِفَّةِ والمُبالَغَةَ فِيها، والتَّقَيُّدُ بِالإلْحافِ يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ السُّؤالِ قَلِيلًا جِدًّا أوْ عَلى وجْهِ التَّلْوِيحِ لا التَّصْرِيحِ كَما يُؤَيِّدُهُ ويُؤَكِّدُهُ المَعْرِفَةُ بِالسِّيما.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أخْفى مَواضِعِ النَّفَقَةِ أشارَ إلى إخْفائِها لا سِيَّما في ذَلِكَ المَوْضِعِ فَقالَ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ﴾ أيْ في أيِّ وقْتٍ أنْفَقْتُمُوهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُسْتَجْمِعَ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿بِهِ عَلِيمٌ﴾ وإنِ اجْتَهَدْتُمْ في إخْفائِهِ بِإعْطائِهِ لِمَن لا يَسْألُ بِأنْ لا يَعْرِفَ أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وذِكْرُ العِلْمِ في مَوْضِعِ الجَزاءِ أعَظُّ مُرَغِّبٍ وأخْوَفُ مُرَهِّبٍ كَما يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِإمْعانِ التَّأمُّلِ لِذَلِكَ.
2:274Page 46
ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٧٤
Those who spend their wealth [in Allāh's way] by night and by day, secretly and publicly - they will have their reward with their Lord. And no fear will there be concerning them, nor will they grieve.
ولَمّا حَضَّ عَلى النَّفَقَةِ فَأكْثَرَ وضَرَبَ فِيها الأمْثالَ وأطْنَبَ في المَقالِ ولَمْ يُعَيِّنْ لَها وقْتًا كانَ كَأنَّ سائِلًا قالَ: في أيِّ وقْتٍ تُفْعَلُ؟ فَبَيَّنَ في آيَةٍ جامِعَةٍ لِأصْنافِ الأمْوالِ والأزْمانِ والأحْوالِ أنَّها حَسَنَةٌ في كُلِّ وقْتٍ وعَلى كُلِّ حالٍ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ﴾ (p-١٠٧)أيْ في الوُجُوهِ الصّالِحَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْها وقَدَّمَ مِنَ المُتَقابِلِينَ ما كانَ أقْرَبَ إلى الإخْلاصِ اهْتِمامًا بِهِ دَلالَةً عَلى فَضْلِهِ فَقالَ: ﴿بِاللَّيْلِ﴾ إنِ اقْتَضى ذَلِكَ الحالُ ﴿والنَّهارِ﴾ إنْ دَعَتْهم إلى ذَلِكَ خُطَّةُ رُشْدٍ ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ كَذَلِكَ.
ولَمّا كانَ الِانْتِهاءُ عَنِ المَنِّ والأذى في بَعْضِ الأحْوالِ أشَدَّ ما يَكُونُ عَلى النَّفْسِ لِما يَرى مِنَ المُنْفَقِ عَلَيْهِ مِنَ الغَضِّ ونَحْوِ ذَلِكَ فَلا يَكادُ يَسْلَمُ مِنهُ [أحَدٌ].
ابْتَدَأ الجَزاءَ في آيَتِهِ مِن غَيْرِ رَبْطٍ بِالفاءِ إشارَةً إلى العَفْوِ عَمّا يَغْلِبُ النَّفْسَ مِنهُ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ العَدَمِ، وإيماءً إلى تَعْظِيمِهِ بِكَوْنِهِ ابْتِداءَ عَطِيَّةٍ مِنَ المَلِكِ، تَرْغِيبًا في الكَفِّ عَنْهُ، لِأنَّهُ مَنظُورٌ إلَيْهِ في الجُمْلَةِ، ورَبَطَ الجَزاءَ في هَذِهِ إعْلامًا بِأنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ، لِأنَّ الأفْعالَ أيْسَرُ مِنَ التُّرُوكِ فَحُصُولُهُ مُتَوَقِّفٌ عَلى حُصُولِها، حَثًّا عَلى الإتْيانِ بِها كُلِّها لِلسُّهُولَةِ في ذَلِكَ، لِأنَّ مَن سَمَحَ بِالإنْفاقِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى اسْتَوَتْ عِنْدَهُ فِيهِ الأوْقاتُ فَقالَ: ﴿فَلَهم أجْرُهُمْ﴾ وسَبَبِيَّتُهُ (p-١٠٨)كَوْنُهُ عَلامَةً لِحُصُولِ الأجْرِ، لا أنَّهُ سَبَبٌ حَقِيقِيٌّ، إنَّما السَّبَبُ الحَقِيقِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ بِالتَّوْفِيقِ لِلْعَمَلِ والِاعْتِدادِ بِهِ، وأعْلَمَ بِأنَّهُ مَحْفُوظٌ مُضاعَفٌ مُرْبىً لا يَضِيعُ أصْلًا بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [أيْ] فَهو يُرْبِي نَفَقاتِهِمْ ويُزَكِّيها كَما رَبّاهُمْ، ثُمَّ خَتَمَ آيَ النَّفَقاتِ بِما بَدَأها بِهِ مِنَ الأمْنِ والسُّرُورِ فَقالَ: ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ كَما فَرِحُوا بِها عَنْ غَيْرِهِمْ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ لِأنَّهُ لا ثَوابَ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، إذْ لا عِيشَةَ لِحَزِينٍ ولا خائِفٍ؛ ولِشِدَّةِ مَشاقِّ الإنْفاقِ عَلى الأنْفُسِ لا سِيَّما في أوَّلِ الإسْلامِ لِما كانُوا فِيهِ مِنَ الضِّيقِ أكَّدَ تَعالى فِيهِ هَذا التَّأْكِيدَ بِجُمْلَتِهِ وبَيَّنَهُ هَذا البَيانَ الواضِحَ حَتّى لَمْ يَبْقَ فِيهِ خَفِيَّةُ وجْهٍ إلّا أظْهَرَها وحَذَّرَ مِنها وقَرَّرَها - أشارَ إلى ذَلِكَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ الحَرالِّيُّ فَقالَ: فَأفْضَلُهُمُ المُنْفِقُ لَيْلًا سِرًّا. وأنْزَلُهُمُ المُنْفِقُ نَهارًا عَلانِيَةً؛ فَهم بِذَلِكَ أرْبَعَةُ أصْنافٍ. انْتَهى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences