Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:282–284
2:282Page 48
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ وَلَا يَأۡبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْۚ وَلَا تَسۡـَٔمُوٓاْ أَن تَكۡتُبُوهُ صَغِيرًا أَوۡ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقۡوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ وَإِن تَفۡعَلُواْ فَإِنَّهُۥ فُسُوقُۢ بِكُمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٢٨٢
O you who have believed, when you contract a debt for a specified term, write it down. And let a scribe write [it] between you in justice. Let no scribe refuse to write as Allāh has taught him. So let him write and let the one who has the obligation [i.e., the debtor] dictate. And let him fear Allāh, his Lord, and not leave anything out of it. But if the one who has the obligation is of limited understanding or weak or unable to dictate himself, then let his guardian dictate in justice. And bring to witness two witnesses from among your men. And if there are not two men [available], then a man and two women from those whom you accept as witnesses - so that if one of them [i.e., the women] errs, then the other can remind her. And let not the witnesses refuse when they are called upon. And do not be [too] weary to write it, whether it is small or large, for its [specified] term. That is more just in the sight of Allāh and stronger as evidence and more likely to prevent doubt between you, except when it is an immediate transaction which you conduct among yourselves. For [then] there is no blame upon you if you do not write it. And take witnesses when you conclude a contract. Let no scribe be harmed or any witness. For if you do so, indeed, it is [grave] disobedience in you. And fear Allāh. And Allāh teaches you. And Allāh is Knowing of all things.
ولَمّا نَهى سُبْحانَهُ وتَعالى عَنِ الرِّبا وكانَ أحَدَ مُدايَناتِهِمْ وكانَ غَيْرُهُ مِنَ الدَّيْنِ مَأْذُونًا فِيهِ وهو مِن أنْواعِ الإنْفاقِ مَعَ دُخُولِهِ في المُطالَبَةِ بِرُؤُوسِ الأمْوالِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِآيَةِ الدَّيْنِ. وأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ (p-١٤٨)وتَعالى لَمّا ذَكَرَ في المالِ أمْرَيْنِ يَنْقُصانِهِ ظاهِرًا ويُزْكِيانِهِ باطِنًا: الصَّدَقَةَ وتَرْكَ الرِّبا، وأذِنَ في رُؤُوسِ الأمْوالِ وأمَرَ بِالإنْظارِ في الإعْسارِ وخَتَمَ بِالتَّهْدِيدِ فَكانَ ذَلِكَ رُبَّما أطْمَعَ المَدِينَ في شَيْءٍ مِنَ الدَّيْنِ ولَوْ بِدَعْوى الإعْسارِ اقْتَضى حالُ الإنْسانِ لِما لَهُ مِنَ النُّقْصانِ الإرْشادَ إلى حِفْظِ المالِ الحَلالِ وصَوْنِهِ عَنِ الفَسادِ والتَّنْبِيهَ عَلى كَيْفِيَّةِ التَّوَثُّقِ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كالَّذِي تَقَدَّمَهُ ﴿إذا تَدايَنْتُمْ﴾ مِنَ التَّدايُنِ تَفاعُلٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ مِنَ الدَّيْنِ، والدَّيْنُ في الأمْرِ الظّاهِرِ مُعامَلَةٌ عَلى تَأْخِيرٍ كَما أنَّ الدِّينَ بِالكَسْرِ فِيما بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مُعامَلَةٌ عَلى تَأْخِيرٍ. قالَهُ الحَرالِّيُّ. أيْ أوْقَعْتُمْ بَيْنَكم [ذَلِكَ]. والدَّيْنُ مالٌ مُرْسَلٌ في الذِّمَّةِ سَواءٌ كانَ مُؤَجَّلًا أوْ لا، وهو خِلافُ الحاضِرِ [و] العَيْنِ، [و] قالَ: ﴿بِدَيْنٍ﴾ مَعَ دَلالَةِ الفِعْلِ عَلَيْهِ لِيُخْرِجَ بَيْعَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، لِأنَّهُ مُدايَنَةٌ بِدَيْنَيْنِ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَكانَ (p-١٤٩)فِي إعْلامِهِ أيْ بِالإتْيانِ بِصِيغَةِ إذا أنَّهم لا بُدَّ أنْ يَتَدايَنُوا لِأنَّها حِينٌ مُنْتَظَرٌ في أغْلَبِ مَعْناها. انْتَهى. وأرْشَدَ إلى ضَبْطِهِ بِالوَقْتِ إشارَةً إلى أنَّهُ يَجُوزُ كَوْنُهُ حالًّا وإلى أنَّ الأجَلَ [و] هو الوَقْتُ المَحْدُودُ وأصْلُهُ التَّأْخِيرُ إنْ كانَ مَجْهُولًا كانَ باطِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ التَّسْمِيَةِ وهي إبْداءُ الشَّيْءِ بِاسْمِهِ لِلسَّمْعِ في مَعْنى المُصَوَّرِ - وهو إبْداءُ الشَّيْءِ بِصُورَتِهِ في العَيْنِ.
ولَمّا كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وهو العَلِيمُ الخَبِيرُ قَدْ أجْرى سُنَّتَهُ في دِينِهِ بِالكِتابَةِ فَأمَرَ مَلائِكَتَهُ وهُمُ الأُمَناءُ العُدُولُ بِإثْباتِ أعْمالِ الخَلْقِ لِحِكَمٍ ومَصالِحَ لا تَخْفى وأنْزَلَ كِتابَهُ الشَّرِيفَ شَهادَةً لَهم وعَلَيْهِمْ بِما يُوَفَّوْنَهُ في يَوْمِ الدِّينِ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ قَطْعًا لِحُجَجِهِمْ أمَرَهم أنْ يَكُونَ عَمَلُهم في الدَّيْنِ كَما كانَ فِعْلُهُ في الدِّينِ فَأرْشَدَهم إلى إثْباتِ ما يَكُونُ بَيْنَهم مِنَ المُعامَلاتِ لِئَلّا يَجُرَّ ذَلِكَ إلى المُخاصَماتِ (p-١٥٠)فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى أمْرًا لِلْإرْشادِ لا لِلْإيجابِ ﴿فاكْتُبُوهُ﴾ وفي ذِكْرِ الأجَلِ إشارَةٌ إلى البَعْثِ الَّذِي وقَعَ الوَعْدُ بِالوَفاءِ فِيهِ ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] ﴿ثُمَّ قَضى أجَلا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢] ولَمّا أمَرَ بِالكِتابَةِ وكانَ المُرادُ تَحْصِيلَها في الجُمْلَةِ لا مِن أحَدٍ بِعَيْنِهِ لِأنَّ أغْلَبَ النّاسِ لا يُحْسِنُها أتْبَعَها الإرْشادَ إلى تَخَيُّرِ الكاتِبِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ﴾ أيِ الدَّيْنَ المَذْكُورَ ﴿كاتِبٌ﴾ وإنْ كانَ صَبِيًّا أوْ عَبْدًا كِتابَةً مَصْحُوبَةً ﴿بِالعَدْلِ﴾ اسْتِنانًا بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في مَلائِكَتِهِ
﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ١٠] ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الإنفطار: ١١] ﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥] ﴿كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٦]
ولَمّا أرْشَدَ إلى تَخَيُّرِ الكاتِبِ تَقَدَّمَ إلَيْهِ بِالنَّهْيِ تَقْدِيمًا لِدَرْءِ المَفاسِدِ ثُمَّ الأمْرِ فَقالَ: ﴿ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ﴾ أيْ ما نُدِبَ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ ﴿كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ أيْ لِأجْلِ الَّذِي هو غَنِيٌّ عَنْهُ وعَنْ غَيْرِهِ (p-١٥١)مِن خَلْقِهِ شُكْرًا [لَهُ] عَلى تِلْكَ النِّعْمَةِ وكِتابَةِ مِثْلِ الكِتابَةِ الَّتِي عَلَّمَها اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَنْقُصُ عَنْها شَيْئًا ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى ما في بَذْلِ الجُهْدِ في النَّصِيحَةِ مِنَ المَشَقَّةِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ وكانَ لا بُدَّ فِيهِ مِن مُمْلٍ بَيَّنَ مَن يَصِحُّ إمْلاؤُهُ لِلْمَكْتُوبِ فَقالَ: ﴿ولْيُمْلِلِ﴾ مِنَ الإمْلالِ وهو إلْقاءُ ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ عَلى اللِّسانِ قَوْلًا وعَلى الكِتابِ رَسْمًا. قالَهُ الحَرالِّيُّ ﴿الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ لِيَشْهَدَ عَلَيْهِ المُسْتَمْلِي ومَن يَحْضُرُهُ.
ولَمّا كانَتِ الأنْفُسُ مَجْبُولَةً عَلى مَحَبَّةِ الِاسْتِئْثارِ عَلى الغَيْرِ حَذَّرَها مِمّا لا يَحِلُّ مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ولْيَتَّقِ اللَّهَ﴾ فَعَبَّرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ لِيَكُونَ أزْجَرَ لِلْمَأْمُورِ ثُمَّ قالَ: ﴿رَبَّهُ﴾ تَذْكِيرًا بِأنَّهُ لِإحْسانِهِ لا يَأْمُرُ إلّا بِخَيْرٍ، وتَرْجِيَةً لِلْعِوَضِ في ذَلِكَ إذا أدّى فِيهِ الأمانَةَ في الكَمِّ والكَيْفِ مِنَ الأجَلِ وغَيْرِهِ؛ وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَبْخَسْ﴾ مِنَ البَخْسِ وهو أسْوَأُ النَّقْصِ الَّذِي لا تَسْمَحُ بِهِ الأنْفُسُ لِبُعْدِهِ عَنْ (p-١٥٢)مَحَلِّ السَّماحِ إلى وُقُوعِهِ في حَدِّ الضَّيْمِ ﴿مِنهُ شَيْئًا﴾
ولَمّا كانَ هَذا المُمْلِي قَدْ يَكُونُ لاغِيَ العِبارَةِ وكانَ الإمْلاءُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا﴾ فَلا يُعْتَبَرُ إقْرارُهُ لِضَعْفِ رَأْيِهِ ونَظَرِهِ ونَقْصِ حَظِّهِ مِن حِكْمَةِ الدُّنْيا ﴿أوْ ضَعِيفًا﴾ عَنِ الإمْلاءِ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِمَرَضٍ أوْ غَيْرِهِ مِن صِبًا أوْ جُنُونٍ أوْ هَرَمٍ مِنَ الضَّعْفِ وهو [وهْنُ] القُوى حِسًّا أوْ مَعْنىً ﴿أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ كَعِيٍّ أوْ حَياءٍ أوْ عُجْمَةٍ ونَحْوِهِ ﴿فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ﴾ القائِمُ لِمَصالِحِهِ مِن أبٍ أوْ وصِيٍّ أوْ حاكِمٍ أوْ تُرْجُمانٍ أوْ وكِيلٍ ﴿بِالعَدْلِ﴾ فَلا يَحِيفُ عَلَيْهِ ولا عَلى ذِي الحَقِّ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَجَعَلَ لِسانَ الوَلِيِّ لِسانَ المُوَلّى عَلَيْهِ، فَكانَ فِيهِ مِثْلٌ لِما نَزَلَ بِهِ الكِتابُ مِن إجْراءِ كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى ألْسِنَةِ خَلْقِهِ في نَحْوِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وما تَفَصَّلَ مِنها ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧] أمَلَّ ما عَلَيْهِمْ مِنَ الحُقُوقِ لَهُ فَجَعَلَ كَلامًا مِن كَلامِهِ يَتْلُونَهُ، فَكانَ الإمْلالُ مِنهُ لَهم لِتَقاصُرِهِمْ عَنْ واجِبِ حَقِّهِ تَقاصُرَ السَّفِيهِ ومَن مَعَهُ عَنْ إمْلالِ ولِيِّهِ عَنْهُ لِرُشْدِهِ وقُوَّتِهِ وتَمَكُّنِ (p-١٥٣)اسْتِطاعَتِهِ. انْتَهى.
ولَمّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الكِتابَةِ والشَّهادَةِ مُلازَمَةٌ نَصَّ عَلَيْها وبَيَّنَ أهْلَها فَقالَ: ﴿واسْتَشْهِدُوا﴾ أيِ اطْلُبُوا الشَّهادَةَ وأوْجِدُوها مَعَ الكِتابَةِ ودُونَها ﴿شَهِيدَيْنِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ فَجَعَلَ شَهادَةَ الدَّيْنِ بِاثْنَيْنِ كَما جَعَلَ الشّاهِدَ في الدِّينِ اثْنَيْنِ: شاهِدَ التَّفَكُّرِ في الآياتِ المَرْئِيَّةِ وشاهِدَ التَّدَبُّرِ لِلْآياتِ المَسْمُوعَةِ، [و] في صِيغَةِ [فَعِيلٍ] مُبالَغَةٌ في المَعْنى في تَحَقُّقِ الوَصْفِ بِالِاسْتِبْصارِ والخِبْرَةِ. انْتَهى.
ولَمّا بَيَّنَ عَدَدَ الشّاهِدِ بَيَّنَ نَوْعَهُ فَقالَ: ﴿مِن رِجالِكُمْ﴾ وأعْلَمَ بِالإضافَةِ اشْتِراطَ كَوْنِهِ مُسْلِمًا وإطْلاقُ هَذا الَّذِي يَنْصَرِفُ إلى الكامِلِ مَعَ ما يُؤَيِّدُهُ في الآيَةِ يُفْهِمُ الحُرِّيَّةَ كَقَوْلِهِ ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ﴾ والإتْيانُ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في الشّاهِدِ وتَقْيِيدُهُ مَعَ ذَلِكَ بِالرِّضى وتَعْرِيفُ الشُّهَداءِ ونَحْوِهِ. قالَ الحَرالِّيُّ: ولِكَثْرَةِ المُدايَنَةِ وعُمُومِها وسَّعَ فِيها الشَّهادَةَ (p-١٥٤)فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا﴾ [أيِ الشّاهِدانِ] ﴿رَجُلَيْنِ﴾ أيْ عَلى صِفَةِ الرُّجُولِيَّةِ كِلاهُما ﴿فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ﴾ وفي عُمُومِ مَعْنى الكَوْنِ إشْعارٌ بِتَطَرُّقِ شَهادَةِ المَرْأتَيْنِ مَعَ إمْكانِ طَلَبِ الرَّجُلِ بِوَجْهٍ ما مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ، فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَفِيهِ تَهَدُّفٌ لِلْخِلافِ بِوَجْهٍ ما مِن حَيْثُ إنَّ شُمُولَ الكِتابِ تَوْسِعَةٌ في العِلْمِ سَواءٌ كانَ عَلى تَساوٍ أوْ عَلى تَرَتُّبٍ؛ ولَمّا كُنَّ ناقِصاتِ عَقْلٍ ودِينٍ جُعِلَ ثِنْتانِ مِنهُنَّ مَكانَ رَجُلٍ. انْتَهى. ولَمّا بَيَّنَ العَدَدَ بَيَّنَ الوَصْفَ فَقالَ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ﴾ أيْ في العَدالَةِ ﴿مِنَ الشُّهَداءِ﴾ هَذا في الدُّيُونِ ونَحْوِها. قالَ الحَرالِّيُّ: وفي مَفْهُومِ الشَّهادَةِ اسْتِبْصارُ نَظَرِ الشّاهِدِ لِما في الشُّهُودِ مِن إدْراكِ مَعْنىً خَفِيٍّ في صُورَةِ ظاهِرٍ يَهْدِي إلَيْها النَّظَرُ النّافِذُ. انْتَهى.
ولَمّا شَرَطَ في القِيامِ مَقامَ الواحِدِ مِنَ الرِّجالِ العَدَدَ مِنَ النِّساءِ عَلَّلَهُ بِما يُشِيرُ إلى نَقْصِ الضَّبْطِ فِيهِنَّ فَقالَ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما﴾ أيْ تَغِيبَ عَنْها الشَّهادَةُ فَتَنْساها أوْ شَيْئًا مِنها ﴿فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ فَتَهْتَدِي إلى ما ضَلَّتْ عَنْهُ بِواسِطَةِ الذّاكِرَةِ. قالَ الحَرالِّيُّ: بِما هي أعْرَفُ بِمَداخِلِ الضَّلالِ عَلَيْها، لِأنَّ المُتَقارِبِينَ أقْرَبُ في التَّعاوُنِ، وفي قِراءَتَيِ التَّخْفِيفِ والتَّثْقِيلِ إشْعارٌ بِتَصْنِيفِ النِّساءِ صِنْفَيْنِ في رُتْبَةِ هَذِهِ الشَّهادَةِ: مَن يَلْحَقُها الضَّلالُ عَنْ بَعْضِ ما شَهِدَتْ فِيهِ حَتّى تُذَكَّرَ بِالتَّخْفِيفِ (p-١٥٥)ولا يَتَكَرَّرُ عَلَيْها ذَلِكَ، ومَن شَأْنُها أنْ يَتَكَرَّرَ عَلَيْها ذَلِكَ، وفي إبْهامِهِ بِلَفْظِ إحْدى أيْ مِن غَيْرِ اقْتِصارٍ عَلى الضَّمِيرِ الَّذِي يُعَيِّنُ ما يَرْجِعُ إلَيْهِ إشْعارٌ أنَّ ذَلِكَ يَقَعُ بَيْنَهُما مُتَناوِبًا حَتّى رُبَّما ضَلَّتْ هَذِهِ عَنْ وجْهٍ وضَلَّتْ تِلْكَ عَنْ وجْهٍ آخَرَ فَأذْكَرَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما صاحِبَتَها فَلِذَلِكَ يَقُومُ بِهِما مَعًا شاهِدٌ واحِدٌ حافِظٌ. انْتَهى. وفي ذِكْرِ الإذْكارِ مَنعٌ مِنَ الشَّهادَةِ بِدُونِ الذِّكْرِ، والآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ. ولَمّا أفْهَمَ ذَلِكَ الحَثَّ عَلى الشَّهادَةِ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ﴾ أيْ تَحَمُّلَ الشَّهادَةِ وأداءَها بَعْدَ التَّحَمُّلِ ﴿إذا ما دُعُوا﴾ دُعاءً جازِمًا بِما أفْهَمَتْهُ زِيادَةُ ما.
ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ وكانَ صَغِيرُ الحَقِّ وكَبِيرُهُ رُبَّما تُرِكَتْ تَهاوُنًا بِالصَّغِيرِ ومَلَلًا لِلْكَبِيرِ حَذَّرَ مِن ذَلِكَ ولَمْ يَجْعَلْهُ في صُلْبِ الأمْرِ قَبْلَ الإشْهادِ بَلْ أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ فَقالَ: ﴿ولا تَسْأمُوا﴾ مِنَ السَّآمَةِ. قالَ الحَرالِّيُّ: بِناءُ مُبالَغَةٍ وهو أشَدُّ المَلالَةِ ﴿أنْ تَكْتُبُوهُ﴾ أيْ لا تَفْعَلُوا فِعْلَ السَّئِيمِ فَتَتْرُكُوا كِتابَتَهُ ﴿صَغِيرًا﴾ كانَ الدَّيْنُ ﴿أوْ كَبِيرًا﴾ طالَتِ الكِتابَةُ أوْ قَصُرَتْ.
قالَ الحَرالِّيُّ: ولَمْ يَكُنْ قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا، لِأنَّ الكَثْرَةَ والقِلَّةَ واقِعَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الشَّيْءِ المَعْدُودِ في ذاتِهِ، والصَّغِيرُ والكَبِيرُ يَقَعُ بِالنِّسْبَةِ إلى المُدايِنِ، فَرُبَّما كانَ الكَثِيرُ في العَدَدِ صَغِيرَ القَدْرِ عِنْدَ الرَّجُلِ الجَلِيلِ المِقْدارِ، ورُبَّما كانَ القَلِيلُ العَدَدِ كَثِيرًا بِالنِّسْبَةِ إلى الرَّجُلِ المُشاحِحِ فِيهِ، فَكانَ الصِّغَرُ والكِبَرُ (p-١٥٦)أشْمَلَ وأرْجَعَ إلى حالِ المُدايِنِ الَّذِي هو المُخاطَبُ بِأنْ يَكْتُبَ انْتَهى.
﴿إلى أجَلِهِ﴾ أيِ الَّذِي تَوافَقْتُمْ وتَواثَقْتُمْ عَلَيْهِ.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما فائِدَةُ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةً بِأداةِ البُعْدِ ومِيمِ الجَمْعِ إلى عِظَمِ جَدْواهُ. قالَ الحَرالِّيُّ: ولِبَيانِهِ ووُضُوحِهِ عِنْدَهم لَمْ يَكُنْ إقْبالًا عَلى النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي يُقْبَلُ عَلَيْهِ في الأُمُورِ الخَفِيَّةِ. انْتَهى.
﴿أقْسَطُ﴾ أيْ أعْدَلُ فَقَدْ نُقِلَ عَنِ ابْنِ السَّيِّدِ أنَّهُ قالَ في كِتابِهِ الِاقْتِضابُ: إنَّ قَسَطَ بِمَعْنى جارَ وبِمَعْنى عَدَلَ. وقالَ الحَرالِّيُّ: ﴿أقْسَطُ﴾ مِنَ الإقْساطِ وهو وضْعُ القِسْطِ وهو حِفْظُ المُوازَنَةِ حَتّى لا تَخْرُجَ إلى تَطْفِيفٍ. ثُمَّ زادَ تَعْظِيمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي هو مُحِيطٌ بِصِفاتِ الكَمالِ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ، لِأنَّهُ يَحْمِلُ عَلى العَدْلِ بِمَنعِ المُغالَطَةِ والتَّلَوُّنِ في شَيْءٍ مِن أحْوالِ ذَلِكَ الدِّينِ ﴿وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ﴾ أيْ وأعْدَلُ في قِيامِ الشَّهادَةِ إذا طُلِبَ مِنَ الشّاهِدِ أنْ يُقِيمَها بِما هو مَضْبُوطٌ لَهُ وعَلَيْهِ ﴿وأدْنى﴾ أيْ أقْرَبُ في ﴿ألا تَرْتابُوا﴾ أيْ تَشُكُّوا في شَيْءٍ مِنَ الأمْرِ الَّذِي (p-١٥٧)وقَعَ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَفي إشْعارِهِ أنَّهُ رُبَّما داخَلَ الرَّجُلَ والرَّجُلَيْنِ نَحْوُ ما داخَلَ المَرْأتَيْنِ فَيَكُونُ الكِتابُ مُقِيمًا لِشَهادَتِهِما، فَنَفى عَنِ الرِّجالِ الرِّيبَةَ بِالكِتابِ كَما نَفى عَنِ النِّساءِ الضَّلالَ بِالذِّكْرِ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ الدَّيْنُ المُؤَجَّلُ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ قَرْضًا أوْ تِجارَةً يُنَمّى بِها المالُ المَأْمُورُ بِالإنْفاقِ مِنهُ في وُجُوهِ الخَيْرِ النّافِعَةِ يَوْمَ الدِّينِ وكانَ قَدْ أكَّدَ في أمْرِ الكِتابَةِ تَأْكِيدًا رُبَّما ظُنَّ مَعَهُ الحَثُّ عَلَيْها ولَوْ لَمْ يَكُنْ أجَلٌ نَبَّهَ عَلى أنَّ العِلَّةَ فِيها الأجَلُ الَّذِي هو مَظِنَّةُ النِّسْيانِ المُسْتَوْلِي عَلى الإنْسانِ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا أنْ تَكُونَ﴾ أيِ المُدايَنَةُ ﴿تِجارَةً حاضِرَةً﴾ هَذا عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ، وكانَ في قِراءَةِ غَيْرِهِ تامَّةٌ ﴿تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ﴾ أيْ يَدًا بِيَدٍ، مِنَ الإدارَةِ. قالَ الحَرالِّيُّ: مِن أصْلِ الدَّوْرِ وهو رُجُوعُ الشَّيْءِ عَوْدًا عَلى بَدْئِهِ ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ﴾ حِينَئِذٍ ﴿جُناحٌ﴾ أيِ اعْتِراضٌ في ﴿ألا تَكْتُبُوها﴾ أيْ لِأنَّها مُناجَزَةٌ وهي عَرَضٌ زائِلٌ لا يَكادُ يَسْتَقِرُّ في يَدِ أحَدٍ لِأنَّ القَصْدَ بِهِ المَتْجَرُ [لا الِاسْتِبْقاءُ (p-١٥٨)فَبَعُدَ ما يُخْشى مِنَ التَّجاحُدِ.
ولَمّا كانَ البَيْعُ أعَمَّ مِن أنْ يُقْصَدَ بِهِ المَتْجَرُ] أوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الِانْتِفاعِ قالَ: ﴿وأشْهِدُوا﴾ سَواءٌ كانَتْ كِتابَةً أوْ لا ﴿إذا تَبايَعْتُمْ﴾ أيْ عَلى وجْهِ المَتْجَرِ عاجِلًا أوْ آجِلًا أوْ لا لِلْمَتْجَرِ، لِأنَّ الإشْهادَ أبْعَدُ مِنَ الخِلافِ وأقْرَبُ إلى التَّصادُقِ بِما فِيهِ مِنَ الإنْصافِ، والأمْرُ لِلْإرْشادِ فَلا يَجِبُ.
ولَمّا ألْزَمَ في صَدْرِ الخِطابِ الكاتِبَ أنْ يَكْتُبَ والشَّهِيدَ أنْ يُجِيبَ ولا يَأْبى وأكَّدَ ذَلِكَ بِصِيغَةٍ تَشْمَلُ المُسْتَكْتَبَ والمُسْتَشْهَدَ فَقالَ ناهِيًا: ﴿ولا يُضارَّ﴾ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ وهو صَحِيحُ المَعْنى عَلى كُلٍّ مِنهُما ﴿كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ أيْ لا يَحْصُلْ ضَرَرٌ مِنهم ولا عَلَيْهِمْ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَفي إلاحَتِهِ تَعْرِيضٌ بِالإحْسانِ مِنهُ لِلشَّهِيدِ والكاتِبِ لِيُجِيبَهُ لِمُرادِهِ ويُعِينَهُ عَلى الِائْتِمارِ لِأمْرِ رَبِّهِ بِما يَدْفَعُ عَنْهُ مِن ضَرَرِ عُطْلَتِهِ واسْتِعْمالِهِ في أمْرٍ مِن أُمُورِ دُنْياهُ، فَفي تَعْرِيضِهِ إجازَةٌ لِما يَأْخُذُهُ الكاتِبُ ومَن يُدْعى لِإقامَةِ مَعُونَةٍ في نَحْوِهِ مِمَّنْ يَعْرِضُ (p-١٥٩)لَهُ فِيما يَضُرُّهُ التَّخَلِّي عَنْهُ. انْتَهى.
﴿وإنْ تَفْعَلُوا﴾ أيْ ما نُهِيتُمْ عَنْهُ مِنَ الضِّرارِ وغَيْرِهِ ﴿فَإنَّهُ فُسُوقٌ﴾ أيْ خُرُوجٌ ﴿بِكُمْ﴾ عَنِ الشَّرْعِ الَّذِي نَهَجَهُ اللَّهُ لَكم. قالَ الحَرالِّيُّ: وفي صِيغَةِ فَعُولٍ تَأْكِيدٌ فِيهِ وتَشْدِيدٌ في النِّذارَةِ. انْتَهى.
وخَتْمُ آياتِ هَذِهِ المُعامَلاتِ بِصِفَةِ العِلْمِ بَعْدَ الأمْرِ بِالتَّقْوى في غايَةِ المُناسَبَةِ لِما يَفْعَلُهُ المُتَعامِلُونَ مِنَ الحِيَلِ الَّتِي يَجْتَلِبُ كُلٌّ مِنهم بِها الحَظَّ لِنَفْسِهِ، والتَّرْغِيبُ في امْتِثالِ ما أمَرَهم بِهِ في هَذِهِ الجُمَلِ بِأنَّهُ مِن عِلْمِهِ وتَعْلِيمِهِ فَقالَ تَعالى - عاطِفًا عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ، أوْ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فافْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ وانْتَهُوا عَمّا نُهِيتُمْ عَنْهُ-: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ خافُوا الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها فِيما أمَرَكم بِهِ ونَهاكم مِن هَذا وغَيْرِهِ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ [اسْتِئْنافًا لِبَيانِ فَخامَةِ هَذِهِ التَّنْبِيهاتِ] يُرْشِدُكُمُ اللَّهُ إلى مِثْلِ هَذِهِ المَراشِدِ لِإصْلاحِ ذاتِ بَيْنِكُمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ يُدْرِيكُمُ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ بِذَلِكَ عَلى العِلْمِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: وفي قَوْلِهِ: ”يَعْلَمُ“ بِصِيغَةِ الدَّوامِ إيذانٌ بِما (p-١٦٠)يَسْتَمِرُّ بِهِ التَّعْلِيمُ مِن دُونِ هَذا المَنالِ. [انْتَهى].
وأظْهَرَ الِاسْمَ الشَّرِيفَ هُنا وفي الَّذِي بَعْدَهُ تَعْظِيمًا لِلْمَقامِ وتَعْمِيمًا لِلتَّعْلِيمِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وهَذا الخَتْمُ جامِعٌ لِبُشْرى التَّعْلِيمِ ونِذارَةِ التَّهْدِيدِ.
2:283Page 49
۞ وَإِن كُنتُمۡ عَلَىٰ سَفَرٖ وَلَمۡ تَجِدُواْ كَاتِبٗا فَرِهَٰنٞ مَّقۡبُوضَةٞۖ فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا فَلۡيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥۗ وَلَا تَكۡتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَۚ وَمَن يَكۡتُمۡهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ قَلۡبُهُۥۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٢٨٣
And if you are on a journey and cannot find a scribe, then a security deposit [should be] taken. And if one of you entrusts another, then let him who is entrusted discharge his trust [faithfully] and let him fear Allāh, his Lord. And do not conceal testimony, for whoever conceals it - his heart is indeed sinful, and Allāh is Knowing of what you do.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: هَذا إذا كُنْتُمْ حُضُورًا يَسْهُلُ عَلَيْكم إحْضارُ الكاتِبِ والشّاهِدِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ﴾ ولَمّا كانَ الإنْسانُ في السَّفَرِ يَكُونُ مُسْتَجْمِعَ القُوى كامِلَ الآلاتِ تامَّ الأُهْبَةِ عَبَّرَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿عَلى سَفَرٍ﴾ يَعُوزُ مِثْلَهُ إحْضارُ كاتِبٍ ﴿ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ﴾ أيْ فَيُغْنِيكم عَنِ الكَتْبِ رَهْنٌ يَكُونُ بَدَلًا عَنْهُ، وقُرِئَ: فَرِهانٌ، وكِلاهُما جَمْعُ رَهْنٍ - بِالفَتْحِ والإسْكانِ، وهو التَّوْثِقَةُ بِالشَّيْءِ مِمّا يُعادِلُهُ بِوَجْهٍ ما. وأشارَ بِأنَّ بَدَلِيَّتَها لا تُفِيدُ إلّا بِما وصَفَها مِن قَوْلِهِ: ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ أيْ بِيَدِ رَبِّ الدَّيْنِ وثِيقَةً لِدَيْنِهِ.
(p-١٦١)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: هَذا إنْ تَخَوَّفْتُمْ مِنَ المُدايَنِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ أمِنَ﴾ ولَمّا كانَ الِائْتِمانُ تارَةً يَكُونُ مِنَ الدّائِنِ وتارَةً يَكُونُ مِنَ الرّاهِنِ قالَ: ﴿بَعْضُكم بَعْضًا﴾ أيْ فَلَمْ تَفْعَلُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ ﴿فَلْيُؤَدِّ﴾ أيْ يُعْطِ، مِنَ الأداءِ وهو الإتْيانُ بِالشَّيْءِ لِمِيقاتِهِ. ولَمّا كانَ المُرادُ التَّذْكِيرَ بِالإحْسانِ بِالِائْتِمانِ لِيُشْكَرَ ولَمْ يَتَعَلَّقْ غَرَضٌ بِكَوْنِهِ مِن مُحْسِنٍ مُعَيَّنٍ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ مِنَ الائْتِمانِ وهو طَلَبُ الأمانَةِ وهو إيداعُ الشَّيْءِ لِحَفِيظَتِهِ حَتّى يُعادَ إلى المُؤْتَمِنِ. قالَهُ الحَرالِّيُّ: ﴿أمانَتَهُ﴾ وهو [الدَّيْنُ] الَّذِي تَرَكَ المُؤْتَمِنُ التَّوَثُّقَ بِهِ مِنَ المَدِينِ إحْسانًا إلَيْهِ وحُسْنَ ظَنٍّ بِهِ، وكَذا إنْ كانَ الِائْتِمانُ مِن جِهَةِ الرّاهِنِ ﴿ولْيَتَّقِ اللَّهَ﴾ المُسْتَجْمِعَ لِصِفاتِ العَظَمَةِ ﴿رَبَّهُ﴾ أيِ الَّذِي رَبّاهُ في نِعَمِهِ وصانَهُ مِن بَأْسِهِ ونِقَمِهِ وعَطَّفَ عَلَيْهِ قَلْبَ مَن أعْطاهُ وائْتَمَنَهُ لِيُؤَدِّيَ الحَقَّ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي أخَذَهُ بِها فَلا يَخُنْ في شَيْءٍ مِمّا اؤْتُمِنَ عَلَيْهِ.
(p-١٦٢)ولَمّا كانَتِ الكِتابَةُ لِأجْلِ إقامَةِ الشَّهادَةِ وكانَتِ الأنْفُسُ مَجْبُولَةً عَلى الشُّحِّ مُؤَسَّسَةً عَلى حُبِّ الِاسْتِئْثارِ فَيَحْصُلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مُخاصَماتٌ ويَشْتَدُّ عَنْها المُشاحَناتُ ورُبَّما كانَ بَعْضُ المُخاصِمِينَ مِمَّنْ يُخْشى أمْرُهُ ويُرْجى بِرُّهُ فَيَحْمِلُ ذَلِكَ الشُّهُودَ عَلى السُّكُوتِ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ أيْ سَواءٌ كانَ صاحِبُ الحَقِّ يَعْلَمُها أوْ لا. ولَمّا نَهى أتْبَعَ النَّهْيَ التَّهْدِيدَ فَقالَ: ﴿ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ﴾ ولَمّا كانَ مَحَلُّها القَلْبَ الَّذِي هو عُمْدَةُ البَدَنِ قالَ: ﴿قَلْبُهُ﴾ ومَن أثِمَ قَلْبُهُ [فَسَدَ، ومَن فَسَدَ قَلْبُهُ فَسَدَ كُلُّهُ، لِأنَّ القَلْبَ قِوامُ البَدَنِ، إذا فَسَدَ فَسَدَ سائِرُ الجَسَدِ.
ولَمّا] كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى عالِمٌ بِأنَّهُ كَتَمَ وكانَ لِلشُّهَداءِ جِهاتٌ تَنْصَرِفُ بِها الشَّهادَةُ عَنْ وجْهِ الإقامَةِ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - لِيَشْمَلَ التَّهْدِيدُ تِلْكَ الأعْمالَ بِإحاطَةِ العِلْمِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ (p-١٦٣)المُحِيطُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ. ولَمّا كانَ الإنْسانُ هو المَقْصُودَ الأعْظَمَ مِن سائِرِ الأكْوانِ فَكانَتْ أحْوالُهُ [مَضْبُوطَةً] بِأنْواعٍ مِنَ الضَّبْطِ كَأنَّ العِلْمَ البَلِيغَ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ كُلِّهِ وإنْ دَقَّ سَواءٌ كانَ فِعْلَ القَلْبِ وحْدَهُ أوْ لا ﴿عَلِيمٌ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: فَأنْهى أمْرَ ما بَيْنَ الحَقِّ والخَلْقِ مَمْثُولًا وأمْرَ ما بَيْنَ الخَلْقِ والخَلْقِ مَثَلًا. انْتَهى.
2:284Page 49
لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ فَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٢٨٤
To Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth. Whether you show what is within yourselves or conceal it, Allāh will bring you to account for it. Then He will forgive whom He wills and punish whom He wills, and Allāh is over all things competent.
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ سَعَةِ عِلْمِهِ دَلَّ عَلَيْهِ بِسَعَةِ مُلْكِهِ المُسْتَلْزِمِ لِسَعَةِ قُدْرَتِهِ لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلى جَمِيعِ الكَمالِ لِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ كَما قالَ الأصْبَهانِيُّ إنَّ الصِّفاتِ الَّتِي هي كَمالاتُ حَقِيقَةٍ لَيْسَتْ إلّا القُدْرَةَ والعِلْمَ المُحِيطَ فَقالَ واعِدًا لِلْمُطِيعِ مُتَوَعِّدًا لِلْعاصِي مُصَرِّحًا بِأنَّ أفْعالَ العِبادِ وغَيْرَها مَخْلُوقٌ لَهُ:- وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ أوَّلُ السُّورَةِ إظْهارَ كِتابِ التَّقْدِيرِ في الذِّكْرِ الأوَّلِ كانَ خَتْمُها إبْداءَ أثَرِ ذَلِكَ الكِتابِ [الأوَّلِ] في الأعْمالِ والجَزاءِ الَّتِي هي الغايَةُ في ابْتِداءِ أمْرِ التَّقْدِيرِ فَوَقَعَ الخَتْمُ بِأنَّهُ سَلَبَ الخَلْقَ [ما] في أيْدِيهِمْ مِمّا أبْدَوْهُ وما أخْفَوْهُ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ؛ انْتَهى - فَقالَ: ﴿لِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ. ولَمّا (p-١٦٤)كانَتْ ما تَرِدُ لِمَن يَغْفُلُ وكانَ أغْلَبَ المَوْجُوداتِ [والجَماداتِ] عَبَّرَ بِها فَقالَ: ﴿ما في السَّماواتِ﴾ أيْ كُلُّهُ عَلى عُلُوِّها واتِّساعِها مِن مُلْكٍ وغَيْرِهِ ﴿وما في الأرْضِ﴾ مِمّا تُنْفِقُونَهُ وغَيْرِهِ مِن عاقِلٍ وغَيْرِهِ، يَأْمُرُ فِيهِما ومِنهُما بِما يَشاءُ ويَنْهى عَمّا يَشاءُ ويُعْطِي مَن يَشاءُ ويَمْنَعُ مَن يَشاءُ ويُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَهو يَعْلَمُ جَمِيعَ ما فِيهِما مِن كِتْمانِكم وغَيْرِهِ ويَتَصَرَّفُ فِيهِ بِما يُرِيدُ، عَطَفَ عَلَيْهِ مُحَذِّرًا مَن يَكْتُمُ الشَّهادَةَ أوْ يُضْمِرُ سُوءًا غَيْرَها أوْ يُظْهِرُهُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنْ تُبْدُوا﴾ أيْ تُظْهِرُوا (p-١٦٥)﴿ما في أنْفُسِكُمْ﴾ مِن شَهادَةٍ أوْ غَيْرِها ﴿أوْ تُخْفُوهُ﴾ مِمّا وطَّنْتُمُوهُ في النَّفْسِ وعَزَمْتُمْ عَلَيْهِ ولَيْسَ هو مِنَ الخَواطِرِ الَّتِي كَرِهْتُمُوها ولَمْ تَعْزِمُوا عَلَيْها. قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الإخْفاءِ وهو تَغْيِيبُ الشَّيْءِ وأنْ لا يُجْعَلَ عَلَيْهِ عَلَمٌ يُهْتَدى إلَيْهِ مِن جِهَتِهِ ﴿يُحاسِبْكُمْ﴾ مِنَ المُحاسَبَةِ مُفاعَلَةٌ مِنَ الحِسابِ والحَسْبِ، وهو اسْتِيفاءُ الأعْدادِ فِيما لِلْمَرْءِ وعَلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ يَعْنِي لِيُجازِيَ بِها ﴿بِهِ اللَّهُ﴾ أيْ بِذِكْرِهِ لَكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ. قالَ الحَرالِّيُّ: وفي ضِمْنِ هَذا الخِطابِ لِأُولِي الفَهْمِ إنْباءٌ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى إذا عاجَلَ العَبْدَ بِالحِسابِ بِحُكْمِ ما يُفْهِمُهُ تَرْتِيبُ الحِسابِ عَلى وُقُوعِ العَمَلِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فَيُحاسِبُكم مَثَلًا فَقَدْ أعْظَمَ اللُّطْفَ بِهِ، لِأنَّ مَن حُوسِبَ بِعَمَلِهِ عاجِلًا في الدُّنْيا خَفَّ جَزاؤُهُ عَلَيْهِ حَيْثُ يُكَفَّرُ عَنْهُ بِالشَّوْكَةِ يُشاكُها حَتّى بِالقَلَمِ يَسْقُطُ مِن يَدِ الكاتِبِ، فَيُكَفَّرُ عَنِ المُؤْمِنِ بِكُلِّ ما يَلْحَقُهُ في دُنْياهُ حَتّى يَمُوتَ عَلى طَهارَةٍ مِن ذُنُوبِهِ [وفَراغٍ مِن حِسابِهِ] كالَّذِي يَتَعاهَدُ بَدَنَهُ وثَوْبَهُ بِالتَّنْظِيفِ فَلا يَتَّسِخُ ولا يَدْرَنُ ولا يَزالُ (p-١٦٦)نَظِيفًا. انْتَهى وفِيهِ تَصَرُّفٌ.
ولَمّا كانَ حَقِيقَةُ المُحاسَبَةِ ذِكْرَ الشَّيْءِ والجَزاءَ عَلَيْهِ وكانَ المُرادُ بِها هُنا العَرْضَ وهو الذِّكْرُ فَقَطْ بِدَلالَةِ التَّضَمُّنِ دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ مُقَدِّمًا التَّرْجِئَةَ مُعادَلَةً لِما أفْهَمَهُ صَدْرُ الآيَةِ مِنَ التَّخْوِيفِ: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ أيْ فَلا يُجازِيهِ عَلى ذَلِكَ كَبِيرَةً كانَ أوْ لا ﴿ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ بِتَكْفِيرٍ أوْ جَزاءٍ.
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهَذا أنَّهُ مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ خَتَمَ الكَلامَ دَلالَةً عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُصَرِّحًا بِما لَزِمَ تَمامَ عِلْمِهِ مِن كَمالِ قُدْرَتِهِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ لَيْسَ [هُوَ] كَمُلُوكِ الدُّنْيا يُحالُ بَيْنَهم وبَيْنَ بَعْضِ ما يُرِيدُونَ بِالشَّفاعَةِ وغَيْرِها. قالَ الحَرالِّيُّ: فَسَلَبَ بِهَذِهِ الآيَةِ القُدْرَةَ عَنْ جَمِيعِ الخَلْقِ. انْتَهى. وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ خاصَّةٌ بِأمْرِ الشَّهادَةِ، وقالَ الأكْثَرُونَ: هي عامَّةٌ كَما فَهِمَها الصَّحابَةُ رِضْوانُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْهِمْ في الوَسْوَسَةِ وحَدِيثِ النَّفْسِ المَعْزُومِ عَلَيْهِ وغَيْرِهِ ثُمَّ خُفِّفَتْ بِما بَعْدَها، رَوى مُسْلِمُ في صَحِيحِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ (p-١٦٧)تَعالى عَنْهُ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ﴾ الآيَةُ إلى ﴿قَدِيرٌ﴾ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ بَرَكُوا عَلى الرُّكَبِ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! كُلِّفْنا مِنَ الأعْمالِ ما نُطِيقُ: الصَّلاةَ والصِّيامَ والجِهادَ والصَّدَقَةَ وقَدْ أُنْزِلَتْ [عَلَيْكَ] هَذِهِ الآيَةُ ولا نُطِيقُها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أتُرَوْنَ أنْ تَقُولُوا كَما قالَ أهْلُ الكِتابَيْنِ مِن قَبْلِكُمْ: ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ [البقرة: ٩٣] قُولُوا: ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] قالُوا: ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] ].
فَلَمّا اقْتَرَأها القَوْمُ وذَلَّتْ بِها ألْسِنَتُهم أنْزَلَ اللَّهُ في إثْرِها ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْـزِلَ إلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى ﴿المَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَها اللَّهُ تَعالى وأنْزَلَ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] إلى [ ﴿أوْ أخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قالَ: نَعَمْ» قالَ البَغْوِيُّ: وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: قَدْ فَعَلْتُ]، واسْتَمَرَّ إلى آخِرِ السُّورَةِ كُلَّما قَرَؤُوا جُمْلَةً قالَ: نَعَمْ. فَقَدْ تَبَيَّنَ (p-١٦٨)مِن هَذا تَناسُبُ هَذِهِ الآياتِ، وأمّا مُناسَبَتُها لِأوَّلِ السُّورَةِ رَدًّا لِلْمَقْطَعِ عَلى المَطْلَعِ فَهو أنَّهُ لَمّا ابْتَدَأ السُّورَةَ بِوَصْفِ المُؤْمِنِينَ بِالكِتابِ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ خَتَمَها بِذَلِكَ بَعْدَ تَفْصِيلِ الإنْفاقِ الَّذِي وصَفَهم بِهِ أوَّلَها عَلى وجْهٍ يَتَّصِلُ بِما قَبْلَهُ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي والِاتِّصافِ بِأوْصافِ الكَمالِ أشَدَّ اتِّصالٍ، وجَعَلَ رَأْسَهُمُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأزْكى السَّلامِ تَعْظِيمًا لِلْمَدْحِ وتَرْغِيبًا في ذَلِكَ الوَصْفِ فَأخْبَرَ بِإيمانِهِمْ بِما أنْزَلَ إلَيْهِ بِخُصُوصِهِ وبِجَمِيعِ الكُتُبِ وجَمِيعِ الرُّسُلِ وبِقَوْلِهِمُ الدّالِّ عَلى كَمالِ الرَّغْبَةِ وغايَةِ الضَّراعَةِ والخُضُوعِ فَقالَ اسْتِئْنافًا لِجَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: ما فَعَلَ مَن أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الأوامِرُ والنَّواهِي وغَيْرُها؟
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences