Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:30–33
2:30Page 6
وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٣٠
And [mention, O Muḥammad], when your Lord said to the angels, "Indeed, I will make upon the earth a successive authority."1 They said, "Will You place upon it one who causes corruption therein and sheds blood, while we exalt You with praise and declare Your perfection?"2 He [Allāh] said, "Indeed, I know that which you do not know."
ولَمّا ذَكَرَ (p-٢٢٦)الحَياةَ والمَوْتَ المُشاهَدَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى القُدْرَةِ عَلى ما أتْبَعَهُما بِهِ مِنَ البَعْثِ ثُمَّ دَلَّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا بِخَلْقِ هَذا الكَوْنِ كُلِّهِ عَلى هَذا النِّظامِ البَدِيعِ وخَتَمَ ذَلِكَ بِصِفَةِ العِلْمِ ذَكَرَ ابْتِداءَ خَلْقِ هَذا النَّوْعِ البَشَرِيِّ المُودَعِ مِن صِفَةِ العِلْمِ ما ظَهَرَ بِهِ فَضْلُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] وبَيانًا لِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] إذْ مِنَ البَدْءَةِ تُعْلَمُ العَوْدَةُ لِمَن تَدَبَّرَ، أوْ يَكُنْ عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ هَذا لَهم، وذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا خاطَبَهم بِهَذا الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مِن مَعانِيهِ الإنْكارُ ذاكِرًا الِاسْمَ الأعْظَمَ الَّذِي هو أعْلى الأسْماءِ وأبْطَنُها غَيْبًا والضَّمِيرُ الَّذِي ”هو“ أبْطَنُ مِنهُ، وأتْبَعَهُ بَعْضَ ما هم لَهُ مُنْكِرُونَ أوْ بِهِ جاهِلُونَ، وأشارَ بِقَوْلِهِ: ”لَكم“ مُثْبَتَةً فِيما هو ظاهِرٌ عِنْدَهم ومَحْذُوفَةً مِمّا هو خَفِيٌّ عَنْهم، كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ في الِاحْتِباكِ إلى أنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ هَذا النَّوْعَ البَشَرِيَّ لِلْفَناءِ بَلْ لِلْبَقاءِ بِما أبانَ عَنْ أنَّهُ إنَّما خَلَقَ جَمِيعَ (p-٢٢٧)ما في هَذِهِ الأكْوانِ لِأجْلِهِمْ، فالبَعْضُ رِزْقٌ لَهم والبَعْضُ أسْبابٌ لَهُ، والبَعْضُ أسْجَدَهم لِأبِيهِمْ وهم في صُلْبِهِ ووَكَّلَهم بِهِمْ في حِفْظِ أعْمالِهِمْ وقَسْمِ أرْزاقِهِمْ ونَفْخِ أرْواحِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن تَرْبِيَتِهِمْ وإصْلاحِهِمْ؛ لَمْ يَكُونُوا أهْلًا لِفَهْمِ هَذا الخِطابِ حَقَّ فَهْمِهِ تَلَقِّيًا عَنِ اللَّهِ لِعُلُوِّهِ سُبْحانَهُ وعُلُوِّ هَذا الخِطابِ بِالأسْماءِ الباطِنَةِ وما نُظِمَ بِها مِنَ المَعانِي اللّائِقَةِ بِها عُلُوًّا وغَيْبًا فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ بِعَطْفِ ”إذْ“ عَلى غَيْرِ ظاهِرٍ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (p-٢٢٨)نَحْوِ: اذْكُرْ لَهم أيُّها الرَّسُولُ هَذا، لِأنَّهُ لا يَفْهَمُهُ حَقَّ فَهْمِهِ عَنّا سِواكَ، وهم إلى الفَهْمِ عَنْكَ أقْرَبُ ”وإذْ“ أيْ واذْكُرْ ما اتَّفَقَ إذْ، وحُذِفَ هَذا المَعْطُوفُ عَلَيْهِ لِاحْتِمالِ المَأْمُورِ بِذِكْرِهِ الإنْكارَ والسِّياقُ لِإيرادِ الرِّفْقِ والبَشارَةِ عَلى لِسانِهِ ﷺ اسْتِعْطافًا لَهم إلَيْهِ وتَحْبِيبًا فِيهِ وفي حَذْفِهِ أيْضًا والدَّلالَةِ عَلَيْها بِالعاطِفِ حَثٌّ عَلى تَدَبُّرِ ما قَبْلَهُ تَنْبِيهًا عَلى جَلالَةِ مِقْدارِهِ ودِقَّةِ أسْرارِهِ، ولَمّا عُلِمَتِ الإشارَةُ لَكِنْ لِأهْلِ البِصارَةِ أتْبَعَها قِصَّةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَلِيلًا ظاهِرًا ومِثالًا بَيِّنًا لِخُلاصَةِ ما أُرِيدَ بِهَذِهِ الجُمَلِ مِمّا نَبَّهَ عَلَيْهِ بِالعاطِفِ مِن أنَّ النَّوْعَ الآدَمِيَّ هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ مِن هَذا الوُجُودِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ في الحِكْمَةِ أنْ يُتْرَكَ بَعْدَ مَوْتِهِ مِن غَيْرِ إحْياءٍ يُرَدُّ بِهِ إلى دارٍ لا يَكُونُ في شَيْءٍ مِن أُمُورِها مِن أحَدٍ نَوْعٌ مِنَ الخَلَلِ وتَكُونُ الحِكْمَةُ فِيها ظاهِرَةً جِدًّا لا خَفاءَ بِها أصْلًا. فَيَظْهَرُ الحَمْدُ أتَمَّ ظُهُورٍ؛ ولِذَلِكَ ذَكَرَ تَفْضِيلَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ (p-٢٢٩)بِالعِلْمِ، ثُمَّ بِإسْجادِ المَلائِكَةِ لَهُ، ثُمَّ بِإسْكانِهِ الجَنَّةَ، ثُمَّ بِتَلَقِّي أسْبابِ التَّوْبَةِ عِنْدَ صُدُورِ الهَفْوَةِ؛ وقَدْ رَوى البَيْهَقِيُّ في أواخِرِ الدَّلائِلِ، والحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ، والحاكِمُ في المُسْتَدْرِكِ عَنْ بِشْرِ بْنِ شَغافٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ”إنَّ أكْرَمَ خَلِيقَةِ اللَّهِ عَلى اللَّهِ: أبُو القاسِمِ ﷺ، قُلْتُ: رَحِمَكَ اللَّهُ ! فَأيْنَ المَلائِكَةُ ؟ فَنَظَرَ إلَيَّ وضَحِكَ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي ! وهَلْ تَدْرِي ما المَلائِكَةُ ؟ إنَّما المَلائِكَةُ خَلْقٌ كَخَلْقِ الأرْضِ وخَلْقِ السَّماءِ وخَلْقِ السَّحابِ وخَلْقِ الجِبالِ وخَلْقِ الرِّياحِ وسائِرِ الخَلائِقِ الَّتِي لا تَعْصِي اللَّهَ شَيْئًا، وإنَّ أكْرَمَ الخَلائِقِ عَلى اللَّهِ أبُو القاسِمِ ﷺ“ . وقالَ البَيْهَقِيُّ: إنَّهُ لَيْسَ بِمَوْقُوفٍ بَلْ حُكْمُهُ الرَّفْعُ. وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا جَعَلَ اللَّهُ تَعالى نُورَ العَقْلِ هادِيًا لِآياتِ ما ظَهَرَ في الكَوْنِ، وكانَ مِنَ الخَلْقِ مُهْتَدٍ بِهِ ومُعْرِضٌ عَنْهُ بَعْثَ اللَّهِ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ لِمَنِ اهْتَدى بِنُورِ العَقْلِ بِمُقْتَضى الآياتِ المَحْسُوسَةِ وتِلْكَ هي الحَنِيفِيَّةُ والمِلَّةُ الإبْراهِيمِيَّةُ، ومُنْذِرِينَ لِمَن أعْرَضَ عَنْ ذَلِكَ وشَغَلَتْهُ شَهَواتُ دُنْياهُ، (p-٢٣٠)فَتَرَتَّبَ لِذَلِكَ خِطابُ الكِتابِ بَيْنَ ما يُخاطِبُ بِهِ الأعْلَيْنَ المُهْتَدِينَ وبَيْنَ ما يُخاطِبُ بِهِ الأدْنَيْنَ المُعْرِضِينَ، وكَذَلِكَ تَفاوَتَ الخِطابُ بَيْنَ ما يُخاطِبُ بِهِ الأئِمَّةَ المُهْتَدِينَ والمُؤْتَمُّونَ بِهِمْ، فَكانَ أعْلى الخِطابِ ما يُقْبِلُ عَلى إمامِ الأئِمَّةِ وسَيِّدِ السّاداتِ وأحْظى خَلْقِ اللَّهِ عِنْدَ اللَّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ . فَكانَ أوَّلُ الخِطابِ بِـ ﴿الم﴾ [البقرة: ١] ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] إقْبالًا عَلَيْهِ وإيتاءً لَهُ مِنَ الذِّكْرِ الأوَّلِ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أُوتِيَتُ البَقَرَةَ وآلَ عِمْرانَ مِنَ الذِّكْرِ الأوَّلِ» وهو أوَّلُ مَكْتُوبٍ حِينَ كانَ اللَّهُ ولا شَيْءَ مَعَهُ، وكُتِبَ في الذِّكْرِ الأوَّلِ كُلُّ شَيْءٍ، فَخاطَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِما في الذِّكْرِ الأوَّلِ وأنْزَلَهُ قُرْآنًا لِيَكُونَ آخِرَ المُنْزَلِ الخاتَمِ هو أوَّلُ الذِّكْرِ السّابِقِ لِيَكُونَ الآخِرَ الأوَّلَ في كِتابِهِ كَما هو في ذاتِهِ، فَمِن حَيْثُ كانَ الخِطابُ الأوَّلُ مِن أعْلى خِطابِ اللَّهِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ انْتَظَمَ بِهِ ما هو أدْنى خِطابٍ مِن آياتِ الدَّعْوَةِ تَنْبِيهًا لِمَن أعْرَضَ عَنِ الِاسْتِضاءَةِ بِنُورِ العَقْلِ لِما بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ مِن (p-٢٣١)تَناسُبِ التَّقابُلِ؛ ثُمَّ عادَ وجْهُ الخِطابِ إلَيْهِ ﷺ بِما هو إعْلامٌ بِغائِبِ الماضِي عَنْ كائِنِ الوَقْتِ مِن أمْرِ ابْتِداءِ مُفاوَضَةِ الحَقِّ مَلائِكَتَهُ في خَلْقِ آدَمَ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَرْغِيبًا لِلْمُبَشَّرِينَ في عُلُوِّ الرُّتَبِ إلى التَّكامُلِ كَما كانَتْ آيَةُ الدَّعْوَةِ تَنْبِيهًا لِلْمُعْرِضِينَ لِيَعُودُوا إلى الإقْبالِ، وخُصُوصُ الإنْزالِ إنَّما هو في الإنْباءِ بِغَيْبِ الكَوْنِ مِن مَلَكُوتِهِ وغائِبِ أيّامِ اللَّهِ الماضِيَةِ ومُنْتَظَرِ أيّامِ اللَّهِ الآتِيَةِ، فَذَلِكَ الَّذِي يَخُصُّ المُهْتَدِينَ بِنُورِ العَقْلِ لِيَتَرَقَّوْا مِن حَدِّ الإيمانِ إلى رُتْبَةِ اليَقِينِ، وإنَّما يَرِدُ التَّنْبِيهُ والتَّنْزِيلُ بِما في نُورِ العَقْلِ هِدايَتُهُ مِن أجْلِ المُعْرِضِينَ؛ فَكانَ ما شَمِلَهُ التَّنْزِيلُ بِذَلِكَ أرْبَعَةَ أُمُورٍ: أحَدُها التَّنْبِيهُ عَلى الآياتِ بِمُقْتَضى أسْماءِ اللَّهِ مِنِ اسْمِهِ المَلِكِ إلى اسْمِهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إلى اسْمِهِ رَبِّ العالَمِينَ إلى اسْمِهِ العَظِيمِ الَّذِي هو اللَّهُ، والثّانِي التَّنْبِيهُ عَلى غائِبِ المُنْتَظَرِ الَّذِي الخَلْقُ صائِرُونَ إلَيْهِ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا، والثّالِثُ الإعْلامُ بِماضِي أمْرِ اللَّهِ جَمْعًا لِلْهِمَمِ لِلْجِدِّ والِانْكِماشِ في عِبادَةِ اللَّهِ، والرّابِعُ التَّبْصِيرُ بِبَواطِنِ كائِنِ الوَقْتِ الَّذِي في ظاهِرِهِ إعْلامُهُ؛ فَكانَ أوَّلُ التَّنْزِيلِ في هَذِهِ السُّورَةِ أمْرَ أوَّلِ يَوْمٍ مِن ذِكْرِ اللَّهِ وهو كَتْبُ مُقْتَضى العِلْمِ والقُدْرَةِ في قَسْمِهِ تَعالى عِبادَهُ بَيْنَ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ ومُنافِقٍ، ثُمَّ أنْزَلَ الخِطابَ إلى آيَةِ الدَّعْوَةِ مِن وراءِ حِجابِ السِّتْرِ بِسابِقِ التَّقْدِيرِ فَعَمَّ بِهِ النّاسَ ونَبَّهَهم (p-٢٣٢)عَلى آياتِ رُبُوبِيَّتِهِ وحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ مِنهُ إلَيْهِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ إعْلامًا لِابْتِداءِ المُفاوَضَةِ في خَلْقِ آدَمَ عَطْفًا عَلى ذَلِكَ الَّذِي يُعْطِيهِ إفْهامُ هَذا الإفْصاحِ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: ”وإذْ“ فَإنَّ الواوَ حَرْفٌ يُجْمَعُ ما بَعْدَهُ مَعَ شَيْءٍ قَبْلَهُ إفْصاحًا في اللَّفْظِ أوْ إفْهامًا في المَعْنى، وإنَّما يَقَعُ ذَلِكَ لِمَن يَعْلُو خِطابُهُ ولا يَرْتابُ في إبْلاغِهِ. وإذْ اسْمٌ مُبْهَمٌ لِما مَضى مِنَ الأمْرِ والوَقْتِ، ”قالَ“ مِنَ القَوْلِ وهو إبْداءُ صُوَرِ الكَلِمِ نَظْمًا بِمَنزِلَةِ ائْتِلافِ الصُّوَرِ المَحْسُوسَةِ جَمْعًا، فالقَوْلُ مَشْهُودُ القَلْبِ بِواسِطَةِ الأُذُنِ، كَما أنَّ المَحْسُوسَ مَشْهُودُ القَلْبِ بِواسِطَةِ العَيْنِ وغَيْرِهِ.
ثُمَّ قالَ: لَمّا أنْبَأ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ نَبِيَّهُ ﷺ بِما في الذِّكْرِ مِنَ التَّقْدِيرِ الَّذِي هو خَبْءُ الشِّرْعَةِ ونَظَمَ بِهِ ما أنْزَلَ مِن دَعْوَةِ الخَلْقِ إلى حُكْمِهِ فانْتَظَمَ ذَلِكَ رُتْبَتَيْ أمْرٍ نَظَمَ تَعالى بِذَلِكَ إنْزالَ ذِكْرِ خَلْقٍ مَعْطُوفًا عَلى ذِكْرِ خَلْقٍ أعْلى رُتْبَةً مِنهُ، نِسْبَتُهُ مِنهُ كَنِسْبَةِ الدَّعْوَةِ مِن خَبْئِها، فَذَكَرَ خَلْقَ آدَمَ ظاهِرَ خَبْءِ ما عَطَفَ عَلَيْهِ وهو واللَّهُ أعْلَمُ ذِكْرُ خَلْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِي هو خَبْءُ خَلْقِ آدَمَ، فَكَأنَّهُ تَعالى أعْلَمَ نَبِيَّهُ ﷺ بِأمْرِ خَلْقِهِ لَهُ بَدْءَ وحْيِ سِرٍّ ثُمَّ أعْلَنَ بِما عَطَفَ عَلَيْهِ (p-٢٣٣)مِن ذِكْرِ خَلْقِ آدَمَ وحْيَ عَلَنٍ لِيَكُونَ أمْرُ خَلْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ عِنْدَ الخاصَّةِ فَهْمًا كَما كانَ أمْرُ خَلْقِ آدَمَ عِنْدَ العامَّةِ إفْصاحًا؛ وكانَ المَفْهُومُ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ كانَ في خَلْقِكَ كَذا ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ بِرَحْمَةِ العِبادِ بِكَ الَّذِي خَبَّأكَ في إظْهارِ خَلْقِ آدَمَ ﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾ ما أنْزَلَ، وتَأْوِيلُ المَلائِكَةِ عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ أنَّهُ جَمْعُ مَلاكٍ مَقْلُوبٌ مِن مَأْلَكٍ مِنَ الألْكِ وهي الرِّسالَةُ، فَتَكُونُ المِيمُ زائِدَةً ويَكُونُ وزْنُهُ مَعافِلَةً، ويَكُونُ المَلَكُ مِنَ المَلْكِ وهو إحْكامُ ما مِنهُ التَّصْوِيرُ، مِن مَلَكَتِ (p-٢٣٤)العَجِينُ، وجَمْعُهُ أمْلاكٌ، تَكُونُ فِيهِ المِيمُ أصْلِيَّةً، فَلْيَكُنِ اسْمُ مَلائِكَةٍ جامِعًا لِلْمَعْنَيَيْنِ مَنحُوتًا مِنَ الأصْلَيْنِ، فَكَثِيرًا ما يُوجَدُ ذَلِكَ في أسْماءِ الذَّواتِ الجامِعَةِ كَلَفْظِ إنْسانٍ بِما ظَهَرَ فِيهِ مِن أنَّهُ مِنَ الأُنْسِ والنِّسْيانِ مَعًا، وهو وضْعٌ لِلْكَلِمِ عَلى مَقْصِدٍ أفْصَحَ وأعْلى مِمّا يَخُصُّ بِهِ اللَّفْظُ مَعْنًى واحِدًا، فَلِلْكَلامِ رُتْبَتانِ: رُتْبَةٌ عامَّةٌ ورُتْبَةٌ خاصَّةٌ أفْصَحُ وأعْلى كَلِمًا وكَلامًا.
قالَ: وفِيهِ - أيْ هَذا الخِطابِ - مَعَ ذَلِكَ اسْتِخْلاصٌ لِبَواطِنِ أهِلِ الفَطانَةِ مِن أنَّ تَعَلُّقَ بَواطِنِهِمْ بِأحَدٍ مِن دُونِهِ حِينَ أبْدى لَهُمُ انْفِرادَهُ بِإظْهارِهِمْ خَلْقًا دُونَ مَلائِكَتِهِ الأكْرَمِينَ، حَتّى لا تُعَلَّقَ قُلُوبُهم بِغَيْرِهِ مَن أهْلِ الِاصْطِفاءِ فَكَيْفَ بِمَن يَكُونُ في مَحَلِّ البُعْدِ والإقْصاءِ ! تَوْطِئَةً لِقَبِيحِ ما يَقَعُ مِن بَعْضِهِمْ مِنِ اتِّباعِ خُطُواتِ الشَّيْطانِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ في كُلِّ آيَةٍ مَعْنًى تَنْتَظِمُ بِهِ بِما قَبْلَها ومَعْنًى تَتَهَيَّأُ بِهِ لِلِانْتِظامِ بِما بَعْدَها؛ وبِذَلِكَ (p-٢٣٥)كانَ انْتِظامُ الآيِ داخِلًا في مَعْنى الإعْجازِ الَّذِي لا يَأْتِي الخَلْقُ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا.
”إنِّي“ إنَّ حَرْفٌ يُفْهِمُ تَوْكِيدًا مِن ذاتِ نَفْسِ المُؤَكِّدِ وعِلْمِهِ، والياءُ اسْمٌ عَلِيٌّ يَخُصُّ المُضِيفَ إلى نَفْسِهِ الَّذِي يُضِيفُ الأشْياءَ إلَيْهِ،
﴿جاعِلٌ في الأرْضِ﴾ ولَمّا كانَتْ خِلافَةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كامِلَةً في جَمِيعِ الأرْضِ بِنَفْسِهِ وبِذَرِّيَّتِهِ وحَّدَ لِذَلِكَ مَعَ أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُرادَ بِهِ الجِنْسُ فَقالَ: ﴿خَلِيفَةً﴾ الخَلِيفَةُ ذاتٌ قائِمٌ بِما يَقُومُ بِهِ المُسْتَخْلَفُ عَلى حَسَبِ رُتْبَةِ ذَلِكَ الخَلِيفَةِ مِنهُ، فَهو خَلِيفَةُ اللَّهِ في كَوْنِهِ مُلْكِهِ ومَلَكُوتِهِ، وهم أيْضًا بَعْضُهم خُلَفاءُ بَعْضٍ؛ فَهو خَلِيفَةٌ بِالمَعْنَيَيْنِ. انْتَهى.
وجَعَلَ سُبْحانَهُ هَذا التَّذْكِيرَ في سِياقٍ داعٍ إلى عِبادَتِهِ وقائِدٍ إلى مَحَبَّتِهِ حَيْثُ مَتَّ إلى هَذا النَّوْعِ الآدَمِيِّ بِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ وإحْسانِهِ إلَيْهِمْ قَبْلَ (p-٢٣٦)إيجادِهِمْ، فَذَكَرَ لَهم ما حاجَّ بِهِ مَلائِكَتَهُ عَنْهم، وما شَرَّفَ بِهِ أباهم آدَمَ مِنَ العِلْمِ وأمْرِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ بِالسُّجُودِ لَهُ، ثُمَّ ما وقَعَ لِإبْلِيسَ مَعَهُ وهُما عَبْدانِ مِن عَبِيدِهِ فَتابَ عَلَيْهِ ولَمْ يَتُبْ عَلى إبْلِيسَ مَعَ سَبْقِهِ لَهُ بِالعِبادَةِ بَلْ أوْجَبَ طَرْدَهُ وأبَّدَ بُعْدَهُ فَقالَ تَعالى حِكايَةً عَنِ المَلائِكَةِ جَوابًا لِسُؤالِ مَن كَأنَّهُ قالَ ما قالُوا حِينَ أخْبَرَهم سُبْحانَهُ بِذَلِكَ: ”قالُوا“ طالِبِينَ الإيقانَ عَلى الحِكْمَةِ في إيجادِ مَن يَقَعُ مِنهُ شَرٌّ ﴿أتَجْعَلُ فِيها﴾ أيْ في الأرْضِ ﴿مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ أيْ بِأنْواعِ المَعاصِي بِالقُوَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ،
﴿ويَسْفِكُ﴾ (p-٢٣٧)مِنَ السَّفْكِ، قالَ الحَرالِّيُّ: وهو سَكْبٌ بِسَطْوَةٍ ﴿الدِّماءَ﴾ أيْ بِغَيْرِ حَقِّها بِالقُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ، لِعَدَمِ عِصْمَتِهِمْ، وخَلْقِهِمْ جُوفًا لا يَتَمالَكُونَ، وأصْحابَ شَهَواتٍ عَلَيْها يَتَهالَكُونَ؛ وكَأنَّهم لَمّا رَأوْا صُورَةَ آدَمَ تَفَرَّسُوا فِيها ذَلِكَ لَوْ سَألُوا عَنْ مَنافِعِ أعْضائِهِ وما أُودِعَ فِيها مِنَ القُوى والمَعانِي أخْبَرَهم تَعالى بِما تَفَرَّسُوا مِنهُ ذَلِكَ والدَّمُ قالَ الحَرالِّيُّ: رِزْقُ البَدَنِ الأقْرَبُ إلَيْهِ المَحُوطُ فِيهِ ”ونَحْنُ“ أيْ والحالُ إنّا نَحْنُ، وهَذا الضَّمِيرُ (p-٢٣٨)كَما قالَ الحَرالِّيُّ: اسْمُ القائِلِ المُسْتَتْبِعِ لِمَن هو في طَوْعِ أمْرِهِ لا يُخالِفُهُ ﴿نُسَبِّحُ﴾ أيْ نُوقِعُ التَّسْبِيحَ أيِ التَّنْزِيهَ لَكَ والإبْعادَ عَمّا لا يَلِيقُ بِكَ مُلْتَبِسِينَ في التَّسْبِيحِ ﴿بِحَمْدِكَ﴾ والحاصِلُ إنّا نُبَرِّئُكَ عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ حالَ إثْباتِنا لَكَ صِفاتِ الكَمالِ، وحُذِفَ المَفْعُولُ لِلتَّعْمِيمِ؛ وقالَ الحَرالِّيُّ: التَّسْبِيحُ تَنْزِيهُ الحَقِّ تَعالى عَنْ بادِيَةِ نَقْصٍ في خَلْقٍ أوْ رُتْبَةٍ، وحَمْدُ اللَّهِ اسْتِواءُ أمْرِهِ عُلُوًّا وسُفْلًا ومَحْوُ الذَّمِّ عَنْهُ والنَّقْصِ مِنهُ، وذَلِكَ تَسْبِيحٌ أيْضًا في عُلُوِّ أمْرِ اللَّهِ، فَما سَبَّحَ بِالحَمْدِ إلّا أهْلُ الحَمْدِ مِن آدَمَ ومُحَمَّدٍ ﷺ، فَغايَةُ المُسَبِّحِ الحَمْدُ، والحَمْدُ تَسْبِيحٌ لِمَن غايَتُهُ وراءَ ذَلِكَ الِاسْتِواءِ. انْتَهى.
﴿ونُقَدِّسُ﴾ أيْ نُطَهِّرُ كُلَّ شَيْءٍ نَقْدِرُ عَلَيْهِ مِن نُفُوسِنا وغَيْرِها، (p-٢٣٩)”لَكَ“ أيْ لا لِغَيْرِكَ لِعِصْمَتِنا بِكَ، أوِ المَعْنى نُوقِعُ التَّقْدِيسَ أيِ التَّطْهِيرَ لَكَ بِمَعْنى أنَّكَ في الغايَةِ مِنَ الطَّهارَةِ والعُلُوِّ في كُلِّ صِفَةٍ. قالَ الحَرالِّيُّ: القُدْسُ طَهارَةٌ دائِمَةٌ لا يَلْحَقُها نَجَسٌ ظاهِرٌ ولا رِجْسٌ باطِنٌ، واللّامُ تَعِلَّةٌ لِلشَّيْءِ لِأجْلِهِ كانَ ما أُضِيفَ بِهِ. انْتَهى.
ولَمّا تَضَمَّنَ تَفَرُّسُهم هَذا نِسْبَتَهم أنْفُسَهم إلى العِلْمِ المُثْمِرِ لِلْإحْسانِ، ونِسْبَةَ الخَلِيفَةِ إلى الجَهْلِ المُنْتِجِ لِلْإساءَةِ أعْلَمَنا سُبْحانَهُ لِنَشْكُرَهُ أنَّهُ حاجَّ مَلائِكَتَهُ عَنّا، فَبَيَّنَ لَهم أنَّ الأمْرَ عَلى خِلافِ ما ظَنُّوا بِقَوْلِهِ اسْتِئْنافًا: ﴿قالَ إنِّي أعْلَمُ﴾ أيْ مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وقالَ الحَرالِّيُّ: وأعْلَمَ تَعالى بِما أجْرى عَلَيْهِ خَلْقَهُ مِنَ القَضاءِ بِما ظَهَرَ والحُكْمِ عَلى الآتِي بِما مَضى حَيْثُ أنْبَأ عَنْ مَلائِكَتِهِ بِأنَّهم قَضَوْا عَلى الخَلِيفَةِ في الأرْضِ بِحالِ مَن تَقَدَّمَهم في الأرْضِ مِنَ الجِبِلَّةِ الأوَّلِينَ مِنَ الجِنِّ الَّذِينَ أبْقى مِنهُمُ عَزازِيلَ وغَيْرِهِمْ لِيَتَحَقَّقَ أنَّ أمْرَ اللَّهِ جَدِيدٌ وأنَّهُ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ لا يَقْضِي عَلى آتِي وقْتٍ بِحُكْمِ ما فِيهِ ولا بِما مَضى قَبْلَهُ. انْتَهى. والأظْهَرُ (p-٢٤٠)ما ذَكَرْتُهُ أنَّهم إنَّما قالُوا ذَلِكَ تَفَرُّسًا بِحُكْمِ ما ظَهَرَ لَهم مِن صُورَتِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِن إعْلامِهِمْ بِأنَّهُ يَجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ الشَّهْوَةِ والعَقْلِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الشَّهْوَةَ حامِلَةٌ عَلى الفَسادِ؛ وعَلِمَ سُبْحانَهُ ما خَفِيَ عَنْهُ مِن أنَّهُ يُوَفِّقُ مَن أرادَ مِنهم لِلْعَمَلِ بِمُقْتَضى العَقْلِ مَعَ قِيامِ مُنازِعِ الشَّهْوَةِ والهَوى، فَيَأْتِي غايَةَ الكَمالِ الَّتِي هي فَوْقَ دَرَجَةِ العامِلِ بِمُقْتَضى العَقْلِ مِن غَيْرِ مُنازِعٍ لَهُ فَيُظْهِرُ تَمامَ القُدْرَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
2:31Page 6
وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِي بِأَسۡمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣١
And He taught Adam the names - all of them. Then He showed them to the angels and said, "Inform Me of the names of these, if you are truthful."
ولَمّا أعْلَمَ سُبْحانَهُ المَلائِكَةَ أنَّ الأمْرَ عَلى خِلافِ ما ظَنُّوا شَرَعَ (p-٢٤١)فِي إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ فَقالَ عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ: ”قالَ“: ”﴿وعَلَّمَ﴾“ أيْ لِإقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى ذَلِكَ، والتَّعْلِيمُ تَكْرارُ العِلْمِ لِيَثْبُتَ لِما في جِبِلَّةِ المُعَلَّمِ مِنَ النِّسْيانِ،
﴿آدَمَ﴾ مِنَ الأدَمِ مِنَ الأدِيمِ وهو جِلْدَةُ الأرْضِ الَّتِي مِنها جِسْمُهُ، وحَظُّ ما فِيهِ مِن أدِيمِ الأرْضِ هو اسْمُهُ الَّذِي أنْبَأ عَنْهُ لَفْظُ آدَمَ،
﴿الأسْماءَ﴾ (p-٢٤٢)أيِ الَّتِي لِلْأشْياءِ ﴿كُلَّها﴾ وهو جَمْعُ اسْمٍ وهو ما يَجْمَعُ اشْتِقاقَيْنِ مِنَ السِّمَةِ والسُّمُوِّ؛ فَهو بِالنَّظَرِ إلى اللَّفْظِ وسْمٌ وبِالنَّظَرِ إلى الحَظِّ مِن ذاتِ الشَّيْءِ سُمُوٌّ، وذَلِكَ السُّمُوُّ هو مَدْلُولُ الِاسْمِ الَّذِي هو الوَسْمُ الَّذِي تُرادِفُهُ التَّسْمِيَةُ - قالَهُ الحَرالِّيُّ، وقالَ في كِتابٍ لَهُ في أُصُولِ الفِقْهِ: الِاسْمُ يُقالُ عَلى لَفْظِ التَّسْمِيَةِ ويُقالُ عَلى حَظٍّ ونَصِيبٍ مِن ذَواتِ الأشْياءِ، وتِلْكَ هي المَعْرُوضَةُ عَلى المَلائِكَةِ، واسْمُ التَّسْمِيَةِ يُحاذِي بِهِ المُسَمّى مَعْلُومَهُ مِنَ الشَّيْءِ المُسَمّى الَّذِي هو الِاسْمُ المَعْرُوضُ، وهو عِنْدَ آدَمَ عِلْمٌ وعِنْدَ المَلائِكَةِ ومَن لا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ الِاسْمِ المَعْرُوضِ تَوْقِيفٌ ونَبَأٌ. انْتَهى.
(p-٢٤٣)ولَمّا كانَ العَرْضُ عَلى المَلائِكَةِ بالِغًا في المُرادِ؛ أشارَ إلى تَعْظِيمِهِ بِحَرْفِ التَّراخِي فَقالَ: ثُمَّ ﴿عَرَضَهُمْ﴾ أيِ الأشْياءَ. قالَ الحَرالِّيُّ: أظْهَرَهم عَنْ جانِبٍ وهو العَرْضُ والنّاحِيَةُ ﴿عَلى المَلائِكَةِ﴾ القائِلِينَ لِذَلِكَ. وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا ذَكَرَ تَعالى مُراجَعَةَ المَلائِكَةِ في خَلْقِ هَذا الخَلِيفَةِ ذَكَرَ إبْداءَهُ لَهم وجْهَ حِكْمَةٍ عَلِيَّةٍ بِما أعْلى هَذا الخَلِيفَةَ مِن تَعْلِيمِهِ إيّاهُ حَقائِقَ جَمِيعِ الذَّواتِ المَشْهُودَةِ لَهم عَلى إحاطَتِهِمْ بِمَلَكُوتِ اللَّهِ ومُلْكِهِ شُهُودًا فَأراهم إحاطَةَ عِلْمِ آدَمَ بِما شَهِدُوا صُورَةً ولَمْ يَشْهَدُوا حَقِيقَةَ مَدْلُولِ تَسْمِيَتِها، وعَلَّمَهُ حِكْمَةَ ما بَيْنَ تِلْكَ الأسْماءِ الَّتِي هي حَظٌّ مِنَ الذَّواتِ وبَيْنَ تَسْمِيّاتِها مِنَ النُّطْقِ لِيَجْتَمِعَ في عِلْمِهِ خَلْقُ كُلِّ شَيْءٍ صُورَةً وأمْرُهُ كَلِمَةً فَيَكْمُلُ عِلْمُهُ في قَلْبِهِ عَلى سَبِيلِ سَمْعِهِ وبَصَرِهِ، واسْتَخْلَفَهُ في عِلْمِ ما لَهُ مِنَ الخَلْقِ والأمْرِ، وذَلِكَ في بَدْءِ كَوْنِهِ فَكَيْفَ يُحَكِّمُ حِكْمَةَ اللَّهِ فِيما يَتَناهى إلَيْهِ كَمالُ خَلْقِهِ إلى خاتِمَةِ أمْرِهِ فِيما انْتَهى إلَيْهِ أمْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِمّا هو مُبْهَمٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] فَأبْدى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَهم بِذَلِكَ وجْهَ خِلافَةٍ عِلْمِيَّةٍ وعَمَلِيَّةٍ في (p-٢٤٤)التَّسْمِيَةِ إعْلاءً لَهُ عِنْدَهم، وقَدْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مُذْعِنِينَ مُطِيعِينَ فانْقادُوا لِلْوَقْتِ بِفَضْلِ آدَمَ عَلى جَمِيعِ الخَلْقِ وبَدا لَهم عِلْمُ أنَّ اللَّهَ يُعْلِي مَن يَشاءُ بِما يَشاءُ مِن خِلافَةِ أمْرِهِ وخَلْقِهِ، وتِلْكَ الأسْماءُ الَّتِي هي حُظُوظٌ مِن صُوَرِ المَوْجُوداتِ هي المَعْرُوضَةُ الَّتِي شَمِلَها اسْمُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ وأشارَ إلَيْهِ ”هَؤُلاءِ“ عِنْدَ كَمالِ عَرْضِهِمْ، وأجْرى عَلى الجَمِيعِ ضَمِيرَ ”هم“ لِاشْتِمالِ تِلْكَ الكائِناتِ عَلى العاقِلِينَ وغَيْرِهِمْ؛ وبِالتَّحْقِيقِ فَكُلُّ خَلْقٍ ناطِقٍ حِينَ يَسْتَنْطِقُهُ الحَقُّ، كَما قالَ تَعالى ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهُمْ﴾ [يس: ٦٥] وإنَّما العُجْمَةُ والجَمادِيَّةُ بِالإضافَةِ إلى ما بَيْنَ بَعْضِ الخَلْقِ وبَعْضِهِمْ. انْتَهى.
وقالَ أبُو حاتِمٍ أحْمَدُ بْنُ حَمْدانَ الرّازِيُّ في كِتابِ الزِّينَةِ: ويُقالُ: إنَّ الِاسْمَ مَأْخُوذٌ مِنَ السُّمُوِّ وهو العُلُوُّ والرِّفْعَةُ، وإنَّما جَعَلَ الِاسْمَ (p-٢٤٥)تَنْوِيهًا بِالدَّلالَةِ عَلى مَعْنى الِاسْمِ لِأنَّ المَعْنى تَحْتَ الِاسْمِ - هَذا قَوْلُ النَّحْوِيِّينَ -؛ والسِّمَةُ تَدُلُّ عَلى صاحِبِها، لِأنَّهُما حَرْفانِ سِينٌ ومِيمٌ، فالسِّينُ مِنَ السَّناءِ والمِيمُ مِنَ المَجْدِ وهو لُبُّ الشَّيْءِ، فَكَأنَّهُ سُمِّيَ اسْمًا لِأنَّهُ يُضِيءُ لَكَ عَنْ لُبِّ الشَّيْءِ ويُتَرْجِمُ عَنْ مَكْنُونِهِ، ولَيْسَ شَيْءٌ إلّا وقَدْ وسَمَهُ اللَّهُ بِسِمَةٍ تَدُلُّ عَلى ما فِيهِ مِنَ الجَوْهَرِ؛ فاحْتَوَتِ الأسْماءُ عَلى جَمِيعِ العِلْمِ بِالأشْياءِ، فَعَلَّمَها اللَّهُ آدَمَ وأبْرَزَ فَضِيلَتَهُ عَلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. انْتَهى.
”فَقالَ“ مُعْجِزًا لَهم ﴿أنْبِئُونِي﴾ أيْ أخْبِرُونِي إخْبارًا عَظِيمًا قاطِعًا ﴿بِأسْماءِ هَؤُلاءِ﴾ أيِ المَوْجُوداتِ بِتَفَرُّسِكم فِيها ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ فِيما تَفَرَّسْتُمُوهُ في الخَلِيفَةِ وفي أنْسالِهِ. قالَ الحَرالِّيُّ: هَذِهِ الأسْماءُ المُواطِئَةُ لِلتَّسْمِيَةِ مِنَ السِّمَةِ والأسْماءِ الأُوَلِ هي الحُظُوظُ مِنَ الذَّواتِ الَّتِي المُتَّسِمُ بِها هو المُسَمّى، ومَعَ ذَلِكَ فَبَيْنَ التَّسْمِيَةِ والِاسْمِ مُناسِبَةُ مَجْعُولِ الحِكْمَةِ بَيْنَهُما بِمُقْتَضى أمْرِ العَلِيمِ الحَكِيمِ. انْتَهى.
2:32Page 6
قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٣٢
They said, "Exalted are You; we have no knowledge except what You have taught us. Indeed, it is You who is the Knowing,1 the Wise."2
﴿قالُوا﴾ مُتَبَرِّئِينَ مِنَ العِلْمِ (p-٢٤٦)﴿سُبْحانَكَ﴾ أيْ نُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ عَنْ أنْ نَنْسُبَ إلَيْكَ نَقْصًا في عِلْمٍ أوْ صُنْعٍ، ونَتَبَرَّأُ إلَيْكَ مِمّا يَلْزَمُ قَوْلَنا مِنِ ادِّعاءِ العِلْمِ لِسِواكَ.
قالَ الحَرالِّيُّ: وفي هَذا المَعْنى إظْهارٌ لِفَضْلِهِمْ وانْقِيادِهِمْ وإذْعانِهِمْ تَوْطِئَةً لِما يَتَّصِلُ بِهِ مِن إباءِ إبْلِيسَ. انْتَهى. والحاصِلُ أنَّهُ تَصْرِيحٌ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنِ النَّقْصِ وتَلْوِيحٌ بِنِسْبَتِهِ إلَيْهِمُ اعْتِذارًا مِنهم عَمّا وقَعُوا فِيهِ، ولِذا قالُوا: ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ أيْ أصْلًا ﴿إلا ما عَلَّمْتَنا﴾ فَهو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا سَبِيلَ (p-٢٤٧)إلى عِلْمِ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا بِتَعْلِيمِ اللَّهِ. قالَ الحَرالِّيُّ: رَدًّا لِبَدْءِ الأمْرِ لِمَن لَهُ البَدْءُ، ولِذَلِكَ ورَدَ في أثارَةٍ مِن عِلْمٍ: مَن لَمْ يَخْتِمْ عِلْمَهُ بِالجَهْلِ لَمْ يَعْلَمْ، وذَلِكَ الجَهْلُ هو البَراءَةُ مِنَ العِلْمِ إلّا ما عَلِمَ اللَّهُ. انْتَهى.
ثُمَّ خَصُّوهُ بِما نَفَوْهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ فَقالُوا: ﴿إنَّكَ أنْتَ﴾ أيْ وحْدَكَ ﴿العَلِيمُ﴾ أيِ العالِمُ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ ﴿الحَكِيمُ﴾ أيْ فَلا يَتَطَرَّقُ إلى صُنْعِكَ (p-٢٤٨)فَسادٌ بِوَجْهٍ فَلا اعْتِراضَ أصْلًا. قالَ الحَرالِّيُّ: تَوْكِيدٌ وتَخْلِيصٌ وإخْلاصٌ لِلْعِلْمِ والحِكْمَةِ لِلَّهِ وحْدَهُ، وذَلِكَ مِن أرْفَعِ الإسْلامِ، لِأنَّهُ إسْلامُ القُلُوبِ ما حَلّاها الحَقُّ سُبْحانَهُ بِهِ ! فَإنَّ العِلْمَ والحِكْمَةَ نُورُ القُلُوبِ الَّذِي تَحْيا بِهِ كَما أنَّ الماءَ رِزْقُ الأبْدانِ الَّذِي تَحْيا بِهِ؛ والحِكْمَةُ جَعْلُ تَسْبِيبٍ بَيْنَ أمْرَيْنِ يَبْدُو بَيْنَهُما تَقاضٍ مِنَ السّابِقِ واسْتِنادٌ مِنَ اللّاحِقِ. انْتَهى. وأصْلُها في اللُّغَةِ المَنعُ مِنَ الفَسادِ ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا عَنْ تَمامِ العِلْمِ.
2:33Page 6
قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئۡهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَأَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ ٣٣
He said, "O Adam, inform them of their names." And when he had informed them of their names, He said, "Did I not tell you that I know the unseen [aspects] of the heavens and the earth? And I know what you reveal and what you have concealed."
فَلَمّا قالُوا ذَلِكَ وأرادَ إشْهادَهم فَضْلَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَأْنَفَ في جَوابِ (p-٢٤٩)مَن كَأنَّهُ قالَ: ما قالَ لَهم عِنْدَ ذَلِكَ ؟ قَوْلُهُ: ”﴿قالَ﴾“ مُظْهِرًا لِفَضِيلَةِ العِلْمِ المُوجِبَةِ لِشَرَفِ العالِمِ ﴿يا آدَمُ أنْبِئْهُمْ﴾ أيْ لِيَزْدادُوا بَصِيرَةً في أنَّ العالِمَ مَن عَلَّمْتُهُ والسَّعِيدَ مَن أسْعَدْتُهُ في أيِّ صُورَةٍ رَكَّبْتُهُ ﴿بِأسْمائِهِمْ﴾ فَأنْبَأهم بِها. قالَ الحَرالِّيُّ: ولَمْ يَقُلْ: عَلِّمْهم، فَكانَ آدَمُ عَلِيمًا بِالأسْماءِ وكانُوا هم مُخْبَرِينَ بِها لا مُعَلَّمِيها، لِأنَّهُ لا يَتَعَلَّمُها مِن آدَمَ إلّا مَن خَلْقُهُ مُحِيطٌ كَخَلْقِ آدَمَ، لِيَكُونَ مِن كُلِّ شَيْءٍ ومِنهُ كُلُّ شَيْءٍ، فَإذا عُرِضَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا مِنهُ آنَسَ عِلْمَهُ عِنْدَهُ؛ فَلِذَلِكَ اخْتُصُّوا بِالإنْباءِ دُونَ التَّعْلِيمِ، فَلِكُلِّ شَيْءٍ عِنْدَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما عَلَّمَهُ اللَّهُ وأظْهَرَ لَهُ عَلاماتِهِ في اسْتِبْصارِهِ (p-٢٥٠)والشَّيْءُ اسْمانِ جامِعانِ: اسْمٌ يُبَصِّرُهُ مِن مَوْجُودِ الشَّيْءِ، واسْمٌ يُذَكِّرُهُ لِإبْداءِ مَعْنى ذَلِكَ الشَّيْءِ إلى غايَةِ حَقِيقَتِهِ، ولِكُلِّ اسْمٍ جامِعٍ عِنْدَهُ وُجُوهٌ مُتَعَدِّدَةٌ يُحاذِي كُلَّ وجْهٍ مِنها بِتَسْمِيَةٍ تَخُصُّهُ، وبِحَسَبَ تِلْكَ الوُجُوهِ تَكَثَّرَتْ عِنْدَهُ الألْسِنَةُ وتَكَثَّرَتِ الألْسُنُ الأعْجَمِيَّةُ، فَأفْصَحُها وأعْرَبُها الِاسْمُ الجامِعُ وذَلِكَ الِاسْمُ هو العَرَبِيُّ الَّذِي بِهِ أنْزَلَ خاتَمَ الكُتُبِ عَلى خاتَمِ المُرْسَلِينَ وأبْقى دائِمًا في مُخاطَبَةِ أهْلِ الجَنَّةِ لِمُطابَقَةِ الخاتِمَةِ إحاطَةَ البادِئَةِ ﴿حم﴾ [الزخرف: ١] ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الزخرف: ٢] ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣] ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤] وطابَقَ الخَتْمُ البَدْءَ إحاطَةَ لِإحاطَةِ. انْتَهى. وهَذا كَما كانَ ولَدُهُ مُحَمَّدٌ خاتَمَ النَّبِيِّينَ ﷺ يُكَلِّمُ كُلَّ إنْسانٍ بَلُغَتِهِ مِن قَبائِلِ العَرَبِ ومِنَ العَجَمِ بَلْ ومِنَ البَهائِمِ العُجْمِ لَكانَ عِلْمُهُ لِبَعْضِ اللُّغاتِ مِن غَيْرِ مُخالَطَةٍ لِأهْلِها ولا إلْمامٍ بِلِسانِهِمْ (p-٢٥١)دَلِيلًا عَلى عِلْمِ سائِرِ اللُّغاتِ، لِأنَّهُ لا مُعَلِّمَ لَهُ إلّا العالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ.
﴿فَلَمّا أنْبَأهُمْ﴾ أيْ أخْبَرَهم إخْبارًا عَظِيمًا يَأْخُذُ بِالألْبابِ، و”لَمّا“ كَلِمَةٌ تُفْهِمُ وُجُوبَ أمْرٍ لِأمْرٍ في حِينٍ فَتَجْمَعُ مَعْنى الشَّرْطِ والظَّرْفِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ ﴿بِأسْمائِهِمْ﴾ عَلى ما هي عَلَيْهِ.
قالَ الحَرالِّيُّ في التَّفْسِيرِ وكِتابٍ لَهُ في أُصُولِ الفِقْهِ: هَذِهِ التَّسْمِياتُ لَيْسَ الأسْماءَ الَّتِي هي مَوْجُودَةٌ مِنَ الذَّواتِ، لِأنَّ تِلْكَ لا يَنالُها إلّا العَلَمُ (p-٢٥٢)وشُهُودُ البَصِيرَةِ وقَدْ جَرى ذَلِكَ في وِراثَةٍ في ولَدِ آدَمَ حَتّى كانَ رُؤْبَةُ وأبُوهُ العَجاجُ يَرْتَجِلانِ اللُّغَةَ ارْتِجالًا ويَتَعَلَّمُها مِنهم مَن سِواهم مِنَ العَرَبِ، لِأنَّ التَّسْمِيَةَ الَّتِي يَنالُها الإنْباءُ لِلِاسْمِ الَّذِي يَنالُهُ العِلْمُ كالمِثْلِ لَهُ المُبْدِي لِصُورَةِ مَعْناهُ لِلْأُذُنِ لِمُناسَبَةٍ ومُواصَلَةٍ بَيْنَ خُصُوصِ التَّسْمِيَةِ واسْمِها مِنَ الذّاتِ، فَيَعْلَمُ ما يُحاذِي الشَّيْءَ المُفْرَدَ مِن مُنْتَظِمِ الحُرُوفِ كَما يَعْلَمُ الواصِفُ ما يُحاذِي الشَّيْءَ ويُحاكِيهِ مِن مُنْتَظِمِ الكَلِمِ، فَيُحاذِيهِ ويُحاكِيهِ الواصِفُ بِكَلامٍ، ويُحاذِيهِ ويُسَمِّيهِ المُسَمّى لَهُ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ، وكَما أنَّهُ لَيْسَ لِكُلِّ أحَدٍ مُنَّةٌ أنْ يَصِفَ فَكَذَلِكَ لَيْسَ لِكُلِّ أحَدٍ مُنَّةً أنْ يُسَمِّيَ، ومِنهُ ما يَجْرِي مِن ألْسِنَةِ العامَّةِ مِنَ النَّبْزِ والألْقابِ وقَدْ كانَ يَجِبُ الِاكْتِفاءُ بِما في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ العِلْمِ بِبَدْءِ أمْرِ المُسَمَّياتِ عَمّا وقَعَ فِيها مِنَ الِاخْتِلافِ بَيْنَ التَّوْقِيفِ والِاصْطِلاحِ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّها عَنْ عِلْمٍ عَلَّمَهُ اللَّهُ آدَمَ لا عَنْ تَوْقِيفٍ كَما هو عِنْدَ المَلائِكَةِ مِن آدَمَ ولا عَنِ اصْطِلاحٍ كَما قِيلَ، انْتَهى. (p-٢٥٣)”قالَ“ أيِ اللَّهُ تَعالى مُثْبِتًا مَدْخُولَ النَّفْيِ كَما هو شَأْنُ هَمْزَةِ التَّقْرِيرِ ﴿ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ يا مَلائِكَتِي ! ولَمّا كانَ هَذا خَبَرًا جَسِيمًا نَبَّهَ عَلى بُلُوغِهِ النِّهايَةَ في العَظَمَةِ وأنَّهُ مِمّا يَسْتَغْرِبُهُ بَعْضُ الخَلْقِ بِالتَّأْكِيدِ فَقالَ: ﴿إنِّي أعْلَمُ﴾ عِلْمًا مُسْتَمِرًّا لا انْقِضاءَ لَهُ ﴿غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَمَن أرَدْتُ تَعْلِيمَهُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ كانَ عالِمًا بِهِ، وأمّا غَيْرِي فَلا طَرِيقَ لَهُ إلى مَعْرِفَةِ المُسْتَقْبَلِ إلّا الفِراسَةُ وقَدْ تُخْطِئُ. قالَ الحَرالِّيُّ: قَرَّرَهم حَتّى لا يَكُونَ لَهم ثانِيَةٌ وأعْلَمَ بِذَلِكَ عِبادَهُ مِن ولَدِ آدَمَ حَتّى يَسْتَنُّوا بِحُكْمِ التَّسْلِيمِ لِلَّهِ في ما يُبْدِيهِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ ولا اعْتِراضٍ، فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ. انْتَهى.
(p-٢٥٤)﴿وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ﴾ في كُلِّ حِينٍ ﴿وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ فِيما مَضى وفِيما يَأْتِي. قالَ الحَرالِّيُّ: وفي صِيغَةِ ”تَكْتُمُونَ“ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَمادِي ذَلِكَ في كِيانِهِمْ ما في صِيغَةِ ”تُبْدُونَ“ مِن تَمادِي بادى ذَلِكَ مِنهم. انْتَهى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences