Al-Biqa'iAl‑Baqarah · 2:35–38

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:35–38

2:35Page 6

وَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٣٥

And We said, "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat therefrom in [ease and] abundance from wherever you will. But do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."

ثُمَّ ذَكَّرَ الكُلَّ بِنِعْمَةٍ تَشْمَلُهم وهي مُحاجَّتُهُ لِأقْرَبِ خَلْقِهِ إذْ ذاكَ إلَيْهِ عَنْ أبِينا آدَمَ قَبْلَ إيجادِهِ اقْتَضى الأُسْلُوبُ الحَكِيمُ أنْ يُوَضِّحَ لَهُمُ الحُجَّةَ في فَضِيلَةِ هَذا الخَلِيفَةِ فَذَكَرَ ما آتاهُ مِنَ العِلْمِ، فَلَمّا فَرَغَ مِن مُحاجَّتِهِمْ بِما أوْجَبَ إذْعانَهم ذَكَّرَ بَنِيهِ بِنِعْمَةِ السُّجُودِ (p-٢٨١)لَهُ، فَما كانَ تَقْدِيمُ إظْهارِ فَضِيلَةِ العِلْمِ إلّا مُحافَظَةً عَلى حُسْنِ السِّياقِ في تَرْتِيبِ الدَّلِيلِ عَلى أقْوَمِ مِنهاجٍ وأوْضَحِ سَبِيلٍ. ولَمّا فَرَغَ مِن نِعْمَةِ التَّفْضِيلِ في الصِّفاتِ الذّاتِيَّةِ بَيَّنَ النِّعْمَةَ بِشَرَفِ المَسْكَنِ مَعَ تَسْخِيرِ زَوْجٍ مِنَ الجِنْسِ لِكَمالِ الأُنْسِ وما يَتْبَعُ ذَلِكَ فَقالَ تَعالى. وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا أظْهَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَضِيلَةَ آدَمَ فِيما أشادَ بِهِ عِنْدَ المَلائِكَةِ مِن عِلْمِهِ وخِلافَتِهِ والإسْجادِ لَهُ وإباءِ إبْلِيسَ عَنْهُ؛ أظْهَرَ تَعالى إثْرَ ذَلِكَ ما يُقابِلُ مِن أحْوالِ آدَمَ حالَ ما ظَهَرَ لِلْمَلائِكَةِ بِما فِيهِ مِن حَظِّ مُخالَفَةٍ يُشارِكُ بِها إفْراطَ ما في الشَّيْطانِ مِنَ الإباءِ لِإحاطَةِ خَلْقِ آدَمَ بِالكَوْنِ كُلِّهِ عُلُوًّا وسُفْلًا، ولِيَظْهَرَ فَضْلُ آدَمَ في حالِ مُخالَفَتِهِ عَلى إبْلِيسَ في حالِ إبائِهِ مِمّا يَبْدُو عَلى آدَمَ مِنَ الرُّجُوعِ بِالتَّوْبَةِ كَحالِ رُجُوعِ المَلائِكَةِ بِالتَّسْلِيمِ، فَيَظْهَرُ فِيهِ الجَمْعُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ والفَضْلُ في الحالَيْنِ: حالُ عِلْمِهِ وحالُ تَوْبَتِهِ في مُخالَفَتِهِ، فَجَعَلَ تَعالى إسْكانَ الجَنَّةِ تَوْطِئَةً لِإظْهارِ ذَلِكَ مِن أمْرِهِ فَقالَ تَعالى: ﴿وقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ﴾، مِنَ السَّكَنِ وهو الهُدُوءُ في الشَّيْءِ الَّذِي في طَيِّهِ (p-٢٨٢)إقْلاقٌ، ”أنْ“ في قَوْلِهِ: ”أنْتَ“ اسْمُ باطِنِ الذّاتِ عَلَمًا هي المُشْتَرَكَةُ في أنا وأنْتَ وأنْتِ وأنْ تَفْعَلَ كَذا، والألِفُ في أنا إشارَةُ ذاتِ المُتَكَلِّمِ، وفي مُقابَلَتِها التّاءُ إشارَةً لِذاتِ المُخاطَبِ ذَكَرًا أوْ أُنْثى ﴿وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ فَأجَنَّتْ لِآدَمَ ما فِيها مِن خَبْءِ اسْتِخْراجِ أمْرِ مَعْصِيَتِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً لِكَمالِ باطِنِهِ بِإطْلاعِهِ عَلى سِرٍّ مِن أسْرارِ رَبِّهِ في عِلْمِ التَّقْدِيرِ إيمانًا والكَمالُ ظاهِرُهُ يَكُونُ ذَلِكَ تَوْطِئَةً لِفَضِيلَةِ تَوْبَتِهِ إسْلامًا لَيْسَ لِبَنِيهِ التَّوْبَةُ (p-٢٨٣)إثْرَ المَعْصِيَةِ مُخالَفَةً لِإصْرارِ إبْلِيسَ بَعْدَ إبائِهِ وشَهادَةً عَلَيْهِ بِجَهْلِهِ في ادِّعائِهِ، وجُعِلَ لَهُ ذَلِكَ فِيما هو مُتَنَزِّلٌ عَنْ رُتْبَةِ عِلْمِهِ فَلَمْ تَلْحَقْهُ فِيهِ فِتْنَةٌ حَفِيظَةٌ عَلى خِلافَتِهِ وأُنْزِلَتْ مَعْصِيَتُهُ إلى مَحَلِّ مَطْعَمِهِ الَّذِي هو خُصُوصُ حالِ المَرْءِ مِن جِهَةِ أجْوَفِيَّةِ خَلْقِهِ لِيَبْدُوَ نَقْصُ الأجْوَفِ ويُبْدِي ذَلِكَ إكْبارَ الصَّمَدِ الَّذِي يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ، فَكانَ ذَلِكَ مِن فِعْلِهِ تَسْبِيحًا بِحَمْدِ رَبِّهِ؛ لا يَقْضِي اللَّهُ لِمُؤْمِنٍ قَضاءً إلّا كانَ خَيْرًا لَهُ انْتَهى.

ولَمّا كانَ السِّياقُ هُنا لِمُجَرَّدِ بَيانِ النِّعَمِ اسْتِعْطافًا إلى المُؤالَفَةِ؛ كانَ عَطْفُ الأكْلِ بِالواوِ في قَوْلِهِ: ﴿وكُلا مِنها﴾ كافِيًا في ذَلِكَ، وكانَ التَّصْرِيحُ بِالرَّغَدِ الَّذِي هو مِن أجَلِّ النِّعَمِ عَظِيمَ المَوْقِعِ، فَقالَ تَعالى: ﴿رَغَدًا﴾ أيْ (p-٢٨٤)واسِعًا رافِهًا طَيِّبًا هَنِيئًا ﴿حَيْثُ﴾ أيْ أيَّ مَكانٍ ﴿شِئْتُما﴾ بِخِلافِ سِياقِ الأعْرافِ؛ فَإنَّهُ أُرِيدَ مِنهُ مَعَ التَّذْكِيرِ بِالنِّعَمِ التَّعْرِيفُ بِزِيادَةِ التَّمْكِينِ وأنَّها لَمْ تَمْنَعْ مِنَ الإخْراجِ تَحْذِيرًا لِلْمُتَمَكِّنِينَ في الأرْضِ المُتَوَسِّعِينَ في المَعايِشِ مِن إحْلالِ السَّطَواتِ وإنْزالِ المَثُلاثِ، كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ثُمَّ المَقْصُودُ مِن حِكايَةِ القَصَصِ في القُرْآنِ إنَّما هو المَعانِي فَلا يَضُرُّ اخْتِلافُ اللَّفْظِ إذا أدّى جَمِيعَ المَعْنى أوْ بَعْضَهُ ولَمْ يَكُنْ هُناكَ مُناقَضَةٌ فَإنَّ القِصَّةَ كانَتْ حِينَ وُقُوعِها بِأوْفى المَعانِي الوارِدَةِ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُعَبِّرُ لَنا في كُلِّ سُورَةٍ تُذْكَرُ القِصَّةُ فِيها بِما يُناسِبُ ذَلِكَ المَقامَ في الألْفاظِ عَمّا يَلِيقُ مِنَ المَعانِي ويَتْرُكُ ما لا يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ المَقامُ، وسَأُبَيِّنُ ما يُطْلِعُنِي اللَّهُ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ في مَواضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

ولَمّا أباحَ لَهُما سُبْحانَهُ ذَلِكَ كُلَّهُ أتْبَعَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ شَجَرَةٍ واحِدَةٍ. قالَ الحَرالِّيُّ: وأطْلَقَ لَهُ الرَّغَدَ إطْلاقًا وجَعَلَ النَّهْيَ عَطْفًا ولَمْ يَجْعَلْهُ اسْتِثْناءً لِيَكُونَ آدَمُ أعْذَرَ في النِّسْيانِ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ أهَمُّ في الخِطابِ مِنَ التَّخْصِيصِ وقالَ: ﴿ولا تَقْرَبا﴾ ولَمْ يُقَلْ: ولا تَأْكُلا، نَهْيًا عَنْ حِماها (p-٢٨٥)لِيَكُونَ ذَلِكَ أشَدَّ في النَّهْيِ. انْتَهى. ”هَذِهِ“ ولَمّا كانَ اسْمُ الإشارَةِ لا دَلالَةَ لَهُ عَلى حَقِيقَةِ الذّاتِ افْتَقَرَ إلى بَيانِ ذاتِ المُشارِ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿الشَّجَرَةَ﴾ أيْ فَإنَّكُما إنْ قَرَبْتُماها تَأْكُلا مِنها ﴿فَتَكُونا﴾ أيْ بِذَلِكَ ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيِ الواضِعِينَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ كَمَن يَمْشِي في (p-٢٨٦)الظَّلامِ؛ وفي هَذا النَّهْيِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذِهِ السُّكْنى لا تَدُومُ، لِأنَّ المُخَلَّدَ لا يُناسِبُ أنْ يُعَرَّضَ لِلْحَظْرِ بِأنْ يُحْظَرَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ولا أنْ يُؤْمَرَ ولا يُنْهى، ولِذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْهِ الشَّيْطانُ مِن جِهَةِ الخُلْدِ، ولا داعِيَ لِبَيانِ نَوْعِ الشَّجَرَةِ لِأنَّ السِّياقَ لِبَيانِ شُؤْمِ المُخالَفَةِ وبَرَكَةِ التَّوْبَةِ لا لِتَعْيِينِ المَنهِيِّ عَنْهُ فَلَيْسَ بَيانُهُ حِينَئِذٍ مِنَ الحِكْمَةِ.

2:36Page 6

فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ٣٦

But Satan caused them to slip out of it and removed them from that [condition] in which they had been. And We said, "Go down, [all of you], as enemies to one another, and you will have upon the earth a place of settlement and provision for a time."

ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُما أسْرَعا المُواقَعَةَ بِقَضِيَّةِ خَلْقِهِما عَلى طَبائِعِ الشَّهْوَةِ لِما نُهِيا عَنْهُ فَقالَ: ﴿فَأزَلَّهُما﴾، قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الزَّلَلِ وهو تَزَلُّقُ الشَّيْءِ الَّذِي لا يَسْتَمْسِكُ عَلى الشَّيْءِ الَّذِي لا مُسْتَمْسَكَ فِيهِ كَتَزَلُّلِ الزُّلالِ عَنِ الوَرَقِ (p-٢٨٧)وهُوَ ما يَجْتَمِعُ مِنَ الطَّلِّ فَيَصِيرُ ما عَلى الأوْراقِ والأزْهارِ، وأزالُهُما مِنَ الزَّوالِ وهو التَّنْحِيَةُ عَنِ المَكانِ أوْ المَكانَةِ وهو المَصِيرُ بِناحِيَةٍ مِنهُ؛ ﴿الشَّيْطانُ﴾ هو مِمّا أُخِذَ مِن أصْلَيْنِ: مِنَ الشَّطْنِ وهو البُعْدُ الَّذِي مِنهُ سُمِّيَ الحَبْلُ الطَّوِيلُ، ومِنَ الشَّيْطِ الَّذِي هو الإسْراعُ في الِاحْتِراقِ والسِّمَنِ، فَهو مِنَ المَعْنَيَيْنِ مُشْتَقٌّ كَلَفْظِ إنْسانٍ ومَلائِكَةٍ ”عَنْها“ أيْ عَنْ مُواقَعَةِ الشَّجَرَةِ و”عَنْ“ كَلِمَةٌ تَقْتَضِي المُجاوَزَةَ عَنْ سَبَبٍ ثابِتٍ كَقَوْلِهِمْ: رَمَيْتُ عَنِ القَوْسِ. انْتَهى.

وتَحْقِيقُهُ: فَأصْدَرَ الشَّيْطانُ زَلَّتَهُما أوْ زَوالَهُما عَنْها ﴿فَأخْرَجَهُما﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ إيقاعِهِما في الزَّلَلِ النّاشِئِ عَنْ تِلْكَ المُواقَعَةِ أنَّهُ أخْرَجَهُما ﴿مِمّا كانا فِيهِ﴾ مِنَ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ. قالَ الحَرالِّيُّ: ”في“ كَلِمَةٌ تَقْتَضِي وِعاءَ مَكانٍ أوْ مَكانَةٍ، ثُمَّ قالَ: أنْبَأ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِما (p-٢٨٨)فِي خَبْءِ أمْرِهِ مِمّا هو مِن وراءِ عِلْمِ المَلائِكَةِ بِما أظْهَرَ مِن أمْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبِما وراءَ عِلْمِ آدَمَ بِما أبْدى مِن حالِ الشَّيْطانِ بِاسْتِزْلالِهِ لِآدَمَ حُسْنَ ظَنٍّ مِن آدَمَ بِعِبادِ اللَّهِ مُطْلَقًا حِينَ قاسَمَهُما عَلى النَّصِيحَةِ، وفِيهِ انْتِظامٌ بِوَجْهٍ ما بِتَوَقُّفِ المَلائِكَةِ في أمْرِ خَلْقِ آدَمَ فَحَذَّرَتِ المَلائِكَةُ إلى الغايَةِ، فَجاءَ مِن وراءِ حَذَرِهِما حَمْدٌ أظْهَرَهُ اللَّهُ مِن آدَمَ، وجاءَ مِن وراءِ حُسْنِ ظَنِّ آدَمَ ذَنْبٌ أظْهَرَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطانِ عَلى سَبِيلِ سَكَنِ الجَنَّةِ فَرَمى بِهِما عَنْ سَكَنِها بِما أظْهَرَ لَهُ بِما فِيها مِن حُبِّ الشَّجَرَةِ الَّتِي اطَّلَعَ عَلَيْها. ثُمَّ قالَ: وحِكْمَةُ ذَلِكَ أيْ نِسْبَةِ هَذا الذَّنْبِ إلى الشَّيْطانِ بِتَسَبُّبِهِ: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يُعْطِي عِبادَهُ الخَيْرَ بِواسِطَةٍ وبِلا واسِطَةٍ ولا يَنالُهم شَرٌّ إلّا بِواسِطَةِ نَفْسٍ، كَما وقَعَ مِنَ الإباءِ لِلشَّيْطانِ، فَكانَتْ خَطِيئَتُهُ في ذاتِ نَفْسِهِ أوْ بِواسِطَةِ شَيْطانٍ كَما كانَتْ مُخالَفَةُ آدَمَ، فَكانَتْ خَطِيئَتُهُ لَيْسَتْ مِن ذاتِ نَفْسِهِ وعارِضَةً عَلَيْهِ مِن قِبَلِ عَدُوٍّ تَسَبَّبَ لَهُ بِأدْنى مَأْمَنِهِ مِن زَوْجِهِ الَّتِي هي مِن أدْنى خَلْقِهِ فَمَحَتِ التَّوْبَةُ الذَّنْبَ العارِضَ لِآدَمَ وأثْبَتَ الإصْرارُ الإباءَ النَّفْسانِيَّ لِلشَّيْطانِ؛ وذَكَرَ الحَقُّ تَعالى الإزْلالَ (p-٢٨٩)مِنهُ بِاسْمِهِ الشَّيْطانِ لا بِاسْمِهِ إبْلِيسَ لِما في مَعْنى الشَّيْطَنَةِ مِنَ البُعْدِ والسُّرْعَةِ الَّتِي تَقْبَلُ التَّلافِيَ ولِما في مَعْنى الإبْلاسِ مِن قَطْعِ الرَّجاءِ، فَكانَ في ذَلِكَ بُشْرى اسْتِدْراكِ آدَمَ بِالتَّوْبَةِ. انْتَهى.

ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ غَرَّهُما فَضَرَّهُما بَيْنَ إهْباطِ الغارِّ والمَغْرُورِ وبَيْنَ أنَّهُ أنْعَمَ عَلى المَغْرُورِ دُونَ الغارِّ مَعَ ما سَبَقَ لَهُ مِن لُزُومِ العِبادَةِ وطُولِ التَّرَدُّدِ في الخِدْمَةِ، وفي ذَلِكَ تَفْخِيمٌ لِلنِّعْمَةِ اسْتِعْطافًا إلى الإخْلاصِ في العِبادَةِ فَقالَ عاطِفًا عَلى ما يُرْشِدُ إلَيْهِ السِّياقُ مِن نَحْوِ أنْ يُقالَ فَتَدارَكْناهُما بِالرَّحْمَةِ وتَلافَيْنا خَطَأهُما بِالعَفْوِ لِكَوْنِهِ عارِضًا مِنهُما بِسَبَبٍ خارِجٍ، وأبَّدْنا تَلافِيَ الغارِّ بِشَقائِهِ لِعِصْيانِهِ بِالضَّلالِ والإضْلالِ عَنْ عَمْدٍ فَكانَ مَغْضُوبًا (p-٢٩٠)عَلَيْهِ ”وقُلْنا“ أيْ لَهُ ولِلْمَغْرُورِ: ﴿اهْبِطُوا﴾ وفي ذَلِكَ لُطْفٌ لِذُرِّيَّتِهِ بِالتَّنْفِيرِ مِنَ الخَطَأِ والتَّرْهِيبِ الشَّدِيدِ مِن جَرِيرَتِهِ والتَّرْغِيبِ العَظِيمِ عَلى تَقْدِيرِ الوُقُوعِ فِيهِ في التَّوْبَةِ والهُبُوطِ.

قالَ الحَرالِّيُّ: سَعى في دَرْكٍ، والدَّرْكُ ما يَكُونُ نازِلًا عَنْ مُسْتَوًى، فَكَأنَّهُ أمْسَكَ حَقِيقَتَهُ - أيْ آدَمَ - في حِياطَتِهِ تَعالى وحِفْظِهِ وتَوْفِيقِهِ لِضَراعَتِهِ وبُكائِهِ وسِرِّ ما أُودِعَهُ مِن أمْرِ تَوْبَتِهِ؛ وأهْبَطَ صُورَتَهُ لِيَظْهَرَ في ذَلِكَ فَرْقُ ما بَيْنَ هُبُوطِ آدَمَ وهُبُوطِ إبْلِيسَ عَلى ما أُظْهِرَ مِن ذَلِكَ سُرْعَةُ عَوْدِ آدَمَ تَوْبَةً ومَوْتًا إلى مَحَلِّهِ مِن أُنْسِهِ المَعْهُودِ وقُرْبِهِ المَأْلُوفِ لَهُ، مِن رَبِّهِ، وإنْظارُ إبْلِيسَ في الأرْضِ مُصِرًّا مُنْقَطِعًا عَنْ مِثْلِ مَعادِ آدَمَ لِما نالَ إبْلِيسَ مِنَ اللَّعْنَةِ الَّتِي هي مُقابِلُ التَّوْبَةِ ﴿بَعْضُكم (p-٢٩١)لِبَعْضٍ﴾ البَعْضُ ما اقْتُطِعَ مِن جُمْلَةٍ وفِيهِ ما في تِلْكَ الجُمْلَةِ؛ ”عَدُوٌّ“ مِنَ العَداءِ أيِ المُجاوَزَةِ عَنْ حُكْمِ المُسالَمَةِ الَّتِي هي أدْنى ما بَيْنَ المُسْتَقِلِّينَ مِن حَقِّ المُعاوَنَةِ. انْتَهى. فالمَعْنى فَلْيَحْذَرْ كُلُّ واحِدٍ مِنكم عَدُوَّهُ بِاتِّباعِ الأوامِرِ واجْتِنابِ النَّواهِي.

قالَ الحَرالِّيُّ: وفِيهِ إشْعارٌ بِما تَمادى مِن عَدْواءِ الشَّيْطانِ عَلى ذَرْءٍ مِن ولَدِ آدَمَ حَتّى صارُوا مِن حِزْبِهِ، وفِيهِ أيْضًا بُشْرى لِصالِحِي ولَدِ آدَمَ بِما يَسْبُونَهُ مِن ذَرْءِ إبْلِيسَ فَيَلْحَقُونَ بِهِمْ بِالإيمانِ والإسْلامِ والتَّوْبَةِ فَيَهْتَدُونَ بِهُداهُ مِن حَيْثُ عَمَّ بِالعَداوَةِ، فاعْتَدى ذُو الخَيْرِ فَصارَتْ عَدْواهُ عَلى أهْلِ الشَّرِّ خَيْرًا، واعْتَدى ذُو الشَّيْطَنَةِ فَصارَتْ عَدْواهُ عَلى أهْلِ الخَيْرِ شَرًّا.

﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ تَكُونُونَ فِيهِ، وهو مِنَ القَرارِ وهو كَوْنُ (p-٢٩٢)الشَّيْءِ فِيما لَهُ فِيهِ تَنامٍ وظُهُورٌ وعَيْشٌ مُوافِقٌ؛ ”ومَتاعٌ“ تَتَمَتَّعُونَ بِهِ، والمَتاعُ هو الِانْتِفاعُ بِالمُنْتَفَعِ بِهِ وقْتًا مُنْقَطِعًا يُعْرَفُ نَقْصُهُ بِما هو أفْضَلُ مِنهُ، يَعْنِي فَفِيهِ إشْعارٌ بِانْقِطاعِ الإمْتاعِ بِما في هَذِهِ الدُّنْيا ونَقْصُ ما بِهِ الِانْتِفاعُ عَنْ مَحَلِّ ما كانا فِيهِ، مِن حَيْثُ إنَّ لَفْظَ المُتابِعِ أُطْلِقَ في لِسانِ العَرَبِ عَلى الجِيفَةِ الَّتِي هي مَتاعُ المُضْطَرِّ وأرْزاقُ سِباعِ الحَيَوانِ وكِلابِها، فَكَذَلِكَ الدُّنْيا هي جِيفَةٌ مُتِّعَ بِها أهِلُ الِاضْطِرارِ بِالهُبُوطِ مِنَ الجَنَّةِ وجَعَلَها حَظَّ مَن لا خَلاقَ لَهُ في الآخِرَةِ؛ ﴿إلى حِينٍ﴾ أيْ لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، وفي إبْهامِ الحِينِ إشْعارٌ بِاخْتِلافِ الآجالِ في ذَرْءِ الفَرِيقَيْنِ، فَمِنهُمُ الَّذِي يَنالُهُ الأجَلُ صَغِيرًا، ومِنهُمُ الَّذِي يَنالُهُ كَبِيرًا. انْتَهى.

2:37Page 6

فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ٣٧

Then Adam received from his Lord [some] words,1 and He accepted his repentance. Indeed, it is He who is the Accepting of Repentance,2 the Merciful.

(p-٢٩٣)ولِما تَسَبَّبَ عَنْ جَزاءِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالإهْباطِ الَّذِي هو كَفّارَةٌ لَهُ أنَّهُ أُلْهِمَ الدُّعاءَ بِما رُحِمَ بِهِ؛ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ”﴿فَتَلَقّى﴾“ أيْ فَهَبَطُوا فَتَلَقّى ”﴿آدَمُ﴾“ بَعْدَ الهُبُوطِ، والتَّلَقِّي ما يَتَقَبَّلُهُ القَلْبُ باطِنًا وحْيًا، أوْ كالوَحْيِ أُبْطِنَ مِنَ التَّلَقُّنِ الَّذِي يَتَلَقَّنُهُ لَفْظًا وعِلْمًا ظاهِرًا أوْ كالظّاهِرِ - قالَهُ الحَرالِّيُّ: ﴿مِن رَبِّهِ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِ في كُلِّ حالٍ ﴿كَلِماتٍ﴾ أيْ تُرْضِيهِ سُبْحانَهُ بِما أفْهَمَهُ التَّعْبِيرُ بِالتَّلَقِّي، وهي جُمَعُ كَلِمَةٍ؛ وهي دُعاءٌ دَعا بِهِ رَبَّهُ أوْ ثَناءٌ أثْنى بِهِ عَلَيْهِ؛ وتُطْلَقُ الكَلِمَةُ أيْضًا عَلى إمْضاءِ أمْرِ اللَّهِ مِن غَيْرِ (p-٢٩٤)تَسْبِيبِ حِكْمَةٍ ولا تَرْتِيبِ حُكْمٍ، قالَهُ الحَرالِّيُّ ثُمَّ قالَ: في عَطْفِ الفاءِ في هَذِهِ الآيَةِ إشْعارٌ بِما اسْتَنَدَ إلَيْهِ التَّلَقِّي مِن تَنْبِيهِ قَلْبِ آدَمَ وتَوْفِيقِهِ مِمّا أثْبَتَهُ لَهُ إمْساكُ حَقِيقَتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ، ويُعاضِدُ مَعْناهُ رَفْعُ الكَلِماتِ وتَلَقِّيها آدَمَ في إحْدى القِراءَتَيْنِ، فَكَأنَّهُ تَلَقّى الكَلِماتِ بِما في باطِنِهِ فَتَلَقَّتْهُ الكَلِماتُ بِما أقْبَلَ بِها عَلَيْهِ فَكانَ مُسْتَحِقًّا لَها، فَكانَتْ مُتَلَقِّيَةً لَهُ بِما جَمَعَتِ القِراءَتانِ مِنَ المَعْنى ﴿فَتابَ﴾ مِنَ التَّوْبِ وهو رُجُوعٌ بِظاهِرٍ باطِنُهُ الإنابَةُ وهو رُجُوعٌ بِعِلْمٍ باطِنُهُ الأوْبَةُ وهو رُجُوعٌ بِتَقْوى قَلْبٍ. انْتَهى.

﴿عَلَيْهِ﴾ لِذِكْرِهِ إيّاهُ بِالكَلِماتِ مُخْلِصًا في نِيَّتِهِ، ثُمَّ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ هُوَ﴾ أيْ خاصَّةً (p-٢٩٥)﴿التَّوّابُ﴾ أيِ البَلِيغُ التَّوْبَةِ المُكَرِّرُ لَها، ولَمّا كانَ قَدْ جَعَلَ عَلى نَفْسِهِ المُقَدَّسِ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلى المُحْسِنِ قالَ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ أيْ لِمَن أحْسَنَ الرُّجُوعَ إلَيْهِ وأهَّلَهُ لِقُرْبِهِ.

قالَ الحَرالِّيُّ: وكانَ إقْرارُهُ بِلَفْظِهِ أدَبًا وإذْعانًا لِقِيامِ حُجَّةِ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ بِما أنْبَأ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعراف: ٢٣] الآيَةَ، وهَذِهِ تَوْبَةُ قَلْبٍ وعَمَلٍ لا يَنْقُضُ مَخْصُوصَ حالِ القَلْبِ مِنها ناقِضٌ وهي التَّوْبَةُ النَّصُوحُ الَّتِي تُبْرِئُ مِنَ الذَّنْبِ بِتَحْقِيقِ تَوْحِيدِ القَلْبِ وتُوجِبُ تَكْفِيرَ الخَطايا الظّاهِرَةِ الَّتِي لا أصْلَ لَها في القَلْبِ مِن حِجابِ دَعْوى في الأفْعالِ وشِرْكٍ في أمْرِ اللَّهِ، فَبِمُقْتَضى ما في باطِنِهِ ظَهَرَ فِيهِ اسْمُهُ الرَّحِيمُ الَّذِي هو مِنَ الرَّحْمَةِ وهو اخْتِصاصُ فَضْلِهِ بِالمُؤْمِنِ، وبِمُقْتَضى ما ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنَ الضَّراعَةِ والإقْرارِ ظَهَرَ فِيهِ مُقْتَضى اسْمِهِ التَّوّابِ؛ فَجَمَعَتْ تَوْبَتُهُ الأمْرَيْنِ. انْتَهى.

2:38Page 7

قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٣٨

We said, "Go down from it, all of you. And when guidance comes to you from Me, whoever follows My guidance - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

ولَمّا أُعْلِمُوا بِالعَداوَةِ اللّازِمَةِ؛ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما وجْهُ الخَلاصِ مِنها ؟ فَقِيلَ: اتِّباعُ شَرْعِنا المَشْرُوعِ لِلتَّوْبَةِ والرَّحْمَةِ فَإنّا ﴿قُلْنا﴾ كَما تَقَدَّمَ ﴿اهْبِطُوا﴾ ولَمّا كانَ الهُبُوطُ الماضِي يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن مَكانٍ مِنَ (p-٢٩٦)الجَنَّةِ إلى أدْنى مِنهُ ولَمْ يَخْرُجُوا مِنها فَكَرَّرَهُ هُنا لِلتَّأْكِيدِ تَصْوِيرًا لِشُؤْمِ المَعْصِيَةِ وتَبْشِيعًا لَها قالَ: ﴿مِنها﴾ أيِ الجَنَّةِ ﴿جَمِيعًا﴾ أيْ لا يَتَخَلَّفُ مِنكم أحَدٌ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ في آنٍ واحِدٍ أوْ عَلى التَّعاقُبِ، وعَهِدَنا إلَيْهِمْ عِنْدَ الهُبُوطِ إلى دارِ التَّكْلِيفِ أنّا نَأْتِيهِمْ بِالهُدى لِيُؤَدِّيهِمْ إلى الجَنَّةِ مَرَّةً أُخْرى واعِدِينَ مَنِ اتَّبَعَ مُتَوَعِّدِينَ مَنِ امْتَنَعَ، فَقُلْنا: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ (p-٢٩٧)وقالَ الحَرالِّيُّ: مَوْرِدُ هَذِهِ الآيَةِ بِغَيْرِ عَطْفٍ إشْعارٌ بِأنَّ ظاهِرَها افْتِتاحٌ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ إيجاءٌ بِباطِنٍ كَما تَقَدَّمَ في السّابِقَةِ، وتَكَرَّرَ الإهْباطانِ مِن حَيْثُ إنَّ الأوَّلَ إهْباطٌ لِمَعْنى القَرارِ في الدُّنْيا والِاغْتِذاءِ فِيها وذَرْءِ الذُّرِّيَّةِ وأعْمالِ أمْرِ العَداوَةِ الَّتِي اسْتَحْكَمَتْ بَيْنَ الخَلْقَيْنِ مِن آدَمَ وإبْلِيسَ، وهَذا الإهْباطُ الثّانِي إهْباطٌ عَنْ مَكانَةِ الرُّتْبَةِ الآمِرِيَّةِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي كانَتْ خَفِيَّةً في أمْرِ آدَمَ ظاهِرَةً في أمْرِ إبْلِيسَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿جَمِيعًا﴾ إشْعارٌ بِكَثْرَةِ ذَرْءِ الخَلْقَيْنِ وكَثْرَةِ الأحْداثِ في أمْرِ الدِّيانَةِ مِنَ النَّقْلَيْنِ. انْتَهى.

(p-٢٩٨)وخَصَّ في إبْرازِ الضَّمِيرِ بِمَحْضِ الإفْرادِ مِن غَيْرِ إيرادٍ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ إبْعادًا عَنِ الوَهْمِ فَقالَ: ﴿مِنِّي هُدًى﴾ أيْ بِالكُتُبِ والرُّسُلِ، ولَمّا كانَ الهُدى الَّذِي هو البَيانُ لا يَسْتَلْزِمُ الِاهْتِداءَ قالَ: ﴿فَمَن تَبِعَ﴾ أيْ أدْنى اتِّباعٍ يُعْتَدُّ بِهِ، ولِذَلِكَ اكْتَفى في جَزائِهِ بِنَفْيِ الخَوْفِ الَّذِي قَدْ يَكُونُ عَنْ تَوْبَةٍ مِن ضَلالٍ بِخِلافِ ما في ”طَهَ“ كَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. والتَّبْعُ السَّعْيُ إثْرَ عِلْمِ الهُدى - قالَهُ الحَرالِّيُّ. ”هُدايَ“ أيِ المَنقُولَ (p-٢٩٩)أوِ المَعْقُولَ، فالثّانِي أعَمُّ مِنَ الأوَّلِ. لِأنَّهُ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ مَنقُولًا عَنِ الرُّسُلِ أوْ مَعْقُولًا بِالقِياسِ عَلى المَنقُولِ عَنْهم، أوْ بِمَحْضِ العَقْلِ كَما وقَعَ لِوَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ وزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وأضْرابِهِما المُشارِ إلَيْهِمْ بِالقَلِيلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلا قَلِيلا﴾ [النساء: ٨٣] قالَ العارِفُ شِهابُ الدِّينِ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ السُّهْرَوَرْدِيُّ في كِتابِهِ ”رَشْفِ النَّصائِحِ الإيمانِيَّةِ“: فالعَقْلُ حُجَّةُ اللَّهِ الباطِنَةُ، والقُرْآنُ حُجَّةُ اللَّهِ الظّاهِرَةُ. قالَ الحَرالِّيُّ: وجاءَ ”هُدايَ“ شائِعًا لِيَعُمَّ رَفْعُ الخَوْفِ والحُزْنِ مَن تَمَسَّكَ بِحَقٍّ ما مِنَ الحَقِّ الجامِعِ، وأدْناهُ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ الحَقِّ وفِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ الخَلْقِ. انْتَهى.

ولَمّا كانَ الخَوْفُ أشَدَّ لِأنَّهُ يَزْدادُ بِمَرِّ الزَّمانِ، والحُزْنُ يَخِفُّ، قَدَّمَهُ فَقالَ: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ مِن شَيْءٍ آتٍ فَإنَّ الخَوْفَ اضْطِرابُ النَّفْسِ مِن تَوَقُّعِ فِعْلٍ ضارٍّ - قالَهُ الحَرالِّيُّ.

﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ أيْ عَلى شَيْءٍ فاتَ، لِأنَّهم يَنْجُونَ مِنَ النّارِ ويَدْخُلُونَ الجَنَّةَ. والحُزْنُ كَما قالَ الحَرالِّيُّ: تَوَجُّعُ القَلْبِ لِأجْلِ نازِحٍ قَدْ كانَ في الوَصْلَةِ بِهِ رَوْحٌ، والقُرْبُ (p-٣٠٠)مِنهُ راحَةٌ، وجاءَ في الحُزْنِ بِلَفْظِ ”هم“ لِاسْتِبْطانِهِ، وبِالفِعْلِ لِأنَّهُ بادٍ مِن باطِنِ تَفَكُّرِهِمْ في فائِتِهِمْ، وجاءَ نَفْيُ الخَوْفِ مُنْعَزِلًا عَنْ فِعْلِهِمْ لِأنَّهُ مِن خَوْفٍ بادٍ عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِهِمْ. انْتَهى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском