Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:42–46
2:42Page 7
وَلَا تَلۡبِسُواْ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُواْ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤٢
And do not mix the truth with falsehood or conceal the truth while you know [it].
﴿ولا تَلْبِسُوا﴾ واللَّبْسُ إبْداءُ الشَّيْءِ في غَيْرِ صُورَتِهِ، ومِنهُ اللِّباسُ (p-٣٢٠)لِإخْفائِهِ الأعْضاءَ حَتّى لا تَبِينَ هَيْئَتُها، قالَهُ الحَرالِّيُّ: ﴿الحَقَّ﴾ أيْ ما تُقِرُّونَ بِهِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِمّا لا غَرَضَ لَكم في تَبْدِيلِهِ ﴿بِالباطِلِ﴾ مِمّا تُحَرِّفُونَهُ مِنهُما، والحَقُّ قالَ الحَرالِّيُّ ما يَقَرُّ ويَثْبُتُ حَتّى يَضْمَحِلَّ مُقابِلُهُ، فَكُلُّ زَوْجَيْنِ فَأثْبَتَهُما حَقٌّ وأذْهَبَهُما باطِلٌ، وذَلِكَ الحَقُّ فالباطِلُ هو ما أمَدُ إدالَتِهِ قَصِيرٌ بِالإضافَةِ إلى طُولِ أمَدِ زَوْجِهِ القارِّ. انْتَهى. ولَمّا كانَ اللَّبْسُ قَدْ يُفارِقُ الكِتْمانَ بِأنْ يَسْألَ شَخْصٌ عَنْ شَيْءٍ فَيُبْدِيهِ مُلْتَبِسًا بِغَيْرِهِ أوْ يَكْتُمُهُ وهو عالِمٌ بِهِ قالَ: ﴿وتَكْتُمُوا الحَقَّ﴾ أيْ عَمَّنْ لا يَعْلَمُهُ ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ مُكَلَّفُونَ، وجَعَلَهُ الحَرالِّيُّ عَلى ظاهِرِهِ فَقالَ: لَمّا طَلَبَهم تَعالى بِالوَفاءِ بِالعَهْدِ نَهاهم عَنْ سُوءِ العَمَلِ وما لَبَّسُوا بِهِ الأمْرَ عِنْدَ أتْباعِهِمْ مِن مِلَّتِهِمْ وعِنْدَ مَنِ اسْتَرْشَدَهم مِنَ العَرَبِ، فَلَبَّسُوا بِاتِّباعِهِمْ حَقَّ الإيمانِ بِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والتَّوْراةِ بِباطِلِ ما اخْتَذَلُوهُ مِن كِتابِهِمْ مِن إثْباتِ الإيمانِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وبِالقُرْآنِ، فَكَتَمُوا الحَقَّ (p-٣٢١)التّامَّ الجامِعَ ولَبَّسُوا الحَقَّ الماضِيَ المَعْهُودَ بِالباطِلِ الأعْرَقِ الأفْرُطِ، لِأنَّ باطِلَ الحَقِّ الكامِلِ باطِلٌ مُفْرِطٌ مُعْرِقٌ بِحَسْبِ مُقابِلِهِ، وعَرَّفَهم بِأنَّ ذَلِكَ مِنهم كِتْمانُ شَهادَةٍ عَلَيْهِمْ بِعِلْمِهِمْ بِذَلِكَ إفْهامًا، ثُمَّ أعْقَبَهُ بِالشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ بِالعِلْمِ تَصْرِيحًا. انْتَهى.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ أعْظَمُ زاجِرٍ لِأهْلِ الكِتابِ عَمّا أظْهَرُوا فِيهِ مِنَ العِنادِ، ومِن لُطْفِ اللَّهِ تَعالى زَجْرُ القاسِي البَعِيدِ ونَهْيُ العاصِي القَلِقِ إلى ما دُونَ ذَلِكَ مِن تَنْبِيهِ الغافِلِ وزِيادَةِ الكامِلِ. قالَ الإمامُ أبُو الحَسَنِ الحَرالِّيُّ في كِتابِ العُرْوَةِ: وجْهُ إنْزالِ هَذا الحَرْفِ - يَعْنِي حَرْفَ النَّهْيِ - كَفُّ الخَلْقِ عَمّا يُهْلِكُهم في أُخْراهم وعَمّا يُخْرِجُهم عَنِ السَّلامَةِ في مَوْتِهِمْ وبَعْثِهِمْ مِمّا رَضُوا بِهِ واطْمَأنُّوا إلَيْهِ وآثَرُوهُ مِن دُنْياهم، فَمُتَوَجَّهُهُ لِلْمُطْمَئِنِّ بِدُنْياهُ المُعْرِضِ عَنْ داعِيهِ إلى اجْتِنابِ ما هو عَلَيْهِ يُسَمّى زَجْرًا، ومُتَوَجَّهُهُ لِلْمُتَلَفِّتِ المُسْتَشْعِرِ بِبَعْضِ الخَلَلِ فِيما هو عَلَيْهِ يُسَمّى نَهْيًا، وهُما يَجْتَمِعانِ في مَعْنًى واحِدٍ ومَقْصُودٍ واحِدٍ إلّا أنَّهُ مُتَفاوِتٌ، ولِذَلِكَ رَدَّدَهُما النَّبِيُّ ﷺ عَلى المَعْنى الجامِعِ في هَذا الحَدِيثِ يَعْنِي المَذْكُورَ أوَّلَ البَقَرَةِ، وأوْلاهُما بِالبَدْئِيَّةِ في الإنْزالِ الزَّجْرُ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما (p-٣٢٢)بَعَثَهُ اللَّهُ حِينَ انْتَهى الضَّلالُ المُبِينُ في الخَلْقِ ونَظَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ فَمَقَتَهم عَرَبَهم وعَجَمَهم إلّا بَقايا مِن أهْلِ الكِتابِ، كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ إسْنادًا ومَتْنًا، ولِذَلِكَ كانَ أوَّلُ مَنزِلِ الرِّسالَةِ سُورَةَ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢] ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] وهي أوَّلُ قَوارِعِ الأمْرِ كَما أنَّ فُجاءَةَ السّاعَةِ أوَّلُ قَوارِعِ الخَلْقِ، ولِذَلِكَ انْتَظَمَ فِكْرُهُما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨] ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر: ٩] ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠] ولِلْمَزْجُورِ حالانِ إمّا أنْ يَنْفِرَ عِنْدَ الزَّجْرَةِ تَوَحُّشًا كَما قالَ تَعالى: ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٠] ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥١] وإمّا أنْ يُدْبِرَ بَعْدَ فِكْرِهِ تَكَبُّرًا كَما قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١] ﴿ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ﴾ [المدثر: ٢٢] ﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ [المدثر: ٢٣] ورُبَّما شارَفَ أنْ يُبْصِرَ فَصَرَفَ، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَكِنَّها عُقُولٌ كادَها بارِيها ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ (p-٣٢٣)لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ [الأعراف: ١٤٦] صُرِفُوا عَنْ آياتِ الحَقِّ السَّماوِيَّةِ عَلى ظُهُورِها عُقُوبَةً عَلى ذَنْبِ تَكَبُّرِهِمْ عَلى الخَلْقِ مَعَ الإحْساسِ بِظُهُورِ آيَةِ انْضِمامِ الأرْحامِ في وُضُوحِها وكُلُّ قارِعَةٍ لِنَوْعَيِ الكافِرِينَ النّافِرِينَ والمُدْبِرِينَ مِن هَذا الحَرْفِ وتَمامُ هَذا المَعْنى يَنْهى المُتَأنِّسَ المُحاصَرَ عَنِ الفَواحِشِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ الضّارَّةِ في العُقْبى وإنْ تَضَرَّرُوا بِتَرْكِها في الدُّنْيا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ”ولا تقربوا“ في أكْلِ مالِ اليَتِيمِ والزِّنا وإتْيانِ الحائِضِ، إلى ما دُونَ ذَلِكَ مِنَ النَّهْيِ عَمّا يَعُدُّونَهُ في دُنْياهم كَيْسًا، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] و﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] ﴿ولا تَجَسَّسُوا ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] و﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١] وما لَحِقَ بِهَذا النَّمَطِ - إلى ما دُونَ ذَلِكَ عَلى اتِّصالِ التَّفاوُتِ مِنَ النَّهْيِ عَنْ سُوءِ التَّأْوِيلِ لِطَيَّةِ غَرَضِ النَّفْسِ (p-٣٢٤)نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [النساء: ٩٤] إلى ما دُونَ ذَلِكَ مِنَ النَّهْيِ عَمّا يَقْدَحُ في الفَضْلِ وإنْ كانَ مِن حُكْمِ العَدْلِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢٢] إلى تَمامِ ما لا تَحْصُلُ السَّلامَةُ إلّا بِهِ مِنَ النَّهْيِ عَمّا زادَ عَلى الكَفافِ والبُلْغَةِ في الدُّنْيا الَّذِي بِهِ يَصِحُّ العَمَلُ بِالحِكْمَةِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ﴾ [الإسراء: ٣٩] ونَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ [طه: ١٣١] لِأنَّ كُلَّ زائِدٍ عَلى الكَفافِ فِتْنَةٌ، وهَذا هو أساسُ ما بِهِ تَتَفاوَتُ دَرَجاتُ العِلْمِ في الدُّنْيا ودَرَحاتُ الجَنَّةِ في الآخِرَةِ، ولا تَصِحُّ الوُجُوهُ والحُرُوفُ الَّتِي بَعْدَهُ أيْ وهي سائِرُ الحُرُوفِ عِلْمًا وعَمَلًا وثَباتًا وقَبُولًا عِنْدَ التَّمْحِيصِ إلّا بِحَسَبِ الإحْكامِ في قِراءَةِ هَذا الحَرْفِ وجَمْعِهِ وبَيانِهِ (p-٣٢٥)لِأنَّهُ ظُهُورٌ لِما بَعْدَهُ مِن صِلاتِ حَرْفِ الأمْرِ وما قَصَّرَ بِعَشَراتِ فِرَقِ الأُمَّةِ إلى التَّقْصِيرِ في حَرْفِ النَّهْيِ، لِأنَّ المِلَّةَ الحَنِيفِيَّةَ مَبْنِيَّةٌ عَلى الِاكْتِفاءِ بِاليَسِيرِ مِنَ المَأْمُوراتِ والمُبالِغَةِ في الحَمِيَّةِ مِن عُمُومِ ما لا يَتَناهى مِنَ المَنهِيّاتِ لِكَثْرَةِ مَداخِلِ الآفاتِ مِنها عَلى الخَلْقِ فِيما بَعْدَ المَوْتِ ويَصْعُبُ هَذا الحَرْفُ عَلى الخَلْقِ بِما اسْتَقَرَّ في أوْهامِهِمْ أنَّ دُنْياهم لا تَصْلُحُ إلّا بِالمُثابَرَةِ عَلى صُنُوفِ المَنهِيّاتِ لِنَظَرِهِمْ لِجَدْواها في الدُّنْيا وعَماهم عَنْ وبالِها في الأُخْرى وما حُوفِظَ عَلى الرِّياضاتِ والتَّأْدِيباتِ والتَّهْذِيباتِ إلّا بِوَفاءِ الحَمِيَّةِ مِنها، والحَمِيَّةُ أصْلُ الدَّواءِ، فَمَن لَمْ يَحْتَمِ عَنِ المَنهِيّاتِ لَمْ يَنْفَعْهُ تَداوِيهِ بِالمَأْمُوراتِ، كالَّذِي يَتَداوى ولا يَحْتَمِي يَخْسَرُ الدَّواءَ ويَتَضاعَفُ الدّاءُ ﴿هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالا﴾ [الكهف: ١٠٣] ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] وجاؤُوا بِحَسَناتٍ كالجِبالِ وكانُوا يَصُومُونَ ويُصَلُّونَ ويَأْخُذُونَ وهْنًا مِنَ اللَّيْلِ لَكِنَّ ذَلِكَ تَداوٍ بِغَيْرِ حَمِيَّةٍ لَمّا لَمْ يَحْتَمُوا مِنَ الدُّنْيا (p-٣٢٦)الَّتِي نُهُوا عَنْ زَهْرَتِها، فَكانُوا إذا لاحَتْ لَهم وثَبُوا عَلَيْها فَيُصِيبُونَ مِنها الشَّهَواتِ ويَعْمَلُونَ المَعْصِياتِ فَلَمْ يَنْفَعْهُمُ المُداواةُ، فَمَنِ احْتَمى فَقَدْ قَرَأ هَذا الحَرْفَ وهو حَسْبُهُ فاقْرَؤُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ، أحَبُّ العِباداتِ إلى اللَّهِ تَرْكُ الدُّنْيا وحَمِيَّةُ النَّفْسِ مِن هَوى جاهِها ومالِها، «بَلْ نَبِيًّا عَبْدًا» «أجُوعُ يَوْمًا وأشْبَعُ يَوْمًا»، «ومَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»، والقُرْآنُ حُجَّةٌ لِمَن عَمِلَ بِهِ فَصارَ إمامَهُ يَقُودُهُ إلى الجَنَّةِ. وحُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَعْمَلْ بِهِ يَصِيرُ خَلْفَهُ فَيَسُوقُهُ إلى نارِ الجُبَّةِ الَّتِي في جُبِّ وادِي جَهَنَّمَ الَّتِي تَسْتَعِيذُ جَهَنَّمُ مِنها والوادِي والجُبِّ في كُلِّ يَوْمٍ سَبْعَ مَرّاتٍ ﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ [الشورى: ٥٢] ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] ﴿ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلا خَسارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] «أعُوذُ بِعَفْوِكَ مِن عُقُوبَتِكَ، وبِرِضاكَ (p-٣٢٧)مِن سَخَطِكَ، وبِكَ مِنكَ، لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ أنْتَ كَما أثْنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ» .
ثُمَّ قالَ فِيما تَحْصُلُ بِهِ قِراءَةُ حَرْفِ النَّهْيِ: اعْلَمْ أنَّ المُوفِي بِقِراءَةِ حَرْفَيِ الحَلالِ والحَرامِ المُنْزَلَيْنِ لِإصْلاحِ أمْرِ الدُّنْيا وتَحْسِينِ حالِ الجِسْمِ والنَّفْسِ تَحْصُلُ لَهُ عادَةٌ بِالخَيْرِ تُيَسِّرُ عَلَيْهِ قِراءَةَ حَرْفَيْ صَلاحِ الآخِرَةِ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ، ولَمّا اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ والعِلْمُ إقامَةَ أمْرِ الدُّنْيا بِقِراءَةِ حَرْفَيْ صَلاحِها تَمامًا اقْتَضى الإيمانُ بِالغَيْبِ وتَصْدِيقُ الوَعْدِ والوَعِيدِ تِجارَةَ اشْتِراءِ الغَيْبِ المَوْعُودِ مِن عَظِيمِ خَلاقِ الأُخْرى بِما مَلَكَ العَبْدُ مِن مَنقُودِ مَتاعِ الدُّنْيا، فَكُلُّ الحَلالِ ما عَدا الكَفافَ بِالسُّنَّةِ مَتْجَرٌ لِلْعَبْدِ، إنْ أنْفَقَهُ رَبِحَهُ وأبْقاهُ فَقَدِمَ عَلَيْهِ، وإنِ اسْتَمْتَعَ بِهِ أفْناهُ فَنَدِمَ عَلَيْهِ ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ﴾ [التوبة: ٦٩] ﴿لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] ذَلِكَ مالٌ رابِحٌ ذَلِكَ مالٌ رابِحٌ، وكَما أنَّ حَرْفَ الحَلالِ مُوَسَّعٌ لِيَحْصُلَ بِهِ الشُّكْرُ فَحَرْفُ النَّهْيِ مُضَيَّقٌ لِمُتَّسَعِ حَرْفِ الحَلالِ لِيَحْصُلَ بِهِ الصَّبْرُ لِيَكُونَ بِهِ العَبْدُ شاكِرًا صابِرًا، فالَّذِي يَحْصُلُ بِهِ قِراءَةُ حَرْفَيِ النَّهْيِ (p-٣٢٨)إمّا مِن جِهَةِ القَلْبِ ورُؤْيا الفُؤادِ فَمُشاهَدَةُ البَصِيرَةِ لِمَوْعُودِ الجَزاءِ حَتّى كَأنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ لِتَرْتاحَ النَّفْسُ بِخَيْرِهِ وتَرْتاعَ مِن شَرِّهِ، كَما قالَ حارِثَةُ: ”كَأنِّي أنْظُرُ إلى أهْلِ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ يُنَعَّمُونَ وإلى أهْلِ النّارِ في النّارِ يُعَذَّبُونَ“، فَأثْمَرَ لَهُ ذَلِكَ ما أخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ”وعَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيا فاسْتَوى عِنْدِي ذَهَبُها وخَزَفُها“، وخُصُوصًا مَن أُيِّدَ بِالمُبَشِّراتِ مِنَ الرُّؤْيا الصّالِحَةِ والكَشْفِ الصّادِقِ لِيَدَعَ الفانِيَ لِلْباقِي عَلى يَقِينٍ ومُشاهَدَةٍ، وإمّا مِن جِهَةِ حالِ النَّفْسِ فالصَّبْرُ بِحَبْسِها عَمّا تَشْتَهِيهِ طَبْعًا مِمّا هو مُحَلَّلٌ لَها شَرْعًا، «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا رَثى لِحالِهِ: ”أما تَرْضى أنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيا ولَنا الآخِرَةُ ؟»“ ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ [البقرة: ٤٥] وصَبْرُ النَّفْسِ عَنْ شَهَواتِها وإنْ كانَتْ حَلالًا هو حَقِيقَةُ تَزْكِيَتِها، وقَتْلُها بِإضْنائِها مِنها هو حَياتُها، (p-٣٢٩)وإطْلاقُها تَرْتَعُ في شَهَواتِها هو تَدْسِيَتُها،
﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس: ١٠] والنَّفْسُ مَطِيَّةٌ يُقَوِّيها إنْضاؤُها، ويُضْعِفُها اسْتِمْتاعُها، وحَبْسُها عَنْ ذَلِكَ شائِعٌ في جِهاتِ وُجُوهِ الحَلالِ كُلِّها إلّا في شَيْئَيْنِ: في النِّساءِ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، لِأنَّهم مِن ذاتِ نَفْسِ الرِّجالِ ولَسْنَ غَيْرًا لَهم ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ [الأعراف: ١٨٩] و﴿وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] والثّانِي في الطِّيبِ، لِأنَّهُ غِذاءٌ لِلرُّوحِ وتَقْوِيَةٌ لِلْحَواسِّ ونَسَمَةٌ مِن باطِنِ المَلَكُوتِ إلى ظاهِرِ المُلْكِ، وما عَداهُما فالِاسْتِمْتاعُ بِهِ وإتْباعُ النَّفْسِ هَواها فِيهِ عَلامَةُ تَكْذِيبِ وعْدِ الرَّحْمَنِ وتَصْدِيقِ وعْدِ الشَّيْطانِ ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤] ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠] هَذا مِن جِهَةِ النَّفْسِ، وأمّا مِن جِهَةِ العَمَلِ وتَناوُلِ اليَدِ فَرَفْعُها عَمّا زادَ (p-٣٣٠)عَلى الكَفافِ وتَخْلِيَتُهُ لِذَوِي الحاجَةِ لِيَتَّخِذُوهُ مَعاشًا، وأنْ يَكُونَ التَّمَوُّلُ مِن غَيْرِ القِوامِ تِجارَةَ نَقْلٍ وضَرْبٍ في الأرْضِ وإرْصادٍ لِوَقْتِ حاجَةٍ لا حِكْرَةً وتَضْيِيقًا، اتِّخاذُ أكْثَرِ مِن لُبْسَتَيْنِ لِلْمِهْنَةِ والجُمْعَةِ عَلامَةٌ لِضَعْفِ الإيمانِ وخِلافُ السَّنَةِ وانْقِطاعٌ عَنْ آثارِ النُّبُوَّةِ وعُدُولٌ عَنْ سُنَّةِ الخُلَفاءِ وتَرْكٌ لِشِعارِ الصّالِحِينَ، وكَذَلِكَ تَصْفِيَةٌ لِبابِ الطَّعامِ وقَصْدُ المُسْتَحْسَنِ في الصُّورَةِ دُونَ المُسْتَحْسَنِ في العِلْمِ وإيثارُ الطَّيِّبِ في المَطْعَمِ عَلى الطَّيِّبِ في الوَرَعِ وتَكْثِيرُ الأُدُمِ وتَلْوِينُ الأطْعِمَةِ، وكَذَلِكَ اتِّخاذُ أكْثَرَ مِن مَسْكَنٍ واحِدٍ وأكْثَرَ مِن مُزْدَرَعٍ كافٍ ورَفْعُ البِناءِ والِاسْتِشْرافُ بِالمَبانِي، امْتَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِن رَدِّ السَّلامِ عَلى رَجُلٍ اتَّخَذَ قُبَّةً في المَدِينَةِ حَتّى هَدَمَها وسَوّاها مَعَ بُيُوتِ أهْلِ المَدِينَةِ، وإنَّما الدُّنْيا لِلْمُؤْمِنِ سِجْنٌ إنْ شَعَرَ بِهِ وضَيَّقَ فِيهِ عَلى نَفْسِهِ طَلَبَتِ السَّراحَ مِنهُ إلى الآخِرَةِ فَيَسْعَدُ، وإنْ لَمْ يَشْعُرْ بِأنَّها سِجْنٌ فَوَسَّعَ فِيها عَلى نَفْسِهِ طَلَبَ البَقاءِ فِيها ولَيْسَتْ بِباقِيَةٍ، والخَيْلُ ثَلاثَةٌ: أجْرٌ لِلْمُجاهِدِ، ووِزْرٌ عَلى المُباهِي، (p-٣٣١)وعَفْوٌ لِلْمُسْتَكْفِي بِها فِيما يَعْنِيهِ مِن شَأْنِهِ، والزِّيادَةُ عَلى الكَفافِ مِنَ النِّعَمِ السّائِمَةِ انْقِطاعٌ عَنْ آثارِ النُّبُوَّةِ وتَضْيِيقٌ عَلى ذَوِي الحاجَةِ وتَمَوُّلٌ لِما وُضِعَ لِإقامَةِ المَعاشِ وأنْ يُتَّخَذَ مِنهُ الكَفافُ، قالَ ﷺ: «لَنا غَنَمٌ مِائَةٌ لا نُرِيدُ أنْ تَزِيدَ، فَإذا ولَّدَ الرّاعِي بَهْمَةً ذَبَحْنا مَكانَها شاةً» «والطَّعامُ لا يَتَمَوَّلُ وكَذَلِكَ ما اتُّخِذَ لِلْقِوامِ لا يَحْتَكِرُهُ إلّا خاطِئٌ» «مَنِ احْتَكَرَ طَعامًا أرْبَعِينَ يَوْمًا فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ وبَرِئَ اللَّهُ مِنهُ» . فالأمْتِعَةُ تُجْلَبُ وتُخْتَزَنُ ويُسْتَنْمى فِيهِ الدِّينارُ والدَّراهِمُ، والطَّعامُ والقِوامُ يُجْلَبُ ولا يُخْتَزَنُ فَيُسْتَنْمى فِيهِ الدِّينارُ والدِّرْهَمُ، ومَنِ اخْتَزَنَهُ يَسْتَنْمِي فِيهِ الدِّينارَ والدِّرْهَمَ فَقَدِ احْتَكَرَهُ، وما مُنِعَ فِيهِ مِن مُدِّ العَيْنِ فَأحْرى أنْ يُمْنَعَ فِيهِ مُدُّ اليَدِ ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا﴾ [الحجر: ٨٨] الآيَتَيْنِ، فَبِهَذِهِ (p-٣٣٢)الأُمُورِ مِن إيمانِ القَلْبِ ورُؤْيَةِ الفُؤادِ وصَبْرِ النَّفْسِ وكَفِّ اليَدِ عَنِ الِانْبِساطِ في التَّمَوُّلِ فِيما بِهِ القِوامُ تَحْصُلُ قِراءَةُ حَرْفِ النَّهْيِ، واللَّهُ ولِيُّ التَّأْيِيدِ. انْتَهى.
2:43Page 7
وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ٤٣
And establish prayer and give zakāh1 and bow with those who bow [in worship and obedience].
ولَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن أمْرِ أهْلِ الكِتابِ بِالإيمانِ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ والكِتابِ الَّذِي هو مِنَ الهُدى الآتِي إلَيْهِمُ المُشارِ إلى ذَلِكَ كُلِّهِ بِالإيفاءِ بِالعَهْدِ؛ عَطَفَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ حافِظُوا عَلى العِبادَةِ المَعْهُودِ بِها في كُلِّ يَوْمٍ بِجَمِيعِ شَرائِطِها وأرْكانِها ﴿وآتُوا الزَّكاةَ﴾ أيِ المَفْرُوضَةَ في كُلِّ حَوْلٍ لِتَجْمَعُوا أوْصافَ المُتَّقِينَ المَهْدِيِّينَ بِهَذا الكِتابِ ﴿الَّذِينَ (p-٣٣٣)يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] المُحْسِنِينَ بِذَلِكَ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ الحَقِّ وفِيما بَيْنَهم وبَيْنَ الخَلْقِ، وهاتانِ العِبادَتانِ إمّا العِباداتُ البَدَنِيَّةُ والمالِيَّةُ فَخُصّا بِالذِّكْرِ، لِأنَّ مِن شَأْنِهِما اسْتِجْرارُ سائِرِ العِباداتِ واسْتِتْباعُها، والزَّكاةُ قالَ الحَرالِّيُّ نَماءٌ في ظاهِرِ حِسٍّ وفي باطِنِ ذاتِ نَفْسٍ،
﴿وارْكَعُوا﴾ مِنَ الرُّكُوعِ وهو تَوَسُّطٌ بَيْنَ قِيامٍ وسُجُودٍ يَقَعُ في ظاهِرٍ مِنَ القامَةِ وفي حالٍ مِنَ القَلْبِ، تُخَصُّ بِهِ الأُمَّةُ المُتَوَسِّطَةُ الجامِعَةُ لِلطَّرَفَيْنِ ”مَعَ“ مَعْناهُ الصُّحْبَةُ مِنَ الأعْلى بِالحِياطَةِ، ومِنَ الأدْنى بِحُسْنِ التَّبَعِ، ومِنَ المُماثِلِ بِحُسْنِ النَّصَفَةِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ: ﴿الرّاكِعِينَ﴾ مَعَ مَصْحُوبِهِ تَأْكِيدٌ لِأمْرِ الصَّلاةِ وأمْرٌ بِالكَوْنِ في هَذا الدِّينِ مَعَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا مُحَمَّدًا ﷺ، فَإنَّ صَلاةَ اليَهُودِ لا رُكُوعَ فِيها، كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وقالَ الحَرالِّيُّ: والمُتَّسِقُ بِذَلِكَ أيْ بِما مَضى خِطابُ إفْهامٍ يَفْهَمُهُ عَطْفُ إقامَةِ الصَّلاةِ الَّتِي هي تِلْوَ الإيمانِ، فَكَأنَّ خِطابَ الإفْهامِ: (p-٣٣٤)فارْجِعُوا واسْتَدْرِكُوا وأعْلِنُوا بِما كَتَمْتُمْ وبَيِّنُوا ما لَبَّسْتُمْ وانْصَحُوا مَنِ اسْتَنْصَحَكم وأقِيمُوا وِجْهَتَكم لِلَّهِ بِالصَّلاةِ وتَعَطَّفُوا عَلى الأتْباعِ بَعْدَ تَعْلِيمِهِمْ بِالزَّكاةِ وكَمِّلُوا صَلاتَكم بِما بِهِ كَمالُ الصَّلاةِ مِنَ الرُّكُوعِ العَدْلِ في الفِعْلِ بَيْنَ حالِ قِيامِ الصَّلاةِ وسُجُودِها المُظْهِرِ آيَةَ عَظَمَةِ اللَّهِ مَعَ الرّاكِعِينَ الَّذِينَ هُمُ العَرَبُ الَّذِينَ وُضِعَتْ أوَّلُ صَلاتِهِمْ عَلى كَمالٍ. انْتَهى. ويَجُوزُ (p-٣٣٥)أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالرُّكُوعِ الصَّلاةُ، عَبَّرَ عَنْها بِهِ لِما ذَكَرَ مِن خُصُوصِ هَذِهِ الأُمَّةِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وصَلُّوا مَعَ المُصَلِّينَ جَماعَةً، لِمَزِيدِ التَّوْصِيَةِ بِالجَماعَةِ.
2:44Page 7
۞ أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٤٤
Do you order righteousness of the people and forget1 yourselves while you recite the Scripture? Then will you not reason?
ولَمّا أمَرَ عُلَماءَهم بِما تَرَكُوا مِن مَعالِي الأخْلاقِ مِنَ الإيمانِ والشَّرائِعِ بَعْدَ أمْرِهِمْ بِذِكْرِ ما خَصَّهم بِهِ مِنَ النِّعَمِ، ونَهاهم عَمّا ارْتَكَبُوا مِن سَفْسافِها مِن كُفْرِ النِّعَمِ ونَقْضِ العُهُودِ وما تَبِعَ ذَلِكَ وكانُوا يَأْمُرُونَ (p-٣٣٦)غَيْرَهم بِما يَزْعُمُونَ أنَّهُ تَزْكِيَةٌ ويَنْهَوْنَهُ عَمّا يَدَّعُونَ أنَّهُ تَرْدِيَةٌ؛ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَرْغِيبًا فِيما نَدَبَهم إلَيْهِ وحَثَّهم عَلَيْهِ وتَوْبِيخًا عَلى تَرْكِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أتَأْمُرُونَ﴾ مِنَ الأمْرِ وهو الإلْزامُ بِالحُكْمِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿النّاسَ بِالبِرِّ﴾ وهو التَّوَسُّعُ في أفْعالِ الخَيْرِ ﴿وتَنْسَوْنَ﴾ والنِّسْيانُ السَّهْوُ الحادِثُ بَعْدَ حُصُولِ العِلْمِ،
﴿أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ تَتْرُكُونَ حَمْلَها عَلى ذَلِكَ تَرْكَ النّاسِي، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِهِ زِيادَةً في التَّنْفِيرِ عَنْ هَذا الأمْرِ الفَظِيعِ الَّذِي دَلَّ العَقْلُ دَلالَةً بَيِّنَةً عَلى فُحْشِهِ، لِأنَّ المَقْصُودَ مِن أمْرِ الغَيْرِ بِالبِرِّ النَّصِيحَةُ أوْ الشَّفَقَةُ، ولَيْسَ مِنَ العَقْلِ أنْ يُشْفِقَ الإنْسانُ عَلى غَيْرِهِ أوْ يَنْصَحَ غَيْرَهُ ويَنْسى نَفْسَهُ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ حُكْمُ التَّوْراةِ، كانُوا يَحْمِلُونَ عَوامَّهم عَلَيْهِ وهم يَعْلَمُونَ دُونَ العَوامِّ أنَّ مِن حُكْمِ التَّوْراةِ اتِّباعَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقَدْ نَسُوا أنْفُسَهم مِنَ الأمْرِ بِأساسِ البِرِّ الَّذِي لا يَصِحُّ مِنهُ شَيْءٌ إلّا بِهِ.
وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ فِيهِمْ مَن أشارَ عَلى مَنِ اسْتَهْداهُ بِالهِدايَةِ (p-٣٣٧)لِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ ولَمْ يَهْدُوا أنْفُسَهم لِما أرْشَدُوا إلَيْهِ غَيْرَهم؛ أعْلَنَ تَعالى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ نَظْمًا لِما تَقَدَّمَ مِن نَقْضِ عَهْدِهِمْ ولَبْسِهِمْ وكَتْمِهِمْ بِما ظَهَرَ مِن نَقْصِ عُقُولِهِمْ في أنْ يُظْهِرَ طَرِيقَ الهُدى لِغَيْرِهِ ولا يَتَّبِعَهُ فَأخْرَجَهم بِذَلِكَ عَنْ حَدِّ العَقْلِ الَّذِي هو أدْنى أحْوالِ المُخاطَبِينَ، وزادَ في تَبْكِيتِهِمْ بِجُمْلَةٍ حالِيَّةٍ حاكِيَةٍ تَلَبُّسَهم بِالعِلْمِ والحِكْمَةِ النّاهِيَةِ عَمّا هم عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ﴾ مِنَ التِّلاوَةِ، وهو تَتَبُّعُ قَوْلِ قائِلٍ (p-٣٣٨)أوَّلٍ مِن جِهَةِ أوَّلِيَّتِهِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ الحالِيَّةُ أعْظَمُ مُنَبِّهٍ عَلى أنَّ مِن حُكْمِ التَّوْراةِ اتِّباعَهُ ﷺ، ومُشِيرٌ إلى أنَّ المَعْصِيَةَ مِنَ العالِمِ أقْبَحُ. قالَ الحَرالِّيُّ: فِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ أمْرَ النَّبِيِّ ﷺ في مَنطُوقِ تِلاوَتِهِ لَيْسَ في خَفِيِّ إفْهامِهِ، فَكانَ في ذَلِكَ خُرُوجٌ عَنْ حُكْمِ نُورِ العَقْلِ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ هَذا في كِتابِهِمْ وهم بِهِ يَأْمُرُونَ وعَنْهُ مُعْرِضُونَ سَبَّبَ سُبْحانَهُ عَنْهُ الإنْكارَ في قَوْلِهِ: ”﴿أفَلا﴾“ أيْ أتَتْلُونَهُ فَلا ﴿تَعْقِلُونَ﴾ إشارَةً إلى أنَّ ما هم عَلَيْهِ مِن هَذا لا يَفْعَلُهُ ذُو مُسْكَةٍ، والعَقْلُ إدْراكُ حَقائِقِ ما نالَ الحِسُّ ظاهِرَهُ - قالَهُ الحَرالِّيُّ. سُمِّيَ عَقْلًا لِأنَّهُ يَعْقِلُ عَنِ التَّوَرُّطِ في الهَلَكَةِ.
2:45Page 7
وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ ٤٥
And seek help through patience and prayer; and indeed, it is difficult except for the humbly submissive [to Allāh]
ولَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمُ اتِّباعَ الهَوى؛ أرْشَدَهم إلى دَوائِهِ بِأعْظَمِ أخْلاقِ النَّفْسِ وأجَلِّ أعْمالِ البَدَنِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما مَضى مِنَ الأوامِرِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: فَكَأنَّهم إنَّما حَمَلَهم عَلى مُخالَفَةِ حُكْمِ العَقْلِ ما تَعَوَّدَتْ بِهِ أنْفُسُهم مِنَ الرِّياسَةِ والتَّقَدُّمِ فَلِما في ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مِنَ المَشَقَّةِ أنْ يَصِيرُوا أتْباعًا (p-٣٣٩)لِلْعَرَبِ بَعْدَما كانُوا يَرَوْنَ أنَّ جَمِيعَ الأرْضِ تَبَعٌ لَهم نَسَقَ بِخِطابِهِمْ في ذَلِكَ الأمْرِ بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ الَّذِي يُكْرِهُ أنْفُسَهم عَلى أنْ تَصِيرَ تابِعَةً بَعْدَ أنْ كانَتْ مَتْبُوعَةً فَقالَ تَعالى. انْتَهى.
﴿واسْتَعِينُوا﴾ أيْ عَلى إظْهارِ الحَقِّ والِانْقِيادِ لَهُ وهو مَعْنى ما مَضى مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي ﴿بِالصَّبْرِ﴾ أيْ عَلى مُخالَفَةِ الهَوى، والصَّبْرُ حَبْسُ النَّفْسِ عَنْ حاجَتِها وعادَتِها وعَلى إصْلاحِها وتَزْكِيَتِها، هو ضِياءٌ لِلْقُلُوبِ تُبْصِرُ بِهِ ما يُخْفِيهِ عَنْها الجَزَعُ مِنَ الخُرُوجِ عَنِ العادَةِ فِيما تَنْزِعُ إلَيْهِ الأنْفُسُ - قالَهُ الحَرالِّيُّ. وهو عامٌّ في كُلِّ صَبْرٍ: الصَّوْمِ، وغَيْرِهِ،
﴿والصَّلاةِ﴾ أيِ المُوصِلَةِ إلى المَقامِ الأعْلى، (p-٣٤٠)وفِيهِ التِفاتٌ إلى ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وإشارَةٌ إلى أنَّ مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنْ رُكُوبِ الباطِلِ والتَّمادِي فِيهِ وتَأْمُرْهُ بِلُزُومِ الحَقِّ والرُّجُوعِ إلَيْهِ فَلَيْسَ بِمُصَلٍّ، فَكَأنَّ المُرادَ بِالصَّبْرِ تَخْلِيصُ النَّفْسِ مِن أشَراكِ الهَوى وقَسْرُها عَلى الإخْلاصِ، فَمَن صَلّى عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ كانَ لا مَحالَةَ مِنَ النّاجِينَ؛ وثَنّى بِالصَّلاةِ لِأنَّها اسْتِرْزاقٌ يُغْنِيهِمْ عَنِ اشْتِراءِ ثَمَنٍ كانُوا يَأْخُذُونَهُ مِن أتْباعِهِمْ في اللَّبْسِ والكِتْمانِ ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢] قالَ الحَرالِّيُّ. ويَصِحُّ أنْ يُرادَ بِها الدُّعاءُ، فَمَن صَبَرَ عَنِ الدَّنايا وعَلى المَكارِهِ وأنْهى صَبْرَهُ إلى الصَّوْمِ فَأزالَ عَنْهُ كُدُوراتِ (p-٣٤١)حَبِّ الدُّنْيا وأضافَ إلى ذَلِكَ الصَّلاةَ؛ اسْتَنارَ قَلْبُهُ بِأنْواعِ المَعارِفِ، فَإذا ضَمَّ إلى ذَلِكَ الدُّعاءَ والِالتِجاءَ إلى اللَّهِ تَعالى بَلَغَ نِهايَةَ البِرِّ.
ولَمّا أمَرَ ونَهى بِما خَتَمَهُ بِالصَّلاةِ؛ حَثَّ عَلى التَّفاؤُلِ لِعَظَمَتِهِ [ سُبْحانَهُ ] [ بِتَخْصِيصِها بِالضَّمِيرِ ] فَقالَ: ﴿وإنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ أيْ ثَقِيلَةٌ جِدًّا، والكَبِيرُ ما جَلَّ قَدْرُهُ أوْ مِقْدارُهُ في حِسٍّ ظاهِرٍ أوْ في مَعْنًى باطِنٍ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿إلا عَلى الخاشِعِينَ﴾ أيِ المُخْبِتِينَ الَّذِينَ هم في غايَةِ السُّهُولَةِ واللِّينِ والتَّواضُعِ لِرَبِّهِمْ بِحَيْثُ لا يَكُونُ عِنْدَهم شَيْءٌ مِن كِبْرٍ ويَنْظُرُونَ عَواقِبَ الأمْرِ وما (p-٣٤٢)أُعِدَّ عَلَيْها مِنَ الأجْرِ، ولِذا قالَ ﷺ: «وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ» . وغَيْرُهم يَمْنَعُهم ثِقَلُها مِن فِعْلِها، وإنْ فَعَلَها فَعَلى غَيْرِ رَغْبَةٍ. قالَ الحَرالِّيُّ: وهو أيِ الخُشُوعُ هُدُوُّ الجَوارِحِ والخَواطِرِ فِيما هو الأهَمُّ في الوَقْتِ، وأنْبَأ تَعالى بِكِبَرِ قَدْرِ الصَّلاةِ عَنْ أنْ يَتَناوَلَ عَمَلَها إلّا خاشِعٌ خَرَجَ عَنْ حَظِّ نَفْسِهِ وألْزَمَ نَفْسَهُ ذُلَّ العُبُودِيَّةِ الَّتِي خُتِمَتْ بِها النُّبُوَّةُ، وفي إشارَةِ كَمالِ الصَّلاةِ إشْعارٌ بِصَلاةِ العَصْرِ الَّتِي هي صَلاةُ النَّبِيِّ الخاتَمِ الَّذِي زَمَنُهُ وقْتُ العَصْرِ وحالَةُ العُبُودِيَّةِ، وذَلِكَ مِمّا يَكْبُرُ عَلى مَن قَرَنَ بِنُبُوَّتِهِ وبِمِلَّتِهِ المُلْكَ إلّا أنْ يَخْشَعَ لِما يَكْبُرُ عَلى النَّفْسِ، وخُصَّتِ الصَّلاةُ بِالكِبَرِ دُونَ الصَّبْرِ لِأنَّ الصَّبْرَ صِغارٌ لِلنَّفْسِ والصَّلاةَ وُجْهَةٌ لِلْحَقِّ واللَّهُ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ. انْتَهى.
2:46Page 7
ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَأَنَّهُمۡ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ ٤٦
Who are certain that they will meet their Lord and that they will return to Him.
﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ مِنَ الظَّنِّ وهو رُجْحانٌ في اعْتِقادٍ مَعَ بَقاءِ مُنازِعٍ مِن مُقابِلِهِ - قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ (p-٣٤٣)أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ، وعَبَّرَ بِالظَّنِّ عَنِ العِلْمِ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يَكْفِي العاقِلَ في الحَثِّ عَلى مُلازَمَةِ الطّاعَةِ في ظَنِّ لِقاءِ المَلِكِ المُطاعِ المَرْجُوِّ المَخُوفِ فَكَيْفَ والأمْرُ مُتَيَقَّنٌ لا مِراءَ فِيهِ ولا تَطَرُّقَ لِلرَّيْبِ إلَيْهِ ! ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ظَنُّ المَوْتِ في كُلِّ لَحْظَةٍ، فَإنَّهُ إذا كانَ عَلى ذُكْرٍ مِنَ الإنْسانِ أوْجَبُ لَهُ السَّعادَةَ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُشِيرَةً مَعَ التَّرْهِيبِ لِذَوِي الهِمَمِ العَلِيَّةِ والأنَفَةِ والحَمِيَّةِ مِنَ الوُقُوعِ فِيما يُلِمُّ بِعَيْبٍ أوْ يُوقِعُ في عَتْبٍ إلى الِاسْتِحْياءِ مِنَ المُحْسِنِ الَّذِي ما قَطَعَ إحْسانَهُ ساعَةً مِنَ الدَّهْرِ زادَ في التَّرْهِيبِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنَّهم إلَيْهِ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿راجِعُونَ﴾ والرُّجُوعُ مَعادُ الذّاهِبِ عَلى (p-٣٤٤)مَدارِجِ مَذْهَبِهِ وتَرَقِّيهِ عَلى مَعارِجِ مَهْبِطِهِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ. وعَبَّرَ بِذَلِكَ وإنْ كانُوا لَمْ يَزالُوا في قَبْضَتِهِ، لِأنَّ اسْمَهُ الظّاهِرَ سُبْحانَهُ يَكُونُ في تِلْكَ الدّارِ لِانْقِطاعِ الأسْبابِ في غايَةِ الظُّهُورِ لا يَكُونُ لِأحَدٍ مَعَهُ نَوْعُ ظُهُورٍ أصْلًا، لا كَهَذِهِ الدّارِ الَّتِي الغالِبُ فِيها مَعْنى اسْمِهِ الباطِنِ إلّا عِنْدَ أُولِي البَصائِرِ؛ وفي الآيَةِ تَبْكِيتٌ لِأهْلِ الكِتابِ بِأنَّهم مَعَ تَحَقُّقِهِمْ لِلْبَعْثِ يَمَلُّونَ عَمَلَ مَن لا يَظُنُّهُ فَضْلًا عَنْ أنَّهُ يَعْلَمُهُ. وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ في الصَّلاةِ مُناجاةٌ لِلَّهِ عَلى الغَيْبِ؛ كانَتْ إنَّما تَتَيَسَّرُ عَلى مَن يَظُنُّ القَبُولَ الَّذِي يُشْعِرُ بِهِ اللِّقاءُ لِرَبِّهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وذَلِكَ حالُ مَن رَجَحَتِ الآخِرَةُ (p-٣٤٥)عَلى الدُّنْيا في عَمَلِهِ وحالِهِ، فَكانَ حالُهُ وعَمَلُهُ حالَ الظّانِّ إبْقاءً عَلى أحْوالِ مَن دُونَ رُتْبَةِ اليَقِينِ، ومَقْصُودُ اللِّقاءِ لَيْسَ البَعْثَ لِأنَّهم هم مِنَ المُؤْمِنِينَ بِالبَعْثِ ولَكِنَّهُ مِن مَعْنى القَبُولِ بَعْدَ البَعْثِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى حالِ المَوْتِ ويَوْمِ البَرْزَخِ وهو الجَزاءُ الأوَّلُ فَعَطَفَ عَلى المَرْجِعِ الآخَرِ بَعْدَ البَعْثِ. انْتَهى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences