Al-Biqa'iAl‑Baqarah · 2:47–53

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:47–53

2:47Page 7

يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَنِّي فَضَّلۡتُكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٧

O Children of Israel, remember My favor that I have bestowed upon you and that I preferred you over the worlds [i.e., peoples].

ولَمّا كانَ الغالِبُ عَلى أكْثَرِ النّاسِ الجُمُودَ؛ كَرَّرَ النِّداءَ لَهم مُبالَغَةً في اللُّطْفِ بِهِمْ إثْرَ التَّرْجِيَةِ والتَّخْوِيفِ، فَقالَ: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيِ الَّذِي أكْرَمْتُهُ وأكْرَمْتُ ذُرِّيَّتَهُ مِن بَعْدِهِ بِأنْواعِ الكَرامَةِ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ وفَخَّمَ أمْرَها بِقَوْلِهِ: ﴿الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ بِإنْزالِ الكُتُبِ وإرْسالِ الرُّسُلِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ والتَّفْضِيلُ الزِّيادَةُ مِن خُطْوَةِ جانِبِ القُرْبِ والرِّفْعَةِ فِيما يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنُّقْصانَ مِنهُ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.

﴿عَلى العالَمِينَ﴾ وهم مَن كانَ قَدْ بَرَزَ الوُجُودُ في ذَلِكَ الزَّمانِ بِالتَّخْصِيصِ (p-٣٤٦)بِذَلِكَ دُونَهم، ولا يَدْخُلُ في هَذا مَن لَمْ يَكُنْ بَرَزَ إلى الوُجُودِ في ذَلِكَ الزَّمانِ كَما يَأْتِي تَحْقِيقُهُ عَنِ الحَرالِّيِّ قَرِيبًا ومِمّا يُوجِبُ القَطْعَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى لَنا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]

2:48Page 7

وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا يُؤۡخَذُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٤٨

And fear a Day when no soul will suffice for another soul1 at all, nor will intercession be accepted from it, nor will compensation be taken from it, nor will they be aided.

ولَمّا ذَكَّرَهم بِتَخْصِيصِهِمْ بِالكَرامَةِ ونَهاهم عَنِ المُخالَفَةِ وكانَتِ المُخالَفَةُ مَعَ عَظِيمِ النِّعْمَةِ أقْبَحَ وأشَدَّ وأفْحَشَ؛ حَذَّرَهم يَوْمًا لا يُنْجِي أحَدًا فِيهِ إلّا تَقْواهُ، فَقالَ. وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا دَعاهم إلى الوَفاءِ بِالعَهْدِ تَنْبِيهًا لِهِمَّةِ مَن لَهُ فَضْلُ باطِنٍ يَرْجِعُ إلى فَضائِلِ النَّفْسِ، فَأجابَ مَن وُفِّقَ وتَمادى عَلى حالِهِ مَن خُذِلَ؛ ثَنّى الخِطابَ لَهم بِالتَّنْبِيهِ عَلى النِّعْمَةِ الظّاهِرَةِ لِيَتَنَبَّهَ لِذَلِكَ مَن يَخافُ تَغْيِيرَ النِّعْمَةِ الظّاهِرَةِ حِينَ لَمْ يَخَفِ السُّقُوطَ عَنْ رُتْبَةِ الفَضِيلَةِ في الخِطابِ فَذَكَّرَهم بِالنِّعْمَةِ والتَّفْضِيلِ الَّذِي فَضَّلَهم بِهِ عَلى العالَمِينَ وهم (p-٣٤٧)مَن ظَهَرَتْ أعْلامُ وُجُودِهِمْ في زَمانِهِمْ، وكَذَلِكَ كَلُّ تَفْضِيلٍ يَقَعُ في القُرْآنِ والسُّنَّةِ، وإنَّما العالَمُ مَن شَمَلَهُ الوُجُودُ لا ما أحاطَ بِهِ العِلْمُ بَعْدُ، لِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَرْفَعْ في الشُّهُودِ عِلْمَ وجُودِهِ؛ وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهم كَما فَضَّلُوهم عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَقْصُورٍ عَلَيْهِمْ بَلْ كَذَلِكَ يُفَضِّلُ اللَّهُ العَرَبَ في زَمانِ نُبُوَّتِها عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وعَلى جَمِيعِ المَوْجُودِينَ في زَمانِهِمْ، وحَيْثُ انْتَهى الخِطابُ إلى تَذَكُّرِ ظاهِرِ النِّعْمَةِ بَعْدَ التَّذْكِيرِ بِباطِنِ الفَضِيلَةِ لَمْ يَبْقَ وراءَ ذَلِكَ إلّا التَّهْدِيدُ بِوَعِيدِ الآخِرَةِ عَطْفًا عَلى تَهْدِيدٍ تَقْتَضِيهِ الأفْهامُ بِتَغْيِيرِ ما بَقِيَ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعْمَةِ في الدُّنْيا؛ فَكانَ (p-٣٤٨)مَفْهُومُ الخِطابِ: فاحْذَرُوا أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ المُؤاخَذِينَ في الدُّنْيا، انْتَهى.

﴿واتَّقُوا﴾ . ولَمّا كانَ المُتَّقى إنَّما هو الجَزاءُ الواقِعُ في يَوْمِ القِيامَةِ حَذَفَهُ وأقامَ اليَوْمَ مَقامَهُ تَفْخِيمًا لَهُ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ عِقابَهُ لا يُدْفَعُ كَما يُدْفَعُ ما في غَيْرِهِ بِأنْواعِ الحِيَلِ فَقالَ: ﴿يَوْمًا﴾ هو مِنَ العَظَمَةِ بِحَيْثُ ﴿لا تَجْزِي﴾ أيْ تُفْضِي وتُغْنِي فِيهِ ﴿نَفْسٌ﴾ أيُّ نَفْسٍ كانَتْ ﴿عَنْ نَفْسٍ﴾ (p-٣٤٩)كَذَلِكَ ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الجَزاءِ.

قالَ الحَرالِّيُّ: والنَّفْسُ لِكُلِّ امْرِئٍ لَزِمَتْهُ نَفاسَةٌ عَلى غَيْرِهِ، فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يُغْنِي بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ بِخِلافِ مَن آثَرَ غَيْرَهُ وذَهَبَتْ نَفاسَةُ نَفْسِهِ، فَإنَّهُ يُغْنِي عَمَّنْ دُونَهُ بِالشَّفاعَةِ والإحْسانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وفِيهِ إعْلامٌ بِأنَّ ضَعَةَ النَّفْسِ مَبْدَأُ التَّوْفِيقِ ونَفاسَتَها مَبْدَأُ الخِذْلانِ ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] فَذُلُّ العَبْدِ - بِالضَّمِّ - لِلَّهِ، وذِلُّهُ - بِالكَسْرِ - لِعِبادِ اللَّهِ بُشْرى فَوْزِهِ، وإعْراضُهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وصَعْرُ خَدِّهِ لِلنّاسِ نِذارَةُ هَلاكِهِ. انْتَهى.

ولَمّا كانَ الإجْزاءُ قَدْ يَكُونُ بِنَفْسِ كَوْنِ المُجْزِئِ مَوْجُودًا وهو بِحَيْثُ يَخْشى أنْ يَسْعى في الفَكاكِ بِنَوْعِ حِيلَةٍ فَتُحَرَّكُ القُلُوبُ لِإجابَتِهِ وفَكِّ أسِيرِهِ فَيُحْمَلُ ذَلِكَ مِن أسْرِهِ عَلى إطْلاقِهِ، وقَدْ يُحْتالُ بِالفِعْلِ في التَّوَصُّلِ إلى فَكِّهِ في خُفْيَةٍ بِسَرِقَتِهِ أوْ فَتْحِ سِجْنِهِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وكانَتْ وُجُوهُ الإجْزاءِ المَشْهُورَةُ ثَلاثَةً عَطَفَها عَلى الإجْزاءِ الأعَمِّ مِنها فَقالَ: (p-٣٥٠)﴿ولا يُقْبَلُ مِنها﴾ أيِ النَّفْسِ الأُولى أوِ الثّانِيَةِ ﴿شَفاعَةٌ﴾ أيْ لَمْ يُؤْذَنْ فِيها وهي مِنَ الشَّفْعِ وهو إرْفادُ الطّالِبِ بِتَثْنِيَةِ الرَّغْبَةِ لَهُ فِيما رَغِبَ فِيهِ لِيَصِيرَ كالإمامِ لَهُ في وُجْهَةِ حاجَتِهِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ ﴿ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ تَبْذُلُهُ غَيْرَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وهو ما يَعْدِلُ الشَّيْءَ ويَكُونُ مَعَهُ كالعِدْلَيْنِ المُتَكافِئَيِ القَدْرِ عَلى الحُمُولَةِ، فَكَأنَّ العِدْلَ - بِالكَسْرِ - في الشَّيْءِ المَحْسُوسِ، والعَدْلُ - بِالفَتْحِ - في الشَّيْءِ المَعْقُولِ، وكَذَلِكَ عادَةُ العَرَبِ تُفَرِّقُ بَيْنَ ما في الحِسِّ وما في المَعْنى بِعَلامَةِ إعْرابٍ في ذاتِ نَفْسِ الكَلِمَةِ لا في آخِرِها، قالَهُ الحَرالِّيُّ.

ولَمّا كانَ عَدَمُ النُّصْرَةِ لِلْجَمْعِ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَها لِلْمُفْرَدِ بِطَرِيقِ الأُولى (p-٣٥١)جَمَعَ فَقالَ: ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ أيْ يَتَجَدَّدُ لَهم نَصْرٌ يَوْمًا ما بِمَن يُنْقِذُهم قَهْرًا كائِنًا مَن كانَ، والنَّصْرُ تَأْيِيدُ المُقاوِمِ في الأمْرِ بِما هو أقْوى مِن مُقاوِمِهِ وهُما طَرَفانِ لِيَصِيرَ كالمُتَقَدِّمِ لَهُ بِحُكْمِ اسْتِقْلالِهِ فِيما يَتَوَقَّعُ عَجْزَ المَنصُورِ فِيهِ - قالَهُ الحَرالِّيُّ. فانْتَفى بِذَلِكَ جَمِيعُ وُجُوهِ الخَلاصِ الَّتِي يَطْمَعُ فِيها الظّالِمُ في الدُّنْيا.

(p-٣٥٢)قالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَتْ أسْبابُ النَّجاةِ لِلْمَرْءِ بِأحَدِ ثَلاثٍ: إمّا شَفاعَةُ مَن فَوْقَهُ في العِلْمِ والفَضْلِ، وإمّا نُصْرَةُ مَن فَوْقَهُ في الأيْدِ والقُوَّةِ، وإمّا فِكاكُ مَن يَدُهُ لِنَفْسِهِ إذْ مَن هو مِثْلُهُ لا يُغْنِي وأحْرى مَن هو دُونَهُ، اسْتَوْفى الخِطابُ جَمِيعَ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ لِيَسُدَّ عَلى ذِي النَّفْسِ المُسْتَمْسِكِ بِنَفاسَتِهِ جَمِيعَ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ مِنَ الشَّفاعَةِ والفِدْيَةِ والنُّصْرَةِ. انْتَهى.

ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ فَضَّلَهم وعاهَدَهم وأنَّ وفاءَهُ بِعَهْدِهِمْ مَشْرُوطٌ بِوَفائِهِمْ بِعَهْدِهِ؛ ناسِبَ تَقْدِيمَ الشَّفاعَةِ، ويَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في الآيَةِ (p-٣٥٣)الثّانِيَةِ ما يَتِمُّ بِهِ البَيانُ، ولَمّا وصَفَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِأنَّهُ لا يَنْفَعُ فِيهِ حِيلَةٌ لِذِي مَلَكَةٍ المُتَرَدِّي بِالكِبْرِياءِ المُتَجَلِّلِ بِالعَظَمَةِ ذَكَّرَهم بِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ مِن إنْجائِهِ لَهم بِمُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ حَيْثُ شَفَعا عِنْدَ المَلِكِ الَّذِي كانَ اسْتَعْبَدَهم وسامَهم سُوءَ العَذابِ، فَلَمّا لَمْ يُشَفِّعْهُما فِيهِمْ قاهَراهُ فانْتَصَرا عَلَيْهِ بِأيْدِ مَلِيكِهِمْ واسْتَنْقَذاهم مِنهُ بِسَطْوَةِ مَعْبُودِهِمْ.

وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا اسْتَوْفى خِطابُ النِّداءِ لَهم وجْهَيِ التَّذْكِيرِ بِأصْلِ فَضِيلَةِ النَّفْسِ الباطِنَةِ بِالوَفاءِ وغَرَضِ النَّفْسِ الظّاهِرِ في النِّعْمَةِ والرِّئاسَةِ؛ جاءَ ما بَعْدَ ذَلِكَ مِن تَفاصِيلِ النِّعَمِ عَطْفًا مِن غَيْرِ تَجْدِيدِ نِداءٍ إلى مُنْتَهى خاتِمَةِ الخِطابِ مَعَهم حَيْثُ ثَنّى لَهُمُ الخِطابَ الأدْنى بِالتَّذْكِيرِ بِالنِّعْمَةِ خَتْمًا لِمُتَّسِقِ خِطابِهِ بِما تَضَمَّنَهُ تَذْكِيرُهم بِتَكْرارِ قَوْلِهِ: وإذْ وإذْ، واحِدَةً بَعْدَ أُخْرى إلى جُمْلَةٍ مِنها.

2:49Page 8

وَإِذۡ نَجَّيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ ٤٩

And [recall] when We saved you [i.e., your forefathers] from the people of Pharaoh, who afflicted you with the worst torment, slaughtering your [newborn] sons and keeping your females alive. And in that was a great trial from your Lord.

ولَمّا ذَكَّرَهم بِالنِّعْمَةِ الظّاهِرَةِ فانْتَبَهَ مَن تَدارَكَتْهُ الهِدايَةُ وتَمادى مَنِ اسْتَحَقَّ العُقُوبَةَ ذَكَّرَ أهْلَ الِاسْتِحْقاقِ بِما عُوقِبُوا بِهِ بِما يَسْتَلْزِمُهُ (p-٣٥٤)مَعْنى النَّجاةِ وبِما فَسَّرَهُ مِمّا أُخِذُوا بِهِ عَلى ذُنُوبٍ تُشاكِلُ ما هم عَلَيْهِ في مُعانَدَتِهِمُ القُرْآنَ، فَحِينَ لَمْ يَنْفَعْ فِيهِمُ التَّذْكِيرانِ بِالعَهْدِ والنِّعْمَةِ هُدِّدُوا بِتَقْرِيرِهِمْ عَلى مَواقِعِ ما أُصِيبُوا بِهِ مِنَ البَلاءِ مِن عَدُوِّهِمْ لِما اقْتَرَفُوهُ مِن ذُنُوبِهِمْ ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ حَتّى إذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا﴾ [غافر: ٣٤] فَكانَ في تَكْذِيبِهِمْ بِالرِّسالَةِ الأُولى وشَكِّهِمْ ما أصابَهم مِنَ العُقُوبَةِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ حَتّى أنْقَذَهُمُ اللَّهُ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ تَعالى: ﴿وإذْ﴾ أيْ واذْكُرُوا إذْ ﴿نَجَّيْناكُمْ﴾ وهو مِنَ التَّنْجِيَةِ وهي تَكْرارُ النَّجاةِ، والنَّجاةُ مَعْناهُ رَفْعٌ عَلى النَّجْوَةِ وهو المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ الَّذِي هو مُخَلَّصٌ مِمّا يُنالُ مِنَ الوِهادِ وخُبْثِ الأرْضِ مِن هَلاكٍ بِسَيْلِ ماءٍ ونَحْوِهِ ﴿مِن (p-٣٥٥)آلِ﴾ آلُ الرَّجُلِ مَن تَبْدُو فِيهِمْ أحْوالُهُ وأعْمالُهُ وأفْعالُهُ حَتّى كَأنَّهم هو في غَيْبِهِ مِن مَعْنى الآلِ الَّذِي هو السَّرابُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ ما بَعُدَ ويَتَراءى ما لَمْ يَكُنْ يُرى لَوْلاهُ،

﴿فِرْعَوْنَ﴾ اسْمُ مَلِكِ مِصْرَ في الجاهِلِيَّةِ، عَلَمُ جِنْسٍ لِمُلُوكِها بِمَنزِلَةِ أسْماءِ الأجْناسِ في الحَيَوانِ وغَيْرِهِ. انْتَهى. [ والمُرادُ بِالآلِ: فِرْعَوْنُ وأتْباعُهُ، فَإنَّ الآلَ يُطْلَقُ عَلى الشَّخْصِ نَفْسِهِ وعَلى أهْلِهِ وأتْباعِهِ وأوْلِيائِهِ - قالَهُ في القامُوسِ، قالَ: ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا فِيما فِيهِ شَرَفٌ غالِبًا - ] ثُمَّ بَيَّنَ ما أنْجاهم مِنهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ (p-٣٥٦)العَذابِ﴾ سَمّاهُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ أشَدُّ البَلاءِ عَلى النَّفْسِ لِما فِيهِ مِنِ اسْتِحْقارِها، مِنَ السَّوْمِ وهو تَعْذِيبٌ بِتَهاوُنٍ بِالمُعَذَّبِ، والسَّوْمُ ما يَشْتَدُّ تَنَكُّرُ النَّفْسِ لَهُ وتَكَرُّهُها، ثُمَّ فَسَّرَ هَذا بِقَوْلِهِ ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ مِنَ التَّذْبِيحِ وهو تَكْرارُ الذَّبْحِ، والذَّبْحُ قَطْعٌ بالِغٌ في العُنُقِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.

ولَمّا كانَ كُلٌّ مِن ذَبْحِ الِابْنِ وحَياةِ المَرْأةِ بِغَيْرِ رَجُلٍ أفْحَشَ وكانَتِ البِنْتُ إذا بَقِيَتْ صارَتِ امْرَأةً عَبَّرَ بِالأبْناءِ والنِّساءِ فَقالَ ﴿أبْناءَكُمْ﴾ أيْ سَوْقًا لَكم مَساقَ البَهائِمِ ﴿ويَسْتَحْيُونَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الِاسْتِحْياءِ وهو اسْتِبْقاءُ الحَياةِ ﴿نِساءَكُمْ﴾ مِن مَعْنى الِاتِّخاذِ لِلتَّأهُّلِ المُلابِسِ في مَعْنى ما جَرى مِنهُ اشْتِقاقُ الإنْسِ والإنْسانِ والنِّسْوَةِ بِاشْتِراكِها في أحَدِ الحُرُوفِ الثَّلاثَةِ مِنَ الهَمْزَةِ أوِ الواوِ أوِ الياءِ مَعَ اجْتِماعِها في النُّونِ والسِّينِ. انْتَهى. ثُمَّ نَبَّهَهم عَلى ما فِيهِ مِنَ العِظَمِ بِقَوْلِهِ ﴿وفِي ذَلِكُمْ﴾ فَأشارَ (p-٣٥٧)بِأداةِ البُعْدِ مَقْرُونَةً بِالمِيمِ ﴿بَلاءٌ﴾ أيِ اخْتِبارٌ ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكم في حالَيِ الشِّدَّةِ والرَّخاءِ ﴿عَظِيمٌ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: البَلاءُ الِاخْتِبارُ هو إبْداءُ خِبْرَةِ الشَّيْءِ بِشِدَّةٍ ومِحْنَةٍ، وفِيهِ إشْعارٌ بِاسْتِحْقاقِهِمْ ذَلِكَ واسْتِصْلاحِهِمْ بِشِدَّتِهِ دُونَ ما هو أيْسَرُ مِنهُ، وذَكَرَهُ بِالعِظَمِ لِشِياعِهِ في الأجْسامِ والأنْفُسِ والأرْواحِ، وذَكَرَ مَعْنى النَّجاةِ ثُمَّ فَصَّلَهُ تَفْصِيلًا لِكَيْفِيَّتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ تِعْدادًا لِنِعْمَةِ النَّجاةِ الَّتِي هي تِلْوَ رَحْمَةِ الإنْعامِ الَّتِي هي تِلْوَ رِفْعَةِ التَّقَدُّمِ بِالعَهْدِ؛ فانْتَهى الخِطابُ نِهايَتَهُ في المَعْنى يَعْنِي فَلَمّا قَرَّرَهم تَعالى عَلى ما اقْتَرَفُوهُ قَبْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أصابَهم مِن آلِ فِرْعَوْنَ ما أصابَهُمُ؛ اسْتَجَدَّ لَهم تَذْكِيرًا بِنِعْمَةِ نَجاةٍ مِن عُقُوبَةِ مُتَقَدِّمِ أعْمالِهِمْ. انْتَهى.

2:50Page 8

وَإِذۡ فَرَقۡنَا بِكُمُ ٱلۡبَحۡرَ فَأَنجَيۡنَٰكُمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ ٥٠

And [recall] when We parted the sea for you and saved you and drowned the people of Pharaoh while you were looking on.

ولَمّا كانَ ما فُعِلَ بِهِمْ في البَحْرِ إهْلاكًا لِلرِّجالِ وإبْقاءً لِلنِّساءِ (p-٣٥٨)طَبَّقَ ما فَعَلُوا بِبَنِي إسْرائِيلَ عَقِبَهُ بِهِ فَقالَ ”﴿وإذْ﴾“ أيْ واذْكُرُوا إذْ ﴿فَرَقْنا﴾ مِنَ الفَرْقِ وهو إفْراجُ الواحِدِ لِحِكْمَةِ إظْهارِ التَّقابُلِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ. فَصارَتْ لَكم مَسالِكُ عَلى عَدَدِ أسْباطِكم ﴿بِكُمُ﴾ أيْ بِسَبَبِكم عَقِبَ إخْراجِنا لَكم مِن أسْرِ القِبْطِ ﴿البَحْرَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: هو المُتَّسِعُ الرَّحْبُ البَراحُ مِمّا هو ظاهِرٌ كالماءِ، ومِمّا هو باطِنٌ كالعِلْمِ الَّذِي مِنهُ الحِبْرُ، تَشارُكًا بِحُرُوفِ الِاشْتِقاقِ في المَعْنى.

﴿فَأنْجَيْناكُمْ﴾ مِنَ الإنْجاءِ وهو الإسْراعُ في الرِّفْعَةِ عَنِ الهَلاكِ إلى نَجْوَةِ الفَوْزِ. انْتَهى. ومِن عَجائِبِ ذَلِكَ أنَّهُ كَما كانَ الإنْجاءُ مِنهُ كانَ بِهِ. قالَ الحَرالِّيُّ: وجُعِلَ البَحْرُ مَفْرُوقًا بِهِمْ كَأنَّهم (p-٣٥٩)سَبَبُ فَرْقِهِ، فَكَأنَّ نَجاتَهم هي السَّبَبُ، وضَرْبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعُصاةِ هي الأمارَةُ والعَلامَةُ الَّتِي انْفَلَقَ البَحْرُ عِنْدَها بِسَبَبِهِمْ، وجَعَلَ النَّجاةَ مِن بَلاءِ فِرْعَوْنَ تَنْجِيَةً لِما كانَ عَلى تَدْرِيجٍ، وجَعَلَ النَّجاةَ مِنَ البَحْرِ إنْجاءً لِما كانَ وحْيًا في سُرْعَةِ وقْتٍ. انْتَهى.

﴿وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ فِيهِ وبِهِ ﴿وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ إسْراعَهُ إلَيْهِمْ في انْطِباقِهِ عَلَيْهِمْ، وهَذا مِثْلُ ما خاضَ العَلاءُ بْنُ الحَضْرَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ البَحْرَ المِلْحَ في ناحِيَةِ البَحْرَيْنِ أوِ انْحَسَرَ لَهُ عَلى اخْتِلافِ الرِّوايَتَيْنِ، ومِثْلُ ما قَطَعَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الدِّجْلَةَ في وقائِعِ الفُرْسِ عَوْمًا بِالخُيُولِ بِجَمِيعِ عَساكِرِهِ وكانُوا زِيادَةً عَلى ثَلاثِينَ ألْفًا لَمْ يُفْقَدْ مِنهم أحَدٌ، وكانَ الفَرَسُ إذا تَعِبَ وثَبَ فَصارَ واقِفًا عَلى ظَهْرِ الماءِ كَأنَّهُ عَلى صَخْرٍ، فَإذا اسْتَراحَ عامَ.

قالَ الحَرالِّيُّ: ”وأغْرَقْنا“ مِنَ الغَرَقِ وهو البَلاغُ في الشَّيْءِ إلى غايَتِهِ بِحَسَبِهِ، فَإنْ كانَ في الهَلاكِ فَهو غايَةٌ وظَهَرَ مَعْناهُ في الماءِ والبَحْرِ لِبُعْدِ قَعْرِهِ، وهو في الماءِ بِمَنزِلَةِ الخَسْفِ في الأرْضِ، والنَّظَرُ التَّحْدِيقُ لِلصُّورَةِ مِن غَيْرِ تَحَقُّقٍ ولا بَصَرٍ. انْتَهى. فَذَكَّرَهم سُبْحانَهُ بِنِعْمَةِ الإنْجاءِ مِنهُ (p-٣٦٠)بِالرَّحِيلِ عَنْهُ أوَّلًا، ثُمَّ بِإغْراقِهِ الَّذِي هو أكْبَرُ مِن ذَلِكَ ثانِيًا بِما كانَ بِعَيْنِهِ سَبَبَ سَلامَتِهِمْ واسْتَمَرَّ يُذَكِّرُهم بِما تابَعَ لَهم مِنَ النِّعَمِ حَيْثُ كانُوا يَسْتَحِقُّونَ النِّقَمَ. قالَ الحَرالِّيُّ: وقَرَّرَهم عَلى نَظَرِهِمْ إلَيْهِمْ، وفِيهِ إشْعارٌ بِفَقْدِ بَصَرِهِمْ لِضَعْفِ بَصائِرِهِمْ مِن حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ، ولِذَلِكَ عادُوا بَعْدَها إلى أمْثالِ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الشَّكِّ والإباءِ عَلى أنْبِيائِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، انْتَهى.

2:51Page 8

وَإِذۡ وَٰعَدۡنَا مُوسَىٰٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ ٥١

And [recall] when We made an appointment with Moses for forty nights. Then you took [for worship] the calf after him [i.e., his departure], while you were wrongdoers.

ولَمّا كانَ فَرْقُ البَحْرِ لِلْإبْقاءِ البَدَنِيِّ وكانَ إنْزالُ الكِتابِ لِلْإبْقاءِ الدِّينِيِّ عَقَّبَهُ بِهِ وكانَ الطَّبْعُ السَّلِيمُ والمِزاجُ المُسْتَقِيمُ يَقْتَضِي إحْسانَ العَمَلِ (p-٣٦١)زَمَنَ المُواعِدَةِ واسْتِعْطافِ المُواعِدِ والتَّرَفُّقَ لَهُ والتَّمَلُّقَ بِما تَحَقَّقَ الرَّجاءُ في إنْجازِ وعْدِهِ لا سِيَّما بَعْدَ بَلِيغِ إحْسانِهِ بِالإنْجاءِ مِنَ العَدُوِّ وإهْلاكِهِ نَعى عَلَيْهِمْ عَمَلَهم بِخِلافِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ”وإذْ“ . وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا ذَكَّرَهم تَعالى بِأمْرِ الوَفاءِ بِالعَهْدِ الَّذِي هو خاتِمَةُ أمْرِهِمْ وبِالتَّفْصِيلِ الَّذِي كانَ بادِيَةَ أمْرِهِمْ نَظَمَ ذَلِكَ بِالأمْرِ المُتَوَسِّطِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ الَّذِي أعْلاهُ مُواعَدَةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ الَّذِي النِّعْمَةُ عَلَيْهِ نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وإذْ واعَدْنا﴾ مِنَ (p-٣٦٢)الوَعْدِ وهو التَّرْجِيَةُ بِالخَيْرِ، ووَعَدَنا مِنَ المُواعَدَةِ وهي التَّقَدُّمُ في اللِّقاءِ والِاجْتِماعِ والمُفاوَضَةِ ونَحْوِهِ ﴿مُوسى﴾ كَلِمَةٌ مُعَرَّبَةٌ مِن لَفْظِ العِبْرانِيِّ بِما تَفْسِيرُهُ فِيما يُقالُ ماءٌ وشَجَرٌ، سُمِّيَ بِهِ لِما أُودِعَ فِيهِ مِنَ التّابُوتِ المَقْذُوفِ في اليَمِّ ﴿أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ هي كَمالُ وقْتِ اللَّيْلِ، واللَّيْلُ وقْتُ انْطِماسِ المُدْرَكاتِ الظّاهِرَةِ. انْتَهى.

وخَصَّ اللَّيْلَ بِالذِّكْرِ إشارَةً إلى أنَّ ألَذَّ المُناجاةِ فِيهِ وإلى أنَّهُ لا نَوْمَ في تِلْكَ المُدَّةِ بَلِ المُناجاةُ عامَّةٌ لِلَيْلِها ونَهارِها، وانْتَصَبَ ”أرْبَعِينَ“ بِوُقُوعِهِ مَوْقِعَ المَفْعُولِ الثّانِي لِوَعْدِنا أيِ انْقِضاءِ أرْبَعِينَ أيِ الكَلامِ أوْ إنْزالِ التَّوْراةِ عِنْدَ انْقِضاءِ الأرْبَعِينَ وهي ذُو القِعْدَةِ وعَشْرٌ مِن ذِي الحِجَّةِ وقِيلَ ذُو الحِجَّةِ وعَشْرٌ مِنَ المُحَرَّمِ. قالَ الحَرالِّيُّ: وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ المُناجاةَ إنَّما يَتَهَيَّأُ لَها لِمِيقاتِ حَبْسِ النَّفْسِ عَمّا بِهِ قِوامُها وكَمالُ ذَلِكَ إنَّما (p-٣٦٣)هُوَ الصَّوْمُ وكَمالُ العَدَدِ الَّذِي هو طَوْرُ مَصِيرٍ مِن حالٍ إلى حالٍ هو الأرْبَعُونَ، وذِكْرُ المِيقاتِ بِاللَّيالِي يُشْعِرُ أنَّ مُناجاتَهُ صَباحٌ مِن ظُلْمَةِ الكَوْنِ في حالِ خُصُوصِ الخِلْقَةِ مِن حَيْثُ إنَّ الظُّلْمَةَ آيَةٌ عَلى فَوْتِ مَرامِ نُورِ الحَقِّ، والنَّهارُ آيَةٌ عَلى ظُهُورِ نُورِ الحَقِّ، وأوَّلُ بادٍ بَدَأ مِنَ الحَقِّ لِلْخَلْقِ كَلامُهُ لِمُصْطَفًى مِن خَلْقِهِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ وهو بَعْدُ في دُنْياهُ وفي أرْضِهِ الَّتِي كانَتْ سِجْنًا، فَلَمّا جاءَها الحَقُّ لِعَبْدٍ مِن عَبِيدِهِ مُناجِيًا لَهُ كَما يَأْتِيها يَوْمَ الجَزاءِ بَعْدَ البَعْثِ صارَتْ مَوْطِنَ رَحْمَةٍ وهُدًى ونُورٍ وهو مَجِيءُ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِن سَيْناءَ المَذْكُورُ في الكِتابِ الأوَّلِ. انْتَهى. وهَذا دُونَ قِصَّةِ المِعْراجِ الَّتِي كانَتْ لِنَبِيِّنا ﷺ في اخْتِراقِ السَّماواتِ العُلى إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى إلى ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى وسَمِعَ الكَلامَ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ ورَجَعَ إلى بَيْتِهِ في لَيْلَتِهِ وقَدْ قَطَعَ مِنَ المَسافاتِ ما مَسِيرَتُهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ كَما سَأُبَيِّنُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ السَّجْدَةِ.

ولَمّا كانَتِ الأنْفُسُ الأبِيَّةُ والهِمَمُ العَلِيَّةُ تَقْتَضِي النُّفْرَةَ مِنَ الظّالِمِ والأنَفَةَ مِن كُلِّ ما يُنْسَبُ إلَيْهِ ويُذَكِّرُ بِهِ وكانُوا قَدِ اتَّخَذُوا مِن آثارِ آلِ فِرْعَوْنَ مِن حُلِّيِّهِمْ ما دَخَلُوا في رِقِّهِ وعُبُودِيَّتِهِ وكانَتْ مُشاهَدَتُهم لِما رَأوْا مِنَ الآياتِ مُقْتَضِيَةً لِغايَةِ البُعْدِ مِنَ الكُفْرِ عَبَّرَ عَنْ مُواقَعَتِهِمْ لَهُ (p-٣٦٤)بِـ ”ثُمَّ“ فَقالَ: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الِاتِّخاذِ وهو افْتِعالٌ مِمّا مِنهُ المُواخَذَةُ كَأنَّهُ الوَخْذُ، وهو تَصْيِيرٌ في المَعْنى نَحْوُ الأخْذِ في الحِسِّ، وفِيهِ تَكَلُّفٌ،

﴿العِجْلَ﴾ وذَكَرَ في هَذا التَّقْرِيرِ أصْلَ المُواعَدَةِ وذَكَرَ المِيقاتَ وتَجاوَزَ الخِطابُ ما بَعْدَ ذَلِكَ مِن مُهَلٍ حَسَبَ ما تُفْهِمُهُ كَلِمَةُ ”ثُمَّ“، فاقْتَضى إفْهامُ ذَلِكَ ما نالُوهُ مِنَ الخَيْرِ ثُمَّ تَعَقَّبُوا ذَلِكَ بِالتِزامِ عادَتِهِمْ في مُعاوَدَةِ ما اعْتادُوهُ مِن أعْمالِهِمْ إلى أدْنى عَمَلِ مَن لا عَقْلَ لَهُ ولا بَقِيَّةَ نَظَرِ لَهُ مِنِ اتِّخاذِ جَسَدِ عَجَلٍ إلَهًا بَعْدَ مَعْرِفَةِ آثارِ الإلَهِيَّةِ عَلى الغَيْبِ، فَفِيهِ تَعْجِيبٌ مِن أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما واعَدَهُ اللَّهُ بِالمُناجاةِ بَعْدَ مِيقاتِ أرْبَعِينَ صَوْمًا ونُسُكًا وتَحَنُّثًا وانْقِطاعًا إلى رَبِّهِ ثُمَّ يُرُونَهم أنَّهم شَهِدُوا الإلَهَ مُصَوَّرًا مَحْسُوسًا عَلى أنَّ مُوسى الَّذِي ناجاهُ رَبُّهُ مُنِعَ الرُّؤْيَةَ فَكَيْفَ (p-٣٦٥)بِهِمْ وذَلِكَ هو ظُلْمُهم، فَوَضَعُوا الإلَهَ مَحَلَّ الشَّيْءِ المَحْسُوسِ وهو تَعالى قَدْ تَعالى عَنْ أنْ يَراهُ صَفِيُّهُ الَّذِي ناجاهُ في دُنْياهُ وإنَّما ناجاهُ بَعْدَ مِيقاتِهِ، وهم يَهُمُّونَ في تَألُّهِ مَرْئِيٍّ مِن غَيْرِ مُواعَدَةٍ ولا اخْتِصاصٍ ! وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ إتْيانِهِ لِمِيعادِنا إضْمارٌ لِذِكْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ تَقْرِيرًا لِما كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا عَلَيْهِ مِنَ الِارْتِقابِ لِما يَأْتِيهِمْ بِهِ مُوسى (p-٣٦٦)مِن فَوائِدِ المُناجاةِ، كَما يَكُونُ مَن تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِمَن هو قُدْوَتُهُ؛ والبُعْدُ بَعْدٌ عَنْ حَدٍّ يُتَّخَذُ مَبْدَأً لِيَكُونَ سابِقَهُ قَبْلُ ولاحِقَهُ بَعْدُ. انْتَهى.

وإثْباتُ الجارِّ لِأنَّ اتِّخاذَهم ذَلِكَ لَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمانَ البُعْدِ ﴿وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ فاعِلُونَ فِعْلَ مَن هو في أظْلَمِ الظَّلامِ بَعْدَ إنْجائِكم مُوسى بِالنُّورِ المُبِينِ.

2:52Page 8

ثُمَّ عَفَوۡنَا عَنكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٥٢

Then We forgave you after that so perhaps you would be grateful.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا لِأعْظَمِ السُّخْطِ المُقْتَضِي مِنَ القادِرِ لِلْمُعاجَلَةِ بِالأخْذِ ذَكَّرَهم نِعْمَةَ الإمْهالِ بَعْدَهُ فَقالَ مُشِيرًا إلى عِظَمِ الذَّنْبِ والنِّعْمَةِ بِأداةِ التَّراخِي: ﴿ثُمَّ عَفَوْنا﴾ . وقالَ الحَرالِّيُّ: ثُمَّ تَجاوَزَ الخِطابُ ما أصابَهم مِنَ العُقُوبَةِ عَلى اتِّخاذِهِمْ إلى ذِكْرِ العَفْوِ تَقْرِيرًا عَلى تَكَرُّرِ (p-٣٦٧)تَلافِيهِمْ حالًا بَعْدَ حالٍ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ، كُلَّما أحْدَثُوا خَطِيئَةً تَدارَكَهم مِنهُ عَفْوٌ، وخَصَّهُ بِاسْمِ العَفْوِ لَمّا ذَكَرَ ذُنُوبَهم، لِأنَّ المَغْفُورَ لَهُ لا يَذْكُرُ ذَنْبَهُ، فَإنَّ العَفْوَ رَفْعُ العُقُوبَةِ دُونَ رَفْعِ ذِكْرِها، والغَفْرِ إماتَةُ ذِكْرِ الذَّنْبِ مَعَ رَفْعِ العُقُوبَةِ. انْتَهى.

﴿عَنْكُمْ﴾ ولَمْ نُعاجِلْكم بِالأخْذِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيِ الذَّنْبِ العَظِيمِ إشْعارٌ بِما أصابَهم مِنَ العُقُوبَةِ وخِطابٌ لِبَقِيَّةِ المَعْفُوِّ عَنْهم، لِيَنْتَهِيَ الأمْرُ فِيهِمْ إلى غايَةٍ يُتَرَجّى مَعَها لِبَقِيَّتِهِمُ الشُّكْرُ - قالَهُ الحَرالِّيُّ. وكانَ الإشْعارُ مِن جِهَةِ إدْخالِ ”مِن“ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، فاقْتَضى مُهْلَةً بَيْنَ العَفْوِ والذَّنْبِ لَمْ يَشْمَلْها العَفْوُ بَلْ كانَ فِيها عُقُوبَةٌ، كَما اقْتَضى قَوْلُهُ: ”مِن بَعْدِهِ“ مُهْلَةً بَيْنَ اتِّخاذِهِمُ العِجْلَ وأوَّلِ ذَهابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْمُناجاةِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أفْرَدَ حَرْفَ الخِطابِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَعْلَمُ جَمِيعَ ما في دِينِهِمْ مِنَ الشَّناعَةِ إلّا إمامُ أهْلِ التَّوْحِيدِ النَّبِيُّ ﷺ ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ (p-٣٦٨)لِيَكُونَ حالُكم حالَ مَن يُتَوَقَّعُ مِنهُ الشُّكْرُ.

قالَ الحَرالِّيُّ: وهو ظُهُورُ بَرَكَةِ الباطِنِ عَلى الظّاهِرِ، يُقالُ: دابَّةٌ شَكُورٌ، إذا أنْجَحَ مَأْكَلُها بِظُهُورِ سِمَنِها؛ وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مِنهم مَن يَشْكُرُ وفِيهِمْ مَن يَتَمادى بِما في تَرَجِّي كَلِمَةِ ”لَعَلَّ“ مِنَ الإبْهامِ المُشْعِرِ بِالقِسْمَيْنِ والمُهَيِّئِ لِإمْكانِ ظُهُورِ الفَرِيقَيْنِ حَتّى يَظْهَرَ ذَلِكَ لِمِيقاتِهِ، لِأنَّ كُلَّ ما كانَ في حَقِّ الخَلْقِ تَرَدُّدًا فَهو مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ إبْهامٌ لِمَعْلُومِهِ فِيهِمْ؛ عَلى ذَلِكَ تَجْرِي كَلِمَةُ لَعَلَّ وعَسى ونَحْوِها. انْتَهى.

2:53Page 8

وَإِذۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡفُرۡقَانَ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ٥٣

And [recall] when We gave Moses the Scripture and criterion1 that perhaps you would be guided.

(p-٣٦٩)ولَمّا كانَ في ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى سُوءِ طِباعِهِمْ وعَكْسِ مِزاجِهِمْ وأنَّهم لا يَحْفَظُونَ عَهْدًا ولا يَسْتَقِيمُونَ عَلى نَهْجٍ ذَكَّرَهم بِنِعْمَةِ الكِتابِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ الضَّبْطُ في جَمِيعِ الأحْوالِ بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ عِنْدَ الضَّلالِ فَقالَ: وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا ذَكَرَ تَعالى أمْرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو خاصُّ أمْرِهِمْ فَصَّلَ لَهم أمْرَ ما جاءَ بِهِ مُوسى وما كانَ مِنهم فِيما جاءَ بِهِ. انْتَهى. فَقالَ ﴿وإذْ آتَيْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مُوسى الكِتابَ﴾ أيِ الكامِلَ في نَفْسِهِ الجامِعَ لَكم عَلى طَرِيقِ الحَقِّ. ولَمّا كانَ الكِتابُ مَعَ كَوْنِهِ جامِعًا لِما أُرِيدَ مِنهُ فارِقًا بَيْنَ المُلْبِساتِ وصَفَهُ بُقَوْلِهِ ﴿والفُرْقانَ﴾ أيِ المُبَيِّنَ لِلْأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يَدَعَ في شَيْءٍ لَبْسًا. قالَ الحَرالِّيُّ: فَقَرَّرَهم عَلى أمْرَيْنِ مِنَ الكِتابِ الَّذِي فِيهِ أحْكامُ الأعْمالِ والفُرْقانِ الَّذِي فِيهِ أمْرُ العِلْمِ وهُما مِلاكُ حالِ إقامَةِ الدِّينِ بِالعِلْمِ والعَمَلِ؛ والفُرْقانُ: فُعْلانٌ (p-٣٧٠)لَفْظُ مُبالَغَةٍ يُفْهِمُ اسْتِغْراقًا وامْتِلاءً وعِظَمًا فِيما اسْتُعْمِلَ فِيهِ وهو في هَذا اللَّفْظِ مِنَ الفَرْقِ وهو إظْهارُ ما ألْبَسَتْهُ الحِكْمَةُ الظّاهِرَةُ لِلْأعْيُنِ بِالتِّبْيانِ لِفُرْقانِ لَبْسِهِ بِما تَسْمَعُهُ الأُذُنُ، وجاءَ فِيهِ بِكَلِمَةِ لَعَلَّ؛ إشْعارًا بِالإبْهامِ في أمْرِهِمْ وتَفْرِقَتِهِمْ بَيْنَ مُثْبِتٍ لِحُكْمِ الكِتابِ عامِلٍ بِهِ عالِمٍ بِطَيَّةِ الفُرْقانِ خَبِيرٍ بِهِ وبَيْنَ تارِكٍ لِحُكْمِ الكِتابِ غافِلٍ عَنْ عِلْمِ الفُرْقانِ. انْتَهى. فَقالَ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ أيْ لِيَكُونَ حالُكم حالَ مَن تُرْجى هِدايَتُهُ فَيَغْلِبُ حِلْمُهُ جَهْلَهُ وعَقْلُهُ شَهْوَتَهُ، ولِهَذا الخَتْمِ تَلاهُ بِما هَداهم بِهِ بِما ألْزَمَهم مِنَ (p-٣٧١)النِّقْمَةِ الزّاجِرَةِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ مِن قَتْلِ الأنْفُسِ فَقالَ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском