Al-Biqa'iAl‑Baqarah · 2:3–9

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:3–9

2:3Page 2

ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣

Who believe in the unseen, establish prayer,1 and spend out of what We2 have provided for them,

ثُمَّ وصَفَهم بِمَجامِعِ الأعْمالِ تَعْرِيفًا لَهم فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾، أيِ الأمْرِ الغائِبِ الَّذِي لا نافِعَ في الإيمانِ غَيْرُهُ، وعَبَّرَ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ.

﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ أيِ الَّتِي هي حَضْرَةُ المُراقَبَةِ وأفْضَلُ أعْمالِ البَدَنِ، بِالمُحافَظَةِ عَلَيْها، وبِحِفْظِها في ذاتِها وجَمِيعِ أحْوالِها. ولَمّا ذَكَرَ وصْلَةَ الخَلْقِ بِالخالِقِ وكانَتِ النَّفَقَةُ مَعَ أنَّها مِن أعْظَمِ دَعائِمِ الدِّينِ صِلَةً بَيْنَ الخَلائِقِ أتْبَعَها بِها فَقالَ مُقَدِّمًا لِلْجارِّ ناهِيًا عَنِ الإسْرافِ ومُنَبِّهًا (p-٨٣)بِالتَّبْعِيضِ عَلى طِيبِ النَّفَقَةِ لِأنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلّا طَيِّبًا وآمِرًا بِالوَرَعِ وزاجِرًا عَمّا فِيهِ شُبْهَةٌ [ لِأنَّ الرِّزْقَ يَشْمَلُ الحَلالَ والحَرامَ والمُشْتَبِهَ ] ﴿ومِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أيْ مَكَّنّاهم مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ عَلى عَظَمَةِ خَزائِنِنا وهو لَنا دُونَهم،

﴿يُنْفِقُونَ﴾ أيْ في مَرْضاتِنا مِمّا يَلْزَمُهم مِنَ الزَّكاةِ والحَجِّ والغَزْوِ وغَيْرِها ومِمّا يَتَطَوَّعُونَ بِهِ مِنَ الصَّدَقاتِ وغَيْرِها، والمُرادُ بِهَذِهِ الأفْعالِ هُنا إيجادُ حَقائِقِها عَلى الدَّوامِ.

قالَ أبُو حَيّانَ، وغَيْرُهُ، في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الحَجِّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ﴾ [الحج: ٢٥] المُضارِعُ قَدْ لا يُلْحَظُ فِيهِ زَمانٌ مُعَيَّنٌ مَن حالٍ أوِ اسْتِقْبالٍ فَيَدُلُّ إذْ ذاكَ عَلى الِاسْتِمْرارِ. انْتَهى. وهَذا مِمّا لا مَحِيدَ عَنْهُ، وإلّا لَمْ يَشْمَلْ هَذا في هَذِهِ السُّورَةِ المَدَنِيَّةِ مَن تَخَلَّقَ بِهِ قَبْلَ الهِجْرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: ٩١] قاطِعٌ في ذَلِكَ.

(p-٨٤)وقالَ الحَرالِّيُّ: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ مِنَ الإيمانِ وهو مَصْدَرُ آمَنَهُ يُؤْمِنُهُ إيمانًا إذا آمَنَ مَن يُنَبِّهُهُ عَلى أمْرٍ لَيْسَ عِنْدَهُ أنْ يُكَذِّبَهُ أوْ يَرْتابَ فِيهِ، و”الغَيْبُ“ ما غابَ عَنِ الحِسِّ ولَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عِلْمٌ يَهْتَدِي بِهِ العَقْلُ فَيَحْصُلُ بِهِ العِلْمُ؛ وصِيغَةُ يُؤْمِنُونَ ويُقِيمُونَ تَقْتَضِي الدَّوامَ إلى الخَتْمِ، وإدامَةُ العَمَلِ إلى الخَتْمِ تَقْتَضِي ظُهُورَهُ عَنْ فِطْرَةٍ أوْ جِبِلَّةٍ وأنَّهُ لَيْسَ عَنْ تَعَمُّلٍ ومُراءاةٍ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ عَلَمًا عَلى الجَزاءِ؛ والصَّلاة الإقْبالُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى أمْرٍ، فَتَكُونُ مِنَ الأعْلى عَطْفًا شامِلًا، ومِنَ الأدْنى وفاءً بِأنْحاءِ التَّذَلُّلِ والإقْبالِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى التَّلَقِّي، وإيمانُهم بِالغَيْبِ قَبُولُهم مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ما تَلَقّاهُ بِالوَحْيِ مِن أمْرٍ غائِبِ الدُّنْيا الَّذِي هو الآخِرَةُ وما فِيها وأمْرٍ غائِبِ المَلَكُوتِ وما فِيهِ إلى غَيْبِ الجَبَرُوتِ وما بِهِ بِحَيْثُ يَكُونُ عَمَلُهم عَلى الغائِبِ الَّذِي تَلَقَّتْهُ قُلُوبُهم عَلى سَبِيلِ آذانِهِمْ كَعَمَلِهِمْ عَلى ما تَلَقَّتْهُ أنْفُسُهم عَلى سَبِيلِ (p-٨٥)أعْيُنِهِمْ وسائِرِ حَواسِّهِمْ ودامُوا عَلى عَمَلِهِمْ ذَلِكَ عَلى حُكْمِ إيمانِهِمْ إلى الخاتِمَةِ.

ولَمّا كانَتِ الصَّلاةُ التِزامَ عَهِدِ العِبادَةِ مَبْنِيًّا عَلى تَقَدُّمِ الشَّهادَةِ مُتَمَّمَةً بِجِماعِ الذِّكْرِ وأنْواعِ التَّحِيّاتِ لِلَّهِ؛ مِنَ القِيامِ لَهُ تَعالى، والرُّكُوعِ لَهُ، والسُّجُودِ الَّذِي هو أعْلاها، والسَّلامِ بِالقَوْلِ الَّذِي هو أدْنى التَّحِيّاتِ؛ كانَتْ لِذَلِكَ تَعَهُّدًا لِلْإيمانِ وتَكْرارًا، ولِذَلِكَ مَن لَمْ يُدِمِ الصَّلاةَ ضَعُفَ إيمانُهُ ورانَ عَلَيْهِ كُفْرٌ فَلا إيمانَ لِمَن لا صَلاةَ لَهُ، والتَّقْوى وحْدَهُ أصْلٌ والإيمانُ فالصَّلاةُ ثَمَرَتُهُ، والإنْفاقُ خِلافَةٌ ولِذَلِكَ البُخْلُ عَزْلٌ عَنْ خِلافَةِ اللَّهِ ﴿وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] وهَذا الأمْرُ بِتَمامِهِ هو الَّذِي جُعِلَتِ الخِلافَةُ لِآدَمَ بِهِ إلى ما وراءَ ذَلِكَ مِن كَمالِ أمْرِ اللَّهِ الَّذِي أكْمَلَهُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فالتَّقْوى قَلْبٌ باطِنٌ، والإنْفاقُ وجْهٌ ظاهِرٌ، والإيمانُ فالصَّلاةُ وُصْلَةٌ بَيْنَهُما. ووَجْهُ تَرَتُّبِ الإيمانِ بِالغَيْبِ عَلى التَّقْوى أنَّ المُتَّقِيَ لَمّا كانَ مُتَوَقِّفًا غَيْرَ مُتَمَسِّكٍ بِأمْرٍ كانَ إذا أُرْشِدَ (p-٨٦)إلى غَيْبٍ لا يَعْلَمُهُ؛ لَمْ يَدْفَعْهُ بِمُقْتَضى ما تَقَدَّمَ لَهُ عِلْمُهُ؛ ووَجْهُ تَرَتُّبِ الإنْفاقِ عَلى الإيمانِ بِالغَيْبِ أنَّ المَدَدَ غَيْبٌ، لِأنَّ الإنْسانَ لَمّا كانَ لا يَطَّلِعُ عَلى جَمِيعِ رِزْقِهِ كانَ رِزْقُهُ غَيْبًا، فَإذا أيْقَنَ بِالخَلَفِ جادَ بِالعَطِيَّةِ، فَمَتى أُمِدَّ بِالأرْزاقِ تَمَّتْ خِلافَتُهُ وعَظُمَ فِيها سُلْطانُهُ وانْفَتَحَ لَهُ بابُ إمْدادٍ بِرِزْقٍ أعْلى وأكْمَلَ مِنَ الأوَّلِ. فَإذا أحْسَنَ الخِلافَةَ فِيهِ بِالإنْفاقِ مِنهُ أيْضًا انْفَتَحَ لَهُ بابٌ إلى أعْلى إلى أنْ يَنْتَهِيَ إلى حَيْثُ لَيْسَ وراءَهُ مَرْأًى وذَلِكَ هو الكَمالُ المُحَمَّدِيُّ، وإنْ بَخِلَ فَلَمْ يُنْفِقْ واسْتَغْنى بِما عِنْدَهُ فَلَمْ يَتَّقِ فَكَذَبَ تَضاءَلَ أمْرُ خِلافَتِهِ وانْقَطَعَ عَنْهُ المَدَدُ مِنَ الأعْلى؛ فَبِحَقٍّ سُمِّيَ الإنْفاقُ زَكاةً؛ وفي أوَّلِ الشُّورى كَلامٌ في الإيمانِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَفِيسٌ. انْتَهى.

2:4Page 2

وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ ٤

And who believe in what has been revealed to you, [O Muḥammad], and what was revealed before you, and of the Hereafter they are certain [in faith].

ولَمّا وصَفَهم بِالإيمانِ جُمْلَةً أشارَ إلى بَعْضِ تَفْصِيلِهِ عَلى وجْهٍ يَدْخُلُ (p-٨٧)فِيهِ أهْلُ الكِتابِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾، أيْ يُوجِدُونَ هَذا الوَصْفَ بَعْدَ سَماعِهِمْ لِلدَّعْوَةِ إيجادًا مُسْتَمِرًّا ﴿بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾ أيْ مِنَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ سَواءٌ كانَ قَدْ وُجِدَ أوْ سَيُوجَدُ؛ ﴿وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ أيْ عَلى الأنْبِياءِ الماضِينَ، ولَمّا كانَ الإيمانُ بِالبَعْثِ مِنَ الدِّينِ بِمَكانٍ عَظِيمٍ جِدًّا بَيَّنَهُ بِالتَّقْدِيمِ إظْهارًا لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ فَقالَ: ﴿وبِالآخِرَةِ﴾ أيِ الَّتِي هي دارُ الجَزاءِ ومَحَلُّ التَّجَلِّي وكَشْفِ الغِطاءِ ونَتِيجَةِ الأمْرِ.

قالَ الحَرالِّيُّ: الآخِرَةُ مَعادُ الأمْرِ بَعْدَ تَمامِهِ عَلى أوَّلِيَّتِهِ. انْتَهى.

ولِما تَقَدَّمَ مِنَ الِاهْتِمامِ عَبَّرَ بِالإيقانِ وأتى بِضَمِيرِ الفَصْلِ فَقالَ: ﴿هم يُوقِنُونَ﴾ (p-٨٨)لِأنَّ ذَلِكَ قائِدٌ إلى كُلِّ خَيْرٍ، وذائِدٌ عَنْ كُلِّ ضَيْرِ، والإيقانُ - كَما قالَ الحَرالِّيُّ -: صَفاءُ العِلْمِ وسَلامَتُهُ مِن شَوائِبِ الرَّيْبِ ونَحْوِهِ، مِن يَقَنِ الماءِ وهو ما نَزَلَ مِنَ السَّماءِ فانْحَدَرَ إلى كَهْفِ جَبَلٍ فَلَمْ يَتَغَيَّرْ مِن قَرارٍ ولا وارِدٍ. انْتَهى. فَهو يَكُونُ بَعْدَ شَكٍّ ولِذا لا يُوصَفُ بِهِ اللَّهُ. والوَصْفُ بِهَذِهِ الأوْصافِ كَما تَرى إشارَةٌ إلى أُمَّهاتِ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ (p-٨٩)والمالِيَّةِ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ، فالإيمانُ أساسُ الأمْرِ، والصَّلاةُ مُشارٌ بِها إلى التَّحَلِّي بِكُلِّ خَيْرٍ والتَّخَلِّي عَنْ كُلِّ شَرٍّ،

﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وكِلاهُما مِن أعْمالِ البَدَنِ، والنَّفَقَةُ عَمَلٌ مالِيٌّ، فَحَصَلَ بِذَلِكَ حَصْرُ الفِعْلِ والتَّرْكِ الضّابِطَيْنِ لِجَمِيعِ الأعْمالِ كَيْفَ ما تَشَعَّبَتْ، وصَرَّحَ بِالفِعْلِ وأوْمى إلى التَّرْكِ إيماءً لا يَفْهَمُهُ إلّا البُصَراءُ تَسْهِيلًا عَلى السّالِكِينَ، لِأنَّ الفِعْلَ مِن حَيْثُ هو - ولَوْ كانَ صَعْبًا - أيْسَرُ عَلى النَّفْسِ مِنَ الكَفِّ عَمّا تَشْتَهِي. وفي وصْفِهِمْ أيْضًا بِالإيمانِ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ وإلى مَن قَبْلَهُ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّبْكِيتِ لِمَن سِواهم ما سَتَراهُ في الآياتِ الآتِيَةِ.

2:5Page 2

أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥

Those are upon [right] guidance from their Lord, and it is those who are the successful.

ولَمّا أخْبَرَ عَنْ أفْعالِهِمُ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ؛ أخْبَرَ بِثَمَرَتِها فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الظّاهِراتِ، ولِما تَضَمَّنَ ما مَضى أنَّ إيمانَهم كانَ عَنْ أعْظَمِ اسْتِدْلالٍ، فَأثْمَرَ لَهُمُ التَّمَسُّكَ بِأوْثَقِ العُرى مِنَ الأعْمالِ؛ اسْتَحَقُّوا الوَصْفَ بِالِاسْتِعْلاءِ الَّذِي مَعْناهُ التَّمَكُّنُ فَقالَ: ﴿عَلى (p-٩٠)هُدًى﴾ أيْ: عَظِيمٍ، وزادَ في تَعْظِيمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بِتَمْكِينِهِمْ مِنهُ ولُزُومِهِمْ لَهُ تَمْكِينَ مَن عَلا عَلى الشَّيْءِ، ولَمّا لَمْ يُلازِمِ الهُدى الفَلاحَ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُشِيرًا بِالعاطِفِ إلى مَزِيدِ تَمَكُّنِهِمْ في كُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ،

﴿وأُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الرُّتْبَةِ ﴿هُمُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿المُفْلِحُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في هَذا الوَصْفِ الَّذِينَ انْفَتَحَتْ لَهم وُجُوهُ الظَّفَرِ. والتَّرْكِيبُ دالٌّ عَلى مَعْنى الشَّقِّ والفَتْحِ، وكَذا أخَواتُهُ مِنَ الفاءِ والعَيْنِ نَحْوُ فَلَجَ بِالجِيمِ وفَلَقَ وفَلَذَ وفَلى.

(p-٩١)قالَ الحَرالِّيُّ: وخَرَجَ الخِطابُ في هَذِهِ الآيَةِ مَخْرَجَ المُخاطَبَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، ومَخْرَجَ إحْضارِ المُؤْمِنِينَ بِمَوْضِعِ الإشارَةِ وهي مَكانَةُ حَضْرَةٍ دُونَ مَكانَةِ حَضْرَةِ المُخاطَبِ. انْتَهى. وكَوْنُها لِلْبُعْدِ إعْلامٌ بِعُلُوِّ مَقامِهِمْ. والفَلاحُ: الفَوْزُ والظَّفَرُ بِكُلِّ مُرادٍ ونَوالُ البَقاءِ الدّائِمِ في الخَيْرِ.

2:6Page 3

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٦

Indeed, those who disbelieve1 - it is all the same for them whether you warn them or do not warn them - they will not believe.

ولَمّا أرْدَفَ البَيانَ لِأوْصافِ المُؤْمِنِينَ التَّعْرِيفَ بِأحْوالِ الكافِرِينَ، وكانُوا قَدِ انْقَسَمُوا عَلى مُصارِحِينَ ومُنافِقِينَ، وكانَ المُنافِقُونَ قِسْمَيْنِ: جُهّالًا مِن مُشْرِكِي العَرَبِ، وعُلَماءَ مِن كُفّارِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ كانَ الأنْسَبُ - لِيَفْرُغَ مِن قِسْمٍ بِرَأْسِهِ عَلى عَجَلٍ - البُداءَةَ أوَّلًا بِالمُصارِحِينَ، فَذَكَرَ ما أرادَ مِن أمْرِهِمْ في آيَتَيْنِ، لِأنَّ أمْرَهم أهْوَنُ، وشَأْنَهم أيْسَرُ لِقَصْدِهِمْ بِما يُوهِنُهم بِالكَلامِ أوْ بِالسَّيْفِ عَلى أنَّ ذِكْرَهم عَلى وجْهٍ يَعُمُّ جَمِيعَ الأقْسامِ فَقالَ (p-٩٢)مُخاطِبًا لِأعْظَمِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ عَلى وجْهِ التَّسْلِيَةِ والإعْجازِ في مَعْرِضِ الجَوابِ لِسُؤالِ مَن كَأنَّهُ قالَ: هَذا حالُ الكِتابِ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَما حالُهُ لِلْكافِرِينَ ؟ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ حَكَمَ بِكُفْرِهِمْ دائِمًا حُكْمًا نَفَذَ ومَضى فَسَتَرُوا ما أُقِيمَ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ عَنِ العُقُولِ الَّتِي هُيِّئَتْ لِإدْراكِهِ والفِطَرِ الأُولى الَّتِي خَلَصَتْ عَنْ مانِعٍ يَعُوقُها عَنِ الِانْقِيادِ لَهُ ودامُوا عَلى ذَلِكَ بِما دَلَّ عَلَيْهِ السِّباقُ بِالتَّعْبِيرِ عَنْ أضْدادِهِمْ بِما يَدُلُّ عَلى تَجْدِيدِ الإيمانِ (p-٩٣)عَلى الدَّوامِ، واللِّحاقِ بِالخَتْمِ والعَذابِ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِالماضِي - والمَوْضِعُ لِلْوَصْفِ - تَنْفِيرًا مِن مُجَرَّدِ إيقاعِ الكُفْرِ ولَوْ لِلنِّعْمَةِ ولِيَشْمَلَ المُنافِقِينَ وغَيْرَهم.

ولَمّا دَلَّ هَذا الحالُ عَلى أنَّهم عَمِلُوا ضِدَّ ما عَمِلَهُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الِانْقِيادِ؛ كانَ المَعْنى ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهُمْ﴾ أيْ إنْذارُكَ في هَذا الوَقْتِ بِهَذا الكِتابِ ﴿أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ أيْ وعَدَمُ إنْذارِكَ فِيهِ وبَعْدَهُ وقَدِ انْسَلَخَ عَنْ أمْ والهَمْزَةِ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: جَرى هَذا عَلى (p-٩٤)حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ كَما جَرى عَلى حَرْفِ النِّداءِ في قَوْلِكَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا أيَّتُها العِصابَةُ. انْتَهى. ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِصُورَةِ الِاسْتِفْهامِ وقَدْ سَلَخَتْ عَنْ مَعْناهُ إفْهامًا لِأنَّهم تَوَغَّلُوا في الكُفْرِ تَوَغُّلَ مَن وصَلَ في الحُمْقِ إلى أنَّهُ لَوْ شاهَدَ المَلِكَ يَسْتَفْهِمُكَ عَنْهُ ما آمَنَ.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: في أيِّ شَيْءٍ اسْتَوَتْ حالَتاهم ؟ قِيلَ: في أنَّهم ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ وهي دَلِيلٌ عَلى خُصُوصِ كَوْنِهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ وعَلى وُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِالمُمْتَنِعِ لِغَيْرِهِ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ كَلَّفَهُمُ الإيمانَ وأرادَ مِنهُمُ الكُفْرانَ، فَصارَ مُمْتَنِعًا لِإرادَتِهِ عَدَمَ وُقُوعِهِ، والتَّكْلِيفُ بِهِ جارٍ عَلى سَنَنِ الحِكْمَةِ، فَإنَّ إرادَةَ عَدَمِ إيمانِهِمْ لَمْ تُخْرِجْ إيمانَهم عَنْ حَيِّزِ المُمْكِنِ فِيما يَظْهَرُ، لِعَدَمِ العِلْمِ بِما أرادَ اللَّهُ مِن كُلِّ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، فَهو عَلى سَنَنِ الِابْتِلاءِ لِيَظْهَرَ في عالَمِ الشَّهادَةِ المُطِيعُ مِن غَيْرِهِ لِإقامَةِ الحُجَّةِ؛ ويَأْتِي في الصّافّاتِ عِنْدَ ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢] تَتِمَّةٌ لِهَذا.

(p-٩٥)قالَ الحَرالِّيُّ: فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِ قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخِرِهِ، وبِقَوْلِهِ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ خَبَرٌ تامٌّ عَنْ سابِقَةِ أمْرِهِمْ ولاحِقَةِ كَوْنِهِمْ، فَتَمَّ بِالكَلامَيْنِ الخَبَرُ عَنْهم خَبَرًا واحِدًا مُلْتَئِمًا كَتْبًا سابِقًا وكَوْنًا لاحِقًا. انْتَهى. وكُلُّ مَوْضِعٍ ذُكِرَ فِيهِ الكُفْرُ فَإنَّما عَبَّرَ بِهِ إشارَةً إلى أنَّ الأدِلَّةَ الأصْلِيَّةَ في الوُضُوحِ بِحَيْثُ لا تَخْفى عَلى أحَدٍ، ولا يُخالِفُها إلّا مَن سَتَرَ مِرْآةَ عَقْلِهِ إمّا عِنادًا وإمّا بِإهْمالِ النَّظَرِ السَّدِيدِ والرُّكُونِ إلى نَوْعِ تَقْلِيدٍ.

2:7Page 3

خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَعَلَىٰ سَمۡعِهِمۡۖ وَعَلَىٰٓ أَبۡصَٰرِهِمۡ غِشَٰوَةٞۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٧

Allāh has set a seal upon their hearts and upon their hearing, and over their vision is a veil.1 And for them is a great punishment.

ولَمّا كانَ مِن أعْجَبِ العَجَبِ كَوْنُ شَيْءٍ واحِدٍ يَكُونُ هُدًى لِناسٍ دُونَ ناسٍ؛ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ﴾ أيْ بِجَلالِهِ ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ خَتْمًا مُسْتَعْلِيًا عَلَيْها فَهي لا تَعِي حَقَّ الوَعْيِ، لِأنَّ الخَتْمَ عَلى الشَّيْءِ يَمْنَعُ (p-٩٦)الدُّخُولَ إلَيْهِ والخُرُوجَ مِنهُ، وأكَّدَ المَعْنى بِإعادَةِ الجارِّ، فَقالَ: ﴿وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ فَهم لا يَسْمَعُونَ حَقَّ السَّمْعِ، وأفْرَدَهُ لِأنَّ التَّفاوُتَ فِيهِ نادِرٌ.

قالَ الحَرالِّيُّ: وشَرَّكَهُ في الخَتْمِ مَعَ القَلْبِ؛ لِأنَّ أحَدًا لا يَسْمَعُ إلّا ما عَقَلَ. انْتَهى.

﴿وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ فَهم لا يَنْظُرُونَ بِالتَّأمُّلِ.

ولَمّا سَوّى هُنا بَيْنَ الإنْذارِ وعَدَمِهِ؛ كانَتِ البُداءَةُ بِالقُلُوبِ أنْسَبُ تَسْوِيَةً لَهم بِالبَهائِمِ. ولَمّا كانَ الغَبِيُّ قَدْ يَسْمَعُ أوْ يُبْصِرُ فَيَهْتَدِي، وكانَ إلى السَّمْعِ أضَرَّ لِعُمُومِهِ وخُصُوصِ البَصَرِ بِأحْوالِ الضِّياءِ؛ نَفى السَّمْعَ ثُمَّ البَصَرَ تَسْفِيلًا لَهم عَنْ حالِ البَهائِمِ، بِخِلافِ ما في ”الجاثِيَةِ“ فَإنَّهُ لَمّا أخْبَرَ فِيها بِالإضْلالِ وكانَ الضّالُّ أحْوَجَ شَيْءٍ إلى سَماعِ الهادِي نَفاهُ، ولَمّا (p-٩٧)كانَ الأصَمُّ، إذا كانَ ذا فَهْمٍ أوْ بَصَرٍ أمْكَنَتْ هِدايَتُهُ وكانَ الفَهْمُ أشْرَفَ نَفاهُما عَلى ذَلِكَ التَّرْتِيبِ.

ولَمّا وصَفَهم بِذَلِكَ أخْبَرَ بِمَآلِهِمْ، فَقالَ: ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَهُمْ﴾ إعْلامٌ بِقُوَّةِ تَداعِي حالِهِمْ لِذَلِكَ العَذابِ واسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ وتَنَشُّؤِ ذَواتِهِمْ إلَيْهِ حَتّى يَشْهَدَ عَيانَ المَعْرِفَةِ بِهِ - أيِ العَذابِ - وبِهِمْ أنَّهُ لَهم وكانَ عَذابُهم عَظِيمًا آخِذًا في عُمُومِ ذَواتِهِمْ لِكَوْنِهِمْ لَمْ تَلْتَبِسْ أبْدانُهم ولا نُفُوسُهم ولا أرْواحُهم بِما يَصُدُّ عَنْهم شَيْئًا مِن عَذابِها كَما يَكُونُ لِلْمُعاقَبِينَ مِن مُذْنِبِي مُؤْمِنِي الأُمَمِ حَيْثُ يَتَنَكَّبُ العَذابُ عَنْ وُجُوهِهِمْ ومَواضِعِ وُضُوئِهِمْ ونَحْوِ ذَلِكَ. انْتَهى.

(p-٩٨)وسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ [البقرة: ١٦٥] ما يَلْتَفِتُ إلى هُنا.

قالَ الحَرالِّيُّ: ”الكُفْرُ“ تَغْطِيَةُ ما حَقُّهُ الإظْهارُ، و”الإنْذارُ“ الإعْلامُ بِما يُحَذِّرُ، و”الخَتْمُ“ إخْفاءُ خَبَرِ الشَّيْءِ بِجَمْعِ أطْرافِهِ عَلَيْهِ عَلى وجْهٍ يَتَحَفَّظُ بِهِ و”القَلْبُ“ مَبْدَأُ كِيانِ الشَّيْءِ مِن غَيْبِ قِوامِهِ، فَيَكُونُ تَغَيُّرُ كَوْنِهِ بِحَسَبَ تَقَلُّبِ قَلْبِهِ في الِانْتِهاءِ ويَكُونُ تَطَوُّرُهُ وتَكامُلُهُ بِحَسَبِ مُدَدِهِ في الِابْتِداءِ والنَّماءِ، والقَلْبُ مِنَ الإنْسانِ بِمَنزِلَةِ السُّكّانِ مِنَ السَّفِينَةِ بِحَسَبَ تَقَلُّبِهِ يَتَصَرَّفُ سائِرُهُ، وبِوَضْعِهِ لِلتَّقَلُّبِ والتَّقْلِيبِ سُمِّيَ قَلْبًا، ولِلَطِيفِ مَعْناهُ في ذَلِكَ كانَ أكْثَرَ قَسَمِهِ ﷺ بِمُقَلِّبِ القُلُوبِ. ”والغِشاوَةُ“ غِطاءٌ مُجَلَّلٌ لا يَبْدُو مَعَهُ مِنَ المُغَطّى شَيْءٌ. و”العَذابُ“ إيلامٌ لا إجْهازَ فِيهِ، و”العَظِيمُ“ الآخِذُ في الجِهاتِ كُلِّها. (p-٩٩)انْتَهى.

وفِي تَعْقِيبِ ذِكْرِ المُؤْمِنِينَ بِذِكْرِ المَخْتُومِ عَلى مَدارِكِهِمُ المَخْتُومِ بِمَهالِكِهِمْ تَعْظِيمٌ لِلنِّعْمَةِ عَلى مَنِ اسْتَجابَ لَهُ. إذْ قالَ: اهْدِنا فَهَداهُ، وإعْلامٌ بِأنَّ الهُدى لَيْسَ إلّا بِيَدِهِ لِيُلِحُّوا في الطَّلَبِ ويَبْرَؤُوا مِنِ ادِّعاءِ حَوْلٍ أوْ قُوَّةٍ.

2:8Page 3

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ ٨

And of the people are some who say, "We believe in Allāh and the Last Day," but they are not believers.

ولَمّا افْتَتَحَ سُبْحانَهُ بِالَّذِينِ واطَأتْ قُلُوبُهم ألْسِنَتَهم في الإيمانِ وثَنّى بِالمُجاهِرِينَ مِنَ الكافِرِينَ الَّذِينَ طابَقَ إعْلانَهم إسْرارَهم في الكُفْرانِ أتْبَعَهُ ذِكْرَ المُساتِرِينَ الَّذِينَ خالَفَتْ ألْسِنَتُهم قُلُوبَهم في الإذْعانِ وهم المُنافِقُونَ، وأمْرُهم أشَدُّ لِإشْكالِ أحْوالِهِمْ والتِباسِ أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ، فَأضَرُّ الأعْداءِ مَن يُرِيكَ الصَّداقَةَ فَيَأْخُذُكَ مِنَ المَأْمَنِ؛ وما أحْسَنَ ما يُنْسَبُ إلى الإمامِ أبِي سُلَيْمانَ الخَطّابِيِّ في المَعْنى:

؎تَحَرَّزْ مِنَ الجُهّالِ جَهْدَكَ إنَّهم وإنْ أظْهَرُوا فِيكَ المَوَدَّةَ أعْداءُ

؎وإنْ كانَ فِيهِمْ مَن يَسُرُّكَ فِعْلُهُ ∗∗∗ فَكُلُّ لَذِيذِ الطَّعْمِ أوْ جُلُّهُ داءُ

لا جَرَمَ ثَنّى سُبْحانَهُ بِإظْهارِ أسْرارِهِمْ وهَتْكِ أسْتارِهِمْ في سِياقٍ شامِلٍ لِقِسْمَيْهِمْ، (p-١٠٠)فَقَبَّحَ أُمُورَهم ووَهّى مَقاصِدَهم وضَرَبَ لَهُمُ الأمْثالَ وبَسَطَ لَهم بَعْضَ البَسْطِ في المَقالِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ أيْ لَمّا أرْسَلْنا رَسُولَنا انْقَسَمَ النّاسُ قِسْمَيْنِ: مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، وانْقَسَمَ الكافِرُ قِسْمَيْنِ: فَمِنهم مَن جاهَرَ وقالَ: لا نُؤْمِنُ أبَدًا، ومِنهم مَن يَقُولُ، ولَعَلَّهُ أظْهَرَ، ولَمْ يُضْمِرْ؛ لِانْفِرادِهِمْ عَنِ المُجاهِرِينَ بِبَعْضِ الأحْكامِ، أوْ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ طَرَفَيِ الإيمانِ والكُفْرِ وأحْوالَ المُؤْمِنِينَ وأحْوالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ذَكَرَ المُنافِقِينَ المُتَرَدِّدِينَ بَيْنَ الِاتِّصافِ بِالطَّرَفَيْنِ بِلَفْظِ النّاسِ لِظُهُورِ مَعْنى النَّوْسِ فِيهِمْ لِاضْطِرابِهِمْ بَيْنَ الحالَيْنِ، لِأنَّ النَّوْسَ هو حَرَكَةُ الشَّيْءِ اللَّطِيفِ المُعَلَّقِ في الهَواءِ كالخَيْطِ المُعَلَّقِ الَّذِي لَيْسَ في طَرَفِهِ الأسْفَلِ ما يُثْقِلُهُ فَلا يَزالُ (p-١٠١)مُضْطَرِبًا بَيْنَ جِهَتَيْنِ، ولَمْ يَظْهَرْ هَذا المَعْنى في الفَرِيقَيْنِ لِتَحَيُّزِهِمْ إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ. قالَهُ الحَرالِّيُّ، وعَرَّفَ لِلْجِنْسِ أوْ لِلْعَهْدِ في الَّذِينَ كَفَرُوا لِأنَّهم نَوْعٌ مِنهم، وسِرُّ الإظْهارِ مَوْضِعَ الإضْمارِ عَلى هَذا ما تَقَدَّمَ،

﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ أيْ وحْدَهُ بِما لَهُ مِنَ الجَلالِ والجَمالِ مُسْتَحْضِرِينَ لِذَلِكَ، ولَمّا كانُوا مُتَّهَمِينَ أكَّدُوا بِإعادَةِ الجارِّ فَقالُوا: ﴿وبِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ الَّذِي جَحَدَهُ المُجاهِرُونَ،

﴿وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِعَرِيقِينَ في الإيمانِ كَما ادَّعَوْهُ بِذِكْرِ الِاسْمِ الأعْظَمِ وإعادَةِ الجارِّ، ولَعَلَّهُ نَفى العَراقَةَ فَقَطْ لِأنَّ مِنهم مَن كانَ مُزَلْزَلًا حِينَ هَذا القَوْلِ غَيْرَ جازِمٍ بِالكُفْرِ وآمَنَ بَعْدَ ذَلِكَ، وحَذَفَ مُتَعَلِّقَ الإيمانِ تَعْمِيمًا في السَّلْبِ عَنْهم لِما ذَكَرُوا وغَيْرِهِ، وجَمَعَ هُنا وأفْرَدَ في ”يَقُولُ“ تَنْبِيهًا عَلى عُمُومِ الكُفْرِ لَهم كالأوَّلِينَ، وقِلَّةُ (p-١٠٢)مَن يَسْمَحُ مِنهم بِهَذا القَوْلِ إشارَةً إلى غِلْظَتِهِمْ وشِدَّةِ عَثاوَتِهِمْ في الكُفْرِ وقُوَّتِهِمْ.

وفِي ذِكْرِ قِصَّتِهِمْ وتَقْبِيحِ أحْوالِهِمْ تَنْبِيهٌ عَلى وُجُوبِ الإخْلاصِ، وحَثٌّ عَلى الِاجْتِهادِ في الطَّهارَةِ مِنَ الأدْناسِ في سُؤالِ الهِدايَةِ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ.

وتَصْنِيفُ النّاسِ آخِرَ الفاتِحَةِ ثَلاثَةَ أصْنافٍ: مُهْتَدِينَ، ومُعانِدِينَ، وضالِّينَ، مِثْلُ تَصْنِيفِهِمْ أوَّلَ البَقَرَةِ ثَلاثَةً: مُتَّقِينَ وكافِرِينَ مُصارِحِينَ وهُمُ المُعانِدُونَ وضالِّينَ وهُمُ المُنافِقُونَ، وإجْمالُهم في الفاتِحَةِ وتَفْصِيلُهم هُنا مِن بَدِيعِ الأسالِيبِ وهو دَأْبُ القُرْآنِ العَظِيمِ: الإجْمالُ ثُمَّ التَّفْصِيلُ.

وقَدْ سَمّى ابْنُ إسْحاقَ كَثِيرًا مِنَ المُنافِقِينَ في السِّيرَةِ الشَّرِيفَةِ في أوائِلِ أخْبارِ ما بَعْدَ الهِجْرَةِ، قالَ ابْنُ هِشامٍ في تَلْخِيصِ ذَلِكَ: وكانَ مِمَّنِ انْضافَ إلى يَهُودٍ مِمَّنْ سُمِّيَ لَنا مِنَ المُنافِقِينَ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ؛ مِنَ الأوْسِ: زُوَيُّ بْنُ الحارِثِ، وبِجادُ بْنُ عُثْمانَ بْنِ عامِرٍ، ونَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ وهو الَّذِي قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن أحَبَّ أنْ يَنْظُرَ إلى الشَّيْطانِ؛ فَلْيَنْظُرْ إلى نَبْتَلٍ !»، وكانَ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ (p-١٠٣)عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَتَحَدَّثُ إلَيْهِ، ثُمَّ يَنْقُلُ حَدِيثَهُ إلى المُنافِقِينَ، وهو الَّذِي قالَ: ( إنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنٌ ) - . وعَبّادُ بْنُ حُنَيْفٍ أخُو سَهْلٍ، وعَمْرُو بْنُ خِذامٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ، وبَحْزَجٌ وهو مِمَّنْ كانَ بَنى مَسْجِدَ الضِّرارِ، وكَذا جارِيَةُ بْنُ عامِرِ بْنِ العَطّافِ، وابْنُهُ زَيْدٌ، وخِذامُ بْنُ خالِدٍ وهو الَّذِي أخْرَجَ مَسْجِدَ الضِّرارِ مِن دارِهِ، ومِرْبَعُ بْنُ قَيْظِيٍّ وهو الَّذِي «قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو عامِدٌ إلى أُحُدٍ: ( لا أُحِلُّ لَكَ يا مُحَمَّدُ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا أنْ تَمُرَّ في حائِطَيْ ) ! فابْتَدَرَهُ المُسْلِمُونَ لِيَقْتُلُوهُ، فَنَهاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وقالَ: هَذا الأعْمى أعْمى القَلْبِ أعْمى البَصَرِ»، وأخُوهُ أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ وهو الَّذِي قالَ يَوْمَ الخَنْدَقِ: ( إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ ) . وحاطِبُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ رافِعٍ وكانَ شَيْخًا جَسِيمًا قَدْ عَسى في الجاهِلِيَّةِ وكانَ ابْنُهُ يَزِيدُ مِن خِيارِ المُسْلِمِينَ، قُتِلَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَقالَ أبُوهُ لِمَن بِشَّرَهُ بِالجَنَّةِ: غَرَرْتُمْ واللَّهِ هَذا المِسْكِينَ مِن نَفْسِهِ !، وبُشَيْرُ بْنُ أُبَيْرِقٍ أبُو طُعَيْمَةَ - وفي نُسْخَةٍ: طُعْمَةَ، وهو سارِقُ الدِّرْعَيْنِ الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ (p-١٠٤)﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] وقُزْمانُ حَلِيفٌ لَهم أجادَ يَوْمَ أُحُدٍ القِتالَ «وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ، فَجُرِحَ فَبُشِّرَ بِالجَنَّةِ، فَقالَ: واللَّهِ ما قاتَلْتُ إلّا حَمِيَّةً لِقَوْمِي ! فَلَمّا اشْتَدَّتْ بِهِ الجِراحَةُ قَطَعَ رَواهِشَ يَدِهِ، فَماتَ "» .

ومِنَ الخَزْرَجِ: رافِعُ بْنُ ودِيعَةَ، وزَيْدُ بْنُ عَمْرٍو، وعَمْرُو بْنُ قَيْسٍ، وقَيْسُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَهْلٍ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ وهو الَّذِي قالَ: ﴿ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: ٤٩] وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ رَأْسُ المُنافِقِينَ وإلَيْهِ كانُوا يَجْتَمِعُونَ (p-١٠٥)وهُوَ القائِلُ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] وفِيهِ وفي ودِيعَةَ العَوْفِيِّ ومالِكِ بْنِ أبِي قَوْقَلٍ وسُوَيْدٍ وداعِسٍ - وهم مِن رَهْطِهِ - نَزَلَ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [الحشر: ١١] الآيَةَ، حِكايَةً لِما كانُوا يَدُسُّونَهُ إلى بَنِي النَّضِيرِ إذْ حاصَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَدَقَ اللَّهُ وكَذَبُوا.

وكانَ مِمَّنْ تَعَوَّذَ بِالإسْلامِ وأظْهَرَهُ وهو مُنافِقٌ مِن أحْبارِ يَهُودٍ مِن بَنِي قَيْنُقاعَ سَعْدُ بْنُ حُنَيْفٍ وزَيْدُ بْنُ اللُّصَيْتِ وهو الَّذِي قالَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أنَّهُ يَأْتِيهِ خَبَرُ السَّماءِ وهو لا يَدْرِي أيْنَ ناقَتُهُ ! فَأعْلَمَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ وبِمَكانِ النّاقَةِ، ونُعَيْمانُ بْنُ أوْفى بْنِ عَمْرٍو، وعُثْمانُ بْنُ أوْفى، ورافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ وهو الَّذِي قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ ماتَ: «قَدْ ماتَ اليَوْمَ عَظِيمٌ مِن عُظَماءِ المُنافِقِينَ»، ورِفاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ وهو الَّذِي «قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذْ هَبَّتْ تِلْكَ الرِّيحُ وهو قافِلٌ مِن غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ: لا تَخافُوا، إنَّما هَبَّتْ لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِن عُظَماءِ المُنافِقِينَ»، وسِلْسِلَةُ بْنُ بَرْهامَ، وكِنانَةُ بْنُ صُورِيا - فَكانَ هَؤُلاءِ مِنَ المُنافِقِينَ ومَن نَحا نَحْوَهم يَحْضُرُونَ المَسْجِدَ فَيَسْمَعُونَ أحادِيثَ المُسْلِمِينَ ويَسْخَرُونَ مِنهم ويَسْتَهْزِئُونَ بِدِينِهِمْ. انْتَهى. وفِيهِ اخْتِصارٌ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآياتِ.

2:9Page 3

يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخۡدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٩

They [think to] deceive Allāh and those who believe, but they deceive not except themselves and perceive [it] not.

(p-١٠٦)وابْتُدِئَتْ قِصَّتُهم بِالتَّنْبِيهِ عَلى قِلَّةِ عُقُولِهِمْ وخِفَّةِ حُلُومِهِمْ مِن حَيْثُ إنَّ مَحَطَّ حالِهِمْ أنَّهم يُخادِعُونَ مَن لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الخِداعُ، وأنَّ الَّذِي حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ أنَّهم لَيْسَ لَهم نَوْعُ شُعُورٍ ولا شَيْءَ مِن إدْراكٍ بِقَوْلِهِ تَعالى - جَوابًا لِسُؤالِ مَن كَأنَّهُ قالَ: فَما قَصْدُهم بِإظْهارِ الإيمانِ والإخْبارِ عَنْ أنْفُسِهِمْ بِغَيْرِ ما هي مُتَّصِفَةٌ بِهِ مَعَ مَعْرِفَتِهِمْ بِقُبْحِ الكَذِبِ وشَناعَتِهِ وفَظاعَتِهِ وبَشاعَتِهِ ؟ ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ﴾ أيْ يُبالِغُونَ في مُعامَلَتِهِ هَذِهِ المُعامَلَةَ بِإبْطانِ غَيْرِ ما يُظْهِرُونَ مَعَ ما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ بِكُلِّ شَيْءٍ، والخِداعُ أصْلُهُ الإخْفاءُ والمُفاعَلَةُ في أصْلِها لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّ الفِعْلَ مَتى غُولِبَ فِيهِ فاعِلُهُ جاءَ أبْلَغَ وأحْكَمَ مِنهُ إذا زاوَلَهُ وحْدَهُ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ يُعامِلُونَهم تِلْكَ المُعامَلَةَ، وأمْرُهُ تَعالى بِإجْراءِ أحْكامِ الإسْلامِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا صُورَتُهُ صُورَةُ الخِداعِ وكَذا امْتِثالُ المُؤْمِنِينَ أمْرَهُ تَعالى فِيهِمْ. قالَ (p-١٠٧)الحَرالِّيُّ: وجاءَ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ لِمَكانِ إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِخِداعِهِمْ ولَمْ يَقْرَأْ غَيْرَهُ ولا يَنْبَغِي، والخِداعُ إظْهارُ خَيْرٍ يُتَوَسَّلُ بِهِ إلى إبِطانِ شَرٍّ يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُ ذَلِكَ الخَيْرِ المُظْهَرِ. انْتَهى.

﴿وما يَخْدَعُونَ﴾ أيْ بِما يَغُرُّونَ بِهِ المُؤْمِنِينَ ﴿إلا أنْفُسَهُمْ﴾ يَعْنِي أنَّ عُقُولَهم لِخَباثَتِها إنَّما تُسَمّى نُفُوسًا، والنَّفْسُ قالَ الحَرالِّيُّ ما بِهِ يُنَفِّسُ المَرْءُ عَلى غَيْرِهِ اسْتِبْدادًا مِنهُ واكْتِفاءً بِمَوْجُودِ نَفاسَتِهِ عَلى مَن سِواهُ. انْتَهى. وقِراءَةُ الحَذْفِ هَذِهِ لا تُنافِي قِراءَةَ ”يُخادِعُونَ“؛ لِأنَّ المُطْلَقَ لا يُخالِفُ المُقَيَّدَ بِالمُبالَغَةِ، وعَبَّرَ هُنا بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ لِشُعُورِهِمْ كَما قالَ الحَرالِّيُّ بِفَسادِ (p-١٠٨)أحْوالِهِمْ في بَعْضِ الأوْقاتِ ومِن بَعْضِ الأشْخاصِ وبِصِيغَةِ المُجَرَّدِ لِعَمَهِهِمْ عَنْ فَسادِ أحْوالِهِمْ في أكْثَرِ أوْقاتِهِمْ وعَمَهِ عامَّتِهِمْ ولا يَكُونُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ إلّا بِلَفْظِ الخَدْعِ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ ما يَخْفى عَنْهم مِن أمْرِهِ، ولِذَلِكَ جاءَ في آيَةِ النِّساءِ ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] انْتَهى.

﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ نَوْعَ شُعُورٍ؛ لِإفْراطِ جَهْلِهِمْ بِأنَّهم لا يَضُرُّونَ غَيْرَ أنْفُسِهِمْ لِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم كَما يَعْلَمُ جَهْرَهم، وحَذْفُ مُتَعَلِّقِ الشُّعُورِ لِلتَّعْمِيمِ، والشُّعُورُ كَما قالَ الحَرالِّيُّ أوَّلُ الإحْساسِ بِالعِلْمِ، كَأنَّهُ مَبْدَأُ إنْباتِهِ قَبْلَ أنْ تَكْمَلَ صُورَتُهُ تَتَمَيَّزُ. وانْتَهى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском