Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:81–86
2:81–82Page 12
بَلَىٰۚ مَن كَسَبَ سَيِّئَةٗ وَأَحَٰطَتۡ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٨١
Yes, [on the contrary], whoever earns evil and his sin has encompassed him - those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٨٢
But they who believe and do righteous deeds - those are the companions of Paradise; they will abide therein eternally.
ولَمّا انْتَفى الأمْرانِ عُلِمَ أنَّ الكائِنَ غَيْرُ ما ادَّعَوْهُ فَصَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿بَلى﴾ أيْ لَتَمَسَّنَّكم عَلى خِلافِ ما زَعَمْتُمُوهُ، فَإنَّ بَلى كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلى تَقْرِيرٍ يُفْهَمُ مِن إضْرابٍ عَنْ نَفْيٍ كَأنَّها بَلْ وُصِلَتْ بِها الألِفُ إثْباتًا لِما أُضْرِبُ (p-٤٩٧)عَنْ نَفْيِهِ - قالَهُ الحَرالِّيُّ.
ونَعَمْ جَوابٌ لِكَلامٍ لا جَحَدَ فِيهِ. ولَمّا أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَمّا قالُوهُ مِنَ القَضاءِ في الأعْيانِ قاضِيًا عَلَيْهِمْ بِالخُسْرانِ عَلَّلَ ذَلِكَ بِوَصْفٍ هم بِهِ مُتَلَبِّسُونَ مُعْلِمًا بِأنَّ مِن حَقِّ الجاهِلِ بِالغَيْبِ الحُكْمَ عَلى الأوْصافِ الَّتِي ناطَ عَلّامُ الغُيُوبِ بِها الأحْكامَ فَقالَ: ﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ أيْ عَمَلًا مِن حَقِّهِ أنْ يَسُوءَ ﴿وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِ خارِجًا عَنِ الخَطِيئَةِ بَلْ كانَتْ غامِرَةً لِكُلِّ ما سِواها مِن أعْمالِهِ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا لِلْكُفْرِ الهادِمِ لِأساسِ الأعْمالِ الَّذِي لا يَتَأتّى بَقاءُ الأعْمالِ بِدُونِهِ. ولَمّا كانَ إفْرادُ الضَّمِيرِ أنَصَّ عَلى جَزاءِ كُلِّ فَرْدٍ والحُكْمُ بِالنَّكالِ عَلى الكُلِّ أنْكَأ وأرْوَعَ وأقْبَحَ وأفْظَعَ وأدَلَّ عَلى القُدْرَةِ أفْرَدَ ثُمَّ جَمَعَ فَقالَ آتِيًا بِالفاءِ دَلِيلًا أنَّ أعْمالَهم سَبَبُ دُخُولِهِمُ النّارَ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿أصْحابُ النّارِ هُمْ﴾ خاصَّةً ﴿فِيها خالِدُونَ﴾
(p-٤٩٨)ولَمّا بانَ بِهَذا ما لَهم ولِكُلِّ مَن شارَكَهم في هَذا الوَصْفِ عَطَفَ عَلَيْهِ ما لِمَنِ ادَّعَوْا أنَّهم يَخْلُفُونَهم في النّارِ ولِكُلِّ مَن شارَكَهم في وصْفِهِمُ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِالوَحْدانِيَّةِ بِألْسِنَتِهِمْ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ بَيانًا لِأنَّ قُلُوبَهم مُطَمْئِنَةٌ بِذَلِكَ ﴿أُولَئِكَ﴾ العالُو المَراتِبِ الشَّرِيفُو المَناقِبِ، ولَمْ يَأْتِ بِالفاءِ دَلالَةً عَلى أنَّ سَبَبَ سَعادَتِهِمْ إنَّما هو الرَّحْمَةُ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ لا غَيْرُهم ﴿هُمْ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿فِيها خالِدُونَ﴾
2:83Page 12
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَانٗا وَذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنكُمۡ وَأَنتُم مُّعۡرِضُونَ ٨٣
And [recall] when We took the covenant from the Children of Israel, [enjoining upon them], "Do not worship except Allāh; and to parents do good and to relatives, orphans, and the needy. And speak to people good [words] and establish prayer and give zakāh." Then you turned away, except a few of you, and you were refusing.
(p-١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ يُقِيمُ الدَّلِيلَ عَلى أنَّهم مِمَّنْ أحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَقالَ: ﴿وإذْ﴾ أيِ: اذْكُرُوا ما تَعْلَمُونَ في كِتابِكم مِن حالِ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً مُحِيطَةً، واذْكُرُوا إذْ ﴿أخَذْنا﴾ بِما لَنا مِن تِلْكَ العَظَمَةِ الَّتِي أشْهَدْناكم كَثِيرًا مِنها مِيثاقَكم، ولَكِنَّهُ أظْهَرَ لِطُولِ الفَصْلِ بِذِكْرِ وصْفٍ يَعُمُّهم وغَيْرَهم. فَقالَ: ﴿مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى: ”نِعْمَتِي“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٧] لِأنَّ الكُلَّ في مُخاطَبَتِهِمْ وبَيانِ أُمُورِهِمْ. (p-٢)ولَمّا كانَ الدِّينُ إنَّما هو الأدَبُ مَعَ الخالِقِ والخَلْقِ ذَكَرَ المُعاهَدَ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ مُرَتِّبًا لَهُ عَلى الأحَقِّ فالأحَقِّ، فَقالَ ذاكِرًا لَهُ في صِيغَةِ الخَبَرِ مُرِيدًا بِهِ النَّهْيَ والأمْرَ وهو أبْلَغُ مِن حَيْثُ إنَّهُ كَأنَّهُ وقَعَ امْتِثالُهُ ومَضى ودَلَّ عَلى إرادَةِ ذَلِكَ بِعَطْفِ ”وقُولُوا“ عَلَيْهِ،
﴿لا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ﴾ المُنْعِمَ الأوَّلَ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ لِتَكُونُوا مُحْسِنِينَ بِذَلِكَ إحْسانًا هو الإحْسانُ كُلُّهُ، ”و“ أحْسِنُوا أوْ تُحْسِنُونَ، ”بِالوالِدَيْنِ“ ولَوْ كانا كافِرَيْنِ. قالَ الحَرالِّيُّ: تَثْنِيَةُ والِدٍ مِنَ الوِلادَةِ لِاسْتِبْقاءِ ما يُتَوَقَّعُ ذَهابُهُ بِظُهُورِ صُورَةٍ مِنهُ تَخْلُفُ صُورَةَ نَوْعِهِ انْتَهى. ”إحْسانًا“: عَظِيمًا لا يَبْلُغُ كُنْهَهُ، لِكَوْنِهِما في الرُّتْبَةِ الثّانِيَةِ لِجَعْلِهِما سُبْحانَهُ السَّبَبَ في نِعْمَةِ الإيجادِ الأوَّلِ والمُباشِرَيْنِ لِلتَّرْبِيَةِ.
وغَيَّرَ السِّياقَ فَلَمْ يَقُلْ: ولا تُحْسِنُونَ إلّا إلى الوالِدَيْنِ، إفْهامًا لِأنَّ الإحْسانَ إلَيْهِما يُشْرِكُهُما فِيهِ مِن بَعْدِهِما، لَوْ جُبِرَ فَواتُ هَذا الحَصْرِ بِتَقْدِيمِهِما إيذانًا بِالِاهْتِمامِ،
﴿وذِي القُرْبى﴾ وهُمُ المُتَوَسِّلُونَ بِالوالِدَيْنِ لِما لَهم مِن أكِيدِ الوُصْلَةِ (p-٣)﴿واليَتامى﴾ لِضَعْفِهِمْ، واليُتْمُ قالَ الحَرالِّيُّ: فَقْدُ الأبِ حِينَ الحاجَةِ، ولِذَلِكَ أثْبَتَهُ مُثْبَتٌ في الذِّكْرِ إلى البُلُوغِ، وفي البِنْتِ إلى الثُّيُوبَةِ لِبَقاءِ حاجَتِها بَعْدَ البُلُوغِ، والقُرْبى فُعْلى مِنَ القَرابَةِ وهو قُرْبٌ في النَّسَبِ الظّاهِرِ أوِ الباطِنِ انْتَهى.
﴿والمَساكِينِ﴾ لِكَسْرِهِمْ.
ولَمّا لَمْ يَكُنْ وُسْعُ النّاسِ عامَّةً بِالإحْسانِ بِالفِعْلِ مُمْكِنًا أمَرَ بِجَعْلِ (p-٤)ذَلِكَ بِالقَوْلِ فَقالَ عَطْفًا عَلى الخَبَرِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْشاءُ: ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ﴾ عامَّةً،
﴿حُسْنًا﴾ أيْ: حَسَنًا بِالتَّحْرِيكِ، وهو لُغَةٌ فِيهِ كالبُخْلِ والبَخَلِ، وذَلِكَ بِأنْ يَأْمُرُوهم بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ويَنْهَوْهم عَمّا نَهى عَنْهُ. ولَمّا أمَرَهم بِما إنِ امْتَثَلُوهُ اجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهم ذَكَرَ أعْظَمَ جامِعٍ عَلى اللَّهِ مِنَ الأعْمالِ فَقالَ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ ما بِهِ تَمامُ الجَمْعِ ودَوامُهُ، فَقالَ: ﴿وآتُوا الزَّكاةَ﴾ ولَمّا كانَ الإعْراضُ عَنْ هَذِهِ المَحاسِنِ في غايَةِ البُعْدِ فَكَيْفَ إذا كانَتْ بِعَهْدٍ فَكَيْفَ إذا كانَ مِنَ اللَّهِ أشارَ إلى ذَلِكَ بِأداةِ التَّراخِي، فَقالَ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أيْ: عَنْ ذَلِكَ أوْ عَنْ كَثِيرٍ مِنهُ، وأشارَ بِصِيغَةِ التَّفَعُّلِ إلى أنَّ الأُمُورَ الدِّينِيَّةَ لِحُسْنِها لا يُعْرَضُ عَنْها إلّا بِعِلاجٍ بَيْنَ الفِطْرَةِ الأُولى والأمارَةُ،
﴿إلا قَلِيلا مِنكم وأنْتُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّكم (p-٥)﴿مُعْرِضُونَ﴾ عادَتُكم ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنكم عَنْ غَيْرِ عِلْمٍ، والإعْراضُ صَرْفُ الشَّيْءِ إلى العَرْضِ الَّتِي هي النّاحِيَةُ.
قالَ السَّمِينُ: ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو وغَيْرِهِ: إلّا قَلِيلٌ - بِالرَّفْعِ، وفِيهِ أقْوالٌ، أصَحُّها رَفْعُهُ عَلى الصِّفَةِ بِتَأْوِيلِ إلّا وما بَعْدَها بِمَعْنى غَيْرَ. انْتَهى. ويَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَسْطُ هَذا الإعْرابِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٩] ذَكَرَ ما يَشْهَدُ لِذَلِكَ مِنَ التَّوْراةِ، قالَ في السِّفْرِ الثّانِي مِنها لَمّا ذَكَرَ أمْرَ المُناجاةِ وحُضُورَهم عِنْدَ الجَبَلِ، وقالَ اللَّهُ جَمِيعَ هَذِهِ الآياتِ كُلَّها: أنا الرَّبُّ إلَهُكَ الَّذِي أصَعَدْتُكَ مِن أرْضِ مِصْرَ مِنَ العُبُودِيَّةِ والرِّقِّ، لا تَكُونُ لَكَ آلِهَةٌ غَيْرِي، لا تَعْمَلُنَّ شَيْئًا مِنَ الأصْنامِ والتَّماثِيلِ الَّتِي مِمّا في السَّماءِ فَوْقُ وفي الأرْضِ مِن تَحْتُ ومِمّا في الماءِ أسْفَلَ الأرْضِ، لا تَسْجُدُنَّ لَها ولا تَعْبُدُنَّها، لِأنِّي أنا الرَّبُّ، إلَهُكَ إلَهٌ غَيُورٌ، أُجازِي الأبْناءَ بِذُنُوبِ (p-٦)الآباءِ إلى ثَلاثَةِ أحْقابٍ وأرْبَعَةٍ مِن أعْدائِي، وأُثْبِتُ النِّعْمَةَ إلى ألْفِ حُقُبٍ لِأحِبّائِي وحافِظِي وصايايَ، لا تُقْسِمُ بِالرَّبِّ إلَهِكَ كَذِبًا، لِأنَّ الرَّبَّ لا يُزَكِّي مَن حَلَفَ بِاسْمِهِ كَذِبًا، أكْرِمْ أباكَ وأُمَّكَ لِيَطُولَ عُمُرُكَ في الأرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَها الرَّبُّ إلَهُكَ، لا تَقْتُلْ، لا تَزْنِ، لا تَسْرِقْ، لا تَشْهَدْ عَلى صاحِبِكَ شَهادَةَ زُورٍ، لا تَتَمَنَّ بِنْتَ صاحِبِكَ، ولا تَشْتَهِيَنَّ امْرَأةَ صاحِبِكَ ولا كُلَّ شَيْءٍ لِصاحِبِكَ، وكانَ جَمِيعُ الشَّعْبِ يَسْمَعُونَ الأصْواتَ ويَرَوْنَ المَصابِيحَ. وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ السِّفْرِ الثّالِثِ: لا تَسْرِقُوا، ولا تَغْدِرُوا، ولا تَحْلِفُوا بِاسْمِي كَذِبًا، ولا تُنَجِّسُوا اسْمُ الرَّبِّ إلَهِكم، أنا الرَّبُّ ولَيْسَ غَيْرِي، لا تَظْلِمَنَّ صاحِبَكَ، ولا تَشْتُمَنَّ الأخْرَسَ، ولا تَضَعْ عَثْرَةً بَيْنَ يَدَيِ الضَّرِيرِ، اتَّقِ اللَّهَ رَبَّكَ، لا تَحِيفُوا في القَضاءِ، ولا تَأْثَمُوا، ولا تُحابِيَنَّ المِسْكِينَ ولا تُحابِ الكَبِيرَ أيْضًا بَلِ اقْضِ بِالبِرِّ والعَدْلِ، لا تَبْغَضْ أخاكَ في قَلْبِكَ بَلْ بَكِّتْ صاحِبَكَ (p-٧)ووَبِّخْهُ بِالحَقِّ لِكَيْلا يَلْزَمَكَ خَطِيئَةٌ في سَبَبِهِ، ولا تَحْقِدَنَّ عَلى أحَدٍ بَلْ أحْبِبْ صاحِبَكَ كَما تُحِبُّ نَفْسَكَ، ولا تَتَطَيَّرُوا بِسَنْحِ الطَّيْرِ، ولا يَكُونَنَّ فِيكم عَرّافٌ، ولا تُطَوِّلُنَّ شَعْرَ رُؤُوسِكم، ولا تَحْلِقُوا عَنافِقَ لِحاكم، ولا تَخْدِشُوا وُجُوهَكم عَلى المَيِّتِ، ولا تَكْتُبُوا عَلى لُحُومِكم بِالإبَرِ، أنا اللَّهُ رَبُّكم، لا تَتَّبِعُوا العَرّافِينَ والقافَةَ ولا تَنْطَلِقُوا إلَيْهِمْ ولا تَسْألُوهم عَنْ شَيْءٍ لِئَلّا تَتَنَجَّسُوا بِهِمْ، أكْرِمِ الشَّيْخَ وقُمْ إلَيْهِ إذا رَأيْتَهُ، وأكْرِمْ مَن هو أكْبَرُ مِنكَ، واتَّقِ اللَّهَ رَبَّكَ، أنا اللَّهُ رَبُّكم، وإذا سَكَنَ بَيْنَكُمُ الَّذِي يُقْبِلُ إلَيَّ فَلا تَظْلِمُوهُ بَلْ أنْزِلُوهُ مَنزِلَةَ أحَدِكم وصَيِّرُوهُ مِنكم، الَّذِينَ يُقْبِلُونَ إلَيَّ ويَسْكُنُونَ مَعَكم أحِبُّوهم كَما تُحِبُّونَ أنْفُسَكم لِأنَّكم كُنْتُمْ سُكّانًا بِأرْضِ مِصْرَ، أنا اللَّهُ رَبُّكم، لا تَأْثَمُوا في القَضاءِ ولا تَأْثَمُوا في الأوْزانِ والمَكايِيلِ بَلِ اتَّخِذُوا مِيزانَ الحَقِّ واتَّخِذُوا مَكايِيلَ الحَقِّ، أنا اللَّهُ رَبُّكُمُ الَّذِي أخْرَجَكم مِن أرْضِ مِصْرَ احْفَظُوا جَمِيعَ وصايايَ: وأحْكامِي بِها، أنا الرَّبُّ ولَيْسَ غَيْرِي.
وقالَ في الثّانِي: ومَن تَبِعَ العَرّافِينَ والقافَةَ وضَلَّ بِهِمْ أُنْزِلُ (p-٨)بِهِ غَضَبِي الشَّدِيدَ وأُهْلِكُهُ مِن شَعْبِي، وأيُّ: رَجُلٍ شَتَمَ والِدَيْهِ يُقْتَلُ قَتْلًا ودَمُهُ في عُنُقِهِ؛ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: وأيُّ: رَجُلٍ أوِ امْرَأةٍ صارَ عَرّافًا أوْ مُنَجِّمًا يُقْتَلانِ قَتْلًا، ويَكُونُ قَتْلُهُما الرَّجْمَ بِالحِجارَةِ، ودَمُهُما في أعْناقِهِما؛ وقالَ قَبْلَ ذَلِكَ: وكُلُّ مَن ضَرَبَ رَجُلًا فَماتَ فَلْيُقْتَلْ قَتْلًا، ومَن ضَرَبَ أباهُ وأُمَّهُ فَلْيُقْتَلْ قَتْلًا، ومَن سَرَقَ إنْسانًا فَوُجِدَ مَعَهُ يُرِيدُ بَيْعَهُ فَلْيُقْتَلْ قَتْلًا، ومَن شَتَمَ أباهُ وأُمَّهُ فَلْيُقْتَلْ قَتْلًا، ثُمَّ قالَ: ولا يُؤَذَّنُ السّاكِنُ بَيْنَكم ولا تَعُقُّوهم تُحْوِجُوهم، لِأنَّكم كُنْتُمْ سُكّانًا بِأرْضِ مِصْرَ، ولا تُؤْذُوا الأرامِلَ والأيْتامَ، فَإنْ آذَيْتُمُوهم فَصَلَّوْا بَيْنَ يَدَيَّ أسْمَعُ صَلاتَهم وأسْتَجِيبُ لَهم فَيَشْتَدُّ غَضَبِي وأقْتُلُكم في الحَرْبِ وتَكُونُ نِساؤُكم أرامِلَ وبَنُوكم يَصِيرُونَ يَتامى، وإنْ أسْلَفْتَ رِزْقَكَ لِلْمِسْكِينِ الَّذِي مَعَكَ مِن شَعْبِي فَلا تَكُونَنَّ لَهُ كالغَرِيمِ، ولا تَأْخُذَنَّ مِنهُ رِبًا؛ ثُمَّ قالَ: ولا تَقْبَلُنَّ الرَّشْوَةَ، فَإنَّ الرَّشْوَةَ تُعْمِي أبْصارَ الحُكَماءِ في القَضاءِ وتَرُدُّ فَلْجَ الصّالِحِينَ.
2:84Page 13
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ لَا تَسۡفِكُونَ دِمَآءَكُمۡ وَلَا تُخۡرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ ثُمَّ أَقۡرَرۡتُمۡ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ ٨٤
And [recall] when We took your covenant, [saying], "Do not shed your [i.e., each other's] blood or evict one another from your homes." Then you acknowledged [this] while you were witnessing.
ولَمّا كانَ أكْبَرُ الكَبائِرِ بَعْدَ الشِّرْكِ القَتْلَ تَلاهُ بِالتَّذْكِيرِ بِما أخَذَ عَلَيْهِمْ فِيهِ مِنَ العَهْدِ، وقَرَنَ بِهِ الإخْراجَ مِنَ الدِّيارِ لِأنَّ المالَ عَدِيلُ الرُّوحِ والمَنزِلَ أعْظَمُ المالِ وهو لِلْجَسَدِ كالجَسَدِ لِلرُّوحِ، فَقالَ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ (p-٩)يا بَنِي إسْرائِيلَ ﴿لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾ أيْ: لا يَسْفِكُ بَعْضُكم دِماءَ بَعْضٍ،
﴿ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ بِإخْراجِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ؛ لِأنَّ المُتَواصِلِينَ بِنَسَبٍ أوْ دِينٍ كالنَّفْسِ الواحِدَةِ،
﴿مِن دِيارِكُمْ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: وأصْلُها ما أدارَتْهُ العَرَبُ مِنَ البُيُوتِ كالحَلْقَةِ اسْتِحْفاظًا لِما تَحْوِيهِ مِن أمْوالِها. انْتَهى.
ولَمّا كانُوا قَدْ نَكَصُوا عِنْدَ حُقُوقِ الأمْرِ فَلَمْ يَقْبَلُوا ما أتاهم مِنَ الخَيْرِ حَتّى خافُوا الدَّمارَ بِسُقُوطِ الطُّورِ عَلَيْهِمْ أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أقْرَرْتُمْ﴾ أيْ: بِذَلِكَ كُلِّهِ بَعْدَ لَيٍّ وتَوَقُّفٍ، والإقْرارُ إظْهارُ الِالتِزامِ بِما خَفِيَ أمْرُهُ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ بِلُزُومِهِ وتُعايِنُونَ تِلْكَ الآياتِ الكِبارَ المُلْجِئَةَ لَكم إلى ذَلِكَ، وقَدْ مَضى مِمّا يُصَدِّقُ هَذا (p-١٠)عَنِ التَّوْراةِ آنِفًا ما فِيهِ كِفايَةٌ لِلْمُوَفَّقِ، وسَيَأْتِي في المائِدَةِ بَقِيَّتُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
2:85Page 13
ثُمَّ أَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تَقۡتُلُونَ أَنفُسَكُمۡ وَتُخۡرِجُونَ فَرِيقٗا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمۡ تَظَٰهَرُونَ عَلَيۡهِم بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَإِن يَأۡتُوكُمۡ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمۡ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيۡكُمۡ إِخۡرَاجُهُمۡۚ أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٨٥
Then, you are those [same ones who are] killing one another and evicting a party of your people from their homes, cooperating against them in sin and aggression. And if they come to you as captives, you ransom them, although their eviction was forbidden to you. So do you believe in part of the Scripture and disbelieve in part? Then what is the recompense for those who do that among you except disgrace in worldly life; and on the Day of Resurrection they will be sent back to the severest of punishment. And Allāh is not unaware of what you do.
ولَمّا كانَ هَذا بِما أكَّدَ بِهِ مِن ذِكْرِ المِيثاقِ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ وإضافَةِ الجِنايَةِ إلى نَفْسِ الجانِي جَدِيرًا بِالبُعْدِ مِنهُ أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ الحَقِيرُونَ المَقْدُورُ عَلَيْهِمُ المَجْهُولُونَ الَّذِينَ لا يُعْرَفُ لَهُمُ اسْمٌ يُنادَوْنَ بِهِ، أوِ المَوْجُودُونَ الآنَ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ البَيانَ عَنْ هَذِهِ الجُمْلَةِ فَقالَ: ﴿تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ مِن غَيْرِ التِفاتٍ إلى هَذا العَهْدِ الوَثِيقِ،
﴿وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكُمْ﴾ أيْ: ناسًا هم أشِقّاءُ لَكم فَهم جَدِيرُونَ مِنكم بِالإحْسانِ لا بِالإخْراجِ ﴿مِن دِيارِهِمْ﴾
ولَمّا كانَ مِنَ المُسْتَبْعَدِ جِدًّا بَعْدَ الِاسْتِبْعادِ الأوَّلِ أنْ يَقَعُوا في (p-١١)ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ العُدْوانِ اسْتَأْنَفَ البَيانَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿تَظاهَرُونَ﴾ أيْ: تَتَعاوَنُونَ، مِنَ التَّظاهُرِ، وهو تَكَلُّفُ المُظاهَرَةِ وهي تُسانِدُ القُوَّةَ كَأنَّهُ اسْتِنادُ ظَهْرٍ إلى ظَهْرٍ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ﴾ أيْ: مُصاحِبِينَ لِلْإثْمِ وهو أسْوَأُ الِاعْتِداءِ في قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ أوْ حالٍ، ويُقالُ لِكَذُوبٍ: أثُومٌ، لِاعْتِدائِهِ بِالقَوْلِ عَلى غَيْرِهِ، والإثْمُ: الخَمْرُ لِما يَقَعُ بِها مِنَ العَداوَةِ والعَدْوى، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿والعُدْوانِ﴾ أيْ: والِامْتِلاءُ في مُجاوَزَةِ الحُدُودِ،
﴿وإنْ يَأْتُوكُمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَعاوَنْتُمْ أوْ عاوَنْتُمْ عَلَيْهِمْ،
﴿أُسارى﴾ جَمْعُ أسْرى جَمْعُ أسِيرٍ، وأصْلُهُ المَشْدُودُ بِالأسْرِ، وهو القَدُّ وهو ما يُقَدُّ، أيْ: يُقْطَعُ مِنَ السَّيْرِ،
﴿تُفادُوهُمْ﴾ أيْ: تُخَلِّصُوهم بِالمالِ، مِنَ الفِداءِ وهو الفِكاكُ بَعِوَضٍ، و﴿تُفادُوهُمْ﴾ مِنَ المُفاداةِ وهي الِاسْتِواءُ في العِوَضَيْنِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
ثُمَّ أكَّدَ تَحْرِيمَ الإخْراجِ بِزِيادَةِ الضَّمِيرِ والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ في قَوْلِهِ: (p-١٢)﴿وهُوَ مُحَرَّمٌ﴾ مِنَ التَّحْرِيمِ، وهو تَكْرارُ الحِرْمَةِ بِالكَسْرِ وهي المَنعُ مِنَ الشَّيْءِ لِدِنايَتِهِ، والحُرْمَةُ بِالضَّمِّ المَنعُ مِنَ الشَّيْءِ لِعُلُوِّهِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿عَلَيْكُمْ﴾ ولَمّا كانَ يُظَنُّ أنَّ الضَّمِيرَ لِلْفِداءِ عَيْنِهِ فَقالَ: ﴿إخْراجُهُمْ﴾ ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الأحْكامِ فَقالَ: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ﴾ أيِ: التَّوْراةُ وهو المُوجِبُ لِلْمُفاداةِ،
﴿وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ وهو المُحَرَّمُ لِلْقَتْلِ والإخْراجِ، ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ﴾ الأمْرَ العَظِيمَ الشَّناعَةِ،
﴿مِنكم إلا خِزْيٌ﴾ ضِدَّ ما قَصَدْتُمْ بِفِعْلِكم مِنَ العِزِّ، والخِزْيُ إظْهارُ القَبائِحِ الَّتِي يُسْتَحى مِن إظْهارِها عُقُوبَةً، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ تَعْجِيلًا لِلْعُقُوبَةِ لَهُ في الدّارِ الَّتِي جَعَلَها مَحَطَّ قَصْدِهِ. (p-١٣)وقَدْ فَعَلَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِأنْواعِ الذُّلِّ والقَتْلِ فَما دُونَهُ،
﴿ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ هي فِعالَةٌ تُفْهَمُ فِيها التّاءُ المُبالَغَةَ والغَلَبَةَ، وهو قِيامُ أمْرٍ مُسْتَعْظَمٍ، والقِيامُ هو الِاسْتِقْلالُ بِأعْباءَ ثَقِيلَةٍ،
﴿يُرَدُّونَ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ، والرَّدُّ هو الرُّجُوعُ إلى ما كانَ مِنهُ بَدْءُ المَذْهَبِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿إلى أشَدِّ العَذابِ﴾ لِأنَّهُ الخِزْيُ الأعْظَمُ.
ولَمّا كانَتِ المُواجَهَةُ بِالتَّهْدِيدِ أدَلَّ عَلى الغَضَبِ التَفَتَ إلَيْهِمْ في قِراءَةِ الجَماعَةِ فَعَطَفَ عَلى ما تَقْدِيرُهُ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِما قَصَدْتُمُوهُ في ذَلِكَ فَهو يُجازِيكم بِما تَسْتَحِقُّونَ، قَوْلُهُ: ﴿وما اللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً،
﴿بِغافِلٍ عَمّا﴾ أيْ: عَنْ شَيْءٍ بِما،
﴿تَعْمَلُونَ﴾ مِن ذَلِكَ ومِن غَيْرِهِ، وقِراءَةُ نافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ بِالغَيْبِ عَلى الأُسْلُوبِ الماضِي.
2:86Page 13
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٨٦
Those are the ones who have bought the life of this world [in exchange] for the Hereafter, so the punishment will not be lightened for them, nor will they be aided.
(p-١٤)ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآياتُ كُلُّها كالدَّلِيلِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ”وضَرَبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةَ والمَسْكَنَةَ“ - ”ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ“، كانَتْ فَذْلَكَةُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ: البُعَداءُ البُغَضاءُ،
﴿الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾ أيْ: لَجُّوا فَأخَذُوا،
﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾ عَلى خَساسَتِها،
﴿بِالآخِرَةِ﴾ مَعَ نَفاسَتِها، والدُّنْيا فُعْلى مِنَ الدُّنُوِّ وهو الأنْزَلُ رُتْبَةً، في مُقابَلَةِ عُلْيا، ولِأنَّهُ لَزِمَتْها العاجِلَةُ صارَتْ في مُقابَلَةِ الأُخْرى اللّازِمَةِ لِلْعُلُوِّ، فَفي الدُّنْيا نُزُولُ قَدْرٍ وتَعَجُّلٌ، وفي الأُخْرى عُلُوُّ قَدْرٍ وتَأخُّرٌ، فَتَقابَلَتا عَلى ما يُفْهَمُ تَقابُلَيْنِ مِن مَعْنى كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما، قالَهُ الحَرالِّيُّ. [فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِكاكِ، ذِكْرُ الدُّنْيا أوَّلًا يَدُلُّ عَلى حَذْفِ العُلْيا ثانِيًا، وذِكْرُ الآخِرَةِ ثانِيًا يَدُلُّ عَلى حَذْفِ العاجِلَةِ أوَّلًا ] .
﴿فَلا﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ لا ﴿يُخَفَّفُ﴾ مِنَ التَّخْفِيفِ وهو (p-١٥)مَصِيرُ الثَّقِيلِ والمُسْتَفِلِّ إلى حالِ الطّافِي المُسْتَعْلِي كَحالِ ما بَيْنَ الحَجَرِ والهَواءِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿عَنْهُمُ العَذابُ﴾ في واحِدَةٍ مِنَ الدّارَيْنِ،
﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ وهو أيْضًا مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى خِذْلانِ مَن غَزا لِأجْلِ المَغْنَمِ أوْ غَلَّ، وقَدْ ورَدَ في كَثِيرٍ مِنَ الأحادِيثِ والآثارِ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ، مِنها ما رَواهُ مالِكٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «ما ظَهَرَ الغُلُولُ في قَوْمٍ إلّا ألْقى اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ»، وهو أيْضًا شَرْعٌ قَدِيمٌ؛ فَفي سِفْرِ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ لَمّا فَتَحَ مَدِينَةَ أرِيحا بَعْدَ مَوْتِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعَثَ إلى مَدِينَةِ عايٍ ثَلاثَةَ آلافِ مُقاتِلٍ لِيَفْتَحُوها، فَقَتَلَ مِنهم أهْلُ عايٍ جَماعَةً وهَزَمُوهم، فاضْطَرَبَتْ قُلُوبُهم وصارَتْ كالماءِ، فَسَجَدَ يُوشَعُ عَلى الأرْضِ أمامَ تابُوتِ الرَّبِّ هو ومَشْيَخَةُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالَ لَهُ الرَّبُّ: انْهَضْ قائِمًا، وأخْبَرَهُ أنَّ قَوْمَهُ قَدْ غَلُّوا فَلا يَقْدِرُونَ الآنَ أنْ يَثْبُتُوا لِأعْدائِهِمْ حَتّى يُنَحُّوا الحَرامَ عَنْهم، وقالَ اللَّهُ لَهُ: وإذا كانَ غَدٌ فَقَدِّمُوا أسْباطَكم لِيَقْتَرِعُوا، والسِّبْطُ الَّذِي تُصِيبُهُ قُرْعَةُ الرَّبِّ تَتَقَدَّمُ عَشائِرُهُ، والعَشِيرَةُ الَّتِي تُصِيبُها القُرْعَةُ تَتَقَدَّمُ بُيُوتاتُها، والبَيْتُ الَّذِي يُصِيبُهُ قُرْعَةُ الرَّبِّ (p-١٦)ويُصابُ الحَرامُ عِنْدَهُ يُحَرَّقُ بِالنّارِ هو وكُلُّ شَيْءٍ لَهُ، لِأنَّهُ تَعَدّى عَلى أمْرِ الرَّبِّ ولِأنَّهُ أثِمَ بِإسْرائِيلَ؛ فَفَعَلَ ما أمَرَهُ الرَّبُّ، فَأصابَتِ القُرْعَةُ عاجارَ بْنَ كَرْمى مِن سِبْطِ يَهُودا، فَأحْضَرَهُ وبَنِيهِ وبَناتِهِ ومَواشِيَهُ وخَيْمَتَهُ وكُلَّ مَن كانَ لَهُ، فَأصْعَدَهم إلى غَوْرِ عاجارَ، ورَجَمَهم جَمِيعُ بَنِي إسْرائِيلَ بِالحِجارَةِ، وأحْرَقُوهم بِالنّارِ، وجَعَلُوا فَوْقَهُ تَلًّا مِنَ الحِجارَةِ الكِبارِ إلى اليَوْمِ، ولِذَلِكَ دُعِيَ اسْمُ ذَلِكَ المَوْضِعِ غَوْرَ عاجارَ إلى اليَوْمِ، ثُمَّ أتَوْا مِنَ الغَدِ إلى عايٍ فَقَتَلُوا جَمِيعَ مَن فِيها مِن بَنِي آدَمَ الذُّكُورِ والإناثِ وأحْرَقُوها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences