Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:89–93
2:89Page 14
وَلَمَّا جَآءَهُمۡ كِتَٰبٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُواْ مِن قَبۡلُ يَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٨٩
And when there came to them a Book [i.e., the Qur’ān] from Allāh confirming that which was with them - although before they used to pray for victory against those who disbelieved - but [then] when there came to them that which they recognized, they disbelieved in it; so the curse of Allāh will be upon the disbelievers.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِن جَلافَتِهِمْ ما خَتَمَهُ بِلَعْنِهِمْ وكانَ قَدْ قَدَّمَ ذِكْرَ كِتابِهِمْ مِرارًا وأشارَ إلى الإنْجِيلِ بِإيتاءِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ البَيِّناتِ ذَكَرَ سُبْحانَهُ كُفْرَهم بِهَذا الكِتابِ الَّذِي مَقْصُودُ السُّورَةِ وصْفُهُ بِالهُدى وبِهَذا الرَّسُولِ الآتِي بِهِ دَلِيلًا عَلى إغْراقِهِمْ في الكُفْرِ، لِأنَّهم مَعَ اسْتِفْتاحِهِمْ بِهِ ﷺ قَبْلَ مَبْعَثِهِ عَلى مَن يُعادِيهِمْ واسْتِبْشارِهِمْ بِهِ وإشْهادِهِمْ أنْفُسَهم بِالسُّرُورِ بِمَجِيئِهِ كانُوا أبْعَدَ النّاسِ مِن دَعَوْتِهِ تَمادِيًا في الكُفْرِ (p-٣٦)وتَقَيُّدًا بِالضَّلالِ؛ فَكانَ هَذا الدَّلِيلُ أبْيَنَ مِنَ الأوَّلِ عِنْدَ أهْلِ ذَلِكَ العَصْرِ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ﴾ أيْ: جامِعٌ لِجَمِيعِ الهُدى لِعَظَمَتِهِ لِكَوْنِهِ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ الجامِعِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنَ المُحَبِّباتِ لَهم في اتِّباعِهِ قَوْلَهُ: ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١] عَلى لِسانِ نَبِيٍّ يَعْرِفُونَ صِحَّةَ أمْرِهِ بِأُمُورٍ يَشْهَدُ بِها كِتابُهم، وبِتَصْدِيقِ هَذا الكِتابِ لَهُ بِإعْجازِ نَظْمِهِ وتَصْدِيقِ مَعْناهُ لِكِتابِهِمْ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ ودَلَّ ما بَعْدُ عَلى أنَّهم كَفَرُوا بِهِ، وفي ذَلِكَ قاصِمَةٌ لَهم لِأنَّ كِتابَهم يَكُونُ شاهِدًا عَلى كُفْرِهِمْ، ولَمّا بَيَّنَ شَهادَةَ كِتابِهِمْ أتْبَعَهُ شَهادَتَهم لِئَلّا يُحَرِّفُوا مَعْنى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وكانُوا﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم كانُوا، ولَمّا كانَ اسْتِفْتاحُهم في بَعْضِ الزَّمانِ أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: قَبْلَ مَجِيئِهِ،
﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ أيْ: يَسْألُونَ اللَّهَ الفَتْحَ بِالِاسْمِ الآتِي بِهِ تَيَمُّنًا بِذِكْرِهِ،
﴿عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي: أنَّهم لَمْ يَكُونُوا في غَفْلَةٍ عَنْهُ بَلْ كانُوا أعْلَمَ النّاسِ بِهِ، وقَدْ وطَّنُوا (p-٣٧)أنْفُسَهم عَلى تَصْدِيقِهِ، ومَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ﴾ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عِلْمُ ﴿ما عَرَفُوا﴾ أيْ: مِن صِدْقِهِ بِما ذُكِرَ مِن نُعُوتِهِ في كِتابِهِمْ،
﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ اعْتِلالًا بِأنْواعٍ مِنَ العِلَلِ البَيِّنَةِ الكَذِبِ، مِنها زَعْمُهم أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَدُوُّهم وهو الآتِي بِهِ؛ قالَ الثَّعْلَبِيُّ والواحِدِيُّ: رَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صُورِيّا حاجَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أشْياءَ، فَلَمّا اتَّجَهَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِ قالَ: أيُّ مَلَكٍ يَأْتِيكَ مِنَ السَّماءِ ؟ قالَ: جِبْرِيلُ، ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا وهو ولِيُّهُ -وفِي رِوايَةٍ: وسَألَهُ عَمَّنْ يَهْبِطُ عَلَيْهِ بِالوَحْيِ، فَقالَ: جِبْرِيلُ- فَقالَ: ذاكَ عَدُوُّنا، ولَوْ كانَ غَيْرُهُ لَآمَنّا بِكَ».
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ في السِّيرَةِ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي حُسَيْنٍ المَكِّيُّ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ الأشْعَرِيِّ «أنْ نَفَرًا مِن أحْبارِ يَهُودٍ جاءُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: خَبِّرْنا عَنْ أرْبَعٍ نَسْألُكَ عَنْهُنَّ، فَإنْ فَعَلْتَ اتَّبَعْناكَ وصَدَّقْناكَ وآمَنّا بِكَ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَلَيْكم بِذَلِكَ عَهْدُ اللَّهِ ومِيثاقُهُ لَئِنْ أنا أخْبَرْتُكم بِذَلِكَ لَتُصَدِّقُنِّي، قالُوا: نَعَمْ، قالَ: فاسْألُوا عَمّا بَدا لَكم ! (p-٣٨)قالُوا: فَأخْبِرْنا: كَيْفَ يُشْبِهُ الوَلَدُ أُمَّهُ وإنَّما النُّطْفَةُ مِنَ الرَّجُلِ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنْشُدُكم بِاللَّهِ وبِأيّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ نُطْفَةَ الرَّجُلِ بَيْضاءُ غَلِيظَةٌ ونُطْفَةَ المَرْأةِ صَفْراءُ رَقِيقَةٌ فَأيَّتُهُما عَلَتْ صاحِبَتَها كانَ الشَّبَهُ لَها ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قالُوا: فَأخْبِرْنا عَنْ كَيْفَ نَوْمِكَ ؟ قالَ: أنْشُدُكم بِاللَّهِ وبِأيّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ نَوْمَ الَّذِي تَزْعُمُونَ أنِّي لَسْتُ بِهِ تَنامُ عَيْنُهُ وقَلْبُهُ يَقْظانُ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قالَ: فَكَذَلِكَ نَوْمِي، تَنامُ عَيْنِي وقَلْبِي يَقْظانُ، قالُوا: فَأخْبِرْنا عَمّا حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، قالَ: أنْشُدُكم بِاللَّهِ وبِأيّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ كانَ أحَبُّ الطَّعامِ والشَّرابِ إلَيْهِ ألْبانَ الإبِلِ ولُحُومَها وأنَّهُ اشْتَكى شَكْوى فَعافاهُ اللَّهُ مِنها فَحَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ أحَبَّ الطَّعامِ والشَّرابِ إلَيْهِ شُكْرًا لِلَّهِ فَحَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ؛ قالُوا: فَأخْبِرْنا عَنِ الرُّوحِ، قالَ: أنْشُدُكم بِاللَّهِ وبِأيّامِهِ هَلْ تَعْلَمُونَ جِبْرِيلَ وهو الَّذِي يَأْتِينِي ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ ولَكِنَّهُ يا مُحَمَّدُ لَنا عَدُوٌّ، وهو مَلَكٌ إنَّما يَأْتِي بِالشِّدَّةِ وسَفْكِ الدِّماءِ، ولَوْلا ذَلِكَ لاتَّبَعْناكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَـزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ (p-٣٩)مِنهم بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ١٠٠]» وأصْلُ ذَلِكَ في البُخارِيِّ في خَلْقِ آدَمَ والهِجْرَةِ والتَّفْسِيرِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -مِن رِواياتٍ جَمَعَتْ بَيْنَ ألْفاظِها- قالَ: «أقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ أيْ: في الهِجْرَةِ إلى أنْ قالَ: فَأقْبَلَ يَسِيرُ حَتّى نَزَلَ إلى جانِبِ دارِ أبِي أيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإنَّهُ لَيُحَدِّثُ أهْلَهُ إذْ سَمِعَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وهو في نَخْلٍ لِأهْلِهِ يَخْتَرِفُ لَهم، فَعَجِلَ أنْ يَضَعَ الَّتِي يَخْتَرِفُ لَهم فِيها فَجاءَ وهي مَعَهُ، (p-٤٠)فَسَمِعَ مِن نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ رَجَعَ إلى أهْلِهِ، فَقالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: أيُّ بُيُوتِ أهْلِنا أقْرَبُ، فَذَكَرَ نُزُولَهُ عَلى أبِي أيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ قالَ: فَلَمّا جاءَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ جاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: أشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وأنَّكَ جِئْتَ بِحَقٍّ ! وقَدْ عَلِمَتْ يَهُودٌ أنِّي سَيِّدُهم وابْنُ سَيِّدِهِمْ وأعْلَمُهم وابْنُ أعْلَمِهِمْ فادْعُهم فَسَلْهم عَنِّي قَبْلَ أنْ يَعْلَمُوا أنِّي قَدْ أسْلَمْتُ، فَإنَّهم إنْ يَعْلَمُوا أنِّي قَدْ أسْلَمْتُ قالُوا فِيَّ ما لَيْسَ فِيَّ، وفي رِوايَةٍ: بَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ مَقْدِمُ النَّبِيِّ ﷺ وهو في أرْضٍ يَخْتَرِفُ فَأتاهُ فَقالَ: إنِّي سائِلُكَ عَنْ ثَلاثٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا نَبِيٌّ، ما أوَّلُ أشْراطِ السّاعَةِ ؟ وما أوَّلُ طَعامٍ يَأْكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ ؟ ومِن أيِّ شَيْءٍ يَنْزِعُ الوَلَدُ إلى أبِيهِ ومِن أيِّ شَيْءٍ يَنْزِعُ إلى أخْوالِهِ ؟ -وفِي رِوايَةٍ: وما يَنْزِعُ الوَلَدُ إلى أبِيهِ أوْ إلى أُمِّهِ ؟- فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفًا، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: ذاكَ عَدُوُّ اليَهُودِ مِنَ المَلائِكَةِ، فَقَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَـزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧] أمّا أوَّلُ أشْراطِ السّاعَةِ: فَنارٌ تَحْشُرُ النّاسَ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وأمّا أوَّلُ طَعامٍ يَأْكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ: فَزِيادَةُ كَبِدِ حُوتٍ -وفِي رِوايَةٍ الحُوتِ-، وأمّا الشَّبَهُ في الوَلَدِ فَإنَّ الرَّجُلَ إذا غَشِيَ المَرْأةَ فَسَبَقَها ماؤُهُ كانَ (p-٤١)الشَّبَهُ لَهُ، وإذا سَبَقَتْ كانَ الشَّبَهُ لَها -وفِي رِوايَةٍ: وإذا سَبَقَ ماءُ الرَّجُلِ ماءَ المَرْأةِ نَزَعَ الوَلَدَ، وإذا سَبَقَ ماءُ المَرْأةِ نَزَعَتْ- قالَ: أشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اليَهُودَ قَوْمٌ بُهْتٌ، إنْ عَلِمُوا بِإسْلامِي قَبْلَ أنْ تَسْألَهم بَهَتُونِي عِنْدَكَ، فَأرْسَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ -وفِي رِوايَةٍ: فَجاءَتِ اليَهُودُ ودَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ البَيْتَ- فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا مَعْشَرَ اليَهُودِ ! ويْلَكُمُ اتَّقُوا اللَّهَ، فَواللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو إنَّكم لَتَعْلَمُونِ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ وأنِّي جِئْتُكم بِحَقٍّ فَأسْلِمُوا، قالُوا: ما نَعْلَمُهُ، قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ وقالَها ثَلاثَ مِرارٍ، قالَ: فَأيُّ رَجُلٍ فِيكم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ؟ قالُوا: ذاكَ سَيِّدُنا وابْنُ سَيِّدِنا وأعْلَمُنا وابْنُ أعْلَمِنا وأخْيَرُنا وابْنُ أخَيْرِنا، قالَ: أفَرَأيْتُمْ إنْ أسْلَمَ قالُوا: حاشا لِلَّهِ ! ما كانَ لِيُسْلِمَ -وفِي رِوايَةٍ: أعاذَهُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ- قالَ: يا ابْنَ سَلامٍ اخْرُجْ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ فَقالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يا مَعْشَرَ اليَهُودِ اتَّقُوا اللَّهَ فَواللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وأنَّهُ جاءَ بِحَقٍّ، قالُوا: كَذَبْتَ، وقالُوا: شَرُّنا وابْنُ شَرِّنا، ووَقَعُوا فِيهِ فانْتَقَصُوهُ، قالَ: فَهَذا الَّذِي كُنْتُ أخافُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأخْرَجَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ،» ولِلْواحِدِيِّ في أسْبابِ النُّزُولِ «عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كُنْتُ آتِي (p-٤٢)اليَهُودَ عِنْدَ دِراسَتِهِمُ التَّوْراةَ فَأعْجَبُ مِن مُوافَقَةِ القُرْآنِ التَّوْراةَ ومُوافَقَةِ التَّوْراةِ القُرْآنَ، فَقالُوا: يا عُمَرُ ! ما أحَدٌ أحَبَّ إلَيْنا مِنكَ، قُلْتُ: ولِمَ ؟ قالُوا: لِأنَّكَ تَأْتِينا وتَغْشانا، قُلْتُ: إنَّما أجِيءُ لِأعْجَبِ مِن تَصْدِيقِ كِتابِ اللَّهِ بَعْضُهُ بَعْضًا ومُوافِقَةِ التَّوْراةِ القُرْآنَ ومُوافِقَةِ القُرْآنِ التَّوْراةَ، فَبَيْنا أنا عِنْدَهم ذاتَ يَوْمٍ إذْ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَلْفَ ظَهْرِي فَقالُوا: إنَّ هَذا صاحَبُكَ فَقُمْ إلَيْهِ، فالتَفَتُّ فَإذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ دَخَلَ خَوْخَةً مِنَ المَدِينَةِ، فَأقْبَلْتُ عَلَيْهِمْ فَقُلْتُ: أنْشُدُكُمُ اللَّهَ وما أنْزَلَ عَلَيْكم مِن كِتابٍ أتَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ؟ قالَ سَيِّدُهم: قَدْ نَشَدَكم بِاللَّهِ فَأخْبِرُوهُ، فَقالُوا: أنْتَ سَيِّدُنا فَأخْبِرْهُ، فَقالَ سَيِّدُهم: نَعْلَمُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، قَلْتُ: فَإنِّي أهْلَكُكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ لَمَّ تَتَّبِعُوهُ، فَقالُوا: إنَّ لَنا عَدُوًّا مِنَ المَلائِكَةِ وسِلْمًا مِنَ المَلائِكَةِ، فَقُلْتُ: مَن عَدُوُّكم ومَن سِلْمُكم ؟ قالُوا: عَدُوُّنا جِبْرِيلُ، قُلْتُ: ومَن سِلْمُكم ؟ قالُوا: مِيكائِيلُ، قُلْتُ: فَإنِّي أشْهَدُ ما يَحِلُّ لِجِبْرِيلَ أنْ يُعادِيَ سِلْمَ مِيكائِيلَ، وما يَحِلُّ لِمِيكائِيلَ أنْ يُسالِمَ عَدُوَّ جِبْرِيلَ، وإنَّهُما جَمِيعًا ومَن مَعَهُما أعْداءٌ لِمَن عادُوا وسِلْمٌ لِمَن سالَمُوا، ثُمَّ قُمْتُ فاسْتَقْبَلَنِي -يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ- فَقالَ: يا ابْنَ الخَطّابِ ألا أُقْرِئُكَ آياتٍ ؟ فَقَرَأ: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَـزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ [البقرة: ٩٧] حَتّى بَلَغَ ﴿وما يَكْفُرُ بِها إلا الفاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩] قُلْتُ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما جِئْتُكَ إلّا أُخْبِرُكَ بِقَوْلِ اليَهُودِ فَإذا اللَّطِيفُ (p-٤٣)الخَبِيرُ قَدْ سَبَقَنِي بِالخَبَرِ ! قالَ عُمَرُ: فَلَقَدْ رَأيْتُنِي في دِينِ اللَّهِ أشَدَّ مِن حَجَرٍ،» انْتَهى.
وقَدْ سَألْتُ بَعْضَ فُضَلاءِ اليَهُودِ المَوْجُودِينَ في زَمانِنا عَنْ عَداوَتِهِمْ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمْ يَسْمَحْ بِالتَّصْرِيحِ وقالَ: ما يُعْطى ذَلِكَ.
وقَدْ رَوى هَذا الحَدِيثَ أيْضًا إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ في مُسْنَدِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ شَيْخُنا البُوصَيْرِيُّ: وهو مُرْسَلٌ صَحِيحُ الإسْنادِ وفِيهِ: أنَّهُ قالَ لَهم: وكَيْفَ مَنزِلَتُهُما مِن رَبِّهِما ؟ قالُوا: أحَدُهُما عَنْ يَمِينِهِ والآخَرُ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، وإنِّي أشْهَدُ أنَّهُما ورَبَّهُما سِلْمٌ لِمَن سالَمُوا وحَرْبٌ لِمَن حارَبُوا.
2:90Page 14
بِئۡسَمَا ٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡ أَن يَكۡفُرُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغۡيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٩٠
How wretched is that for which they sold themselves - that they would disbelieve in what Allāh has revealed through [their] outrage that Allāh would send down His favor upon whom He wills from among His servants. So they returned having [earned] wrath upon wrath. And for the disbelievers is a humiliating punishment.
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ بِهَذا أنَّهم أعْتى النّاسِ وأشَدُّهم تَدْلِيسًا وبُهْتًا بَلْ كَذِبًا وفِسْقًا كانُوا أحَقَّ النّاسِ بِوَصْفِ الكُفْرِ فَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٨٩] أيِ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ،
﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] فَأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ لِيَعُمَّ وإشْعارًا بِصَلاحِ مَن شاءَ اللَّهُ مِنهم. ولَمّا اسْتَحَقُّوا بِهَذا وُجُوهَ المَذامِّ كُلِّها وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿بِئْسَما﴾ فَأتى بِالكَلِمَةِ الجامِعَةِ لِلْمَذامِّ المُقابِلَةِ لِنِعَمِ الجامِعَةِ لِوُجُوهِ المَدائِحِ كُلِّها أيْ: (p-٤٤)بِئْسَ شَيْءٌ ﴿اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: حُظُوظَهم، فَقَدَّمُوها وآثَرُوها فَكانَ ذَلِكَ عَيْنٌ فَأخْبَرَها عَكْسَ ما فَعَلَ المُؤْمِنُونَ مِن بَيْعِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ وخُرُوجِهِمْ عَنْها بِتَعَبُّدِهِمْ لِلَّهِ بِإيثارِ ما يُرْضِيهِ عَلى هَوى أنْفُسِهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ عَيْنَ تَحْصِيلِها وتَقْدِيمِها، ثُمَّ فَسَّرَ الضَّمِيرَ العائِدَ عَلى المُبْهَمِ المَأْخُوذِ في إحْرازِ النَّفْسِ فَقالَ: ﴿أنْ يَكْفُرُوا﴾ أيْ: يَسْتُرُوا عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ عِلْمَهم،
﴿بِما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ، أيِ: اشْتَرَوْا أنْفُسَهم فَأبْقَوْها لَهم عَلى زَعْمِهِمْ بِالكُفْرِ ولَمْ يَجْعَلُوها تابِعَةً؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”اشْتَرَوْا“ بِمَعْنى: باعُوا، لِأنَّهم بَذَلُوها لِلشَّيْطانِ بِالكُفْرِ كَما بَذَلَ المُؤْمِنُونَ أنْفُسَهم لِلَّهِ بِالإيمانِ.
ثُمَّ عَلَّلَ كُفْرَهم بِقَوْلِهِ: ﴿بَغْيًا﴾ أيْ: حَسَدًا وظُلْمًا لِأنْ تَكُونَ النُّبُوَّةُ في بَنِي إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ الحَرالِّيُّ: هو اشْتِدادٌ في (p-٤٥)طَلَبِ شَيْءٍ ما، انْتَهى.
وأصْلُهُ: مُطْلَقُ الطَّلَبِ والإرادَةِ، كَأنَّ الإنْسانَ لَمّا كانَ مَجْبُولًا عَلى النُّقْصانِ ومَطْبُوعًا عَلى الشَّرِّ والعِصْيانِ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ وأعانَ كانَ مَذْمُومًا عَلى مُطْلَقِ الإرادَةِ، لِأنَّ مِن حَقِّهِ أنْ لا تَكُونَ لَهُ خِيرَةٌ ولا إرادَةٌ بَلْ تَكُونُ إرادَتُهُ تابِعَةً لِإرادَةِ مَوْلاهُ كَما هو شَأْنُ العَبْدِ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.
ثُمَّ عَلَّلَ بَغْيَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ يُنَـزِّلَ اللَّهُ﴾ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ وفي صِيغَةِ ”يُنَزِّلُ“ إشْعارٌ بِتَمادِي ما يَغِيظُهم فِيما يُسْتَقْبَلُ، وبُشْرى لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ حَسَدُوهم، ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ ﴿فَباءُوا﴾ أيْ: رَجَعُوا لِأجْلِ ذَلِكَ،
﴿بِغَضَبٍ﴾ في حَسَدِهِمْ لِهَذا النَّبِيِّ ﷺ لِكَوْنِهِ مِنَ العَرَبِ،
﴿عَلى غَضَبٍ﴾ كانُوا اسْتَحَقُّوهُ بِكُفْرِهِمْ بِأنْبِيائِهِمْ عِنادًا، ثُمَّ عَلَّقَ الحُكْمَ الَّذِي اسْتَحَقُّوهُ بِوَصْفِهِمْ تَعْمِيمًا (p-٤٦)وإشارَةً إلى أنَّهُ سَيُؤْمِنُ بَعْضُهم فَقالَ: ﴿ولِلْكافِرِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ هم راسِخُونَ في هَذا الوَصْفِ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ،
﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾ مِنَ الإهانَةِ وهي الإطْراحُ إذْلالًا واحْتِقارًا.
2:91Page 14
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ نُؤۡمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَيَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَهُمۡۗ قُلۡ فَلِمَ تَقۡتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبۡلُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٩١
And when it is said to them, "Believe in what Allāh has revealed," they say, "We believe [only] in what was revealed to us." And they disbelieve in what came after it, while it is the truth confirming that which is with them. Say, "Then why did you kill the prophets of Allāh before, if you are [indeed] believers?"
ولَمّا أقامَ سُبْحانَهُ الدَّلِيلَ عَلى اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْخُلُودِ في النّارِ بِكُفْرِهِمْ بِالكِتابِ الَّذِي كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِالآتِي بِهِ أقامَ دَلِيلًا آخَرَ عَلى ذَلِكَ أبْيَنَ مِنهُ وذَلِكَ بِكُفْرِهِمْ بِكِتابِهِمْ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَقَضُوا عُهُودَ كِتابِهِمْ،
﴿آمِنُوا بِما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الَّذِي لَهُ (p-٤٧)الأمْرُ كُلُّهُ مُطْلَقًا، وعَلى جِهَةِ العُمُومِ مِنَ الكُتُبِ والصُّحُفِ.
ولَمّا رَفَعَ مِقْدارَهم بِالدُّعاءِ إلى الإيمانِ بِما أسْنَدَ إلى هَذا الِاسْمِ الأعْظَمِ،
﴿قالُوا﴾ تَسْفِيلًا لِأنْفُسِهِمْ،
﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْـزِلَ عَلَيْنا﴾ فَأسْقَطُوا اسْمَ مَن يُتَشَرَّفُ بِذِكْرِهِ ويُتَبَرَّكُ بِاسْمِهِ وخَصُّوا بَعْضَ ما أنْزَلَهُ، ثُمَّ عَجِبَ مِن دَعْواهم هَذِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَكْفُرُونَ﴾ أيْ: قالُوا ذَلِكَ، والحالُ أنَّهم يَكْفُرُونَ ﴿بِما وراءَهُ﴾ أيْ: وراءَ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رُسُلِهِ، وهو يَشْمَلُ ما قَبْلَ التَّوْراةِ وما بَعْدَها، لِأنَّ وراءَ يُرادُ بِها تارَةً خَلْفَ وتارَةً قُدّامَ، فَإذا قُلْتَ: زَيْدٌ ورائِي، صَحَّ أنْ يُرادَ في المَكانِ الَّذِي أُوارِيهِ أنا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن خَلْفِي فَيَكُونُ أمامِي، وأنْ يُرادَ في المَكانِ الَّذِي هو مُتَوارٍ عَنِّي فَيَكُونُ خَلْفِي. وقالَ الحَرالِّيُّ: وراءَ ما لا يَنالُهُ الحِسُّ ولا العِلْمُ حَيْثُ ما كانَ مِنَ المَكانِ، فَرُبَّما اجْتَمَعَ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ وراءَ مِن حَيْثُ إنَّهُ (p-٤٨)لا يُعْلَمُ ويَكُونُ أمامًا في المَكانِ، انْتَهى.
﴿وهُوَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّ ذَلِكَ الَّذِي وراءَهُ هو: ﴿الحَقُّ﴾ الواصِلُ إلى أقْصى غاياتِهِ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ ”ألْ“، قالَ الحَرالِّيُّ: فَأنْهاهُ لِغايَةِ الحَقِّ بِكَلِمَةِ ”ال“ لِأنَّ ما ثَبَتَ ولا زَوالَ لَهُ لِانْتِهائِهِ هو: ”الحَقُّ“، وما ثَبَتَ وقْتًا ما ثُمَّ يَتَعَقَّبُهُ تَكْمِلَةً أوْ يَقْبَلُ زِيادَةً فَإنَّما هو ”حَقٌّ“ مُنَكَّرُ اللَّفْظِ، فَإنْ بَيْنَ المَعْرُوفِ بِكَلِمَةِ ”ال“ وبَيْنَ المُنَكَّرِ أشَدَّ التَّفاوُتِ في المَعْنى، انْتَهى.
﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾ فَصَحَّ أنَّهم كافِرُونَ بِما عِنْدَهم، لِأنَّ المُكَذِّبَ بِالمُصَدِّقِ لِشَيْءٍ مُكَذِّبٌ بِذَلِكَ الشَّيْءِ. (p-٤٩)ثُمَّ كَشَفَ سِتْرَ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ بِأبْيَنِ نَقْضٍ فَقالَ: ﴿قُلْ فَلِمَ﴾ أيْ: تَسَبَّبَ عَنْ دَعْواكم هَذِهِ أنْ يُقالَ لَكم: لِمَ ﴿تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ﴾ المَلِكِ الأعْظَمِ مَعَ أنَّ كِتابَكم مُحَرِّمٌ لِمُطْلَقِ القَتْلِ فَكَيْفَ بِقَتْلِ الأنْبِياءِ ! ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ كُفْرَهم بِهَذا القَتْلِ إنَّما هو بِطْرِيقِ الرِّضى بِقَتْلِ أسْلافِهِمْ بِقَوْلِهِ مُثْبِتًا الجارَّ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ مِنهم في بَعْضِ الأزْمانِ الماضِيَةِ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ وفي صِيغَةِ المُضارِعِ تَصْوِيرٌ لِشَناعَةِ هَذا القَتْلِ بِتِلْكَ الحالِ الفَظِيعَةِ ورَمْزٌ إلى أنَّهم لَوْ قَدَرُوا الآنَ فَعَلُوا فِعْلَهم، لَأنَّ التَّقْدِيرَ: وتُصِرُّونَ عَلى قَتْلِهِمْ مِن بَعْدُ؛ وفِيهِ إيماءٌ إلى حِرْصِهِمْ عَلى قَتْلِ النَّبِيِّ ﷺ تَحْذِيرًا مِنهم، ولَقَدْ صَدَقَ هَذا الإيماءُ الواقِعُ، فَقَدْ عَزَمَ بَنُو النَّضِيرِ عَلى أنْ يُلْقُوا عَلَيْهِ صَخْرَةً، وسَمَّهُ أهْلُ خَيْبَرَ، ثُمَّ أوْرَدَ مَضْمُونَ دَعْواهم بِأداةِ الشَّكِّ فَقالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إشْعارًا بِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ (p-٥٠)لا يَصْدُرُ مِن مُتَلَبِّسٍ بِالإيمانِ.
2:92Page 14
۞ وَلَقَدۡ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ ٩٢
And Moses had certainly brought you clear proofs. Then you took the calf [in worship] after that, while you were wrongdoers.
ولَمّا دَلَّ عَلى كَذِبِهِمْ في دَعْوى الإيمانِ بِما فَعَلُوا بَعْدَ مُوسى مِمّا اسْتَحَقُّوا بِهِ الخُلُودَ في النّارِ أقامَ دَلِيلًا آخَرَ أقْوى مِن كُلِّ ما تَقَدَّمَهُ، فَإنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ إلَيْهِمْ في التَّوْراةِ ما عُهِدَ إلَيْهِمْ في التَّوْحِيدِ والبُعْدِ عَنِ الإشْراكِ وهو في النُّسَخِ المَوْجُودَةِ بَيْنَ أظْهُرِهِمُ الآنَ، وقَدْ نَقَضُوا جَمِيعَ ذَلِكَ بِاتِّخاذِ العِجْلِ في أيّامِ مُوسى وبِحَضْرَةِ هارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ كَما هو مَنصُوصٌ الآنَ فِيما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنها فَقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ﴾ مِنَ الآياتِ.
ولَمّا كانَ كُفْرُهم مَعَ ذَلِكَ في غايَةِ الِاسْتِبْعادِ عَبَّرَ عَنْهُ بِأداتِهِ مُصَوِّرًا لِزِيادَةِ قُبْحِهِ بِتَرَتُّبِهِ عَلى أظْهَرِ البَيانِ ومُوَبِّخًا لَهم فَقالَ: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ﴾ أيْ: مَعَ العِلاجِ لِفِطَرِكُمُ الأُولى وعُقُولِكُمُ السَّلِيمَةِ ﴿العِجْلَ﴾ ونَبَّهَ بِالجارِّ (p-٥١)عَلى أنَّ الِاتِّخاذَ في بَعْضِ زَمَنِ البَعْدِ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: بَعْدَ مُفارَقَةِ مُوسى لَكم إلى الطُّورِ كَما في الآيَةِ الأُخْرى،
﴿فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ [طه: ٨٥] ﴿وأنْتُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّكم ﴿ظالِمُونَ﴾ أيْ: لَمْ تَزْعُمُوا أنَّهُ إلَهُكم عَلى جَهْلٍ مِنكم بَلْ بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّناتِ إلَيْكم أنَّ إلَهَكم إنَّما هو اللَّهُ الَّذِي أنْقَذَكم مِنَ العُبُودِيَّةِ وأراكم مِنَ العَجائِبِ الخَوارِقِ ما لا يَقْبَلُ شَكًّا وسَمِعْتُمْ كَلامَهُ فَعَلِمْتُمْ أنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا يُشْبِهُ الجِسْمَ، فَلَمْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ إلّا لِأنَّ الظُّلْمَ -وهُوَ المَشْيُ عَلى غَيْرِ نِظامٍ خَبْطَ عَشْواءَ- وصْفٌ لَكم لازِمٌ.
2:93Page 14
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱسۡمَعُواْۖ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَأُشۡرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡعِجۡلَ بِكُفۡرِهِمۡۚ قُلۡ بِئۡسَمَا يَأۡمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَٰنُكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٩٣
And [recall] when We took your covenant and raised over you the mount, [saying], "Take what We have given you with determination and listen." They said [instead], "We hear and disobey." And their hearts absorbed [the worship of] the calf because of their disbelief. Say, "How wretched is that which your faith enjoins upon you, if you should be believers."
(p-٥٢)ثُمَّ ذَكَرَ أمْرًا آخَرَ هو أبْيَنُ في عِنادِهِمْ وأنَّهم إنَّما هم مَعَ الهَوى فَقالَ مُقْبِلًا عَلى خِطابِهِمْ لِأنَّهُ أشَدُّ في التَّقْرِيعِ: ﴿وإذْ أخَذْنا﴾ وأظْهَرَهُ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ تَصْوِيرًا لِمَزِيدِ جُرْأتِهِمْ،
﴿مِيثاقَكُمْ﴾ عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ،
﴿ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾: الجَبَلَ العَظِيمَ الَّذِي جَعَلْناهُ زاجِرًا لَكم عَنِ الرِّضى بِالإقامَةِ في حَضِيضِ الجَهْلِ ورافِعًا إلى أوْجِ العِلْمِ، وقُلْنا لَكم وهو فَوْقَكم: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ﴾ مِنَ الأُصُولِ والفُرُوعِ في هَذا الكِتابِ العَظِيمِ ﴿بِقُوَّةٍ﴾
ولَمّا كانَتْ فائِدَةُ السَّماعِ القَبُولَ ومَن سَمِعَ فَلَمْ يَقْبَلْ كانَ كَمَن لَمْ يَسْمَعْ قالَ: ﴿واسْمَعُوا﴾ وإلّا دَفَنّاكم بِهِ، وذَلِكَ حَيْثُ يَكْفِي غَيْرَكم في التَّأْدِيبِ رَفْعُ الدِّرَّةِ والسَّوْطِ عَلَيْهِ فَيَنْبَعِثُ لِلتَّعَلُّمِ الَّذِي أكْثَرُ النُّفُوسِ الفاضِلَةِ تَتَحَمَّلُ فِيهِ المَشاقَّ الشَّدِيدَةَ لِما لَهُ مِنَ الشَّرَفِ ولَها بِهِ مِنَ الفَخارِ؛ (p-٥٣)ولَمّا ضَلُّوا بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ الكُبْرى وشِيكًا مَعَ كَوْنِها مُقْتَضِيَةً لِلثَّباتِ عَلى الإيمانِ بَعْدَ أخْذِ المِيثاقِ الَّذِي لا يَنْقُضُهُ ذُو مُرُوءَةٍ فَكانَ ضَلالُهم بَعْدَهُ مُنْبِئًا عَنْ أنَّ العِنادَ لَهم طَبْعٌ لازِمٌ فَكانُوا كَأنَّهم عِنْدَ إعْطاءِ العَهْدِ عاصُونَ قالَ مُتَرْجِمًا عَنْ أغْلَبِ أحْوالِ أكْثَرِهِمْ في مَجْمُوعِ أزْمانِهِمْ وهو ما عَبَّرَ عَنْهُ في الآيَةِ السّالِفَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [البقرة: ٦٤] مُؤْذِنًا بِالغَضَبِ عَلَيْهِمْ بِالإعْراضِ عَنْ خِطابِهِمْ بَعْدَ إفْحامِهِمْ بِالمُواجَهَةِ في تَقْرِيعِهِمْ حَيْثُ ناقَضُوا ما قالَ لَهم مِنَ السَّماعِ النّافِعِ لَهم فَأخْبَرُوا أنَّهم جَعَلُوهُ ضارًّا،
﴿قالُوا سَمِعْنا﴾ أيْ: بِآذانِنا،
﴿وعَصَيْنا﴾ أيْ: وعَمِلْنا بِضِدِّ ما سَمِعْنا؛ وساقَهُ لِغَرابَتِهِ مَساقَ جَوابِ سائِلٍ كَأنَّهُ قالَ: رَفَعَ الطُّورَ فَوْقَهم أمْرٌ هائِلٌ جِدًّا (p-٥٤)مُقْتَضٍ لِلْمُبادَرَةِ إلى إعْطاءِ العَهْدِ ظاهِرًا وباطِنًا والثَّباتِ عَلَيْهِ فَما فَعَلُوا ؟ فَقِيلَ: بادَرُوا إلى خِلافِ ذَلِكَ،
﴿وأُشْرِبُوا﴾ فَأعْظَمَ الأمْرَ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ ثُمَّ إلى قُلُوبِهِمْ، وهو مِنَ الإشْرابِ وهو مُداخَلَةُ نافِذَةٍ سائِغَةٍ كالشَّرابِ وهو الماءُ المُداخِلُ كُلِّيَّةَ الجِسْمِ لِلَطافَتِهِ ونُفُوذِهِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
وقالَ الكَشّافُ: وخَلْطُ لَوْنٍ بِلَوْنٍ؛ ﴿فِي قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ أيْ: حُبَّهُ وحَذَفَهُ لِلْإيذانِ بِشِدَّةِ التَّمَكُّنِ بِحَيْثُ صارَ المُضافُ هو المُضافُ إلَيْهِ ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَن أعْرَضَ عَنِ امْتِثالِ الأمْرِ اسْتَحَقَّ الإبْعادَ عَنْ مَقامِ الأُنْسِ.
قالَ الإمامُ أبُو الحَسَنِ الحَرالِّيُّ في المِفْتاحِ البابِ الثّامِنِ في وُجُوهِ بَيانِ الإقْبالِ والإعْراضِ في القُرْآنِ: اعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَرْبُوبٍ يُخاطَبُ بِحَسَبِ ما (p-٥٥)فِي وُسْعِهِ لَقِنُهُ ويُنْفى عَنْهُ ما لَيْسَ في وُسْعِهِ لَقِنُهُ فَلِكُلِّ سِنٍّ مِن أسْنانِ القُلُوبِ خِطابُ إقْبالٍ بِحَسَبِ لَقِنِهِ، ورُبَّما كانَ لَهُ إباءٌ عَنْ بَعْضِ ذَلِكَ فَيَقَعُ عَنْهُ الإعْراضُ بِحَسَبِ بادِي ذَلِكَ الإباءِ، ورُبَّما تَلافَتْهُ النِّعْمَةُ فَعادَ الإقْبالُ إلَيْهِ بِوَجْهٍ ما دُونَ صَفاءِ الإقْبالِ الأوَّلِ، ورُبَّما تَناسَقَتِ الإقْبالاتُ مُتَرَتِّبَةً فَيَعْلُو البَيانُ والإفْهامُ بِحَسَبِ رُتْبَةِ مَن تَوَجَّهَ إلَيْهِ الإقْبالُ، ويَشْتَدُّ الإدْبارُ بِحَسَبِ بادِي الإدْبارِ، ورُبَّما تَراجَعَ لَفَفُ البَيانِ فِيها بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، فَخِطابُ الإقْبالِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ أعْظَمُ إفْهامٍ في القُرْآنِ،
﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] الآيَةَ،
﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ [الفرقان: ٤٧] الآيَةَ؛ تَفاوُتُ الخِطابَيْنِ بِحَسَبِ تَفاوُتِ المُخاطَبِينَ،
﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ [الأنبياء: ٣٠] أعْرَضَ عَنْهُما الخِطابَ ونَفى عَنْهم ما لَيْسَ في حالِهِمْ رُؤْيَتُهُ.
﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكُمْ﴾ خاطَبَهم وأمَرَهم، فَلَمّا عَصَوْا أعْرَضَ وجْهُ الخِطابِ عَنْهم ثُمَّ تَلافاهم بِخِطابِ لِسانِ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ لَهم، واسْتَمَرَّ إعْراضُهُ هو تَعالى عَنْهم في تَمادِي الخِطابِ،
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١] تَنَزَّلَ الخِطابُ في الرُّتْبَتَيْنِ لِيُبَيِّنَ لِلْأعْلى ما يُبَيِّنُهُ لِلْأدْنى،
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكم وأطْهَرُ﴾ [المجادلة: ١٢] (p-٥٦)وهَذا البابُ عَظِيمُ النَّفْعِ في الفَهْمِ لِمَنِ اسْتَوْضَحَ بَيانَهُ والتِفافَ مَوارِدِهِ في القُرْآنِ، انْتَهى.
والدَّلِيلُ الوُجُودِيُّ عَلى إشْرابِهِمْ حُبَّ العِجْلِ مُسارَعَتُهم إلى عِبادَةِ ما يُشْبِهُهُ في عَدَمِ الضَّرِّ والنَّفْعِ والصُّورَةِ، فَفي السِّفْرِ الرّابِعِ مِنَ التَّوْراةِ في قِصَّةِ بالاقَ مَلِكِ الأمُورانِيِّينَ الَّذِي اسْتَنْجَدَ بِلْعامَ بْنَ بَعُورَ ما نَصُّهُ: وسَكَنَ بَنُو إسْرائِيلَ ساطِيمَ، وبَدَأ الشَّعْبُ أنْ يَسْفَحَ بِبَناتِ مَوابَ ودَعَيْنَ الشَّعْبَ إلى ذَبائِحِ آلِهَتِهِمْ وأكَلَ الشَّعْبُ مِن ذَبائِحِهِمْ وسَجَدُوا لِآلِهَتِهِمْ وكَمَّلَ بَنُو إسْرائِيلَ العِبادَةَ بِعَلْيُونَ الصَّنَمِ واشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، انْتَهى.
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ عَظِيمَ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ مَعَ وقاحَتِهِمْ بِادِّعاءِ الإيمانِ والِاخْتِصاصِ بِالجِنانِ أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَقُولَ لَهم عَلى وجْهِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ مُؤَكِّدًا لِذَمِّهِمْ بِالتَّعْبِيرِ بِما وُضِعَ لِمَجامِعِ الذَّمِّ فَقالَ: (p-٥٧)﴿قُلْ بِئْسَما﴾ أيْ: بِئْسَ شَيْئًا الشَّيْءُ الَّذِي ﴿يَأْمُرُكم بِهِ﴾ مِنَ الكُفْرِ ﴿إيمانُكُمْ﴾ هَذا الَّذِي ادَّعَيْتُمُوهُ؛ وأوْضَحَ هَذا التَّهَكُّمَ بِقَوْلِهِ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّشْكِيكِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ عَلى ما زَعَمْتُمْ، فَحَصَلَ مِن هَذا أنَّهم إمّا كاذِبُونَ في دَعْواهم، وإمّا أنَّهم أجْهَلُ الجَهَلَةِ حَيْثُ عَمِلُوا ما لا يُجامِعُهُ الإيمانُ وهم لا يَعْلَمُونَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences