Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Taha 20:9–33
ولَمّا أتْبَعَ ذَلِكَ قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُصَدَّرَةً بِاسْتِفْهامٍ مُقْتَرِنٍ بِواوِ عَطْفٍ، وأرْشَدَ ذَلِكَ إلى أنَّ المَعْنى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا، أيْ مُتَّصِفًا بِأوْصافِهِ أوْ بِشَيْءٍ مِنها لَهُ بِذَلِكَ الوَصْفِ مِثْلُ فِعْلِهِ، ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا: لا، ثَبَتَ أنْ لا مُتَّصِفَ بِشَيْءٍ مِن أوْصافِهِ، فَعَطَفَ عَلى هَذا المُقَدَّرِ قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: هَلْ عَلِمْتَ بِما ذَكَّرْناكَ بِهِ في هَذِهِ الآياتِ أنّا نُرِيدُ ما هو عَلَيْنا يَسِيرٌ بِما لَنا مِنَ القُدْرَةِ التّامَّةِ والعِلْمِ الشّامِلِ مِن إسْعادِكَ في الدّارَيْنِ بِتَكْثِيرِ أجْرِكَ، وتَفْخِيمِ أمْرِكَ، بِتَكْثِيرِ (p-٢٧١)أتْباعِكَ، وعَطَفَ عَلَيْهِ القِصَّةَ شاهِدًا مَحْسُوسًا عَلى ما لَهُ مِنَ الاتِّصافِ بِما انْتَفى عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى، ولاسِيَّما ما ذَكَرَ هُنا مِنَ الاتِّصافِ بِتَمامِ القُدْرَةِ والتَّفَرُّدِ بِالعَظَمَةِ، وأنَّهُ يُعْلِي هَذا المُصْطَفى بِإنْزالِ هَذا الذِّكْرِ عَلَيْهِ وإيصالِهِ مِنهُ إلَيْهِ النُّصْرَةَ عَلى المُلُوكِ وسائِرِ الأضْدادِ، والتَّمْكِينِ في أقْطارِ البِلادِ، وكَثْرَةِ الأتْباعِ، وإعْزازِ الأنْصارِ والوُزَراءِ والأشْياعِ، وغَيْرِ ذَلِكَ بِمِقْدارِ ما بَيْنَ ابْتِداءِ أمْرِهِما مِنَ التَّفاوُتِ، فَإنَّ ابْتِداءَ أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ أتى النّارَ لِيَقْبِسَ أهْلُهُ مِنها نارًا أوْ يَجِدَ عِنْدَها هُدىً. فَمَنَحَ بِذَلِكَ مِن هُدى الدّارَيْنِ والنُّصْرَةِ عَلى الأعْداءِ كَما سَيَقُصُّ هُنا ما مَنَحَ، وهَذا النَّبِيُّ الكَرِيمُ كانَ ابْتِداءُ أمْرِهِ أنَّهُ يَذْهَبُ إلى غارِ حِراءٍ فَيَتَعَبَّدُ اللَّيالِيَ ذَواتَ العَدَدِ، ويَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ اجْتِذابًا مِنَ الحَقِّ لَهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ بِمَدَدٍ، تَدْرِيبًا لَهُ وتَقْوِيَةً لِقَلْبِهِ، فَأتَتْهُ النُّبُوَّةُ وهو في مِضْمارِها سائِرٌ، وإلى أوْجِها بِعَزْمِهِ صائِرٌ بَلْ طائِرٌ، ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى حِينَ أتَتْهُ النُّبُوَّةُ آيَةَ العَصا واليَدِ، ومُحَمَّدٌ ﷺ كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ لا يَمُرُّ بِحَجَرٍ ولا شَجَرٍ إلّا سَلَّمَ عَلَيْهِ، كَما أسْنَدَهُ ابْنُ إسْحاقَ في السِّيرَةِ. ورَوى مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ (p-٢٧٢)ﷺ قالَ: «إنِّي لَأعْرِفُ حَجَرًا كانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أنْ أُبْعَثَ» فَقالَ تَعالى مُقَرِّرًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يَذْكُرُ لَهُ مِنهُ ما يَكْفِي في تَسْلِيَتِهِ وتَقْوِيَةِ قَلْبِهِ، وتَبْكِيتِ اليَهُودِ الَّذِينَ تَوَقَّفُوا في أمْرِهِ ﷺ وغَشُّوا قُرَيْشًا حِينَ تَكَلَّفُوا طَيَّ شُقَّةِ البَيْنِ إلَيْهِمْ ورَضُوا بِقَوْلِهِمْ لَهم [و-] عَلَيْهِمْ لِيَكُونَ فائِدَةُ الِاسْتِفْهامِ أنْ يُفْرِغَ أُذُنَهُ الشَّرِيفَةَ لِلسَّماعِ وقَلْبَهُ لِلْوَعْيِ العَظِيمِ: ﴿وهَلْ أتاكَ﴾ أيْ يا أشْرَفَ الخَلْقِ! ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾ نادِبًا إلى التَّأسِّي بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في تَحَمُّلِ أعْباءِ النُّبُوَّةِ وتَكْلِيفِ الرِّسالَةِ والصَّبْرِ عَلى مَقاماتِ الشَّدائِدِ، وشارِحًا بِذِكْرِ ما في هَذِهِ السُّورَةِ مِن سِياقِ قِصَّةِ ما أجْمَلَ مِنها في [سُورَةِ مَرْيَمَ]، ومُقَرِّرًا بِما نَظَمَهُ في أسالِيبِها ما تَقَدَّمَ أنَّهُ مَقْصِدُ السُّورَةِ مِن أنَّهُ يُسْعِدُهُ ولا يُشْقِيهِ، ويُعِزُّهُ عَلى جَمِيعِ شانِئِيهِ بِإعْزازِهِ عَلى أهْلِ بَلَدِهِ بَعْدَ إخْراجِهِمْ لَهُ، كَما أعَزَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى مَن خَرَجَ مِن بِلادِهِمْ خائِفًا يَتَرَقَّبُ، تَرْغِيبًا في الهِجْرَةِ ثالِثًا بَعْدَ ما رَغَّبَ فِيها أوَّلًا بِقِصَّةِ أصْحابِ [الكَهْفِ] [و -] ثانِيًا بِقِصَّةِ [أبِيهِ -] إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ يُعْلِي قَوْمَهُ عَلى جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ، ويُنْقِذُهم بِهِ بَعْدَ ضَعْفِهِمْ مِن كُلِّ شِدَّةٍ ويُغْنِي فَقْرَهم ويَجْعَلُهم مُلُوكَ الأرْضِ، يُذِلُّ بِهِمُ الجَبابِرَةَ، ويُهْلِكُ مَن عَلِمَ شَقاوَتَهُ مِنهم كَما فَعَلَ [بِقَوْمِ -] مُوسى، وأشارَ بِإنْجاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى (p-٢٧٣)يَدِ عَدُوِّهِ وإلْقائِهِ المَحَبَّةَ عَلَيْهِ وهِدايَةِ السَّحَرَةِ دُونَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وعِبادَةِ بَنِي إسْرائِيلَ العِجْلَ بَعْدَ ما رَأوْا مِنَ الآياتِ والنِّعَمِ والنِّقَمِ، ثُمَّ رُجُوعِهِمْ عَنْها إلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلى التَّصَرُّفِ في القُلُوبِ لِمَن كانَ يَبْخَعُ نَفْسَهُ لِكُفْرِهِمْ بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا، وكَذا ما في قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] وقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ [طه: ١٢٢] ولَعَلَّهُ أشارَ بِقَوْلِهِ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ [طه: ٢٧] إلى ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِن تَيْسِيرِ هَذا الذِّكْرِ بِلِسانِهِ، وأرْشَدَ بِدُعاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِشَرْحِ الصَّدْرِ وتَيْسِيرِ الأمْرِ وطَلَبِ وزِيرٍ مِن أهْلِهِ إلى الدُّعاءِ بِمِثْلِ ذَلِكَ حَتّى دَعا المُنَزَّلُ عَلَيْهِ هَذا القُرْآنُ بِأنْ يُؤَيِّدَ اللَّهُ الدِّينَ بِأحَدِ الرَّجُلَيْنِ، فَأيَّدَهُ بِأعْظَمِ وزِيرٍ: عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَما مَضى هَذا إلى تَمامِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ سِياقُ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هُنا، إتْمامًا لِتَبْكِيتِ اليَهُودِ عَلى تَعْلِيمِهِمْ قُرَيْشًا أنْ يَسْألُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الرُّوحِ، وما ذَكَرَ مَعَها مِن دَقائِقَ، مِن أمْرِ قِصَّةِ نَبِيِّهِمْ ﷺ، لا يَعْلَمُها أحَدٌ مِنهم أوْ إلّا حُذّاقُهُمْ، مِنها أنَّ المَوْعِدَ كانَ يَوْمَ الزِّينَةِ، ومِنها إيمانُ السَّحَرَةِ إيمانًا كامِلًا، ومِنها التَّهْدِيدُ بِتَصْلِيبِهِمْ في جُذُوعِ النَّخْلِ، ومِنها إلْقاءُ السّامِرِيِّ لِأثَرِ الرَّسُولِ، فَإنِّي لَمْ أرَ أحَدًا مِنَ اليَهُودِ يَعْرِفُ ذَلِكَ، وأخْبَرَنِي بَعْضُ فُضَلائِهِمْ أنَّهُ لا ذِكْرَ لِذَلِكَ عِنْدَهم.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ في بُرْهانِهِ: لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ قِصَّةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما مَنَحَهُ وأعْطاهُ، وقِصَصَ الأنْبِياءِ بَعْدَهُ بِما خَصَّهم بِهِ، (p-٢٧٤)وأعْقَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ [مريم: ٥٨] وكانَ ظاهِرُ الكَلامِ تَخْصِيصَ هَؤُلاءِ بِهَذِهِ المَناصِبِ العَلِيَّةِ، والدَّرَجاتِ المَنفِيَّةِ الجَلِيلَةِ لا سِيَّما وقَدْ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] كانَ هَذا مَظِنَّةَ إشْفاقٍ وخَوْفٍ فَأتْبَعَهُ تَعالى بِمُلاطَفَةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ مُلاطَفَةَ المَحْبُوبِ المُقَرَّبِ [المُجْتَبى -] فَقالَ ﴿ما أنْـزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه: ٢] وأيْضًا فَقَدْ خُتِمَتْ سُورَةُ مَرْيَمَ بِقَوْلِهِ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ أوْ تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧] وقَدْ رَأى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن تَأخُّرِ قُرَيْشٍ عَنِ الإسْلامِ ولَدَدِها ما أوْجَبَ إشْفاقَهُ وخَوْفَهُ عَلَيْهِمْ. ولا شَكَّ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُحْزِنُهُ تَأْخِيرُ إيمانِهِمْ، ولِذَلِكَ قِيلَ لَهُ ”ولًّا تُحْزِنُ عَلَيْهِمْ“ فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ظَنَّ أنَّهُ يُسْتَصْعَبُ المَقْصُودُ مِنَ اسْتِجابَتِهِمْ، أوْ يَنْقَطِعُ الرَّجاءُ مِن إنابَتِهِمْ فَيَطُولُ العَناءُ والمَشَقَّةُ، فَبَشَّرَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ما أنْـزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه: ٢] فَلا عَلَيْكَ مِن لَدَدِ هَؤُلاءِ وتَوَقُّفِهِمْ، فَيَسْتَجِيبُ مَنِ انْطَوى عَلى الخَشْيَةِ إذا ذُكِّرَ وحُرِّكَ إلى النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ كَما قِيلَ [لَهُ -] في مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يس: ٧٦] ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ تَعْرِيفًا وتَأْنِيسًا بِقَوْلِهِ ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] إلى أوَّلِ قِصَصِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ أنَّ الكُلَّ خَلْقُهُ ومِلْكُهُ، وتَحْتَ قَهْرِهِ وقَبْضَتِهِ لا يَشِذُّ شَيْءٌ عَنْ مِلْكِهِ. (p-٢٧٥)فَإذا شاهَدَ آيَةَ مَن وفَّقَهُ لَمْ يَصْعُبْ أمْرُهُ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وما كانَ مِنهُ في إلْقائِهِ صَغِيرًا في اليَمِّ، وما جَرى بَعْدَ ذَلِكَ مِن عَجِيبِ الصُّنْعِ وهَلاكِ فِرْعَوْنَ وظُهُورِ بَنِي إسْرائِيلَ، وكُلُّ هَذا مِمّا يُؤَكِّدُ القَصْدَ المُتَقَدِّمَ، وهَذا الوَجْهُ الثّانِي أوْلى مِنَ الأوَّلِ - واللَّهُ أعْلَمُ، انْتَهى.
20:10Page 312
إِذۡ رَءَا نَارٗا فَقَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِقَبَسٍ أَوۡ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدٗى ١٠
When he saw a fire and said to his family, "Stay here; indeed, I have perceived a fire; perhaps I can bring you a torch or find at the fire some guidance."
﴿إذْ﴾ أيْ حَدِيثُهُ حِينَ ﴿رَأى نارًا﴾ وهو راجِعٌ مِن بِلادِ مَدْيَنَ ﴿فَقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾ أيْ مَكانَكم واتْرُكُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ السَّيْرِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ أمْرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي آنَسْتُ﴾ أيْ أبْصَرْتُ في هَذا الظَّلامِ إبْصارًا بَيِّنًا لا شُبْهَةَ فِيهِ مِن إنْسانِ العَيْنِ الَّذِي تَبِينُ بِهِ الأشْياءُ، وهو مَعَ ذَلِكَ مِمّا يُسَرُّ مِنَ الإنْسِ الَّذِينَ هم ظاهِرُونَ ما تَرَكَ بِهِمْ ﴿نارًا﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ، فَكانَ ماذا؟ فَقالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّرَجِّي لِتَخْصِيصِهِ الخَبَرَ الَّذِي عَبَّرَ بِهِ في النَّمْلِ بِالهُدى: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ﴾ أيْ أتَرَجّى أنْ أجِيئَكم ﴿مِنها بِقَبَسٍ﴾ أيْ بِشُعْلَةٍ مِنَ النّارِ في رَأْسِ حَطَبَةٍ فِيها جَمْرَةٌ تُعِينُ عَلى بَرْدِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ ﴿أوْ أجِدُ عَلى﴾ مَكانِ ﴿النّارِ هُدًى﴾ أيْ ما أهْتَدِي بِهِ لِأنَّ الطَّرِيقَ كانَتْ قَدْ خَفِيَتْ عَلَيْهِمْ
20:11Page 312
فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِيَ يَٰمُوسَىٰٓ ١١
And when he came to it, he was called, "O Moses,
﴿فَلَمّا أتاها﴾ .
ولَمّا كانَ في الإبْهامِ ثُمَّ التَّعْيِينِ تَشْوِيقٌ ثُمَّ تَعْظِيمٌ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿نُودِيَ﴾ مِنَ الهادِي الَّذِي لا هادِيَ غَيْرُهُ؛ ثُمَّ بَيَّنَ النِّداءَ بِقَوْلِهِ: (p-٢٧٦)﴿يا مُوسى﴾ ولَمّا كانَ المَقامُ لِلتَّعْرِيفِ بِالأيادِي تَلَطُّفًا، قالَ مُؤَكِّدًا، تَنْبِيهًا [لَهُ -] عَلى تَعَرُّفِ أنَّهُ كَلامُهُ سُبْحانَهُ مِن جِهَةِ أنَّهُ يَسْمَعُهُ مِن غَيْرِ جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ [و-] عَلى غَيْرِ الهَيْئَةِ الَّتِي عَهِدَها في مُكالَمَةِ المَخْلُوقِينَ، مُسْقِطًا الجارَّ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو وأبِي حَفْصٍ بِالفَتْحِ، وحاكِيًا [بِقَوْلٍ -] مُقَدَّرٍ عِنْدَ الباقِينَ:
20:12Page 312
إِنِّيٓ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخۡلَعۡ نَعۡلَيۡكَ إِنَّكَ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوٗى ١٢
Indeed, I am your Lord, so remove your sandals. Indeed, you are in the blessed valley of Ṭuwā.
﴿إنِّي أنا رَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ بِالخَلْقِ والرِّزْقِ وغَيْرِهِما مِن مَصالِحِ الدّارَيْنِ ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ كَما يُفْعَلُ بِحَضَراتِ المُلُوكِ أدَبًا، ولِتَنالَكَ بَرَكَتُها ولِتَكُونَ مُهَيَّأً لِلْإقامَةِ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلى ما وراءَكَ مِنَ الأهْلِ والوَلَدِ، ولِهَذا قالَ أهْلُ العِبارَةِ: النَّعْلُ يَدُلُّ عَلى الوَلَدِ.
ثُمَّ عَلَّلَ بِما يُرْشِدُ إلى أنَّهُ تَعالى لا يَحْوِيهِ مَكانٌ ولا يَجْرِي عَلَيْهِ زَمانٌ فَقالَ: ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ﴾ أيِ المُطَهَّرِ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِأفْنِيَةِ المُلُوكِ؛ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿طُوًى﴾ ولَمّا كانَ المَعْنى: فَإنِّي اخْتَرْتُهُ تَشْرِيفًا لَهُ مِن بَيْنِ البِقاعِ لِمُناجاتِكَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ:
20:13Page 313
وَأَنَا ٱخۡتَرۡتُكَ فَٱسۡتَمِعۡ لِمَا يُوحَىٰٓ ١٣
And I have chosen you, so listen to what is revealed [to you].
﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾ أيْ لِلنُّبُوَّةِ ﴿فاسْتَمِعْ﴾ أيْ أنْصِتْ مُلْقِيًا سَمْعَكَ مُعْمِلًا قَلْبَكَ لِلسَّماعِ ﴿لِما﴾ أيِ اخْتَرْتُكَ لِلَّذِي، وقَدَّمَ ”اسْتَمِعْ“ اهْتِمامًا بِهِ ﴿يُوحى﴾ أيْ يُقالُ لَكَ مِنِّي سِرًّا مَسْتُورًا عَنْ غَيْرِكَ [سَماعُهُ -] وإنْ كانَ في غايَةِ الجَهْرِ، كَما يَفْعَلُ الحَبِيبُ مَعَ حَبِيبِهِ مِن صِيانَةِ حَدِيثِهِما عَنْ ثالِثٍ (p-٢٧٧)بِما يَجْعَلُ لَهُ مِنَ الخَلْوَةِ إعْلامًا بِعُلُوِّ قَدْرِهِ وفَخامَةِ أمْرِهِ؛
20:14Page 313
إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ ١٤
Indeed, I am Allāh. There is no deity except Me, so worship Me and establish prayer for My remembrance.
ثُمَّ فَسَّرَ المُوحى بِأوَّلِ الواجِباتِ وهو مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى؛ فَقالَ [مُؤَكِّدًا لِعِظَمِ الخَبَرِ وخُرُوجِهِ عَنِ العاداتِ -]: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ﴾ فَذَكَرَ الِاسْمَ العَلَمَ لِأنَّ هَذا مَقامُهُ إذِ الأنْسَبُ لِلْمَلْطُوفِ بِهِ - بَعْدَ التَّعَرُّفِ إلَيْهِ بِالإكْرامِ - الإقامَةُ في مَقامِ الجَلالِ والجَمالِ.
ولَمّا كانَ هَذا الِاسْمُ العَلَمُ جامِعًا لِجَمِيعِ مَعانِي الأسْماءِ الحُسْنى الَّتِي عَلَتْ عَنْ أنْ يَتَّصِفَ بِها أوْ بِشَيْءٍ مِنها حَقَّ الِاتِّصافِ غَيْرُهُ تَعالى، حَسُنَ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلا أنا﴾ ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ وُجُوبُ إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، قالَ: ﴿فاعْبُدْنِي﴾ أيْ وحْدِي: ثُمَّ خَصَّ مِن بَيْنِ العِباداتِ مَعْدِنَ الأُنْسِ والخَلْوَةِ، وآيَةَ الخُضُوعِ والمُراقَبَةِ ورُوحَ الدِّينِ فَقالَ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ﴾ أيِ الَّتِي أضاعَها خُلُوفُ السُّوءِ، إشارَةً إلى أنَّها المَقْصُودُ بِالذّاتِ مِنَ الدِّينِ، لِأنَّها أعْلى شَرائِعِهِ لِأنَّها حامِلَةٌ عَلى المُراقَبَةِ، بِما فِيها مِن دَوامِ الذِّكْرِ والإعْراضِ عَنْ كُلِّ سُوءٍ، وذَلِكَ مَعْنى ﴿لِذِكْرِي﴾ وذَلِكَ أنْسَبُ الأشْياءِ لِمَقامِ الجَلالِ، بَلْ هي الجامِعَةُ لِمَظْهَرَيِ الجَمالِ والجَلالِ؛
20:15Page 313
إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخۡفِيهَا لِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا تَسۡعَىٰ ١٥
Indeed, the Hour is coming - I almost conceal it1 - so that every soul may be recompensed according to that for which it strives.
ثُمَّ عَلَّلَ الأمْرَ بِالعِبادَةِ بِأنَّهُ لَمْ يَخْلُقِ الخَلْقَ سُدىً، بَلْ لا بُدَّ مِن إماتَتِهِمْ، ثُمَّ بَعْثِهِمْ لِإظْهارِ العَظَمَةِ ونَصْبِ مَوازِينِ العَدْلِ، فَقالَ [مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمْ مُعَبِّرًا بِما يَدُلُّ عَلى سُهُولَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ جِدًّا -]: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ أيْ لا رَيْبَ في إتْيانِها، فَهي أعْظَمُ باعِثٍ عَلى الطّاعَةِ.
(p-٢٧٨)ولَمّا كانَ بَيانُ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ مَعَ إخْفاءِ شَخْصِهِ ووَقْتِهِ وجَمِيعِ أحْوالِهِ مُوجِبًا في الغالِبِ لِنِسْيانِهِ والإعْراضِ عَنْهُ، فَكانَ غَيْرَ بَعِيدٍ مِن إخْفائِهِ أصْلًا ورَأْسًا، قالَ مُشِيرًا إلى هَذا المَعْنى: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ [أيْ أقْرُبُ مِن أنْ أُجَدِّدَ إخْفاءَها، فَلِذا يُكَذِّبُ بِها الكافِرُ بِلِسانِهِ والعاصِي بِعِصْيانِهِ فالكافِرُ لا يُصَدِّقُ بِكَوْنِها والمُؤْمِنُ لا يَسْتَعِدُّ غَفْلَةً عَنْها -]، فَراقِبْنِي فَإنَّ الأمْرَ يَكُونُ بَغْتَةً، ما مِن لَحْظَةٍ إلّا وهي صالِحَةٌ لِلتَّرَقُّبِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ الإتْيانِ بِها بِقَوْلِهِ: ﴿لِتُجْزى﴾ أيْ بِأيْسَرِ أمْرٍ وأنْفَذِهِ ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ كائِنَةً مَن كانَتْ ﴿بِما تَسْعى﴾ أيْ تُوجِدُ مِنَ السَّعْيِ في كُلِّ وقْتٍ كَما يَفْعَلُ مَن أمَرَ ناسًا بِعَمَلٍ مِنَ النَّظَرِ في أعْمالِهِمْ ومُجازاةِ كُلٍّ بِما يَسْتَحِقُّ.
20:16Page 313
فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنۡهَا مَن لَّا يُؤۡمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَتَرۡدَىٰ ١٦
So do not let one avert you from it1 who does not believe in it and follows his desire, for you [then] would perish.
ولَمّا كانَتْ - لِما تَقَدَّمَ - في حُكْمِ المَنسِيِّ عِنْدَ أغْلَبِ النّاسِ قالَ: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾ أيْ إدامَةِ ذِكْرِها لِيُثْمِرَ التَّشْمِيرَ في الِاسْتِعْدادِ لَها ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ بِإعْراضِهِ عَنْها وحَمْلِهِ غَيْرَهُ عَلى ذَلِكَ بِتَزْيِينِهِ بِما أُوتِيَ مِنَ المَتاعِ المُوجِبِ لِلْمُكاثَرَةِ المُثْمِرَةِ لِامْتِلاءِ القَلْبِ بِالمُباهاةِ والمُفاخَرَةِ، فَإنَّ مَنِ انْصَدَّ عَنْ ذَلِكَ غَيْرُ بَعِيدِ الحالِ مِمَّنْ كَذَّبَ بِها، (p-٢٧٩)والمَقْصُودُ مِنَ العِبارَةِ نَهْيُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ التَّكْذِيبِ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِنَهْيِ مَن لا يُؤْمِنُ عَنِ الصَّدِّ إجْلالًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولِأنَّ [صَدَّ -] الكافِرِ عَنِ التَّصْدِيقِ سَبَبٌ لِلتَّكْذِيبِ فَذَكَرَ السَّبَبَ لِيَدُلَّ عَلى المُسَبَّبِ، ولِأنَّ صَدَّ الكافِرِ مُسَبَّبٌ عَنْ رَخاوَةِ الرَّجُلِ في الدِّينِ ولِينِ شَكِيمَتِهِ فَذَكَرَ المُسَبَّبَ لِيَدُلَّ عَلى السَّبَبِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: كُنْ شَدِيدَ الشَّكِيمَةِ صَلِيبَ المُعْجَمِ، لِئَلّا يَطْمَعَ أحَدٌ في صَدِّكَ وإنْ كانَ الصّادُّ هُمُ الجَمَّ الغَفِيرَ، فَإنَّ كَثْرَتَهم تَصِلُ إلى الهَوى لا إلى البُرْهانِ، وفي هَذا حَثٌّ عَظِيمٌ عَلى العَمَلِ بِالدَّلِيلِ، وزَجْرٌ بَلِيغٌ عَنِ التَّقْلِيدِ، وإنْذارٌ بِأنَّ الهَلاكَ والرَّدى مَعَ التَّقْلِيدِ وأهْلِهِ نَبَّهَ عَلَيْهِ الكَشّافُ. ثُمَّ بَيَّنَ العِلَّةَ في التَّكْذِيبِ بِها والكَسَلِ عَنِ التَّشْمِيرِ لَها بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّبَعَ﴾ أيْ بِغايَةِ جُهْدِهِ ﴿هَواهُ﴾ فَكانَ حالُهُ حالَ البَهائِمِ الَّتِي لا عَقْلَ لَها، تَنْفِيرًا عَنْ مِثْلِ حالِهِ؛ ثُمَّ أعْظَمَ التَّحْذِيرَ بِقَوْلِهِ [مُسَبِّبًا -]: ﴿فَتَرْدى﴾ أيْ فَتَهْلِكُ، إشارَةً إلى أنَّ مَن تَرَكَ المُراقَبَةَ لَحْظَةً حادَ عَنِ الدَّلِيلِ، ومَن حادَ عَنِ الدَّلِيلِ هَلَكَ.
ولَمّا كانَ المَقامُ مُرْشِدًا إلى أنْ يُقالَ: ما جَوابُكَ يا مُوسى عَمّا سَمِعْتَ؟ وكانَ تَعالى عالِمًا بِأنَّهُ يُبادِرُ إلى الجَوابِ بِالطّاعَةِ في كُلِّ ما تَقَدَّمَ، طَوى هَذا المَقالَ مُؤْمِيًا إلَيْهِ بِأنْ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما تِلْكَ﴾ أيِ العالِيَةُ المِقْدارِ (p-٢٨٠)﴿بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ مُرِيدًا - بَعْدَ تَأْنِيسِهِ بِسُؤالِهِ عَمّا هو أعْلَمُ بِهِ مِنهُ - إقامَةَ البَيِّنَةِ لَدَيْهِ بِما يَكُونُ دَلِيلًا عَلى السّاعَةِ مِن سُرْعَةِ القُدْرَةِ عَلى إيجادِ ما لَمْ يَكُنْ، بِقَلْبِ العَصا حَيَّةً بَعْدَ تَحَقُّقِ أنَّها عَصاةٌ بِقُرْبِ النَّظَرِ إلَيْها عِنْدَ السُّؤالِ عَنْها لِيَزْدادَ بِذَلِكَ ثَباتًا ويُثَبِّتَ مَن يُرْسَلُ إلَيْهِمْ
20:18Page 313
قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّؤُاْ عَلَيۡهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخۡرَىٰ ١٨
He said, "It is my staff; I lean upon it, and I bring down leaves for my sheep and I have therein other uses."
﴿قالَ هِيَ﴾ أيْ ظاهِرًا وباطِنًا ﴿عَصايَ﴾ ثُمَّ وصَلَ بِهِ مُسْتَأْنِسًا بِلَذِيذِ المُخاطَبَةِ قَوْلَهُ بَيانًا لِمَنافِعِها خَوْفًا مِنَ الأمْرِ بِإلْقائِها كالنَّعْلِ: ﴿أتَوَكَّأُ﴾ أيْ أعْتَمِدُ وأرْتَفِقُ وأتَمَكَّنُ ﴿عَلَيْها﴾ أيْ إذا أُعْيِيتُ أوْ عَرَضَ لِي ما يُحْوِجُنِي إلى ذَلِكَ مِن زَلَقٍ أوْ هُبُوطٍ أوْ صُعُودٍ أوْ طَفْرَةٍ أوْ ظَلامٍ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ ثُمَّ ثَنّى بَعْدَ مَصْلَحَةِ نَفْسِهِ بِأمْرِ رَعِيَّتِهِ فَقالَ: ﴿وأهُشُّ﴾ أيْ أخْبِطُ الوَرَقَ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ القاسِمِ عَنِ الإمامِ مالِكٍ: والهَشُّ أنْ يَضَعَ المِحْجَنَ في الغُصْنِ ثُمَّ يُحَرِّكَهُ حَتّى يُسْقِطَ ورَقَهُ وثَمَرَهُ ولا يَكْسِرَ العُودَ ولا يَخْبِطَ [فَهَذا الهَشُّ -]، قالَ: وكَذا قالَ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرانَ، وقالَ أبُو حَيّانَ: والأصْلُ في هَذِهِ المادَّةِ الرَّخاوَةُ.
يُقالُ: رَجُلٌ هَشٌّ.
﴿بِها عَلى غَنَمِي﴾
ولَمّا كانَ أكْمَلَ [أهْلِ -] ذَلِكَ الزَّمانِ، خافَ التَّطْوِيلَ عَلى المَلِكِ فَقَطَعَ عَلى نَفْسِهِ ما هو فِيهِ مِن لَذَّةِ المُخاطَبَةِ كَما قِيلَ: اجْلِسْ عَلى (p-٢٨١)البِساطِ وإيّاكَ والِانْبِساطَ، وطَمَعًا في سَماعِ كَلامِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَقالَ مُجْمِلًا: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ﴾ أيْ حَوائِجُ ومَنافِعُ يَفْهَمُها الألِبّاءُ. [ولَمّا كانَ المُحَدَّثُ عَنْهُ لا يَعْقِلُ، وأخْبَرَ عَنْهُ بِجَمْعِ كَثْرَةٍ، كانَ الأنْسَبُ مُعامَلَتَهُ مُعامَلَةَ الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ فَقالَ -]: ﴿أُخْرى﴾ تارِكًا لِلتَّفْصِيلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قِيلَ لَهُ؟ فَقِيلَ:
﴿قالَ ألْقِها﴾ أيِ العَصا، وأنَّسَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿يا مُوسى﴾
20:20Page 313
فَأَلۡقَىٰهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٞ تَسۡعَىٰ ٢٠
So he threw it down, and thereupon it was a snake, moving swiftly.
﴿فَألْقاها﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا الأمْرِ المُطاعِ أنَّهُ ألْقاها ولَمْ يَتَلَعْثَمْ ﴿فَإذا هِيَ﴾ أيْ في الحالِ ظاهِرًا وباطِنًا ﴿حَيَّةٌ﴾ عَظِيمَةٌ جِدًّا يُطْلَقُ عَلَيْها لِعِظَمِها بِنِهايَةِ أمْرِها اسْمُ الثُّعْبانِ، والحَيَّةُ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى والصَّغِيرِ والكَبِيرِ ﴿تَسْعى﴾ سَعْيًا خَفِيفًا يُطْلَقُ عَلَيْها لِأجْلِهِ في أوَّلِ أمْرِها اسْمُ الجانِّ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّها صارَتْ حَيَّةً صَفْراءَ لَها عُرْفٌ كَعُرْفِ الفَرَسِ، وجَعَلَتْ تَتَوَرَّمُ حَتّى صارَتْ ثُعْبانًا - انْتَهى. فَهي في عِظَمِ الثُّعْبانِ وسُرْعَةِ الجانِّ.
20:21Page 313
قَالَ خُذۡهَا وَلَا تَخَفۡۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلۡأُولَىٰ ٢١
[Allāh] said, "Seize it and fear not; We will return it to its former condition.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ أمْرًا مُخِيفًا، اسْتَشْرَفَ السّامِعُ إلى ما يَكُونُ مِن حالِهِ عِنْدَ مِثْلِ هَذا بَعْدَ ذَلِكَ، فاسْتَأْنَفَ إخْبارَهُ بِقَوْلِهِ -]: ﴿قالَ﴾ أيِ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلى ما يَكُونُ مِنها عِنْدَ فِرْعَوْنَ لِأجْلِ التَّدْرِيبِ: (p-٢٨٢)﴿خُذْها ولا تَخَفْ﴾ مُشِيرًا إلى أنَّهُ خافَ مِنها عَلى عادَةِ الطَّبْعِ البَشَرِيِّ؛ ثُمَّ عَلَّلَ لَهُ النَّهْيَ عَنِ الخَوْفِ بِقَوْلِهِ ﴿سَنُعِيدُها﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا عِنْدَ أخْذِكَ لَها بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿سِيرَتَها﴾ أيْ طَرِيقَتَها ﴿الأُولى﴾ مِن كَوْنِها عَصًا، فَهَذِهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى أنَّ الَّذِي يُخاطِبُكَ هو رَبُّكَ الَّذِي لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ، وبَلَغَ مِن طُمَأْنِينَتِهِ أنْ أدْخَلَ يَدَهُ في فَمِها وأخَذَ بِلِحْيَتِها، فَإذا هي عَصاهُ، ويَدُهُ بَيْنَ شُعْبَتَيْها.
20:22Page 313
وَٱضۡمُمۡ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٍ ءَايَةً أُخۡرَىٰ ٢٢
And draw in your hand to your side; it will come out white without disease - another sign,
[ولَمّا أراهُ آيَةً في بَعْضِ الآفاقِ، أرادَ أنْ يُرِيَهُ آيَةً في نَفْسِهِ فَقالَ -]: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ﴾ مِن جَيْبِكَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنهُ عُنُقُكَ ﴿إلى جَناحِكَ﴾ أيْ جَنْبِكَ تَحْتَ العَضُدِ تَنْضَمَّ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِن لَوْنِها وما بِها مِنَ الحَرِيقِ، وأخْرِجْها ﴿تَخْرُجْ﴾ فالآيَةُ مِن بابِ الِاحْتِباكِ، والجَناحُ: اليَدُ، والعَضُدُ، والإبْطُ، والجانِبُ - قالَهُ في القامُوسِ، فَلا يُعارِضُ هَذا ما في القَصَصِ لِأنَّهُ أطْلَقَ الجَناحَ هُناكَ عَلى اليَدِ وهي أحَقُّ بِهِ، وهُنا عَلى الجَنْبِ الَّذِي هو مَوْضِعُها تَسْمِيَةً لِلْمَحَلِّ بِاسْمِ الحالِّ ﴿بَيْضاءَ﴾ بَياضًا كالشَّمْسِ تَتَعَجَّبُ مِنهُ.
ولَمّا كانَ البَرَصُ أبْغَضَ شَيْءٍ إلى العَرَبِ، قالَ نافِيًا لَهُ ولِغَيْرِهِ، ولَمْ يُسَمِّهِ بِاسْمِهِ لِأنَّ أسْماعَهم لَهُ مَجّاجَةٌ، ولِأنَّ نَفْيَ الأعَمِّ مِنَ الشَّيْءِ (p-٢٨٣)أبْلَغُ مِن نَفْيِهِ بِخُصُوصِهِ: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ مَرَضٍ لا بَرَصٍ ولا غَيْرِهِ، حالَ كَوْنِها ﴿آيَةً أُخْرى﴾ افْعَلْ ما أمَرْتُكَ بِهِ مِن إلْقاءِ العَصا وضَمِّ اليَدِ، أوْ فَعَلْنا ذَلِكَ مِن إحالَةِ العَصا ولَوْنِ اليَدِ مِن مُناداتِكَ لِمُناجاتِكَ
20:23Page 313
لِنُرِيَكَ مِنۡ ءَايَٰتِنَا ٱلۡكُبۡرَى ٢٣
That We may show you [some] of Our greater signs.
﴿لِنُرِيَكَ﴾ في جَمِيعِ أيّامِ نُبُوَّتِكَ ﴿مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ لِيَثْبُتَ بِذَلِكَ جَنانُكَ، ويَزْدادَ إتْقانُكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِماذا يَفْعَلُ بِي هَذا؟ فَقِيلَ: لِنُرْسِلَكَ إلى بَعْضِ المُهِمّاتِ
20:24Page 313
ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ٢٤
Go to Pharaoh. Indeed, he has transgressed [i.e., tyrannized]."
﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾ أيْ لِتَرُدَّهُ عَنْ عُتُوِّهِ: ثُمَّ عَلَّلَ الإرْسالَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ، [مُؤَكِّدًا لِأنَّ طُغْيانَ أحَدٍ بِالنِّسْبَةِ إلى شَيْءٍ مِمّا لِلْمَلِكِ الأعْلى مِمّا يُسْتَبْعَدُ -]: ﴿إنَّهُ طَغى﴾ أيْ تَجاوَزَ حَدَّهُ مِنَ العُبُودِيَّةِ فادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ، وأشارَ إلى ما حَصَلَ لَهُ مِنَ الضِّيقِ مِن ذَلِكَ بِما عَرَفَ مِن أنَّهُ أمْرٌ عَظِيمٌ، وخَطْبٌ جَسِيمٌ، يَحْتاجُ مَعَهُ إلى احْتِمالِ ما لا يَحْتَمِلُهُ إلّا ذُو جَأْشٍ رابِطٍ وصَدْرٍ فَسِيحٍ [وقَلْبٍ ضابِطٍ -] - كَما صَرَّحَ بِهِ في [سُورَةِ الشُّعَراءِ] - بِقَوْلِهِ
20:25Page 313
قَالَ رَبِّ ٱشۡرَحۡ لِي صَدۡرِي ٢٥
[Moses] said, "My Lord, expand [i.e., relax] for me my breast [with assurance]
﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ﴾ أيْ وسِّعْ ﴿لِي﴾ ولَمّا أبْهَمَ المَشْرُوحَ لِيَكُونَ الكَلامُ أوْكَدَ بِتَكْرِيرِ المَعْنى في طَرِيقَيِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ، قالَ رافِعًا لِذَلِكَ الإبْهامِ: ﴿صَدْرِي﴾ لِلْإقْدامِ عَلى ذَلِكَ، وإلى اسْتِصْعابِهِ بِقَوْلِهِ:
﴿ويَسِّرْ لِي﴾ [ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الإبْهامَ بِقَوْلِهِ -]: ﴿أمْرِي﴾ [وإلى اسْتِعْجازِهِ نَفْسَهُ عَنِ الإبانَةِ لَهم عَنِ المُرادِ بِقَوْلِهِ -]:
(p-٢٨٤)﴿واحْلُلْ﴾ ولَمّا كانَ المَعْنى [هُنا -] ما لا يُحْتَمَلُ غَيْرُهُ [إذْ إنَّهُ لَمْ يَسْألْ بَقاءَهُ في غَيْرِ حالِ الدَّعْوَةِ -]، عَدَلَ عَنْ طَرِيقِ الكَلامِ الماضِي فَقالَ: ﴿عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ أيْ مِمّا فِيهِ مِنَ الحُبْسَةِ عَنِ الإتْيانِ بِجَمِيعِ المَقاصِدِ مِنَ الجَمْرَةِ الَّتِي وضَعَها في فِيهِ وهو عِنْدَ فِرْعَوْنَ، كَما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما،
ولَمّا كانَ سُؤالُهُ هَذا إنَّما هو لِلَّهِ، ولِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ فَلَمْ يَطْلُبْ زَوالَ الحُبْسَةِ كُلِّها، أجابَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ وإلى اعْتِقادِ صُعُوبَةِ المَقامِ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ بِطَلَبِ التَّأْيِيدِ بِنَصِيرٍ يُهِمُّهُ أمْرُهُ بِقَوْلِهِ:
20:29Page 313
وَٱجۡعَل لِّي وَزِيرٗا مِّنۡ أَهۡلِي ٢٩
And appoint for me a minister [i.e., assistant] from my family -
﴿واجْعَلْ لِي﴾ أيْ [مِمّا -] تَخُصُّنِي بِهِ؛ وبَيَّنَ اهْتِمامَهُ بِالإعانَةِ كَما يَقْتَضِيهِ الحالُ فَقَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿وزِيرًا﴾ أيْ مَلْجَأً يَحْمِلُ عَنِّي بَعْضَ الثِّقْلِ ويُعاوِنُنِي ﴿مِن أهْلِي﴾ لِأنِّي بِهِ أوْثَقُ لِكَوْنِهِ عَلَيَّ أشْفَقَ،
ثُمَّ أبْدَلَ مِنهُ قَوْلَهُ: ﴿هارُونَ﴾ وبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أخِي﴾ [أيْ -] لِأنَّهُ أجْدَرُ أهْلِي بِتَمامِ مُناصَرَتِي؛ وأجابَ الدُّعاءَ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ فَقالَ:
﴿اشْدُدْ﴾ [بِقَطْعِ الهَمْزَةِ مَفْتُوحَةً -] ﴿بِهِ أزْرِي﴾ أيْ قُوَّتِي وظَهْرِي
﴿وأشْرِكْهُ﴾ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مُسْنِدًا الفِعْلَيْنِ إلى ضَمِيرِهِ عَلى أنَّهُما مُضارِعانِ، (p-٢٨٥)وقِراءَةُ الباقِينَ بِوَصْلِ الأوَّلِ وفَتْحِ هَمْزَةِ الثّانِي عَلى أنَّهُما أمْرانِ، مُسْنَدَيْنِ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى الدُّعاءِ ﴿فِي أمْرِي﴾ أيِ النُّبُوَّةِ.
ولَمّا أفْهَمَ سُؤالُهُ هَذا أنَّ لَهُ فِيهِ أغْراضًا، أشارَ إلى أنَّها لَيْسَتْ مَقْصُودَةً لَهُ لِأمْرٍ يَعُودُ عَلى نَفْسِهِ بِذِكْرِ العِلَّةِ الحَقِيقِيَّةِ، فَقالَ: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾ أيْ بِالقَوْلِ والفِعْلِ بِالصَّلاةِ وغَيْرِها ﴿كَثِيرًا﴾ فَأفْصَحَ عَنْ أنَّ المُرادَ بِالمُعاضَدَةِ إنَّما هو لِتَمْهِيدِ الطَّرِيقِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences