Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Taha 20:34–54
ولَمّا كانَ التَّسْبِيحُ ذِكْرًا خاصًّا لِكَوْنِهِ بِالتَّنْزِيهِ الَّذِي أعْلاهُ التَّوْحِيدُ، أتْبَعَهُ العامَّ فَقالَ: ﴿ونَذْكُرَكَ﴾ أيْ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ ﴿كَثِيرًا﴾ فَإنَّ التَّعاوُنَ والتَّظاهُرَ أعْوَنُ عَلى تَزايُدِ العِبادَةِ لِأنَّهُ مُهَيِّجٌ لِلرَّغَباتِ؛
ثُمَّ عَلَّلَ طَلَبَهُ لِأخِيهِ لِأجْلِ هَذا الغَرَضِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ قَبْلَ الإقامَةِ في هَذا الأمْرِ في أنَّكَ جَبَلْتَنا عَلى ما يُلائِمُ ذِكْرَكَ وشُكْرَكَ، وأنَّ التَّعاضُدَ مِمّا يُصْلِحُنا، وكُلُّ ذَلِكَ تَدْرِيبٌ لِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ هَذا الذِّكْرُ عَلى مِثْلِهِ، وتَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ تَيْسِيرِهِ بِلِسانِهِ لِيَزْدادَ ذِكْرًا وشُكْرًا.
20:36Page 313
قَالَ قَدۡ أُوتِيتَ سُؤۡلَكَ يَٰمُوسَىٰ ٣٦
[Allāh] said, "You have been granted your request, O Moses.
ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ، كانَ مَوْضِعَ [تَوَقُّعِ -] الجَوابِ، فَأتْبَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿قالَ﴾ أيِ اللَّهُ: ﴿قَدْ أُوتِيتَ﴾ بِأسْهَلِ أمْرٍ ﴿سُؤْلَكَ﴾ أيْ ما سَألْتَهُ ﴿يا مُوسى﴾ مِن حَلِّ عُقْدَةِ لِسانِكَ وغَيْرِ ذَلِكَ ولَوْ شِئْتُ لَمْ أفْعَلْ ذَلِكَ ولَكِنِّي فَعَلْتُهُ مِنَّةً مِنِّي عَلَيْكَ.
20:37Page 313
وَلَقَدۡ مَنَنَّا عَلَيۡكَ مَرَّةً أُخۡرَىٰٓ ٣٧
And We had already conferred favor upon you another time,
ولَمّا كانَ إنْجاؤُهُ مِن فِرْعَوْنَ حَيْثُ وُلِدَ في السَّنَةِ الَّتِي يَذْبَحُ (p-٢٨٦)فِيها الأبْناءَ - قالُوا: وهي الرّابِعَةُ مِن وِلادَةِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ - بِيَدِ فِرْعَوْنَ وفي بَيْتِهِ أمْرًا عَظِيمًا، التَفَتَ إلى مَقامِ العَظَمَةِ مُذَكِّرًا لَهُ بِذَلِكَ تَنْوِيرًا لِبَصِيرَتِهِ وتَقْوِيَةً لِقَلْبِهِ، إعْلامًا بِأنَّهُ يُنْجِيهِ مِنهُ الآنَ، كَما أنْجاهُ في ذَلِكَ الزَّمانِ، ويَزِيدُهُ بِزِيادَةِ السِّنِّ والنُّبُوَّةِ خَيْرًا، فَيَجْعَلُ عِزَّهُ في هَلاكِهِ كَما جَعَلَ إذْ ذاكَ عِزَّهُ في وُجُودِهِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا﴾ أيْ أنْعَمْنا إنْعامًا مَقْطُوعًا بِهِ عَلى ما يَلِيقُ بِعَظَمَتِنا ﴿عَلَيْكَ﴾ فَضْلًا مِنّا ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾ غَيْرَ هَذِهِ؛
20:38Page 314
إِذۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ ٣٨
When We inspired to your mother what We inspired,
ثُمَّ ذَكَرَ وقْتَ المِنَّةِ فَقالَ: ﴿إذْ﴾ أيْ حِينَ ﴿أوْحَيْنا﴾ [أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ -] ﴿إلى أُمِّكَ﴾ أيْ بِالإلْهامِ ”ما“ يَسْتَحِقُّ لِعَظَمَتِهِ أنْ ”يُوحى“ بِهِ، ولا يُعْلَمُهُ إلّا نَبِيٌّ أوْ مَن هو قَرِيبٌ مِن دَرَجَةِ النُّبُوَّةِ؛
20:39Page 314
أَنِ ٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ فَلۡيُلۡقِهِ ٱلۡيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأۡخُذۡهُ عَدُوّٞ لِّي وَعَدُوّٞ لَّهُۥۚ وَأَلۡقَيۡتُ عَلَيۡكَ مَحَبَّةٗ مِّنِّي وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَيۡنِيٓ ٣٩
[Saying], 'Cast him into the chest and cast it into the river, and the river will throw it onto the bank; there will take him an enemy to Me and an enemy to him.' And I bestowed upon you love from Me1 that you would be brought up under My eye [i.e., observation and care].
ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾ أيْ ألْقِي ابْنَكِ ﴿فِي التّابُوتِ﴾ وهو الصُّنْدُوقُ، فَعْلُوتٌ مِنَ التَّوْبِ الَّذِي مَعْناهُ الرُّجُوعُ تَفاؤُلًا بِهِ، وقالَ الحَرالِّيُّ: هو وِعاءُ ما يَعُزُّ قَدْرُهُ، والقَذْفُ مَجازٌ عَنِ المُسارَعَةِ إلى وضْعِهِ مِن غَيْرِ تَمَهُّلٍ لِشَيْءٍ أصْلًا، إشارَةً إلى أنَّهُ فِعْلٌ مَضْمُونُ السَّلامَةِ كَيْفَ ما كانَ، والتَّعْرِيفُ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الصَّنادِيقِ أشَدُّ النّاسِ مَعْرِفَةً بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ ﴿فاقْذِفِيهِ﴾ أيْ (p-٢٨٧)[مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ -]عَقِبَ ذَلِكَ بِتابُوتِهِ، أوِ التّابُوتِ الَّذِي فِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فِي اليَمِّ﴾ أيِ البَحْرِ وهو النِّيلُ.
ولَمّا كانَتْ سَلامَتُهُ في البَحْرِ مِنَ العَجائِبِ، لِتَعَرُّضِهِ لِلْغَرَقِ بِقَلْبِ الرِّيحِ لِلتّابُوتِ، أوْ بِكَسْرِهِ في بَعْضِ الجُدُرِ أوْ غَيْرِها، أوْ بِجَرْيِهِ مُسْتَقِيمًا مَعَ أقْوى جَرْيَةٍ مِنَ الماءِ إلى البَحْرِ المِلْحِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآفاتِ، أشارَ إلى تَحَتُّمِ تَنْجِيَتِهِ بِلامِ الأمْرِ عِبارَةً عَنْ مَعْنى الخَبَرِ في قَوْلِهِ، جاعِلًا البَحْرَ كَأنَّهُ ذُو تَمْيِيزٍ لِيُطِيعَ الأمْرَ: ﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ أيِ التّابُوتَ الَّذِي فِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ مُوسى بِتابُوتِهِ ﴿اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ أيْ شاطِئِ النِّيلِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ الماءَ يَسْحَلُهُ، أيْ يَنْشُرُهُ إلى جانِبِ البَيْتِ الَّذِي الفِعْلُ كُلُّهُ هَرَبًا مِن شَرِّ صاحِبِهِ، وهو فِرْعَوْنُ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَأْخُذْهُ﴾ جَوابًا لِلْأمْرِ، أيْ مُوسى ﴿عَدُوٌّ لِي﴾ ونَبَّهَ عَلى مَحَلِّ العَجَبِ بِإعادَةِ لَفْظِ العَدُوِّ في قَوْلِهِ: ﴿وعَدُوٌّ لَهُ﴾ فَإنَّهُ ما عادى بَنِي إسْرائِيلَ بِالتَّذْبِيحِ إلّا مِن أجْلِهِ ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾ أيْ عَظِيمَةً؛ ثُمَّ زادَ الأمْرَ في تَعْظِيمِها إيضاحًا بِقَوْلِهِ: ﴿مِنِّي﴾ [أيْ -] لِيُحِبَّكَ كُلُّ مَن رَآكَ لِما جَبَلْتُكَ عَلَيْهِ مِنَ الخِلالِ الحَمِيدَةِ، والشِّيَمِ السَّدِيدَةِ، لِتَكُونَ أهْلًا لِما أُرِيدُكَ لَهُ ﴿ولِتُصْنَعَ﴾ أيْ تُرَبّى بِأيْسَرِ أمْرِ تَرْبِيَةٍ بِمَن هو مُلازِمٌ لَكَ لا يَنْفَكُّ عَنِ الاعْتِناءِ بِمَصالِحِكَ عِنايَةً شَدِيدَةً ﴿عَلى عَيْنِي﴾ أيْ مُسْتَعْلِيًا عَلى حافِظِيكَ غَيْرَ مُسْتَخْفٍ (p-٢٨٨)فِي تَرْبِيَتِكَ مِن أحَدٍ ولا مَخُوفٍ عَلَيْكَ مِنهُ، وأنا حافِظٌ لَكَ حِفْظَ مَن يُلاحِظُ الشَّيْءَ بِعَيْنِهِ لا يَغِيبُ عَنْها، فَكانَ كُلُّ ما أرَدْتُهُ، فَلَمّا رَآكَ هَذا العَدُوُّ أحَبَّكَ وطَلَبَ لَكَ المَراضِعَ، فَلَمّا [لَمْ -] تَقْبَلْ واحِدَةً مِنهُنَّ بالَغَ في الطَّلَبِ، كُلُّ ذَلِكَ إمْضاءً لِأمْرِي وإيقافًا لِأمْرِهِ بِهِ نَفْسِهِ لا بِغَيْرِهِ لِيَزْدادَ العَجَبُ مِن إحْكامِ السَّبَبِ،
20:40Page 314
إِذۡ تَمۡشِيٓ أُخۡتُكَ فَتَقُولُ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ مَن يَكۡفُلُهُۥۖ فَرَجَعۡنَٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَۚ وَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا فَنَجَّيۡنَٰكَ مِنَ ٱلۡغَمِّ وَفَتَنَّٰكَ فُتُونٗاۚ فَلَبِثۡتَ سِنِينَ فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ ثُمَّ جِئۡتَ عَلَىٰ قَدَرٖ يَٰمُوسَىٰ ٤٠
[And We favored you] when your sister went and said, 'Shall I direct you to someone who will be responsible for him?' So We restored you to your mother that she might be content and not grieve. And you killed someone,1 but We saved you from retaliation and tried you with a [severe] trial. And you remained [some] years among the people of Madyan. Then you came [here] at the decreed time, O Moses.
ثُمَّ ذَكَرَ ظَرْفَ الصُّنْعِ فَقالَ: ﴿إذْ﴾ أيْ حِينَ ﴿تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ أيْ في المَوْضِعِ الَّذِي وضَعُوكَ بِهِ لِيَنْظُرُوا لَكَ مُرْضِعَةً ﴿فَتَقُولُ﴾ بَعْدَ إذْ رَأتْكَ، لِآلِ فِرْعَوْنَ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾ أيْ يَقُومُ بِمَصالِحِهِ مِنَ الرَّضاعِ والخِدْمَةِ، ناصِحًا لَهُ، فَقالُوا: نَعَمْ! فَجاءَتْ بِأُمِّكَ فَقَبِلْتَ ثَدْيَها ﴿فَرَجَعْناكَ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ قَوْلِها هَذا أنْ رَجَعْناكَ ﴿إلى أُمِّكَ﴾ حِينَ دَلَّتْهم عَلَيْها ﴿كَيْ تَقَرَّ﴾ أيْ تَبْرُدَ وتَسْكُنَ ﴿عَيْنُها﴾ وتُرَبِّيكَ آمِنَةً عَلَيْكَ غَيْرَ خائِفَةٍ، ظاهِرَةً غَيْرَ مُسْتَخْفِيَةٍ ﴿ولا تَحْزَنَ﴾ بِفِراقِكَ أوْ بِعَدَمِ تَرْبِيَتِها [لَكَ -] وبَذْلِها الجُهْدَ في نَفْعِكَ ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أيْ بَعْدَ أنْ صِرْتَ رَجُلًا مِنَ القِبْطِ دَفْعًا عَنْ رَجُلٍ مِن قَوْمِكَ فَطُلِبْتَ بِها وأرادُوا قَتْلَكَ ﴿فَنَجَّيْناكَ﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مِنَ الغَمِّ﴾ الَّذِي كانَ قَدْ نالَكَ بِقَتْلِهِ خَوْفًا مِن جَرِيرَتِهِ، بِأنْ أخْرَجْناكَ مُهاجِرًا لِدِيارِهِمْ نَحْوَ مَدْيَنَ ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ أيْ خَلَّصْناكَ مِن مِحْنَةٍ بَعْدَ مِحْنَةٍ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، (p-٢٨٩)عَلى أنَّهُ جَمْعُ فِتَنٍ أوْ فِتْنَةٍ، [عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِالتّاءِ -]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالشَّكُورِ، إذَنِ الفُتُونُ وِلادَتُهُ عامَ الذَّبْحِ وإبْقاؤُهُ في البَحْرِ ثُمَّ مَنعُهُ الرَّضاعَ مِن غَيْرِ ثَدْيِ أُمِّهِ ثُمَّ جَرُّهُ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ تَناوُلُهُ الجَمْرَةَ بَدَلَ الدُّرَّةِ، ثُمَّ قَتْلُهُ القِبْطِيَّ، ثُمَّ خُرُوجُهُ إلى مَدْيَنَ في الطَّرِيقِ الهَيْعِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ، ثُمَّ إيجارُ نَفْسِهِ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ إضْلالُهُ الطَّرِيقَ، ثُمَّ تَفَرُّقُ غَنَمِهِ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾ أيْ كَثِيرَةً ﴿فِي أهْلِ مَدْيَنَ﴾ مُقِيمًا عِنْدَ نَبِيِّنا شُعَيْبَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُرَبِّيكَ بِآدابِهِ، وصاهَرْتَهُ عَلى ابْنَتِهِ ﴿ثُمَّ جِئْتَ﴾ أيِ الآنَ ﴿عَلى قَدَرٍ﴾ أيْ وقْتٍ قَدَّرْتُهُ في الأزَلِ لِتَكْلِيمِي لَكَ، وهو بُلُوغُ الأشُدِّ والِاسْتِواءُ، وإرْسالِكَ إلى فِرْعَوْنَ لِأُمْضِيَ فِيهِ قَدَرِي الَّذِي ذَبَّحَ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ خَوْفًا مِنهُ، فَجِئْتَ غَيْرَ مُسْتَقْدِمٍ ولا مُسْتَأْخِرٍ ﴿يا مُوسى﴾
﴿واصْطَنَعْتُكَ﴾ أيْ رَبَّيْتُكَ بِصَنائِعِ المَعْرُوفِ تَرْبِيَةَ مَن يَتَكَلَّفُ تَكْوِينَ المُرَبّى عَلى طَرِيقَةٍ مِنَ الطَّرائِقِ ﴿لِنَفْسِي﴾ أيْ لِتَفْعَلَ مِن مَرْضاتِي في تَمْهِيدِ شَرائِعِي وإنْفاذِ أوامِرِي ما يَفْعَلُهُ مَن يُصْنَعُ لِلنَّفْسِ مِن غَيْرِ مُشارِكٍ، فَهو تَمْثِيلٌ لِما حَوْلَهُ مِن مَنزِلَةِ التَّقْرِيبِ والتَّكْرِيمِ.
20:42Page 314
ٱذۡهَبۡ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـَٔايَٰتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكۡرِي ٤٢
Go, you and your brother, with My signs and do not slacken in My remembrance.
فَلَمّا تَمَهَّدَ ذَلِكَ كُلُّهُ بَعْدَ عِلْمِ نَتِيجَتِهِ، أعادَها في قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ﴾ كَما تَقَدَّمَ أمْرِي لَكَ بِهِ ﴿وأخُوكَ﴾ كَما سَألْتَ ﴿بِآياتِي﴾ الَّتِي أرَيْتُكَ (p-٢٩٠)وغَيْرِها مِمّا أُظْهِرُهُ عَلى يَدَيْكَ ﴿ولا تَنِيا﴾ أيْ تَفْتُرا وتَضْعُفا ﴿فِي ذِكْرِي﴾ الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّكَ جَعَلْتَهُ غايَةَ دُعائِكَ، بَلْ لِتَكُنْ - مَعَ كَوْنِهِ ظَرْفًا مُحِيطًا بِجَمِيعِ أمْرِكَ - في غايَةِ الِاجْتِهادِ فِيهِ وإحْضارِ القَلْبِ لَهُ، ولْيَكُنْ أكْثَرَ ما يَكُونُ عِنْدَ لِقاءِ فِرْعَوْنَ أنَّ عَبْدِي كُلَّ عَبْدِي لَلَّذِي يَذْكُرُنِي عِنْدَ لِقاءِ قَرْنِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ أعْوَنُ شَيْءٍ عَلى المُرادِ،
20:43Page 314
ٱذۡهَبَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ٤٣
Go, both of you, to Pharaoh. Indeed, he has transgressed.
ثُمَّ بَيَّنَ المَذْهُوبَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ، مُؤَكِّدًا لِنَفْسِ الذَّهابِ لِأنَّهُ لِشِدَّةِ الخَطَرِ لا يَكادُ طَبْعُ البَشَرِ يَتَحَقَّقُ جَزْمَ الأمْرِ بِهِ فَقالَ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ الإرْسالَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ، مُؤَكِّدًا لِما مَضى، ولِزِيادَةِ التَّعْجِيبِ مِن قِلَّةِ عَقْلِهِ، فَكَيْفَ بِمَن تَبِعَهُ ﴿إنَّهُ طَغى﴾
20:44Page 314
فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ ٤٤
And speak to him with gentle speech that perhaps he may be reminded or fear [Allāh]."
ثُمَّ أمَرَهُما بِما يَنْبَغِي لِكُلِّ آمِرٍ بِالمَعْرُوفِ مِنَ الأخْذِ بِالأحْسَنِ فالأحْسَنِ والأسْهَلِ فالأسْهَلِ، فَقالَ مُسَبِّبًا عَنِ الانْتِهاءِ إلَيْهِ ومُعَقِّبًا: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ لِئَلّا يُبْقِيَ لَهُ حُجَّةً، ولا يَقْبَلَ لَهُ مَعْذِرَةً ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ ما مَرَّ لَهُ مِن تَطْوِيرِ اللَّهِ [لَهُ -] في أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ، وحَمْلِهِ فِيما يَكْرَهُ عَلى ما لَمْ يَقْدِرْ عَلى الخَلاصِ مِنهُ بِحِيلَةٍ، فَيَعْلَمُ بِذَلِكَ أنَّ اللَّهَ رَبُّهُ، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ مِنهُ، فَيَرْجِعُ عَنْ غَيِّهِ فَيُؤْمِنُ ﴿أوْ يَخْشى﴾ أيْ أوْ يَصِلُ إلى حالِ مَن يَخافُ عاقِبَةَ قَوْلِكُما لِتَوَهُّمِ الصِّدْقِ (p-٢٩١)[فَيَكُونُ قَوْلُكُما تَذْكِرَةً لَهُ -] فَيُرْسِلُ مَعَكُما بَنِي إسْرائِيلَ، ومَعْنى التَّرَجِّي أنْ يَكُونَ حالُهُ حالَ مَن يُرْجى مِنهُ ذَلِكَ، لِأنَّها مِن ثَمَرَةِ اللِّينِ في الدُّعاءِ، جَرى الكَلامُ في هَذا وأمْثالِهِ عَلى ما يَتَعارَفُهُ العِبادُ في مُحاوَراتِهِمْ، وجاءَ القُرْآنُ عَلى لُغَتِهِمْ وعَلى ما يَعْنُونَ، فالمُرادُ: اذْهَبا أنْتُما عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما ومَبْلَغِكُما مِنَ العِلْمِ، ولَيْسَ لَهُما أكْثَرُ مِن ذا ما لَمْ يَعْلَما، وأمّا عِلْمُهُ تَعالى فَقَدْ أتى مِن وراءِ ما يَكُونُ - قالَهُ سِيبَوَيْهِ في بابِ مِنَ النَّكِرَةِ يَجْرِي مَجْرى ما فِيهِ الألِفُ واللّامُ مِنَ المَصادِرِ والأسْماءِ.
20:45Page 314
قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفۡرُطَ عَلَيۡنَآ أَوۡ أَن يَطۡغَىٰ ٤٥
They said, "Our Lord, indeed we are afraid that he will hasten [punishment] against us or that he will transgress."
ولَمّا كانَ فِرْعَوْنُ في غايَةِ الجَبَرُوتِ، وكانَ حالُهُ حالَ مَن يُهْلِكُهُما إلّا أنْ يَمْنَعَهُما اللَّهُ، وأرادَ عِلْمَ ما يَكُونُ مِن ذَلِكَ ﴿قالا رَبَّنا﴾ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا. ولَمّا كانَ مَضْمُونُ إخْبارِهِما [بِالخَوْفِ - مَعَ - ] كَوْنِهِما مِن جِهَةِ اللَّهِ - مِن شَأْنِهِ أنْ لا يَكُونَ وأنْ يُنْكَرَ، أكَّدا فَقالا مُبالِغَيْنِ فِيهِ بِإظْهارِ النُّونِ الثّالِثَةِ إبْلاغًا في إظْهارِ الشَّكْوى لِيَأْتِيَ الجَبْرُ عَلى قَدْرِ ما يَظْهَرُ مِنَ الكَسْرِ: ﴿إنَّنا نَخافُ﴾ لِما [هُوَ -] فِيهِ مِنَ المَكِنَةِ ﴿أنْ يَفْرُطَ﴾ أيْ يَعْجَلَ ﴿عَلَيْنا﴾ بِالعُقُوبَةِ قَبْلَ إتْمامِ البَلاغِ عَجَلَةَ مَن يَطْفِرُ ويَثِبُ إلى الشَّيْءِ ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ فَيَتَجاوَزَ إلى أعْظَمَ مِمّا هو فِيهِ مِنَ الاسْتِكْبارِ
20:46Page 314
قَالَ لَا تَخَافَآۖ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسۡمَعُ وَأَرَىٰ ٤٦
[Allāh] said, "Fear not. Indeed, I am with you both; I hear and I see.
﴿قالَ لا تَخافا﴾ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِما هو مَناطُ النُّصْرَةِ والحِيطَةِ لِلْوَلِيِّ والإهْلاكِ لِلْعَدُوِّ، فَقالَ مُؤَكِّدًا إشارَةً إلى عِظَمِ الخَبَرِ، (p-٢٩٢)وتَنْبِيهًا لِمَضْمُونِهِ لِأنَّهُ خارِجٌ عَنِ العَوائِدِ، وأثْبَتَ النُّونَ الثّالِثَةَ عَلى وزانِ تَأْكِيدِهِما: ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾ لا أغِيبُ كَما تَغِيبُ المُلُوكُ إذا أرْسَلُوا رُسُلَهم ﴿أسْمَعُ وأرى﴾ أيْ لِي هاتانِ الصِّفَتانِ، لا يَخْفى عَلَيَّ شَيْءٌ مِن حالِ رَسُولِي ولا حالِ عَدُوِّهِ، وأنْتُما تَعْلَمانِ مِن قُدْرَتِي ما لا يَعْلَمُهُ غَيْرُكُما.
20:47Page 314
فَأۡتِيَاهُ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبۡهُمۡۖ قَدۡ جِئۡنَٰكَ بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكَۖ وَٱلسَّلَٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلۡهُدَىٰٓ ٤٧
So go to him and say, 'Indeed, we are messengers of your Lord, so send with us the Children of Israel and do not torment them. We have come to you with a sign from your Lord. And peace1 will be upon he who follows the guidance.
ولَمّا تَمَهَّدَ ذَلِكَ، تَسَبَّبَ عَنْهُ تَعْلِيمُهُما ما يَقُولانِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِلذَّهابِ أيْضًا لِما مَضى: ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا﴾ أيْ لَهُ؛ ولَمّا كانَ فِرْعَوْنُ يُنْكِرُ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُما، أكَّدَ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿إنّا﴾ ولَمّا كانَ التَّنْبِيهُ عَلى مَعْنى المُؤازَرَةِ هُنا - كَما تَقَدَّمَ مَطْلُوبًا، ثَنّى فَقالَ: ﴿رَسُولا رَبِّكَ﴾ الَّذِي رَبّاكَ فَأحْسَنَ تَرْبِيَتَكَ بَعْدَ أنْ أوْجَدَكَ مِنَ العَدَمِ، إشارَةً إلى تَحْقِيرِهِ بِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ عَبِيدِ مُرْسِلِهِما تَكْذِيبًا لَهُ في ادِّعائِهِ الرُّبُوبِيَّةَ، ثُمَّ سَبَّبَ [عَنْ --] إرْسالِكُما إلَيْهِ قَوْلَكُما: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا﴾ عَبِيدَهُ ﴿بَنِي إسْرائِيلَ﴾ لِيَعْبُدُوهُ، فَإنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُهُ ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾ بِما تُعَذِّبُهم بِهِ مِنَ الاسْتِخْدامِ والتَّذْبِيحِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ دَعْوى الرِّسالَةِ بِما يُثْبِتُها، فَقالَ مُفْتَتِحًا بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ لِأنَّ حالَ السّامِعِ لِادِّعاءِ الرِّسالَةِ أنْ يَتَوَقَّعَ دَلالَةً عَلى الإرْسالِ: ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ﴾ أيْ عَلامَةٍ عَظِيمَةٍ وحُجَّةٍ وبُرْهانٍ (p-٢٩٣)﴿مِن رَبِّكَ﴾ الَّذِي لا إحْسانَ عَلَيْكَ إلّا مِنهُ، مُوجِبَةٍ لِقَبُولِ ما ادَّعَيْناهُ مِنَ العَصا واليَدِ وغَيْرِهِما، فَأسْلِمْ تَسْلَمْ، وفي تَكْرِيرِ مُخاطَبَتِهِ بِذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِتَبْكِيتِهِ في ادِّعاءِ الرُّبُوبِيَّةِ، ونِسْبَتِهِ إلى كُفْرانِ الإحْسانِ، فَسَلامٌ عَلَيْكَ خاصَّةً إنْ قَبِلْتَ هُدى اللَّهِ ﴿والسَّلامُ﴾ أيْ جِنْسُهُ ﴿عَلى﴾ جَمِيعِ ﴿مَنِ اتَّبَعَ﴾ بِغايَةِ جُهْدِهِ ﴿الهُدى﴾ عامَّةً، وإذا كانَ هَذا الجِنْسُ عَلَيْهِمْ كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ العَطَبَ عَلى غَيْرِهِمْ، فالمَعْنى: [و -] إنْ أبَيْتَ عُذِّبْتَ
20:48Page 314
إِنَّا قَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡنَآ أَنَّ ٱلۡعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ٤٨
Indeed, it has been revealed to us that the punishment will be upon whoever denies and turns away.'"
﴿إنّا﴾ أيْ لِأنّا ﴿قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا﴾ مِن رَبِّنا ﴿أنَّ العَذابَ﴾ أيْ كُلَّهُ، لِأنَّ اللّامَ لِلِاسْتِغْراقِ أوِ الماهِيَّةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَقْتَضِي قَدْرَ ثُبُوتِ هَذا الجِنْسِ ودَوامِهِ لِما تُفْهِمُهُ الِاسْمِيَّةُ ﴿عَلى﴾ كُلِّ ﴿مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ أيْ أوْقَعَ التَّكْذِيبَ والإعْراضَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ إنْ كانَ مِنهُ شَيْءٌ عَلى مُصَدَّقٍ كانَ مُنْقَضِيًا، وإذا انْقَضى كانَ كَأنْ لَمْ يُوجَدْ، وفي صَرْفِ الكَلامِ عَنْهُ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ ضالٌّ مُكَذِّبٌ وتَعْلِيمٌ لِلْأدَبِ.
20:49Page 314
قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَٰمُوسَىٰ ٤٩
[Pharaoh] said, "So who is the Lord of you two, O Moses?"
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَأْتِياهُ فَقُولا: إنّا رَسُولا رَبِّكَ - إلى آخِرِ ما أُمِرا بِهِ، وتَضَمَّنَ قَوْلُهُما أنَّ لِمُرْسِلِهِما القُدْرَةَ التّامَّةَ والعِلْمَ الشّامِلَ، فَتَسَبَّبَ عَنْهُ سُؤالُهُ عَنْ تَعْيِينِهِ، اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْ جَوابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيْ فِرْعَوْنُ مُدافِعًا لَهُما بِالمُناظَرَةِ لا بِالبَطْشِ، لِئَلّا يُنْسَبَ إلى (p-٢٩٤)السَّفَهِ والجَهْلِ: ﴿فَمَن﴾ أيْ تَسَبَّبَ عَنْ كَلامِكُما هَذا الَّذِي لا يَجْتَرِئُ عَلى مُواجَهَتِي بِهِ أحَدٌ مِن أهْلِ الأرْضِ أنْ أسْألَكُما: مَن ﴿رَبُّكُما﴾ الَّذِي أرْسَلَكُما، ولَمْ يَقُلْ: رَبِّي، حَيْدَةً عَنْ سَواءِ النَّظَرِ وصَرْفًا لِلْكَلامِ عَلى الوَجْهِ المُوَضِّحِ لِخِزْيِهِ.
ولَمّا كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هو الأصْلَ في ذَلِكَ، وكانَ رُبَّما طَمِعَ فِرْعَوْنُ بِمَكْرِهِ وسُوءِ طَرِيقِهِ في حُبْسَةٍ تَحْصُلُ في لِسانِهِ، أفْرَدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يا مُوسى﴾
20:50Page 314
قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيٓ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ ٥٠
He said, "Our Lord is He who gave each thing its form and then guided [it]."
﴿قالَ﴾ لَهُ مُوسى عَلى الفَوْرِ: ﴿رَبُّنا﴾ أيْ مُوجِدُنا ومُرَبِّينا ومَوْلانا ﴿الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ﴾ مِمّا تَراهُ في الوُجُودِ ﴿خَلْقَهُ﴾ أيْ ما هو عَلَيْهِ مِمّا هو بِهِ ألْيَقُ في المَنافِعِ المَنُوطَةِ بِهِ، والآثارِ الَّتِي تَتَأثَّرُ عَنْهُ مِنَ الصُّورَةِ والشَّكْلِ والمِقْدارِ واللَّوْنِ والطَّبْعِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَفُوتُ الحَصْرَ، ويَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ.
ولَمّا كانَ في إفاضَةِ الرُّوحِ مِنَ الجَلالَةِ والعِظَمِ ما يَضْمَحِلُّ عِنْدَهُ غَيْرُهُ مِنَ المُفاوَتَةِ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِحَرْفِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ هَدى﴾ أيْ كُلَّ حَيَوانٍ مِنهُ مَعَ أنَّ فِيها العاقِلَ وغَيْرَهُ إلى جَمِيعِ مَنافِعِهِ فَيَسْعى لَها، ومَضارِّهِ فَيَحْذَرُها، فَثَبَتَ بِهَذِهِ المُفاوَتَةِ والمُفاصَلَةِ مَعَ اتِّحادِ نِسْبَةِ الكُلِّ إلى الفاعِلِ أنَّهُ واحِدٌ مُخْتارٌ، وأنَّ ذَلِكَ لَوْ كانَ بِالطَّبِيعَةِ المُسْتَنِدَةِ إلى النُّجُومِ أوْ غَيْرِها كَما كانَ يَعْتَقِدُهُ فِرْعَوْنُ وغَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ هَذا التَّفاوُتُ.
20:51Page 314
قَالَ فَمَا بَالُ ٱلۡقُرُونِ ٱلۡأُولَىٰ ٥١
[Pharaoh] said, "Then what is the case of the former generations?"
(p-٢٩٥)ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ بِالطَّعْنِ في هَذا الجَوابِ قَبْلُ لِأنَّهُ لا زَلَلَ فِيهِ ولا خَلَلَ - مَعَ رَشاقَتِهِ واخْتِصارِهِ وسَبْقِهِ بِالجَمْعِ إلى غايَةِ مِضْمارِهِ - صَرَفَ الكَلامَ بِسُرْعَةِ خَوْفٍ مِنَ الاتِّضاحِ، بِزِيادَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الإيضاحِ، فَيَظْهَرُ الفَسادُ مِنَ الصَّلاحِ، إلى شَيْءٍ يَتَّسِعُ فِيهِ المَجالُ، ولا يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، فَيُمْكِنُ فِيهِ الرَّدُّ، فَأخْبَرَ عَنْهُ سُبْحانَهُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ فَما﴾ أيْ تَسَبَّبَ عَمّا تَضَمَّنَ هَذا مِن نِسْبَةِ رَبِّكَ إلى العِلْمِ بِكُلِّ مَوْجُودٍ أنِّي أقُولُ لَكَ: فَما ﴿بالُ﴾ أيْ خَبَرُ ﴿القُرُونِ الأُولى﴾ الَّذِي هو في العَظَمَةِ بِحَيْثُ إنَّهُ ما خالَطَ أحَدًا إلّا أحالَهُ وأمالَهُ -]، وهو وإنْ كانَ حَيْدَةً، هو مِن أماراتِ الِانْقِطاعِ، غَيْرَ أنَّهُ فِعْلٌ راسِخُ القَدَمِ في المَكْرِ والخِداعِ.
20:52Page 315
قَالَ عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٖۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى ٥٢
[Moses] said, "The knowledge thereof is with my Lord in a record. My Lord neither errs nor forgets."
ولَمّا فَهِمَ عَنْهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما أرادَ أنْ يَتَرَتَّبَ عَلى الخَوْضِ في ذَلِكَ مِمّا لا طائِلَ تَحْتَهُ مِنَ الرَّدِّ والمُطاوَلَةِ، ولَمْ تَكُنِ التَّوْراةُ نَزَلَتْ عَلَيْهِ إذْ ذاكَ، وإنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ لَمْ يَمْشِ مَعَهُ في ذَلِكَ ﴿قالَ﴾ قاطِعًا لَهُ عَنْهُ: ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيَّ بِإرْسالِي وتَلْقِينِي الحِجاجَ.
ولَمّا كانَتْ عادَةُ المَخْلُوقِينَ إثْباتَ الأخْبارِ في الكُتُبِ، وكانَ تَعالى قَدْ وكَّلَ بِعِبادِهِ مِن مَلائِكَتِهِ مَن يَضْبِطُ ذَلِكَ، قالَ مُخاطِبًا لَهُ بِما يَعْرِفُونَ مِن أحْوالِهِمْ: ﴿فِي كِتابٍ﴾ أيِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. ولَمّا كانَ رُبَّما وقَعَ (p-٢٩٦)فِي وهْمِ واهِمٍ أنَّ الكِتابَ لا يَكُونُ إلّا خَوْفًا مِن نِسْيانِ الشَّيْءِ أوِ الجَهْلِ بِالتَّوَصُّلِ إلَيْهِ مَعَ ذِكْرِ عَيْنِهِ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾ أيِ الَّذِي رَبّانِي كَما عَلِمْتُ ونَجّانِي مِن جَمِيعِ ما قَصَدْتُمُوهُ لِي مِنَ الهَلاكِ ولَمْ يَضِلَّ عَنْ وجْهٍ مِن وُجُوهِهِ، ولا نَسِيَ وجْهًا يَدْخُلُ مِنهُ شَيْءٌ مِن خَلَلٍ ﴿ولا يَنْسى﴾ أيْ لا يَقَعُ مِنهُ نِسْيانٌ لِشَيْءٍ أصْلًا مِن أخْبارِهِ ولا لِغَيْرِهِمْ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى تَبْكِيتِ اليَهُودِ بِأنَّ ثُبُوتَ النُّبُوَّةِ إنْ كانَ يَتَوَقَّفُ عَلى أنْ يُخْبِرَ النَّبِيُّ عَنْ كُلِّ ما يُسْألُ عَنْهُ لَزِمَ أنْ يَتَوَقَّفُوا في نُبُوَّةِ نَبِيِّهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ فِرْعَوْنَ عَمّا سَألَهُ عَنْهُ مِن أمْرِ القُرُونِ؛
20:53Page 315
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا وَسَلَكَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّن نَّبَاتٖ شَتَّىٰ ٥٣
[It is He] who has made for you the earth as a bed [spread out] and inserted therein for you roadways and sent down from the sky, rain and produced thereby categories of various plants.
ثُمَّ وصَلَ بِذَلِكَ ما كانَ فِيهِ قَبْلُ مِنَ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ عَلى وحْدَةِ الصّانِعِ واخْتِيارِهِ فَقالَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾ أيُّها الخَلائِقُ ﴿الأرْضَ﴾ أيْ أكْثَرَها ﴿مَهْدًا﴾ تَفْتَرِشُونَها، وجَعَلَ بَعْضَها جِبالًا لا يُمْكِنُ القَرارُ عَلَيْها، وبَعْضَها رَخْوًا تَسْرَحُ فِيهِ الأقْدامُ وبَعْضَها جَلَدًا - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا تُشاهِدُونَ فِيها مِنَ الاخْتِلافِ ﴿وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلا﴾ أيْ سَهَّلَ طُرُقًا تَسْلُكُونَها في أراضٍ سَهْلَةٍ وحَزْنَةٍ وسَّطَها بَيْنَ الجِبالِ والأوْدِيَةِ والرِّمالِ، وهَيَّأ لَكم فِيها مِنَ المَنافِعِ مِنَ المِياهِ والمَراعِي ما يُسَهِّلُ ذَلِكَ، وجَعَلَ فِيها ما لا يُمْكِنُ اسْتِطْراقُهُ أصْلًا، مِن أنَّ نِسْبَةَ الكُلِّ إلى الطَّبِيعَةِ واحِدَةٌ، فَلَوْلا أنَّ الفاعِلَ واحِدٌ مُخْتارٌ لَمْ يَكُنْ هَذا التَّفاوُتُ وعَلى هَذا النِّظامِ البَدِيعِ ﴿وأنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ تُشاهِدُونَهُ واحِدًا في اللَّوْنِ والطَّعْمِ.
ولَمّا كانَ ما يَنْشَأُ عَنْهُ أدَلَّ عَلى العَظَمَةِ وأجْلى لِلنّاظِرِ وأظْهَرَ لِلْعُقُولِ.
(p-٢٩٧)اسْتَغْرَقَ ﷺ في بِحارِ الجَلالِ، فاسْتَحْضَرَ أنَّ الآمِرَ لَهُ بِهَذا الكَلامِ هو المُتَكَلِّمُ بِهِ في الحَقِيقَةِ فانِيًا عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ جَمِيعِ الأكْوانِ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ، عادِلًا عَنِ الغَيْبَةِ إلى لَفْظِ المُتَكَلِّمِ المُطاعِ بِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي تَنْقادُ لَها الأشْياءُ المُخْتَلِفَةُ ﴿بِهِ أزْواجًا﴾ [أيْ -] أصْنافًا مُتَشاكِلَةً لَيْسَ فِيها شَيْءٌ يَكُونُ واحِدًا لا شَبِيهَ لَهُ ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾ أيْ مُخْتَلِفَةٍ جِدًّا في الألْوانِ والمَقادِيرِ والمَنافِعِ والطَّبائِعِ والطُّعُومِ؛
20:54Page 315
كُلُواْ وَٱرۡعَوۡاْ أَنۡعَٰمَكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ ٥٤
Eat [therefrom] and pasture your livestock. Indeed in that are signs for those of intelligence.
ثُمَّ أشارَ إلى تَفْصِيلِ ما فِيها مِنَ الحِكْمَةِ بِقَوْلِهِ حالًا مِن فاعِلِ ”أخْرَجْنا“: ﴿كُلُوا﴾ أيْ ما دَبَّرَهُ لَكم بِحِكْمَتِهِ مِنها ﴿وارْعَوْا﴾ أيْ سَرِّحُوا في المَراعِي ﴿أنْعامَكُمْ﴾ ما أحْكَمَهُ لَها ولا يَصْلُحُ لَكُمْ، فَكانَ مِن مُتْقَنِ تَدْبِيرِهِ أنْ جَعَلَ أرْزاقَ العِبادِ بِعَمَلِها تَنْعِيمًا لَهُمْ، وجَعَلَ عَلَفَها مِمّا يَفْضُلُ عَنْ حاجَتِهِمْ، ولا يَقْدِرُونَ عَلى أكْلِهِ، وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الأوْصافُ عَلى تَحَقُّقِهِ سُبْحانَهُ قَطْعًا بِأنَّهُ لا يَضِلُّ ولا يَنْسى مِن حَيْثُ إنَّهُ تَعالى أبْدَعَ هَذا العالَمَ شامِلًا لِكُلِّ ما يَحْتاجُهُ مَن فِيهِ لِما خَلَقَهم لَهُ مِنَ السَّفَرِ إلَيْهِ والعَرْضِ عَلَيْهِ في جَمِيعِ تَقَلُّباتِهِمْ عَلى اخْتِلافِها، وتَبايُنِ أصْنافِها، وتَباعُدِ أوْصافِها، وعَلى كَثْرَتِهِمْ، وتَنائِي أمْزِجَتِهِمْ، ولَمْ يَدَعْهُ ناقِصًا مِن شَيْءٍ مِن ذَلِكَ بِخِلافِ غَيْرِهِ، (p-٢٩٨)فَإنَّهُ لَوْ عَمِلَ شَيْئًا واجْتَهَدَ كُلَّ الِاجْتِهادِ في تَكْمِيلِهِ فَلا بُدَّ أنْ يَظْهَرَ لَهُ فِيهِ نَقْصٌ ويَصِيرُ يَسْعى في إزالَتِهِ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ.
ولَمّا كَمَّلَ هَذا البُرْهانَ القَوِيمَ، دالًّا عَلى العَلِيمِ الحَكِيمِ، قالَ مُنَبِّهًا عَلى انْتِشارِ أنْوارِهِ، وجَلالَةِ مِقْدارِهِ، مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِ المُنْكِرِينَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الإنْشاءِ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ المُخْتَلِفَةِ ﴿لآياتٍ﴾ عَلى مُنْشِئِهِ ﴿لأُولِي النُّهى﴾ العُقُولِ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَنْهى صاحِبَها عَنِ الغَيِّ، ومَن عَمِيَ عَنْ ذَلِكَ فَلا عَقْلَ لَهُ أصْلًا لِأنَّ عَقْلَهُ لَمْ يَنْفَعْهُ، وما لا يَنْفَعُ في حُكْمِ العَدَمِ، وذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ هُنا ما عَزاهُ ابْنُ إسْحاقَ في السِّيرَةِ لِزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وابْنُ هِشامٍ لِأُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
؎وأنْتَ الَّذِي مِن فَضْلِ مَنٍّ ورَحْمَةٍ بَعَثْتَ إلى مُوسى رَسُولًا مُنادِيا
؎فَقُلْتَ ألا يا اذْهَبْ وهارُونُ فادْعُوا ∗∗∗ إلى اللَّهِ فِرْعَوْنَ الَّذِي كانَ باغِيا
؎فَقُولا لَهُ آأنْتَ سَوَّيْتَ هَذِهِ ∗∗∗ بِلا وتِدٍ حَتّى اسْتَقَلَّتْ كَما هِيا
؎وقُولا لَهُ آأنْتَ رَفَعْتَ هَذِهِ ∗∗∗ بِلا عَمَدٍ أرْفِقْ إذَنْ بِكَ بانِيا
؎وقُولا لَهُ آأنْتَ سَوَّيْتَ وسْطَها ∗∗∗ مُنِيرًا إذا ما جَنَّهُ اللَّيْلُ هادِيا
؎وقُولا لَهُ مَن يُخْرِجُ الشَّمْسَ بُكْرَةً ∗∗∗ فَيُصْبِحُ ما مَسَّتْ مِنَ الزَّرْعِ ضاحِيا
؎وقُولا لَهُ مَن يُنْبِتُ الحَبَّ في الثَّرى ∗∗∗ فَيَخْرُجُ مِنهُ البَقْلُ يَهْتَزُّ رابِيا
؎ويُخْرِجُ مِنهُ حَبَّهُ في رُؤْسِهِ ∗∗∗ وفي ذاكَ آياتٌ لِمَن كانَ واعِيا
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences