Al-Biqa'iTaha · 20:55–74

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Taha 20:55–74

20:55Page 315

۞ مِنۡهَا خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ ٥٥

From it [i.e., the earth] We created you, and into it We will return you, and from it We will extract you another time.

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا خَلَقَ في الأرْضِ مِنَ المَنافِعِ الدّالَّةِ (p-٢٩٩)عَلى تَمامِ عِلْمِهِ [وباهِرِ قُدْرَتِهِ، عَلى وجْهٍ دالٍّ عَلى خُصُوصِ القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ -]، [وكانَ مِنَ الفَلاسِفَةِ تَناسُخِيَّتِهِمْ وغَيْرِهِمْ مَن يُقِرُّ لِلَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ ولا يُقِرُّ بِقَوْلِ أهْلِ الإسْلامِ: إنَّ الرُّوحَ جِسْمٌ لَطِيفٌ سارَ في الجِسْمِ سَرَيانَ النّارِ في الفَحْمِ، بَلْ يَقُولُ: إنَّها لَيْسَتْ بِجِسْمٍ ولا قُوَّةٍ في جِسْمٍ ولا صُورَةٍ لِجِسْمٍ ولَيْسَتْ مُتَّصِلَةً بِهِ اتِّصالَ انْطِباعٍ ولا حُلُولٍ فِيهِ، بَلِ اتِّصالُ تَدْبِيرٍ وتَصَرُّفٍ، وأنَّها إذا فارَقَتِ البَدَنَ اتَّصَلَتْ بِالرُّوحانِيِّينَ مِنَ العالَمِ العَقْلِيِّ الَّذِي هو عالَمُ المُجَرَّداتِ وانْخَرَطَتْ في سِلْكِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، أوِ اتَّصَلَتْ بِبَعْضِ الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ مِن كَوْكَبٍ أوْ غَيْرِهِ كاتِّصالِها بِالبَدَنِ الأوَّلِ وانْقَطَعَ تَعَلُّقُها بِهِ فَلَمْ تَعُدْ إلَيْهِ حَتّى ولا يَوْمَ البَعْثِ عِنْدَ مَن يَقُولُ مِنهم بِالحَشْرِ -]، وصَلَ بِذَلِكَ قَوْلَهُ [تَعالى، يَرُدُّ عَلَيْهِمْ، مُعَبِّرًا بِالضَّمِيرِ الَّذِي يُعَبِّرُ بِهِ الهَيْكَلُ المُجْتَمِعُ مِنَ البَدَنِ والنَّفْسِ -]: ﴿مِنها﴾ [أيِ الأرْضِ لا مِن غَيْرِها -] ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ إذْ أخْرَجْناكم مِنها بِالعَظَمَةِ الباهِرَةِ في النَّشْأةِ الأُولى بِخَلْقِ أبِيكم آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وفِيها﴾ [لا في غَيْرِها كَما أنْتُمْ كَذَلِكَ تُشاهِدُونَ -] ﴿نُعِيدُكُمْ﴾ بِالمَوْتِ [كَذَلِكَ أجْسامًا وأرْواحًا -]، فَتَصِيرُونَ تُرابًا كَما كُنْتُمْ، [ولِلرُّوحِ مَعَ ذَلِكَ وإنْ كانَتْ في عِلِّيِّينَ تَعَلُّقٌ بِبَدَنِها بِوَجْهٍ ما، يُدْرِكُ البَدَنُ بِهِ اللَّذَّةَ بِالتِذاذِها والألَمَ بِتَألُّمِها، وقَدْ صَحَّ أنَّ المَيِّتَ يُقْعَدُ في قَبْرِهِ ويُجِيبُ سُؤالَ المَلَكَيْنِ عَلَيْهِما السَّلامُ -]، لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنكم أنْ يَخْلُصَ مِن تِلْكَ العَظَمَةِ (p-٣٠٠)المُحِيطَةِ بِجَلِيلِ عَظَمَتِهِ ولا بِدَقِيقِ حِكْمَتِهِ ﴿ومِنها﴾ [لا مِن غَيْرِها -] ﴿نُخْرِجُكُمْ﴾ يَوْمَ البَعْثِ بِتِلْكَ العَظَمَةِ بِعَيْنِها ﴿تارَةً أُخْرى﴾ كَما بَدَأْناكم [أوَّلَ مَرَّةٍ -] مِثْلَ ما فَعَلْنا في النَّباتِ سَواءٌ، فَقَدْ عُلِمَ أنَّ هَذا فِعْلُ الواحِدِ المُخْتارِ، لا فِعْلُ الطَّبائِعِ، فَمَرَّةً جَعَلَكم أحْياءً مِن شَيْءٍ لَيْسَ لَهُ أصْلٌ في الحَيَوانِيَّةِ أصْلًا، وكَرَّةً رَدَّكم إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ قَبْلَ الحَياةِ تُرابًا لا رُوحَ فِيهِ ولا ما يُشْبِهُها، فَلا رَيْبَ أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ قادِرٌ عَلى أنْ يُخْرِجَكم مِنها أحْياءً كَما ابْتَدَأ ذَلِكَ، بَلِ الإعادَةُ أهْوَنُ في مَجارِي العادَةِ.

20:56Page 315

وَلَقَدۡ أَرَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ ٥٦

And We certainly showed him [i.e., Pharaoh] Our signs - all of them - but he denied and refused.

ولَمّا كانَ ما ذَكَرَ مِمّا عَلَقَ بِالأرْضِ مِنَ المَرافِقِ وغَيْرِهِ عَلى غايَةٍ مِنَ الوُضُوحِ، لَيْسَ وراءَها مَطْمَحٌ، فَكانَ المَعْنى: أرَيْنا فِرْعَوْنَ هَذا الَّذِي ذَكَرْنا لَكم مِن آياتِنا وغَيْرَهُ، وكانَ المَقامُ لِتَعْظِيمِ القُدْرَةِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ﴾ أيْ بِالعَصا واليَدِ وغَيْرِهِما مِمّا تَقَدَّمَ مِن مُقْتَضى عَظَمَتِنا ﴿آياتِنا﴾ [أيِ الَّتِي عَظَمَتُها مِن عَظَمَتِنا -] ﴿كُلَّها﴾ [بِالعَيْنِ والقَلْبِ -] لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ فَهو قادِرٌ عَلى غَيْرِهِ مِن أمْثالِهِ مِن خَوارِقِ العاداتِ، لِأنَّ المُمْكِناتِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، لا سِيَّما والَّذِي ذَكَرَ أُمَّهاتُ الآياتِ كَما سَيُؤْما (p-٣٠١)إلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في [سُورَةِ الأنْبِياءِ] ﴿فَكَذَّبَ﴾ أيْ بِها ﴿وأبى﴾ أيْ أنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وهَذا أبْلَغُ مِن تَعْدِيدِ ما ذُكِرَ في الأعْرافِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ صَنَعَ في تَكْذِيبِهِ وإبائِهِ؟ فَقِيلَ:

20:57Page 315

قَالَ أَجِئۡتَنَا لِتُخۡرِجَنَا مِنۡ أَرۡضِنَا بِسِحۡرِكَ يَٰمُوسَىٰ ٥٧

He said, "Have you come to us to drive us out of our land with your magic, O Moses?

﴿قالَ﴾ حِينَ لَمْ يَجِدْ مَطْعَنًا مُخَيِّلًا لِلْقِبْطِ بِما يُثِيرُهم حَمِيَّةً لِأنْفُسِهِمْ لِأنَّهُ عَلِمَ حَقِّيَّةَ ما جاءَ بِهِ مُوسى وظُهُورَهُ، وتَقَبُّلَ العُقُولِ لَهُ، فَخافَ أنْ يَتَّبِعَهُ النّاسُ ويَتْرُكُوهُ، ووَهَنَ في نَفْسِهِ وهْنًا عَظِيمًا بِتَأمُّلِ كَلِماتِهِ مُفْرَدَةً ومُرَكَّبَةً يَعْرِفُ مِقْدارَهُ: ﴿أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا﴾ هَذِهِ الَّتِي نَحْنُ مالِكُوها ﴿بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾ فَخَيَّلَ إلى أتْباعِهِ أنَّ ذَلِكَ سِحْرٌ، فَكانَ ذَلِكَ - مَعَ ما ألِفُوهُ مِن عادَتِهِمْ في الضَّلالِ - صارِفًا لَهم عَنِ اتِّباعِ ما رَأوْا مِنَ البَيانِ،

20:58Page 315

فَلَنَأۡتِيَنَّكَ بِسِحۡرٖ مِّثۡلِهِۦ فَٱجۡعَلۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكَ مَوۡعِدٗا لَّا نُخۡلِفُهُۥ نَحۡنُ وَلَآ أَنتَ مَكَانٗا سُوٗى ٥٨

Then we will surely bring you magic like it, so make between us and you an appointment, which we will not fail to keep and neither will you, in a place assigned."1

ثُمَّ وصَلَ بِالفاءِ السَّبَبِيَّةِ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا إيذانًا بِعِلْمِهِ أنَّ ما أتى بِهِ مُوسى يُنْكِرُ كُلُّ مَن يَراهُ أنْ يَقْدِرَ غَيْرُهُ عَلى مُعارَضَتِهِ: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ﴾ أيْ [والإلَهِ الأعْظَمِ -]! بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ تَأْكِيدًا لِما خَيَّلَ بِهِ؛ ثُمَّ أظْهَرَ النَّصَفَةَ والعَدْلَ إيثاقًا لِرَبْطِ قَوْمِهِ فَقالَ: ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ أيْ مِنَ الزَّمانِ والمَكانِ ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾ أيْ لا نَجْعَلُهُ خَلْفَنا ﴿نَحْنُ ولا أنْتَ﴾ بِأنْ نَقْعُدَ عَنْ إتْيانِهِ.

ولَمّا كانَ كُلٌّ مِنَ الزَّمانِ والمَكانِ لا يَنْفَكُّ عَنِ الآخَرِ قالَ: ﴿مَكانًا﴾ وآثَرَ ذِكْرَ المَكانِ لِأجْلِ وصْفِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿سُوًى﴾ أيْ (p-٣٠٢)عَدْلًا بَيْنَنا، لا حَرَجَ عَلى واحِدٍ مِنّا في قَصْدِهِ أزْيَدَ مِن حَرَجِ الآخَرِ، فانْظُرْ هَذا الكَلامَ الَّذِي زَوَّقَهُ وصَنَعَهُ ونَمَّقَهُ فَأوْقَفَ بِهِ قَوْمَهُ عَنِ السَّعادَةِ واسْتَمَرَّ يَقُودُهم بِأمْثالِهِ حَتّى أوْرَدَهُمُ البَحْرَ فَأغْرَقَهُمْ، [ثُمَّ -] في غَمَراتِ النّارِ أحْرَقَهُمْ، فَعَلى الكَيِّسِ الفَطِنِ أنْ يَنْقُدَ الأقْوالَ والأفْعالَ، والخَواطِرَ والأحْوالَ، ويَعْرِضَها عَلى مَحَكِّ الشَّرْعِ: الكِتابِ والسُّنَّةِ، فَما وافَقَ لَزِمَهُ وما لا تَرَكَهُ.

20:59Page 315

قَالَ مَوۡعِدُكُمۡ يَوۡمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحۡشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحٗى ٥٩

[Moses] said, "Your appointment is on the day of the festival when the people assemble at mid-morning."1

ولَمّا كانَ مُجْتَمَعُ سُرُورِهِمُ الَّذِي اعْتادُوهُ حاوِيًا لِهَذِهِ الأغْراضِ زَمانًا ومَكانًا وغَيْرَهُما، اخْتارَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ [لِذَلِكَ -]، فاسْتُؤْنِفَ الخَبَرُ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ مَوْعِدُكُمْ﴾ أيِ المَوْصُوفُ ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ أيْ عِيدُكُمُ الَّذِي اعْتَدْتُمُ الاجْتِماعَ فِيهِ في المَكانِ الَّذِي اعْتَدْتُمُوهُ، فَآثَرَ هُنا ذِكْرَ الزَّمانِ وإنْ كانَ يَتَضَمَّنُ المَكانَ لِما فِيهِ مِن عادَةِ الجَمْعِ كَما آثَرَ فِيما تَقَدَّمَ المَكانَ لِوَصْفِهِ بِالعَدْلِ ﴿وأنْ يُحْشَرَ﴾ [بَناهُ -] لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ القَصْدَ الجَمْعُ، لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ ﴿النّاسُ﴾ [أيْ إغْراءً ولَوْ بِكُرْهٍ -] ﴿ضُحًى﴾ لِيَسْتَقْبِلَ النَّهارَ مِن أوَّلِهِ، فَيَكُونَ أظْهَرَ لِما يَعْمَلُ وأجْلى، ولا يَأْتِي اللَّيْلُ إلّا وقَدْ قُضِيَ الأمْرُ، وعُرِفَ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ، وأنْتُمْ أجْمَعُ ما تَكُونُونَ وأفْرَغُ، فَيَكِلُّ حَدُّ المُبْطِلِينَ وأشْياعِهِمْ، والمُتَكَبِّرِينَ (p-٣٠٣)عَلى الحَقِّ وأتْباعِهِمْ، ويَكْثُرُ المُحَدِّثُ بِذَلِكَ الأمْرِ العَلَمِ في كُلِّ بَدْوٍ وحَضَرٍ، ويَشِيعُ في جَمِيعِ أهْلِ الوَبَرِ والمَدَرِ

20:60Page 315

فَتَوَلَّىٰ فِرۡعَوۡنُ فَجَمَعَ كَيۡدَهُۥ ثُمَّ أَتَىٰ ٦٠

So Pharaoh went away, put together his plan, and then came [to Moses].

﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ﴾ عَنْ مُوسى إلى تَهْيِئَةِ ما يُرِيدُ مِنَ الكَيْدِ بَعْدَ تَوَلِّيهِ عَنِ الانْقِيادِ لِأمْرِ اللَّهِ ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ أيْ مَكْرَهُ وحِيلَتَهُ وخِداعَهُ، الَّذِي دَبَّرَهُ عَلى مُوسى بِجَمْعِ مَن يَحْصُلُ بِهِمُ الكَيْدُ، وهُمُ السَّحَرَةُ، حَشَرَهم مِن كُلِّ أوْبٍ، وكانَ أهْلُ مِصْرَ أسْحَرَ أهْلِ الأرْضِ وأكْثَرَهم ساحِرًا، وكانُوا في ذَلِكَ الزَّمانِ أشَدَّ اعْتِناءً بِالسِّحْرِ وأمْهَرَ ما كانُوا وأكْثَرَ ﴿ثُمَّ أتى﴾ لِلْمِيعادِ الَّذِي وقَعَ القَرارُ عَلَيْهِ بِمَن حَشَرَهُ مِنَ السَّحَرَةِ والجُنُودِ ومَن تَبِعَهم مِنَ النّاسِ، مَعَ تَوَفُّرِ الدَّواعِي عَلى الإتْيانِ لِلْعِيدِ، والنَّظَرِ إلى تِلْكَ المُغالَبَةِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ مِثْلُها.

20:61Page 315

قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيۡلَكُمۡ لَا تَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا فَيُسۡحِتَكُم بِعَذَابٖۖ وَقَدۡ خَابَ مَنِ ٱفۡتَرَىٰ ٦١

Moses said to them [i.e., the magicians summoned by Pharaoh], "Woe to you! Do not invent a lie against Allāh or He will exterminate you with a punishment; and he has failed who invents [such falsehood]."

ولَمّا تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى ما كانَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ ذَلِكَ، اسْتَأْنَفَ سُبْحانَهُ الخَبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ لَهُمْ﴾ أيْ لِأهْلِ الكَيْدِ وهُمُ السَّحَرَةُ وغَيْرُهم ﴿مُوسى﴾ حِينَ رَأى اجْتِماعَهم ناصِحًا لَهُمْ: ﴿ويْلَكُمْ﴾ يا أيُّها النّاسُ الَّذِينَ خَلَقَهُمُ اللَّهُ لِعِبادَتِهِ ﴿لا تَفْتَرُوا﴾ أيْ لا تَتَعَمَّدُوا أنْ تَصْنَعُوا اسْتِعْلاءً ﴿عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِجَعْلِكم آياتِهِ العِظامَ الثّابِتَةَ سِحْرًا لا حَقِيقَةَ لَهُ، وادِّعائِكم أنَّ ما تُخَيِّلُونَ بِهِ حَقٌّ ولَيْسَ بِخَيالٍ، وإشْراكِكم بِهِ؛ (p-٣٠٤)وسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ أيْ يُهْلِكَكُمْ؛ قالَ الرّازِيُّ وأصْلُهُ الِاسْتِئْصالُ ﴿بِعَذابٍ﴾ أيْ عَظِيمٍ تَظْهَرُ بِهِ خَيْبَتُكم ﴿وقَدْ خابَ﴾ كُلُّ ﴿مَنِ افْتَرى﴾ أيْ تَعَمَّدَ كَذِبًا عَلى اللَّهِ أوْ عَلى غَيْرِهِ

20:62Page 315

فَتَنَٰزَعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَىٰ ٦٢

So they disputed over their affair among themselves and concealed their private conversation.

﴿فَتَنازَعُوا﴾ أيْ تَجاذَبَ السَّحَرَةُ ﴿أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ لَمّا سَمِعُوا هَذا الكَلامَ، عِلْمًا مِنهم بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ أنْ يُواجِهَ فِرْعَوْنَ بِمِثْلِهِ في جَمِيعِ جُنُودِهِ وأتْباعِهِ لَمْ يَسْلَمْ مِنهُ [إلّا -] مَنِ اللَّهُ مَعَهُ ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ أيْ كَلامَهُمُ الَّذِي تَناجَوْا بِهِ وبالَغُوا في إخْفائِهِ، فَإنَّ النَّجْوى الإسْرارُ، لِئَلّا يَظْهَرَ فِرْعَوْنُ وأتْباعُهُ عَلى عَوارِهِمْ [فِي -] اخْتِلافِهِمُ الَّذِي اقْتَضاهُ لَفْظُ التَّنازُعِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما قالُوا حِينَ انْتَهى تَنازُعُهُمْ؟ [فَقِيلَ -]:

20:63Page 315

قَالُوٓاْ إِنۡ هَٰذَٰنِ لَسَٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخۡرِجَاكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِمَا وَيَذۡهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلۡمُثۡلَىٰ ٦٣

They said, "Indeed, these are two magicians who want to drive you out of your land with their magic and do away with your most exemplary way [i.e., religion or tradition].

﴿قالُوا﴾ أيِ السَّحَرَةُ بَعْدَ النَّظَرِ وإجالَةِ الرَّأْيِ ما خَيَّلَهم بِهِ فِرْعَوْنُ تَلَقُّنًا مِنهُ وتَقَرُّبًا إلَيْهِ بِما يُنَفِّرُ النّاسَ عَنْ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ [ويُثَبِّطُهم عَنِ اتِّباعِهِما وإنْ غَلَبا، لِأنَّهُ لا يُنْكَرُ غَلَبَةُ ساحِرٍ عَلى ساحِرٍ آخَرَ ]: ﴿إنْ هَذانِ﴾ أيْ مُوسى وهارُونُ وقُرِئَ: هاذانِ - بِالألِفِ، عَلى لُغَةِ مَن يَجْعَلُ ألِفَ المُثَنّى لازِمَةً في كُلِّ حالٍ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: وهي لُغَةٌ لِطَوائِفَ مِنَ العَرَبِ: بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ وبَعْضِ كِنانَةَ وخَثْعَمَ وزُبَيْدٍ وبَنِي العَنْبَرِ (p-٣٠٥)وبَنِي الهُجَيْمِ ومُرادٍ وعُذْرَةَ.

﴿لَساحِرانِ﴾ لا شَكَّ في ذَلِكَ مِنهُما ﴿يُرِيدانِ﴾ أيْ [بِما -] يَقُولانِ مِن دَعْوى الرِّسالَةِ وغَيْرِها ﴿أنْ يُخْرِجاكُمْ﴾ أيُّها النّاسُ ﴿مِن أرْضِكُمْ﴾ هَذِهِ الَّتِي ألِفْتُمُوها، وهي وطَنُكم خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ ﴿بِسِحْرِهِما﴾ الَّذِي أظْهَراهُ لَكم وغَيْرِهِ.

[ولَمّا كانَ كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحِينَ قالُوا -]: ﴿ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ﴾ هَذِهِ السِّحْرِيَّةِ الَّتِي تَعِبْتُمْ في تَمْهِيدِها، وأفْنى فِيها أسْلافُكم أعْمارَهُمْ، حَتّى بَلَغَ أمْرُها الغايَةَ، وبِدِينِكُمُ الَّذِي بِهِ قِوامُكم ﴿المُثْلى﴾ أيِ الَّتِي هي أمْثَلُ الطُّرُقِ، فَيَكُونا آثَرَ بِما يُظْهِرانِهِ مِنها عِنْدَ النّاسِ [مِنكم -]، ويَصْرِفانِ وُجُوهَ النّاسِ إلَيْها عَنْكُمْ، ويَبْطُلُ ما لَكم بِذَلِكَ مِنَ الأرْزاقِ والعَظَمَةِ عِنْدَ الخاصِّ والعامِّ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأغْراضِ

20:64Page 315

فَأَجۡمِعُواْ كَيۡدَكُمۡ ثُمَّ ٱئۡتُواْ صَفّٗاۚ وَقَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡيَوۡمَ مَنِ ٱسۡتَعۡلَىٰ ٦٤

So resolve upon your plan and then come [forward] in line. And he has succeeded today who overcomes."

﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ أيْ لا تَدَعُوا مِنهُ شَيْئًا إلّا جِئْتُمْ بِهِ ولا تَخْتَلِفُوا تَضْعُفُوا ﴿ثُمَّ ائْتُوا﴾ إلى لِقاءِ مُوسى وهارُونَ لِمُباراتِهِما ﴿صَفًّا﴾ أيْ مُتَسابِقِينَ مُتَساوِينَ في السِّباقِ لِيَسْتَعْلِيَ أمْرُكم عَلَيْهِما فَتُفْلِحُوا، والِاصْطِفافُ أهْيَبُ في صُدُورِ الرّائِينَ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: [فَمَن -] أتى كَذَلِكَ [فَقَدِ -] اسْتَعْلى، عَطَفَ (p-٣٠٦)عَلَيْهِ قَوْلَهم مُحَقِّقًا: ﴿وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ﴾ في هَذا الجَمْعِ الَّذِي ما اجْتَمَعَ مِثْلُهُ قَطُّ ﴿مَنِ اسْتَعْلى﴾ أيْ غَلَبَ ووَجَدَ عُلُوَّهُ، أيْ فَفَعَلُوا ما تَقَدَّمَ وأتَوْا صَفًّا، فَلَمّا أتَوْا وكانُوا خَبِيرِينَ بِأنْ يَقُولُوا ما يَنْفَعُهم في مُناصَبَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، اسْتُؤْنِفَ الإخْبارُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى:

20:65Page 316

قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلۡقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَلۡقَىٰ ٦٥

They said, "O Moses, either you throw or we will be the first to throw."

﴿قالُوا﴾ أيِ السَّحَرَةُ مُنادِينَ، لِأنَّ لَيِّنَ القَوْلِ مَعَ الخَصْمِ إنْ لَمْ يَنْفَعْ لَمْ يَضُرَّ: ﴿يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ ما مَعَكَ مِمّا تُناظِرُنا بِهِ أوَّلًا ﴿وإمّا أنْ نَكُونَ﴾ أيْ نَحْنُ ﴿أوَّلَ مَن ألْقى﴾ ما مَعَهُ

20:66Page 316

قَالَ بَلۡ أَلۡقُواْۖ فَإِذَا حِبَالُهُمۡ وَعِصِيُّهُمۡ يُخَيَّلُ إِلَيۡهِ مِن سِحۡرِهِمۡ أَنَّهَا تَسۡعَىٰ ٦٦

He said, "Rather, you throw." And suddenly their ropes and staffs seemed to him from their magic that they were moving [like snakes].

﴿قالَ﴾ أيْ مُوسى مُقابِلًا لِأدَبِهِمْ [بِأحْسَنَ مِنهُ -] ولِأنَّهُ فَهِمَ أنَّ مُرادَهُمُ الابْتِداءُ، ولِيَكُونَ هو الآخِرَ فَيَكُونَ العاقِبَةَ بِتَسْلِيطِ مُعْجِزَتِهِ عَلى سِحْرِهِمْ فَلا يَكُونُ بَعْدَها شَكٌّ: لا أُلْقِي أنا أوَّلًا ﴿بَلْ ألْقُوا﴾ أنْتُمْ أوَّلًا، فانْتَهَزُوا الفُرْصَةَ، لِأنَّ ذَلِكَ كانَ مُرادَهم بِما أفْهَمُوهُ مِن تَعْبِيرِ السِّياقِ والتَّصْرِيحِ بِالأوَّلِ، فَألْقَوْا ﴿فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهُمْ﴾ الَّتِي ألْقَوْها ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ﴾ وهو صَفِيُّنا [تَخْيِيلًا مُبْتَدِئًا -] ﴿مِن سِحْرِهِمْ﴾ الَّذِي كانُوا [قَدْ -] فاقُوا بِهِ أهْلَ الأرْضِ ﴿أنَّها﴾ لِشِدَّةِ اضْطِرابِها ﴿تَسْعى﴾ سَعْيًا، وإذا كانَ هَذا حالَهُ مَعَ أنَّهُ أثْبَتُ النّاسِ بَصَرًا وأنْفَذُهم بَصِيرَةً فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِهِ!

20:67Page 316

فَأَوۡجَسَ فِي نَفۡسِهِۦ خِيفَةٗ مُّوسَىٰ ٦٧

And he sensed within himself apprehension, did Moses.

﴿فَأوْجَسَ﴾ أيْ أضْمَرَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وحَقِيقَتُهُ: أوْقَعَ واجِسًا أيْ خاطِرًا وضَمِيرًا.

(p-٣٠٧)ولَمّا كانَ المَقامُ لِإظْهارِ الخَوارِقِ عَلى يَدَيْهِ، فَكانَ رُبَّما فُهِمَ أنَّهُ أوْقَعَهُ في نَفْسِ أحَدٍ غَيْرِهِ، كانَ المَقامُ لِلِاهْتِمامِ بِتَقْدِيمِ المُتَعَلِّقِ، فَقالَ لِذَلِكَ لا لِمُراعاةِ الفَواصِلِ: ﴿فِي نَفْسِهِ﴾ أيْ خاصَّةً، [وقَدَّمَ ما المَقامُ لَهُ والِاهْتِمامِ بِهِ فَقالَ -]: ﴿خِيفَةً مُوسى﴾ مِثْلَ ما خافَ مِن عَصاهُ أوَّلَ ما رَآها كَذَلِكَ عَلى ما هو طَبْعُ البَشَرِ، ولِلنَّظَرِ إلى الطَّبْعِ عَبَّرَ بِالنَّفْسِ لا القَلْبِ مَثَلًا.

20:68Page 316

قُلۡنَا لَا تَخَفۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٦٨

We [i.e., Allāh] said, "Fear not. Indeed, it is you who are superior.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ، وكانَ المَعْلُومُ أنَّ اللَّهَ مَعَهُ، وأنَّهُ [جَدِيرٌ -] بِإبْطالِ سِحْرِهِمُ، اسْتَأْنَفَ الخَبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْنا﴾ [بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ -]: ﴿لا تَخَفْ﴾ مِن شَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ ولا غَيْرِهِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ، وأكَّدَهُ أنْواعًا مِنَ التَّأْكِيدِ لِاقْتِضاءِ الحالِ [إنْكارَ أنْ يَغْلِبَ أحَدٌ ما أظْهَرُوا مِن سِحْرِهِمْ لِعِظَمِهِ]: ﴿إنَّكَ أنْتَ﴾ [أيْ خاصَّةً -] ﴿الأعْلى﴾ أيِ الغالِبُ غَلَبَةً ظاهِرَةً لا شُبْهَةَ فِيها

20:69Page 316

وَأَلۡقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوٓاْۖ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيۡدُ سَٰحِرٖۖ وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيۡثُ أَتَىٰ ٦٩

And throw what is in your right hand; it will swallow up what they have crafted. What they have crafted is but the trick of a magician, and the magician will not succeed wherever he is."

﴿وألْقِ﴾ وأشارَ إلى يُمْنِ العَصا وبَرَكَتِها بِقَوْلِهِ: ﴿ما في يَمِينِكَ﴾ أيْ مِن هَذِهِ العَصا الَّتِي قُلْنا لَكَ أوَّلَ ما شَرَّفْناكَ بِالمُناجاةِ ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ [طه: ١٧] ثُمَّ أرَيْناكَ مِنها ما أرَيْناكَ ﴿تَلْقَفْ﴾ بِقُوَّةٍ واجْتِهادٍ مَعَ سُرْعَةٍ لا تَكادُ تُدْرَكُ - بِما أشارَ إلَيْهِ حَذْفُ التّاءِ ﴿ما صَنَعُوا﴾ [أيْ فَعَلُوهُ بَعْدَ تَدَرُّبٍ كَبِيرٍ عَلَيْهِ (p-٣٠٨)ومُمارَسَةٍ طَوِيلَةٍ -]؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما﴾ [أيْ أنَّ الَّذِي -] ﴿صَنَعُوا﴾ أيْ [أنَّ -] صُنْعَهم [مِمّا -] رَأيْتَهُ وهالَكَ أمْرُهُ.

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ تَحْقِيرَ هَذا الجَيْشِ أفْرَدَ ونَكَّرَ لِتَنْكِيرِ المُضافِ وتَحْقِيرِهِ فَقالَ: ﴿كَيْدُ ساحِرٍ﴾ أيْ كَيْدٌ سِحْرِيٌّ لا حَقِيقَةَ لَهُ ولا ثَباتَ، [سَواءٌ كانَ واحِدًا أوْ جَمْعًا، ولَوْ جَمَعَ لَخُيِّلَ أنَّ المَقْصُودَ العَدَدُ، ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ -]: فَهم لا يُفْلِحُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ﴾ أيْ هَذا الجِنْسُ ﴿حَيْثُ أتى﴾ أيْ كَيْفَ ما سارَ وأيَّهُ [سَلَكَ -] فَإنَّهُ إنَّما يَفْعَلُ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ، فامْتَثَلَ ما أمَرَهُ بِهِ [رَبُّهُ -] مِن إلْقاءِ عَصاهُ، فَكانَ ما وعَدَهُ بِهِ سُبْحانَهُ مِن تَلَقُّفِها لِما صَنَعُوا مِن غَيْرِ أنْ يَظْهَرَ عَلَيْها زِيادَةٌ في ثِخَنٍ ولا غَيْرِهِ مَعَ أنَّ حِبالَهم وعِصِيَّهم كانَتْ شَيْئًا كَثِيرًا، فَعَلِمَ كُلُّ مَن رَأى ذَلِكَ حَقِّيَّتَهُ وبُطْلانَ ما فَعَلَ السَّحَرَةُ، فَبادَرَ السَّحَرَةُ مِنهم إلى الخُضُوعِ لِأمْرِ اللَّهِ ساجِدِينَ مُبادَرَةَ مَن كَأنَّهُ ألْقاهُ مُلْقٍ عَلى وجْهِهِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ مَكْرَهم واجْتِهادَهم في مُعارَضَةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ [و -] حَذَفَ ذِكْرَ الإلْقاءِ وما سَبَّبَهُ مِنَ (p-٣٠٩)التَّلَقُّفِ لِأنَّ مَقْصُودَ السُّورَةِ القُدْرَةُ عَلى تَلْيِينِ القُلُوبِ القاسِيَةِ:

20:70Page 316

فَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدٗا قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَٰرُونَ وَمُوسَىٰ ٧٠

So the magicians fell down in prostration.1 They said, "We have believed in the Lord of Aaron and Moses."

﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ أيْ فَألْقاهم ما رَأوْا مِن أمْرِ اللَّهِ بِغايَةِ السُّرْعَةِ وبِأيْسَرِ أمْرٍ ﴿سُجَّدًا﴾ عَلى وُجُوهِهِمْ؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: سُبْحانَ اللَّهِ! ما أعْظَمَ شَأْنَهُمْ! ألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم لِلْكُفْرِ والجُحُودِ، ثُمَّ ألْقَوْا رُؤُوسَهم بَعْدَ ساعَةٍ لِلشُّكْرِ والسُّجُودِ، فَما أعْظَمَ الفَرْقَ بَيْنَ الإلْقائَيْنِ. فَكَأنَّ قائِلًا قالَ: هَذا فِعْلُهم فَما قالُوا؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا آمَنّا﴾ أيْ صَدَّقْنا.

ولَمّا كانَ سِياقُ هَذِهِ السُّورَةِ مُقْتَضِيًا لِتَقْدِيمِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ بِشارَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُشْقِيهِ بِهَذا القُرْآنِ بَلْ يَهْدِي النّاسَ [بِهِ -] ويُذِلُّهم لَهُ، فَيَجْعَلُ العَرَبَ عَلى شَماخَتِها أذَلَّ شَيْءٍ لِوُزَرائِهِ وأنْصارِهِ وخُلَفائِهِ وإنْ كانُوا أضْعَفَ النّاسِ، وقَبائِلُهم أقَلَّ القَبائِلِ، مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى صِدْقِ إيمانِهِمْ وخُلُوصِ ادِّعائِهِمْ بِتَقْدِيمِ الوَزِيرِ المُتَرْجِمِ تَرَقِّيًا في دَرَجِ المَعْرِفَةِ مِمَّنْ أوْصَلَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ إلى مَن أمَرَهُ بِذَلِكَ ثُمَّ إلى مَن أرْسَلَهُ شُكْرًا لِلْمُنْعِمِينَ بِالتَّدْرِيجِ «لا يَشْكُرُ اللَّهَ مَن لَمْ يَشْكُرِ النّاسَ» وهَذا لِما أوْجَبَ تَقْدِيمَهُ هُنا لا لِهَذا فَقَطْ، وذَكَرُوا اسْمَ الرَّبِّ إشارَةً إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أحْسَنَ إلَيْهِما بِإعْلاءِ شَأْنِهِما عَلى السَّحَرَةِ، وعَلى مَن كانُوا يُقِرُّونَ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وهو فِرْعَوْنُ الَّذِي لَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْئًا، فَكانُوا أوَّلَ النَّهارِ سَحَرَةً، وآخِرَهُ شُهَداءَ بَرَرَةً، وهَذِهِ الآيَةُ في أمْثالِها مِن آيِ هَذِهِ السُّورَةِ (p-٣١٠)وغَيْرِها مِمّا قَدَّمَ فِيهِ ما يَتَبادَرُ أنَّ حَقَّهُ التَّأْخِيرُ وبِالعَكْسِ لِأنْحاءٍ مِنَ المَعانِي دَقِيقَةٍ، هي الَّتِي حَمَلَتْ بَعْضَ مَن لَمْ يَرْسَخْ إلى أنْ يَقُولَ: إنَّ القُرْآنَ يُراعِي الفَواصِلَ كَما يَتَكَلَّفُ بُلَغاءُ العَرَبِ السَّجْعَ، وتَبِعَهُ جَمْعٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ تَقْلِيدًا، وقَدْ عابَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ حِينَ قالَ: «سَجْعٌ كَسَجْعِ الجاهِلِيَّةِ أوْ قالَ: الكُهّانِ» وقَدْ عُلِمَ مِمّا ذَكَرْتُهُ أنَّ المَعْنى الَّذِي بُنِيَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ ما كانَ يَنْتَظِمُ إلّا بِتَقْدِيمِ هارُونَ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ قالَ هُنا ﴿إنّا رَسُولا﴾ [طه: ٤٧] وفي الشُّعَراءِ ”رَسُولُ“، وقَدْ قالَ الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ الرّازِيُّ كَما حَكاهُ عَنْهُ الشَّيْخُ أبُو حَيّانَ في [سُورَةِ فاطِرٍ] مِنَ النَّهْرِ: لا يُقالُ في شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ: أنَّهُ قُدِّمَ أوْ أُخِّرَ لِأجْلِ السَّجْعِ، لِأنَّ مُعْجِزَةَ القُرْآنِ لَيْسَتْ في مُجَرَّدِ اللَّفْظِ، بَلْ فِيهِ وفي المَعْنى، [و -] قالَ القاضِي أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ في كِتابِ إعْجازِ القُرْآنِ: ذَهَبَ أصْحابُنا كُلُّهم إلى نَفْيِ السَّجْعِ مِنَ القُرْآنِ وذَكَرَهُ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كُتُبِهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلى المُخالِفِ بِأنْ قالَ: والَّذِي يُقَدِّرُونَهُ أنَّهُ سَجْعٌ فَهو وهْمٌ، لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ الكَلامُ عَلى مِثالِ السَّجْعِ وإنْ لَمْ يَكُنْ سَجْعًا لِأنَّ (p-٣١١)السَّجْعَ يَتْبَعُ المَعْنى فِيهِ اللَّفْظَ الَّذِي يُؤَدِّي السَّجْعَ. ولَيْسَ كَذَلِكَ ما اتَّفَقَ مِمّا هو في تَقْدِيرِ السَّجْعِ مِنَ القُرْآنِ، لِأنَّ اللَّفْظَ يَقَعُ فِيهِ تابِعًا لِلْمَعْنى، وفَصْلٌ بَيْنَ أنْ يَنْتَظِمَ الكَلامُ في نَفْسِهِ بِألْفاظِهِ الَّتِي تُؤَدِّي المَعْنى المَقْصُودَ فِيهِ وبَيْنَ أنْ يَكُونَ المَعْنى مُنْتَظِمًا دُونَ اللَّفْظِ. ومَتى ارْتَبَطَ المَعْنى بِالسَّجْعِ كانَ إفادَةُ السَّجْعِ كَإفادَةِ غَيْرِهِ. ومَتى انْتَظَمَ المَعْنى بِنَفْسِهِ دُونَ السَّجْعِ كانَ مُسْتَجْلَبًا لِتَحْسِينِ الكَلامِ دُونَ تَصْحِيحِ المَعْنى، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأشْياءَ نَفِيسَةٍ أطالَ فِيها وأجادَ - رَحِمَهُ اللَّهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في آخِرِ [سُورَةِ التَّوْبَةِ] ما يَنْفَعُ جِدًّا في هَذا المَرامِ.

20:71Page 316

قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخۡلِ وَلَتَعۡلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابٗا وَأَبۡقَىٰ ٧١

[Pharaoh] said, "You believed him [i.e., Moses] before I gave you permission. Indeed, he is your leader who has taught you magic. So I will surely cut off your hands and your feet on opposite sides, and I will crucify you on the trunks of palm trees, and you will surely know which of us is more severe in [giving] punishment and more enduring."

ولَمّا كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هو المَقْصُودَ بِالإرْسالِ [إلى فِرْعَوْنَ، اسْتَأْنَفَ تَعالى الإخْبارَ عَنْ فِرْعَوْنَ عِنْدَما فَجِئَهُ ذَلِكَ فَقالَ -]: ﴿قالَ﴾ أيْ فِرْعَوْنُ لِلسَّحَرَةِ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ، [وأضْمَرَ اسْمَهُ هُنا ولَمْ يُظْهِرْهُ كَما في الأعْرافِ لِأنَّ مَقْصُودَ السُّورَةِ الرِّفْقُ بِالمَدْعُوِّينَ والحِلْمُ عَنْهُمْ، وهو غَيْرُ مُتَأهِّلٍ لِذِكْرِ اسْمِهِ في هَذا المَقامِ -]: ﴿آمَنتُمْ﴾ أيْ بِاللَّهِ ﴿لَهُ﴾ أيْ مُصَدِّقِينَ أوْ مُتَّبِعِينَ لِمُوسى ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ في ذَلِكَ، إبْهامًا بِأنَّهُ سَيَأْذَنُ [فِيهِ ] لِيَقِفَ النّاسُ عَنِ المُبادَرَةِ إلى الِاتِّباعِ بَيْنَ خَوْفِ العُقُوبَةِ ورَجاءِ الإذْنِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ مُعَلِّلًا مُخَيِّلًا لِأتْباعِهِ صَدًّا لَهم عَنِ الاقْتِداءِ بِهِمْ: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ أيْ في العِلْمِ ﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ فَلَمْ تَتَّبِعُوهُ لِظُهُورِ الحَقِّ، بَلْ لِإرادَتِكم شَيْئًا مِنَ المَكْرِ وافَقْتُمُوهُ عَلَيْهِ قَبْلَ حُضُورِكم (p-٣١٢)فِي هَذا المَوْطِنِ، وهَذا عَلى عادَتِهِ في تَخْيِيلِ أتْباعِهِ فِيما يُوقِفُهم عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ.

ولَمّا خَيَّلَهُمْ، شَرَعَ يَزِيدُهم حَيْرَةً بِتَهْدِيدِ السَّحَرَةِ فَقالَ: ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما فَعَلْتُمْ ﴿أيْدِيَكُمْ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّوْزِيعِ ﴿وأرْجُلَكُمْ﴾ أيْ مِن كُلٍّ يَدًا ورِجْلًا ﴿مِن خِلافٍ﴾ فَإذا قَطَعْتُ اليَدَ اليُمْنى قَطَعْتُ الرِّجْلَ اليُسْرى ﴿ولأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ [وعَبَّرَ عَنِ الاسْتِعْلاءِ بِالظَّرْفِ إشارَةً إلى تَمْكِينِهِمْ مِنَ المَصْلُوبِ فِيهِ تَمْكِينَ المَظْرُوفِ في ظَرْفِهِ فَقالَ -]: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ تَبْشِيعًا لِقَتْلِكم رَدْعًا لِأمْثالِكم ﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا﴾ أنا أوْ رَبِّ مُوسى الَّذِي قالَ: إنَّهُ أوْحى إلَيْهِ أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى ﴿أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ أيْ مِن جِهَةِ العَذابِ، أيْ أيُّنا عَذابُهُ أشَدُّ وأطْوَلُ زَمانًا.

20:72Page 316

قَالُواْ لَن نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَاۖ فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَآ ٧٢

They said, "Never will we prefer you over what has come to us of clear proofs and [over] He who created us.1 So decree whatever you are to decree. You can only decree for this worldly life.

ولَمّا عَلِمُوا ما خَيَّلَ بِهِ عَلى عُقُولِ الضُّعَفاءِ، نَبَّهُوهم [فَأخْبَرَ تَعالى عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا -]: ﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ أيْ [نُقَدِّمَ أثَرَكَ -] بِالِاتِّباعِ [لَكَ -] لِنَسْلَمَ مِن عَذابِكَ الزّائِلِ ﴿عَلى ما جاءَنا﴾ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿مِنَ البَيِّناتِ﴾ الَّتِي عايَنّاها وعَلِمْنا أنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مُضاهاتِها. ولَمّا بَدَؤُوا بِما يَدُلُّ عَلى الخالِقِ [مِنَ الفِعْلِ -] الخارِقِ، تَرَقَّوْا إلى ذِكْرِهِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِفِعْلِهِ، إشارَةً إلى عَلِيِّ قَدْرِهِ فَقالُوا: (p-٣١٣)﴿والَّذِي﴾ أيْ ولا نُؤْثِرُكَ بِالِاتِّباعِ عَلى الَّذِي ﴿فَطَرَنا﴾ أيِ ابْتَدَأ خَلْقَنا، إشارَةً إلى شُمُولِ رُبُوبِيَّتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لَهم ولَهُ ولِجَمِيعِ النّاسِ، وتَنْبِيهًا عَلى عَجْزِ فِرْعَوْنَ عِنْدَ مَنِ اسْتَحَقَّهُ، وفي جَمِيعِ أقْوالِهِمْ هَذِهِ مِن تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى عِبارَةً وإشارَةً وتَحْقِيرِ فِرْعَوْنَ أمْرٌ عَظِيمٌ.

ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهم لا يُبالُونَ بِهِ، عِلْمًا بِأنَّ ما فَعَلَهُ فَهو بِإذْنِ اللَّهِ، قالُوا: ﴿فاقْضِ ما﴾ أيْ فاصْنَعْ في حُكْمِكَ الَّذِي ﴿أنْتَ قاضٍ﴾ ثُمَّ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما تَقْضِي﴾ أيْ تَصْنَعُ بِنا ما تُرِيدُ [إنْ قَدَّرَكَ اللَّهُ عَلَيْهِ -] ﴿هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ أيْ إنَّما حُكْمُكَ في مُدَّتِها عَلى الجَسَدِ خاصَّةً، فَهي ساعَةٌ تُعْقِبُ راحَةً، ونَحْنُ لا نَخافُ إلّا مِمَّنْ يَحْكُمُ عَلى الرُّوحِ وإنْ فَنِيَ الجَسَدُ، فَذاكَ هو الشَّدِيدُ العَذابِ، الدّائِمُ الجَزاءِ بِالثَّوابِ أوِ العِقابِ، [ولَعَلَّهم أسْقَطُوا الجارَّ تَنَزُّلًا إلى أنَّ حُكْمَهُ لَوْ فُرِضَ أنَّهُ يَمْتَدُّ إلى آخِرِ الدُّنْيا لَكانَ أهْلًا لِأنْ لا يُخْشى لِأنَّهُ زائِلٌ وعَذابُ اللَّهِ باقٍ -].

20:73Page 316

إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغۡفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا وَمَآ أَكۡرَهۡتَنَا عَلَيۡهِ مِنَ ٱلسِّحۡرِۗ وَٱللَّهُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ ٧٣

Indeed, we have believed in our Lord that He may forgive us our sins and what you compelled us [to do] of magic. And Allāh is better and more enduring."1

ثُمَّ عَلَّلُوا تَعْظِيمَهم لِلَّهِ واسْتِهانَتَهم بِفِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْنا طُولَ أعْمارِنا مَعَ إساءَتِنا بِالكُفْرِ وغَيْرِهِ ﴿لِيَغْفِرَ لَنا﴾ [مِن غَيْرِ نَفْعٍ يَلْحَقُهُ بِالفِعْلِ أوْ ضَرَرٍ يُدْرِكُهُ بِالتَّرْكِ -] (p-٣١٤)﴿خَطايانا﴾ الَّتِي قابَلْنا بِها إحْسانَهُ: ثُمَّ خَصُّوا بَعْدَ العُمُومِ فَقالُوا: ﴿وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ﴾ [وبَيَّنُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ -]: ﴿مِنَ السِّحْرِ﴾ لِتُعارِضَ بِهِ المُعْجِزَةَ، فَإنَّهُ كانَ الأكْمَلَ لَنا عِصْيانُكَ فِيهِ لِأنَّ اللَّهَ أحَقُّ بِأنْ يُتَّقى. رُوِيَ أنَّ الَّذِي كانَ مِنَ القِبْطِ مِنَ السَّحَرَةِ اثْنانِ فَقَطْ، والباقُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أكْرَهَهم فِرْعَوْنُ عَلى تَعَلُّمِ السِّحْرِ، ورُوِيَ أنَّهم رَأوْا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نائِمًا وعَصاهُ تَحْرُسُهُ فَقالُوا لِفِرْعَوْنَ إنَّ السّاحِرَ إذا نامَ بَطَلَ سِحْرُهُ، فَهَذا لا يُقْدَرُ عَلى مُعارَضَتِهِ، فَأبى عَلَيْهِمْ وأكْرَهَهم عَلى المُعارَضَةِ.

[ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَرَبُّنا أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ، عَطَفُوا عَلَيْهِ مُسْتَحْضِرِينَ لِكَمالِهِ -]: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿خَيْرٌ﴾ جَزاءً مِنكَ فِيما وعَدْتَنا بِهِ ﴿وأبْقى﴾ ثَوابًا وعِقابًا، والظّاهِرُ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَلَّمَهم مِن فِرْعَوْنَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] - قالَهُ أبُو حَيّانَ. [وسَيَأْتِي في آخِرِ الحَدِيدِ ما هو صَرِيحٌ في نَجاتِهِمْ -]؛

20:74Page 316

إِنَّهُۥ مَن يَأۡتِ رَبَّهُۥ مُجۡرِمٗا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ ٧٤

Indeed, whoever comes to his Lord as a criminal - indeed, for him is Hell; he will neither die therein nor live.

ثُمَّ عَلَّلُوا هَذا الخَتْمَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ﴾ أيِ الَّذِي رَبّاهُ وأحْسَنَ إلَيْهِ بِأنْ أوْجَدَهُ وجَعَلَ لَهُ جَمِيعَ ما يُصْلِحُهُ ﴿مُجْرِمًا﴾ أيْ قاطِعًا ما أمَرَهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ﴿فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ﴾ دارَ الإهانَةِ ﴿لا يَمُوتُ فِيها﴾ أبَدًا مَعَ شِدَّةِ عَذابِها.

بِخِلافِ عَذابِكَ الَّذِي [إنِ -] (p-٣١٥)اشْتَدَّ أماتَ فَزالَ سَرِيعًا، وإنْ خَفَّ لَمْ يُخِفْ وكانَ آخِرُهُ المَوْتَ وإنْ طالَ ﴿ولا يَحْيا﴾ فِيها حَياةً يَنْتَفِعُ بِها

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском