Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:93–104
21:93Page 330
وَتَقَطَّعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡۖ كُلٌّ إِلَيۡنَا رَٰجِعُونَ ٩٣
And [yet] they divided their affair [i.e., that of their religion] among themselves,1 [but] all to Us will return.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا، أعْرَضَ إلى أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ (p-٤٧٨)إيذانًا بِالغَضَبِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ في جَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: ما فَعَلُوا؟: لَمْ يُطِيعُوا أمْرِي في الِاجْتِماعِ عَلى ما جَمَعْتُهم عَلَيْهِ مِن عِبادَتِي الَّتِي هي سَبَبٌ لِجَلْبِ كُلِّ خَيْرٍ، ودَفْعِ كُلِّ ضَيْرٍ ولا اقْتَدَوْا في ذَلِكَ بِالكُمَّلِ مِن عِبادِي، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿وتَقَطَّعُوا﴾ أيْ مُخالَفَةً لِلْأمْرِ بِالِاجْتِماعِ، ولَمّا كانَ الدِّينُ الحَقُّ مِنَ الجَلاءِ والعَظَمَةِ والمُلاءَمَةِ لِلنُّفُوسِ بِحَيْثُ لا يَجْهَلُهُ ولا يَأْباهُ أحَدٌ نَصَحَ لِنَفْسِهِ وإنْ جَهِلَهُ، كَفى أدْنى تَنْبِيهٍ في المُبادَرَةِ إلَيْهِ وتَرْكِ ما سِواهُ كائِنًا ما كانَ، فَكانَ خُرُوجُ الإنْسانِ عَنْهُ بَعْدَ أنْ كانَ عَلَيْهِ في غايَةِ البُعْدِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَتَكَلَّفَ ذَلِكَ بِمُنازَعَةِ غَيْرِهِ المُؤَدِّيَةِ إلى الِافْتِراقِ والتَّباغُضِ ولا سِيَّما إنْ كانَ ذَلِكَ الغَيْرُ قَرِيبَهُ أوْ صَدِيقَهُ، وكانَتْ صِيغَةُ التَّفَعُّلِ مِنَ القَطْعِ صَرِيحَةً في التَّفَرُّقِ، وتُفِيدُ العِلاجَ والتَّكَلُّفَ، وكانَتْ تَأْتِي بِمَعْنى التَّفْعِيلِ والِاسْتِفْعالِ، عَبَّرَ بِها.
ولَمّا كانَ في غايَةِ البُعْدِ أنْ يَقْطَعَ الإنْسانُ أمْرَ نَفْسِهِ، كانَ تَقْدِيمُ الأمْرِ أهَمَّ فَقالَ: ﴿أمْرَهُمْ﴾ فَنَصَبَهُ بِفِعْلِ التَّقَطُّعِ لِأنَّهُ بِمَعْنى التَّقْطِيعِ كَما قالَهُ البَغْوِيُّ وغَيْرُهُ، أوْ بِمَعْنى الِاسْتِفْعالِ كَما قالُوا في تَجَبَّرَ وتَكَبَّرَ.
ولَمّا كانَ في غايَةٍ مِنَ العَجَبِ أنْ يَكُونَ التَّقْطِيعُ واقِعًا مِنهم بِهِمْ (p-٤٧٩)وأنْ يَكُونَ مُسْتَغْرِقًا لِظَرْفِهِ، [- قالَ: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أيْ فَكانُوا فِرَقًا كُلُّ فِرْقَةٍ عَلى شُعْبَةٍ مِن ضَلالٍ، زَيَّنَها لَها هَواها، فَلَمْ يَدَعُوا شَيْئًا مِنَ الأمْرِ بِغَيْرِ تَقْطِيعٍ]، وكانَ العَطْفُ بِالواوِ دُونَ الفاءِ كَما في ”المُؤْمِنُونَ“ لِأنَّ تَرْكَ العِبادَةِ لَيْسَ سَبَبًا لِلتَّقَطُّعِ، بَلْ رُبَّما كانَ عَنْهُ الِاجْتِماعُ عَلى الضَّلالِ، كَما يَكُونُ في آخِرِ الزَّمانِ وكَما قالَ تَعالى ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] الآيَةَ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤]
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَفْعَلُ بِهِمْ؟ قالَ ما هو غايَةٌ في الدَّلالَةِ عَلى باهِرِ العَظَمَةِ وتامِّ القُدْرَةِ لِيَكُونَ أشَدَّ في الوَعِيدِ، وصادِعَ التَّهْدِيدِ: ﴿كُلٌّ﴾ أيْ مِن هَذِهِ الفِرَقِ وإنْ بالَغَ في التَّمَرُّدِ ﴿إلَيْنا﴾ عَلى عَظَمَتِنا الَّتِي لا يُكافِئُها شَيْءٌ، لا إلى غَيْرِنا ﴿راجِعُونَ﴾ فَنَحْكُمُ بَيْنَهم فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ أنّا نُجازِيهِمْ إقامَةً لِلْعَدْلِ فَنُعْطِي [كُلًّا مِنَ -] المُحِقِّ التّابِعِ لِأصْفِيائِنا والمُبْطِلِ المائِلِ إلى الشَّياطِينِ أعْدائِنا ما يَسْتَحِقُّهُ، وذَلِكَ هو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى، فارِقًا بَيْنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ تَحْقِيقًا لِلْعَدْلِ وتَشْوِيقًا بِالفَضْلِ:
21:94Page 330
فَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَا كُفۡرَانَ لِسَعۡيِهِۦ وَإِنَّا لَهُۥ كَٰتِبُونَ ٩٤
So whoever does righteous deeds while he is a believer - no denial will there be for his effort,1 and indeed We [i.e., Our angels], of it, are recorders.
﴿فَمَن يَعْمَلْ﴾ أيْ مِنهُمُ الآنَ ﴿مِنَ الصّالِحاتِ وهُوَ﴾ أيْ (p-٤٨٠)والحالُ أنَّهُ ﴿مُؤْمِنٌ﴾ أيْ بانٍ لِعَمَلِهِ عَلى الأساسِ الصَّحِيحِ ﴿فَلا كُفْرانَ﴾ أيْ إبْطالَ بِالتَّغْطِيَةِ ﴿لِسَعْيِهِ﴾ بَلْ نَحْنُ نَجْزِيهِ عَلَيْهِ بِما يَسْتَحِقُّهُ ونَزِيدُهُ مِن فَضْلِنا ﴿وإنّا لَهُ﴾ أيْ لِسَعْيِهِ الآنَ عَلى عَظَمَتِنا ﴿كاتِبُونَ﴾ وما كَتَبْناهُ فَهو غَيْرُ ضائِعٍ، بَلْ باقٍ، لِنُطْلِعَهُ عَلَيْهِ يَوْمَ الجَزاءِ بَعْدَ أنْ نُعْطِيَهُ قُدْرَةً عَلى تَذَكُّرِهِ، فَلا يَفْقِدُ مِنهُ شَيْئًا قَلَّ أوْ جَلَّ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ قِسْمَيْهِ ”ومَن يَعْمَلْ مِنَ السَّيِّئاتِ وهو كافِرٌ فَلا نُقِيمُ لَهُ وزْنًا“ و”مَن عَمِلَ مِنها وهو مُؤْمِنٌ فَهو في مَشِيئَتِنا“، ولَعَلَّهُ حَذَفَ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ تَرْغِيبًا في الإيمانِ.
21:95Page 330
وَحَرَٰمٌ عَلَىٰ قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَآ أَنَّهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ٩٥
And it is prohibited to [the people of] a city which We have destroyed that they will [ever] return1
ولَمّا كانَ هَذا غَيْرَ صَرِيحٍ في أنَّ هَذا الرُّجُوعَ بَعْدَ المَوْتِ، بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وحَرامٌ﴾ أيْ ومَمْنُوعٌ ومَحْجُورٌ ﴿عَلى قَرْيَةٍ﴾ أيْ أهْلِها ﴿أهْلَكْناها﴾ أيْ بِالمَوْتِ بِعَظَمَتِنا ﴿أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ أيْ إلَيْنا بِأنْ يَذْهَبُوا تَحْتَ التُّرابِ باطِلًا مِن غَيْرِ إحْساسٍ، بَلْ إلَيْنا بِمَوْتِهِمْ [رَجَعُوا -] فَحَبَسْناهم في البَرْزَخِ مُنَعَّمِينَ أوْ مُعَذَّبِينَ نَعِيمًا وعَذابًا دُونَ النَّعِيمِ والعَذابِ الأكْبَرِ، ولَقَدْ دَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ قَوْلُهُ:
21:96Page 330
حَتَّىٰٓ إِذَا فُتِحَتۡ يَأۡجُوجُ وَمَأۡجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٖ يَنسِلُونَ ٩٦
Until when [the dam of] Gog and Magog has been opened and they, from every elevation, descend
﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ﴾ بِفَتْحِ السَّدِّ الَّذِي تَقَدَّمَ وصْفُنا لَهُ، [وأنَّ فَتْحَهُ لا بُدَّ مِنهُ وقِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ بِالتَّشْدِيدِ تَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ التَّفْتِيحِ أوْ عَلى كَثْرَةِ الخارِجِينَ مِنَ الفَتْحِ وإنْ كانَ فُرْجَةً واحِدَةً كَما أشارَ إطْلاقُ قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالتَّخْفِيفِ -] (p-٤٨١)﴿يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ﴾ فَخَرَجُوا عَلى النّاسِ؛ وعَبَّرَ عَنْ كَثْرَتِهِمُ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا هو سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم ﴿مِن كُلِّ حَدَبٍ﴾ أيْ نَشَزٍ عالٍ مِنَ الأرْضِ ﴿يَنْسِلُونَ﴾ أيْ يُسْرِعُونَ، مِنَ النَّسَلانِ وهو تَقارُبُ الخُطا مَعَ السُّرْعَةِ كَمَشْيِ الذِّئْبِ، وفي العِبارَةِ إيماءٌ [إلى -] أنَّ الأرْضَ كُرَيَّةٌ
21:97Page 330
وَٱقۡتَرَبَ ٱلۡوَعۡدُ ٱلۡحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَٰخِصَةٌ أَبۡصَٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَٰوَيۡلَنَا قَدۡ كُنَّا فِي غَفۡلَةٖ مِّنۡ هَٰذَا بَلۡ كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٩٧
And [when] the true promise [i.e., the resurrection] has approached; then suddenly the eyes of those who disbelieved will be staring [in horror, while they say], "O woe to us; we had been unmindful of this; rather, we were wrongdoers."
﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ﴾ وهو حَشْرُ الأمْواتِ الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ، إذا وجَدَ قُرْبًا عَظِيمًا، كَأنَّ الوَعْدَ طالِبٌ لَهُ ومُجْتَهِدٌ فِيهِ.
ولَمّا دَلَّتْ صِيغَةُ ”افْتَعَلَ“ عَلى شِدَّةِ القُرْبِ كَما في الحَدِيثِ «أنَّ السّاعَةَ إذْ ذاكَ مِثْلُ الحامِلِ المُتِمِّ،» عُلِمَ أنَّ التَّقْدِيرَ جَوابًا لِإذا: كانَ ذَلِكَ الوَعْدُ فَقامَ النّاسُ مِن قُبُورِهِمْ: ﴿فَإذا هي شاخِصَةٌ﴾ أيْ واقِفَةٌ جامِدَةٌ لا تَطْرِفُ لِما دَهَمَهم مِنَ الشِّدَّةِ، [ويَجُوزُ -] وهو أقْرَبُ - أنْ تَكُونَ ”إذا“ هَذِهِ الفُجائِيَّةُ [هِيَ جَوابَ ”إذا“ الشَّرْطِيَّةِ، وهي تَقَعُ في المَجازاتِ سادَّةً مَسَدَّ الفاءِ، فَإذا جاءَتِ الفاءُ مَعَها مُتَفاوِتَةً عَلى وصْلِ الجَزاءِ بِالشَّرْطِ فَيَتَأكَّدُ، فالمَعْنى -]: إذا كانَ الفَتْحُ ووَقَعَ ما تَعْقُبُهُ فاجَأتِ الشُّخُوصَ ﴿أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ مِنهُمْ، لَمّا بَدا لَهم ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَهُ مِنَ (p-٤٨٢)الأهْوالِ، قائِلِينَ: ﴿يا ويْلَنا﴾ أيْ حَضَرَنا الوَيْلُ فَهو نَدِيمُنا فَلا مَدْعُوَّ لَنا غَيْرُهُ ﴿قَدْ كُنّا﴾ أيْ في الدُّنْيا ﴿فِي غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ أيْ مُبْتَدِئَةٍ مِنَ اعْتِقادِ هَذا البَعْثِ فَكُنّا نُكَذِّبُ بِهِ فَعَمَّتْنا الغَفْلَةُ.
ولَمّا كانَ مِنَ الوُضُوحِ في الدَّلائِلِ والرُّسُوخِ في الخَواطِرِ بِحَيْثُ لا يَجْهَلُهُ أحَدٌ، أضْرَبُوا عَنِ الغَفْلَةِ فَقالُوا: ﴿بَلْ كُنّا ظالِمِينَ﴾ أيْ بِعَدَمِ اعْتِقادِهِ واضِعِينَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ حَيْثُ أعْرَضْنا عَنْ تَأمُّلِ دَلائِلِهِ، والنَّظَرِ في مَخايِلِهِ، وتَقَبُّلِ كَلامِ الرُّسُلِ فِيهِ، فَأنْكَرْنا ما هو أضْوَأُ مِنَ الشَّمْسِ.
21:98Page 330
إِنَّكُمۡ وَمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمۡ لَهَا وَٰرِدُونَ ٩٨
Indeed, you [disbelievers] and what you worship other than Allāh are the firewood of Hell. You will be coming to [enter] it.
ولَمّا كانَ هَذا مَحَلًّا يَخْطُرُ بِالبالِ فِيهِ آلِهَتُهم بِما يَتَرَجَّوْنَهُ مِنها مِنَ النَّفْعِ، قالَ مُخاطِبًا لَهم إرادَةَ التَّعْنِيفِ والتَّحْقِيرِ: ﴿إنَّكُمْ﴾ وأكَّدَهُ لِإنْكارِهِمْ مَضْمُونَ الخَبَرِ: ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ أيُّها المُشْرِكُونَ مِنَ الأصْنامِ والشَّياطِينِ؛ ولَمّا كانُوا يَتَعَبَّدُونَ لَهُ سُبْحانَهُ طَوْعًا وكَرْهًا مَعَ الإشْراكِ، قَيَّدَ بِقَوْلِهِ دالًّا عَلى أنَّ رُتْبَةَ ما عَبَدُوهُ مِن أدْنى المَراتِبِ الكائِنَةِ تَحْتَ رُتْبَتِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ؛ ولَمّا كانُوا يُرْمى بِهِمْ في جَهَنَّمَ رَمْيَ الحِجارَةِ الصِّغارِ الَّتِي تُسَمّى الحَصْباءَ إلى المَحْصُوبِ إسْراعًا وإكْراهًا، فَيَكُونُونَ وقُودَها مِن غَيْرِ إخْراجٍ، قالَ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ أيِ الطَّبَقَةُ الَّتِي تَلْقى المُعَذَّبَ بِها بِالتَّجَهُّمِ والعُبُوسَةِ والتَّكَرُّهِ؛ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ اسْتِئْنافًا: ﴿أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ أيْ (p-٤٨٣)داخِلُونَ دُخُولَ وِرْدِ الحُمّى عَلى حالَةٍ هي بَيْنَ السَّوادِ بِالدُّخانِ والِاحْمِرارِ بِاللَّهَبِ.
21:99Page 330
لَوۡ كَانَ هَٰٓؤُلَآءِ ءَالِهَةٗ مَّا وَرَدُوهَاۖ وَكُلّٞ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٩٩
Had these [false deities] been [actual] gods, they would not have come to it, but all are eternal therein.
ولَمّا قَرَعَهم مِن هَذا الكَلامِ بِما لا جَوابَ لَهم [عَنْهُ -] غَيْرَ المُكابَرَةِ، أعْرَضَ عَنْهُمُ الخِطابَ اسْتِهانَةً بِهِمْ واحْتِقارًا لَهم فَقالَ: ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ﴾ أيِ الَّذِينَ أهَّلُوهم لِرُتْبَةِ الإلَهِيَّةِ وهم في الحَقارَةِ بِحَيْثُ يُقْذَفُ بِهِمْ في النّارِ قَذْفًا ﴿آلِهَةً﴾ أيْ كَما زَعَمَ العابِدُونَ لَهم ﴿ما ورَدُوها﴾ أيْ جَهَنَّمَ أصْلًا، فَكَيْفَ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم [وعَنْها -] بِقَوْلِهِ: ﴿وكُلٌّ﴾ أيْ مِنهم ومِنها ﴿فِيها﴾ أيْ جَهَنَّمَ ﴿خالِدُونَ﴾ لا انْفِكاكَ لَهم عَنْها، بَلْ يُحْمى بِكُلٍّ مِنهم فِيها عَلى الآخَرِ
21:100Page 330
لَهُمۡ فِيهَا زَفِيرٞ وَهُمۡ فِيهَا لَا يَسۡمَعُونَ ١٠٠
For them therein is heavy sighing, and they therein will not hear.
﴿لَهُمْ﴾ أيْ لِمَن فِيهِ الحَياةُ مِنَ المَذْكُورِينَ العابِدِينَ مُطْلَقًا والمَعْبُودِينَ الرّاضِينَ كَفِرْعَوْنَ ﴿فِيها زَفِيرٌ﴾ أيْ تَنَفُّسٌ عَظِيمٌ عَلى غايَةٍ مِنَ الشَّدِّ والمَدِّ. تَكادُ تَخْرُجُ مَعَهُ النَّفْسُ، ويُقْرَنُونَ بِآلِهَتِهِمْ زِيادَةً في عَذابِهِمْ حَيْثُ جُعِلَ المَعْبُودُ الَّذِي كانَ يُطْلَبُ مِنهُ السَّعادَةُ زِيادَةً في الشَّقاوَةِ فَصارَ عَدُوًّا ولا يَكُونُ أنْكَأ مِن مُقارَنَةِ العَدُوِّ.
ولَمّا كانَتْ تَعْمِيَةُ الأخْبارِ مِمّا يَعْدِمُ القَرارَ، ويُعَظِّمُ الأكْدارَ، (p-٤٨٤)قالَ ﴿وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ حَذَفَ المُتَعَلِّقَ تَعْمِيمًا لِكُلِّ مَسْمُوعٍ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنافِسِيُّ ثَنا ابْنُ فُضَيْلٍ ثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - يَعْنِي المَسْعُودِيَّ - عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إذا بَقِيَ مَن يَخْلُدُ في النّارِ جُعِلُوا في تَوابِيتَ مِن نارٍ فِيها مَسامِيرُ مِن نارٍ فَلا يَرى أحَدٌ مِنهم أنَّهُ يُعَذَّبُ في النّارِ غَيْرُهُ، ثُمَّ تَلا عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي هَذِهِ الآيَةَ، قالَ: ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن حَدِيثِ حَجّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ المَسْعُودِيِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ خَبّابٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَذَكَرَهُ.
21:101Page 330
إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتۡ لَهُم مِّنَّا ٱلۡحُسۡنَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ عَنۡهَا مُبۡعَدُونَ ١٠١
Indeed, those for whom the best [reward] has preceded from Us - they are from it far removed.
ولَمّا ذَكَرَ حالَهم وحالَ مَعْبُودِيهِمْ بِغايَةِ الوَيْلِ، كانَ مَوْضِعَ السُّؤالِ عَمَّنْ عَبَدُوهم مِنَ الصّالِحِينَ مِن نَبِيٍّ أوْ مَلَكٍ وغَيْرِهِما مِن جَمِيعِ مَن عَبَدَهُ سُبْحانَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، فَقالَ مُبَيِّنًا أنَّهم لَيْسُوا مُرادِينَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ عَلى وجْهٍ يَعُمُّهم وغَيْرَهم مِنَ الصّالِحِينَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا﴾ أيْ ولَنا العَظَمَةُ الَّتِي لا يُحاطُ بِها ﴿الحُسْنى﴾ أيِ الحُكْمُ بِالمَوْعِدَةِ البالِغَةِ في الحُسْنِ في الأزَلِ سَواءٌ ضَلَّ بِأحَدٍ مِنهُمُ الكُفّارُ فَأطْرَوْهُ أوْ لا ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الرُّتْبَةِ ﴿عَنْها﴾ [أيْ جَهَنَّمَ -].
ولَمّا كانَ الفَوْزُ مُطْلَقَ الإبْعادِ عَنْها لا كَوْنَهُ مِن مُبْعِدٍ مُعَيَّنٍ، قالَ: (p-٤٨٥)﴿مُبْعَدُونَ﴾ بِرَحْمَةِ اللَّهِ لِأنَّهم أحْسَنُوا في العِبادَةِ واتَّقَوْا، وهَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ؛ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ: [حَدَّثَنا -] مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَهْلٍ ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ حَسَنٍ الأنْماطِيُّ ثَنا إبْراهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ ثَنا يَزِيدُ بْنُ [أبِي -] حَكِيمٍ أنَّ الحَكَمَ - يَعْنِي ابْنَ أبانٍ - عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «جاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: تَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلَيْكَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] قالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: قَدْ عُبِدَتِ الشَّمْسُ والقَمَرُ والمَلائِكَةُ وعُزَيْرٌ وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ أكُلُّ هَؤُلاءِ في النّارِ مَعَ آلِهَتِنا؟ فَنَزَلَتْ ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] ثُمَّ نَزَلَتْ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾» رَواهُ الحافِظُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ في كِتابِهِ ”الأحادِيثُ المُخْتارَةُ“ انْتَهى. وفي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا بَلَغَهُ اعْتِراضُ ابْنِ الزِّبَعْرى قالَ: «كُلُّ مَن أحَبَّ (p-٤٨٦)أنْ يُعْبَدَ مِن دُونِ اللَّهِ فَهو [مَعَ -] مَن عَبَدَهُ، إنَّهم إنَّما يَعْبُدُونَ الشَّياطِينَ ومَن أمَرَتْهم بِعِبادَتِهِ» وقَدْ أسْلَمَ ابْنُ الزِّبَعْرى بَعْدَ ذَلِكَ ومَدَحَ النَّبِيَّ ﷺ.
21:102Page 331
لَا يَسۡمَعُونَ حَسِيسَهَاۖ وَهُمۡ فِي مَا ٱشۡتَهَتۡ أَنفُسُهُمۡ خَٰلِدُونَ ١٠٢
They will not hear its sound, while they are, in that which their souls desire, abiding eternally.
ولَمّا كانَ أقَلَّ ما يَنْكِئُ مِنَ المَكْرُوهِ سَماعُهُ، قالَ: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ أيْ حَرَكَتَها البالِغَةَ وصَوْتَها الشَّدِيدَ، فَكَيْفَ بِما دُونَهُ لِأنَّ الحِسَّ مُطْلَقُ الصَّوْتِ أوِ الخَفِيُّ مِنهُ كَما قالَ البَغْوِيُّ، فَإذا زادَتْ حُرُوفُهُ زادَ مَعْناهُ ﴿وهُمْ﴾ أيِ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى ﴿فِي ما﴾ ولَمّا كانَتِ الشَّهْوَةُ - وهي طَلَبُ النَّفْسِ اللَّذَّةَ - لا تَكُونُ إلّا بَلِيغَةً، عَبَّرَ بِالِافْتِعالِ دَلالَةً عَلى عَظِيمِ ما هم فِيهِ مِنَ اللَّذَّةِ فَقالَ: ﴿اشْتَهَتْ أنْفُسُهُمْ﴾ في الجَنَّةِ ﴿خالِدُونَ﴾ أيْ دائِمًا أبَدًا.
21:103Page 331
لَا يَحۡزُنُهُمُ ٱلۡفَزَعُ ٱلۡأَكۡبَرُ وَتَتَلَقَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ هَٰذَا يَوۡمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ ١٠٣
They will not be grieved by the greatest terror,1 and the angels will meet them, [saying], "This is your Day which you have been promised" -
ولَمّا كانَ مَعْنى ذَلِكَ أنَّ سُرُورَهم لَيْسَ لَهُ زَوالٌ، أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ﴾ [أيْ يُدْخِلُ عَلَيْهِمْ حُزْنًا - عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ حَتّى نافِعٍ بِالفَتْحِ، عَنْ حَزَنَهُ، أوْ جَعْلُهم حَزِينِينَ - عَلى قِراءَةِ أبِي جَعْفَرٍ بِضَمٍّ ثُمَّ كَسْرٍ، مِن أحْزَنَهُ - رُباعِيًّا، فَهي أشَدُّ، فالمَنفِيُّ فِيها كَوْنُهُ يَكُونُ لَهم صِفَةً -] (p-٤٨٧)﴿الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ أيْ فَما الظَّنُّ بِما دُونَهُ ﴿وتَتَلَقّاهُمُ﴾ أيْ تَلَقِّيًا بالِغًا في الإكْرامِ ﴿المَلائِكَةُ﴾ حَيْثُما تَوَجَّهُوا، قائِلِينَ بِشارَةً لَهُمْ: ﴿هَذا يَوْمُكُمُ﴾ إضافَةً إلَيْهِمْ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ ﴿الَّذِي كُنْتُمْ﴾ في الدُّنْيا. [ولَمّا تَطابَقَ عَلى الوَعْدِ فِيهِ الرُّسُلُ والكُتُبُ والأوْلِياءُ مِن جَمِيعِ الأتْباعِ، بَنى الفِعْلَ لِلْمَفْعُولِ إفادَةً لِلْعُمُومِ فَقالَ -]: ﴿تُوعَدُونَ﴾ أيْ بِحُصُولِ ما تَتَمَنَّوْنَ فِيهِ مِنَ النَّصْرِ والفَوْزِ العَظِيمِ، والنَّعِيمِ المُقِيمِ، فَأبْشِرُوا فِيهِ بِجَمِيعِ ما يَسُرُّكم.
21:104Page 331
يَوۡمَ نَطۡوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلۡكُتُبِۚ كَمَا بَدَأۡنَآ أَوَّلَ خَلۡقٖ نُّعِيدُهُۥۚ وَعۡدًا عَلَيۡنَآۚ إِنَّا كُنَّا فَٰعِلِينَ ١٠٤
The Day when We will fold the heaven like the folding of a [written] sheet for the records. As We began the first creation, We will repeat it. [That is] a promise binding upon Us. Indeed, We will do it.1
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأفْعالُ عَلى غايَةٍ مِنَ الأهْوالِ، تَتَشَوَّفُ بِها النَّفْسُ إلى مَعْرِفَةِ اليَوْمِ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ، قالَ تَعالى شافِيًا لِعَيِّ هَذا السُّؤالِ، زِيادَةً في تَهْوِيلِ ذَلِكَ اليَوْمِ لِمَن لَهُ وعْيٌ: ﴿يَوْمَ﴾ أيْ تَكُونُ هَذِهِ الأشْياءُ يَوْمَ ﴿نَطْوِي﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الباهِرَةِ ﴿السَّماءَ﴾ طَيًّا فَتَكُونُ كَأنَّها لَمْ تَكُنْ؛ ثُمَّ صَوَّرَ طَيَّها بِما يَعْرِفُونَ فَقالَ مُشَبِّهًا لِلْمَصْدَرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الفِعْلُ: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ أيِ الكِتابِ الَّذِي لَهُ العُلُوُّ والقُدْرَةُ عَلى مَكْتُوبِهِ ﴿لِلْكُتُبِ﴾ أيِ القِرْطاسِ الَّذِي يَكْتُبُهُ ويُرْسِلُهُ (p-٤٨٨)أحَدٌ، وإنَّما قُلْتُ ذَلِكَ لِأنَّ السِّجِلَّ يُطْلَقُ عَلى الكِتابِ وعَلى الكاتِبِ - قالَهُ في القامُوسِ، واخْتِيرَ لِلْفاعِلِ لَفْظُ السِّجِلِّ لِما مَضى في سُورَةِ هُودٍ مِن أنَّ هَذِهِ المادَّةَ تَدُورُ عَلى العُلُوِّ، ولِلْمَطْوِيِّ لَفْظُ الكِتابِ الدّالُّ عَلى الجَمْعِ، لِكَوْنِهِ لازِمًا لِلطَّيِّ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ أنْسَبُ لِما جُعِلَ كُلٌّ مِنهُما مِثالًا لَهُ، وقِراءَةُ المُفْرَدِ لِمُقابَلَةِ لَفْظِ السَّماءِ، والجَمْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُرادَ الجِنْسُ، فَجَمِيعُ السَّماواتِ تُطْوى؛ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: حَدَّثَنا أبِي ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ الحَجّاجِ الرَّقِّيُّ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أبِي الواصِلِ عَنْ أبِي المَلِيحِ عَنِ الأزْدِيِّ عَنْ أبِي الجَوْزاءِ الأزْدِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: يَطْوِي اللَّهُ السَّماواتِ السَّبْعَ بِما فِيها مِنَ الخَلِيقَةِ، والأرْضِينَ السَّبْعَ بِما فِيها مِنَ الخَلِيقَةِ، يَطْوِي ذَلِكَ كُلَّهُ بِيَمِينِهِ حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ خَرْدَلَةٍ.
ولَمّا كانَ هَذا عِنْدَ مَن لا يَعْلَمُ أعْظَمَ اسْتِبْعادًا مِنَ اسْتِبْعادِهِمْ إعادَةَ المَوْتى، قالَ دالًّا عَلَيْهِ مُقَرِّبًا لَهُ إلى العُقُولِ بِتَشْبِيهِ الإعادَةِ بِالإبْداءِ، في تَناوُلِ القُدْرَةِ لَهُما عَلى السَّواءِ، فَإنَّهُ كَما أخْرَجَهُ بِعِلْمٍ مِن خَزائِنِ قُدْرَتِهِ كَذَلِكَ يَرُدُّهُ بِعِلْمِهِ في خَزائِنِ قُدْرَتِهِ، كَما يُصْنَعُ في نُورِ السِّراجِ ونَحْوِهِ إذا أُطْفِئَ، فَكَذا في غَيْرِهِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ -] ﴿كَما﴾ أيْ مِثْلُ ما (p-٤٨٩)﴿بَدَأْنا﴾ أيْ بِما عُلِمَ لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿أوَّلَ خَلْقٍ﴾ [ - أيْ تَقْدِيرَ أيِّ تَقْدِيرٍ كانَ، نَكَّرَهُ لِيُفِيدَ التَّفْصِيلَ واحِدًا واحِدًا، بِمَعْنى أنَّ كُلَّ خَلْقٍ جَلَّ أوْ قَلَّ سَواءٌ في هَذا الحُكْمِ، وهو أنّا ] ﴿نُعِيدُهُ﴾ أيْ بِتِلْكَ العَظَمَةِ بِعَيْنِها، غَيْرَ ناسِينَ لَهُ ولا غافِلِينَ ولا عاجِزِينَ عَنْهُ، فَما كانَ مُتَضامَّ الأجْزاءِ فَمَدَدْناهُ نَضُمُّهُ بَعْدَ امْتِدادِهِ، وما كانَ مَيِّتًا فَأحْيَيْناهُ نُمِيتُهُ بَعْدَ حَياتِهِ، وما كانَ حَيًّا فَأمَتْناهُ نُحْيِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، ونُعِيدُ مِنهم مِنَ التُّرابِ مَن بَدَأْناهُ مِنهُ، والحاصِلُ أنَّ مَن أوْجَدَ شَيْئًا لا يَبْعُدُ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ كَيْفَما كانَ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: إنَّكم مَحْشُورُونَ إلى اللَّهِ عُراةً غُرْلًا ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ - الآيَةُ، أوَّلُ مَن يُكْسى يَوْمَ القِيامَةِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ألا إنَّهُ يُجاءُ بِرِجالٍ مِن أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ الشِّمالِ فَأقُولُ: يا رَبُّ! أصْحابِي! فَيُقالُ: لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأقُولُ كَما قالَ العَبْدُ الصّالِحُ ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] - إلى قَوْلِهِ - ﴿شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] فَيُقالُ: إنَّ هَؤُلاءِ لَمْ يَزالُوا مُرْتَدِّينَ عَلى أعْقابِهِمْ مُنْذُ فارَقْتَهم». ثُمَّ أعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لابُدَّ مِنهُ بِالتَّعْبِيرِ بِالمَصْدَرِ (p-٤٩٠)تَأْكِيدًا لِما أنْكَرُوهُ وبالَغُوا في إنْكارِهِ فَقالَ: ﴿وعْدًا﴾ وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْنا﴾ وزادَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا كُنّا﴾ أيْ أزَلًا وأبَدًا، عَلى حالَةٍ لا تَحُولُ ﴿فاعِلِينَ﴾ أيْ شَأْنُنا أنْ نَفْعَلَ ما نُرِيدُ، لا كُلْفَةَ عَلَيْنا في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ بِوَجْهٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences