Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:107–112
21:107Page 331
وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٠٧
And We have not sent you, [O Muḥammad], except as a mercy to the worlds.
ولَمّا كانَ هَذا مُشِيرًا إلى رَشادِهِمْ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: فَما أرْسَلْناكَ إلّا لِإسْعادِهِمْ والكِفايَةِ [لَهم -] في البَلاغِ إلى جَنّاتِ النَّعِيمِ، عَطَفَ عَلَيْهِ ما يُفْهِمُ سَبَبَ التَّأْخِيرِ لِإنْجازِ ما يَسْتَعْجِلُهُ غَيْرُ العابِدِينَ مِنَ العَذابِ فَقالَ: ﴿وما أرْسَلْناكَ﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا العامَّةِ عَلى حالَةٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿إلا﴾ عَلى حالِ كَوْنِكَ ﴿رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ كُلِّهِمْ، أهْلِ السَّماواتِ وأهْلِ الأرْضِ (p-٥٠٩)مِنَ الجِنِّ والإنْسِ وغَيْرِهِمْ، طائِعِهِمْ بِالثَّوابِ، وعاصِيهِمْ بِتَأْخِيرِ العِقابِ، [الَّذِي كُنّا نَسْتَأْصِلُ بِهِ الأُمَمَ -]، فَنَحْنُ نُمْهِلُهم ونَتَرَفَّقُ بِهِمْ، إظْهارًا لِشَرَفِكَ وإعْلاءً لِقَدْرِكَ، حَتّى نُبَيِّنَ أنَّهم مَعَ كَثْرَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ وشَوْكَتِهِمْ وشِدَّةِ تَمالُئِهِمْ عَلَيْكَ لا يَصِلُونَ إلى ما يُرِيدُونَ مِنكَ، ثُمَّ نَرُدُّ كَثِيرًا مِنهم إلى دِينِكَ، ونَجْعَلُهم مِن أكابِرِ أنْصارِكَ وأعاظِمِ أعْوانِكَ، بَعْدَ طُولِ ارْتِكابِهِمُ الضَّلالَ، وارْتِباكِهِمْ في أشْراكِ المُحالِ، وإيضاعِهِمْ في الجِدالِ والمُحالِ، فَيُعْلَمُ قَطْعًا أنَّهُ لا ناصِرَ لَكَ إلّا اللَّهَ الَّذِي يَعْلَمُ القَوْلَ في السَّماءِ والأرْضِ، ومِن أعْظَمِ ما يَظْهَرُ فِيهِ هَذا الشَّرَفُ في عُمُومِ الرَّحْمَةِ وقْتُ الشَّفاعَةِ العُظْمى يَوْمَ يُجْمَعُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، وتَقُومُ المَلائِكَةُ صُفُوفًا والثَّقَلانِ وسَطَهُمْ، ويَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ مِن شِدَّةِ ما هم فِيهِ، يَطْلُبُونَ مَن يَشْفَعُ لَهم في أنْ يُحاسَبُوا لِيَسْتَرِيحُوا مِن ذَلِكَ الكَرْبِ إمّا إلى جَنَّةٍ أوْ نارٍ، فَيَقْصِدُونَ أكابِرَ الأنْبِياءِ نَبِيًّا نَبِيًّا عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والتَّحِيَّةُ والإكْرامُ، فَيُحِيلُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وكُلٌّ مِنهم يَقُولُ: لَسْتُ لَها، حَتّى يَأْتُوهُ ﷺ فَيَقُولُ: أنا لَها، [ويَقُومُ -] ومَعَهُ لِواءُ الحَمْدِ فَيُشَفِّعُهُ اللَّهُ وهو المَقامُ المَحْمُودُ الَّذِي يَغْبِطُهُ [بِهِ -] الأوَّلُونَ والآخِرُونَ وقَدْ سَبَقْتُ أكْثَرَ الحَدِيثِ بِذَلِكَ في سُورَةِ غافِرٍ عِنْدَ ﴿ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافر: ١٨]
21:108Page 331
قُلۡ إِنَّمَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٠٨
Say, "It is only revealed to me that your god is but one God; so will you be Muslims [in submission to Him]?"
(p-٥١٠)ولَمّا كانَ البَلاغُ الَّذِي رَتَّبَ هَذا لِأجْلِهِ هو التَّوْحِيدَ المَلْزُومَ لِتَمامِ القُدْرَةِ، أتْبَعَ الإشارَةَ إلى تَأْخِيرِهِمُ الإيمانَ إلى تَحْذِيرِهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لِكُلِّ مَن يُمْكِنُكَ لَهُ القَوْلُ: ﴿إنَّما يُوحى إلَيَّ﴾ [أيْ -] مِمَّنْ لا مُوحِيَ بِالخَيْرِ سِواهُ وهو اللَّهُ الَّذِي خَصَّنِي بِهَذا الكِتابِ المُعْجِزِ ﴿أنَّما إلَهُكُمْ﴾
ولَمّا كانَ المُرادُ إثْباتَ الوَحْدانِيَّةِ، [لِإلَهٍ مُجْمَعٍ عَلى إلَهِيَّتِهِ مِنهُ ومِنهُمْ، كَرَّرَ ذِكْرَ الإلَهِ فَقالَ -]: ﴿إلَهٌ واحِدٌ﴾ لا شَرِيكَ لَهُ، لَمْ يُوحَ إلَيَّ في أمْرِ الإلَهِ إلّا الوَحْدانِيَّةُ، وما إلَهُكم إلّا واحِدٌ لَمْ يُوحِ إلَيَّ فِيما تَدَّعُونَ مِنَ الشِّرْكَةِ غَيْرَ ذَلِكَ، فالأوَّلُ مِن قَصْرِ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ، أيِ الحُكْمِ عَلى الشَّيْءِ، أيِ المُوحِي [بِهِ -] إلَيَّ مَقْصُورٌ عَلى الوَحْدانِيَّةِ لا يَتَعَدّاها إلى الشِّرْكَةِ، والثّانِي (p-٥١١)مِن قَصْرِ المَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ، أيِ الإلَهُ مَقْصُورٌ عَلى الوَحْدَةِ لا يَتَجاوَزُها إلى التَّعَدُّدِ، والمُخاطَبُ بِهِما مَن يَعْتَقِدُ الشَّرِكَةَ، فَهو قَصْرُ قَلْبٍ.
ولَمّا انْضَمَّ إلى ما مَضى مِنَ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ في أمْرِ الوَحْدانِيَّةِ هَذا الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ، وكانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِأنْ يُخْشى إنْجازُ ما تَوَعَّدَهم بِهِ فَيُخْلِصُوا العِبادَةَ لِلَّهِ، أشارَ إلى ذَلِكَ مُرَهِّبًا ومُرَغِّبًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُذْعِنُونَ لَهُ مُلْقُونَ إلَيْهِ مَقالِيدَكم مُتَخَلُّونَ عَنْ جَمِيعِ ما تَدْعُونَهُ مِن دُونِهِ لِتَسْلَمُوا مِن عَذابِهِ وتَفُوزُوا بِثَوابِهِ، [فَفِي الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الوَحْدانِيَّةَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ طَرِيقَها السَّمْعُ -].
21:109Page 331
فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُلۡ ءَاذَنتُكُمۡ عَلَىٰ سَوَآءٖۖ وَإِنۡ أَدۡرِيٓ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٞ مَّا تُوعَدُونَ ١٠٩
But if they turn away, then say, "I have announced to [all of] you equally.1 And I know not whether near or far is that which you are promised.
ولَمّا كانَ تَوَلِّيهِمْ بَعْدَ هَذِهِ القَواطِعِ مُسْتَبْعَدًا، أشارَ إلى ذَلِكَ بِإيرادِهِ بِأداةِ الشَّكِّ فَقالَ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ لَمْ يَقْبَلُوا ما دَعَوْتَهم إلَيْهِ ﴿فَقُلْ﴾ [أيْ لَهم -]: ﴿آذَنْتُكُمْ﴾ أيْ أعْلَمْتُكم بِبَراءَتِي مِنكم وأنِّي غَيْرُ راجِعٍ إلَيْكم أبَدًا كَما أنَّكم تَبَرَّأْتُمْ مِنِّي ولَمْ تَرْجِعُوا إلَيَّ، فَصارَ عِلْمُكم أنْ لا صُلْحَ بَيْنَنا مَعَ التَّوَلِّي كَعِلْمِي وعِلْمِ مَنِ اتَّبَعَنِي. لِتَتَأهَّبُوا لِجَمِيعِ ما تَظُنُّونَهُ يَنْفَعُكُمْ، [فَهُوَ كَمَن بَيْنَهُ وبَيْنَ أعْدائِهِ هُدْنَةٌ فَأحَسَّ مِنهم بِغَدْرِهِ، فَنَبَذَ إلَيْهِمُ العَهْدَ، شَهَرَ ذَلِكَ النَّبْذَ وأشاعَهُ فَلَمْ يُخْفِهِ عَنْ أحَدٍ مِنهُمْ، وهو مِمّا اشْتَهَرَ أنَّهُ بَلَغَ النِّهايَةَ في الفَصاحَةِ والوَجازَةِ -]، أوْ أبْلَغْتُكم (p-٥١٢)جَمِيعَ ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَمْ أخُصَّ بِهِ أحَدًا دُونَ أحَدٍ، وهَذا كُلُّهُ مَعْنى ﴿عَلى سَواءٍ﴾ أيْ إيذانًا مُسْتَعْلِيًا عَلى أمْرِ نَصَفٍ وطَرِيقِ عَدْلٍ، لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن خَفاءٍ ولا غِشٍّ ولا خِداعٍ ولا غَدْرٍ، بَلْ نَسْتَوِي فِيهِ نَحْنُ وأنْتُمْ.
ولَمّا كانَ مِن لازِمِ البَراءَةِ مِن شَخْصٍ الإيقاعُ [بِهِ -] كانَ مَوْضِعَ أنْ يَقُولُوا هُزُؤًا عَلى عادَتِهِمْ: نَبَذْتَ إلَيْنا عَلى سَواءٍ فَعَجِّلْ لَنا ما تَتَوَعَّدُنا بِهِ، فَقالَ: ﴿وإنْ﴾ أيْ وما ﴿أدْرِي أقَرِيبٌ﴾ جِدًّا بِحَيْثُ يَكُونُ قُرْبُهُ عَلى ما تَتَعارَفُونَهُ ﴿أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ مِن عَذابِ اللَّهِ في الدُّنْيا بِأيْدِي المُسْلِمِينَ أوْ بِغَيْرِهِ، أوْ في الآخِرَةِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَلْحَقَ مَن أعْرَضَ عَنِ اللَّهِ الذُّلُّ والصَّغارُ.
21:110Page 331
إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡتُمُونَ ١١٠
Indeed, He knows what is declared of speech, and He knows what you conceal.
ولَمّا كانَ مِنَ المَقْطُوعِ بِهِ مِن كَوْنِ الشَّكِّ إنَّما هو في القُرْبِ أوِ البُعْدِ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لَكِنَّهُ مُحَقَّقُ الوُجُودِ، لِأنَّ اللَّهَ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، وقَرِيبٌ عِنْدَ اللَّهِ، لِأنَّ كُلَّ ما حَقَّقَ إيجادَهُ قَرِيبٌ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ أيِ اللَّهَ تَعالى ﴿يَعْلَمُ الجَهْرَ﴾ ولَمّا كانَ الجَهْرُ قَدْ يَكُونُ في الأفْعالِ، بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ القَوْلِ﴾ مِمّا تُجاهِرُونَهُ [بِهِ -] مِنَ العَظائِمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، [ونَبَّهَ اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ لِأنَّ مِن أحْوالِ الجَهْرِ أنْ تَرْتَفِعَ الأصْواتُ جِدًّا بِحَيْثُ تَخْتَلِطُ ولا يُمَيَّزُ بَيْنَها ولا يَعْرِفُ كَثِيرٌ مِن حاضِرِيها ما قالَهُ أكْثَرُ القائِلِينَ، فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يَشْغَلُهُ صَوْتٌ (p-٥١٣)عَنْ آخَرٍ ولا يَفُوتُهُ شَيْءٌ عَنْ ذَلِكَ ولَوْ كَثُرَ -] ﴿ويَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ مِمّا تُضْمِرُونَهُ مِنَ المَخازِي كَما قالَ تَعالى أوَّلَها ﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ في السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأنبياء: ٤] ومِن لازِمِ ذَلِكَ المُجازاةُ عَلَيْهِ بِما يَحِقُّ لَكم مِن تَعْجِيلٍ وتَأْجِيلٍ، فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ يُخَيِّبُ ظُنُونَكم ويُحَقِّقُ ما أقُولُ، فَتَقْطَعُونَ بِأنِّي صادِقٌ عَلَيْهِ ولَسْتُ بِساحِرٍ، ولا حالِمٍ ولا كاذِبٍ [ولا شاعِرٍ-]، فَهو مِن أبْلَغِ التَّهْدِيدِ فَإنَّهُ لا أعْظَمَ مِنَ التَّهْدِيدِ بِالعِلْمِ.
21:111Page 331
وَإِنۡ أَدۡرِي لَعَلَّهُۥ فِتۡنَةٞ لَّكُمۡ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ١١١
And I know not; perhaps it1 is a trial for you and enjoyment for a time."
ولَمّا كانَ الإمْهالُ قَدْ يَكُونُ نِعْمَةً، وقَدْ يَكُونُ نِقْمَةً، قالَ: ﴿وإنْ﴾ أيْ وما ﴿أدْرِي﴾ أيْ أيَكُونُ تَأْخِيرُ عَذابِكم نِعْمَةً لَكم كَما تَظُنُّونَ أوْ لا.
ولَمّا كانَ إلى كَوْنِهِ نِقْمَةً أقْرَبَ، قالَ مُعَبِّرًا عَمّا قَدَّرْتُهُ: ﴿لَعَلَّهُ﴾ أيْ تَأْخِيرَ العَذابِ وإيهامَ الوَقْتِ ﴿فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ أيِ اخْتِبارٌ مِنَ اللَّهِ لِيَظْهَرَ ما يَعْلَمُهُ مِنكم مِنَ الشَّرِّ لِغَيْرِهِ، لِأنَّ حالَكم حالُ مَن يُتَوَقَّعُ مِنهُ ذَلِكَ ﴿ومَتاعٌ﴾ لَكم تَتَمَتَّعُونَ بِهِ ﴿إلى حِينٍ﴾ أيْ بُلُوغِ مُدَّةِ آجالِكُمُ الَّتِي ضَرَبَها لَكم في الأزَلِ، ثُمَّ يَأْخُذُكم بَغْتَةً أخْذَةً يَسْتَأْصِلُكم بِها.
21:112Page 331
قَٰلَ رَبِّ ٱحۡكُم بِٱلۡحَقِّۗ وَرَبُّنَا ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ١١٢
[The Prophet (ﷺ)] has said, "My Lord, judge [between us] in truth. And our Lord is the Most Merciful, the one whose help is sought against that which you describe."1
ولَمّا كانَ اللّازِمُ مِن هَذِهِ الآياتِ تَجْوِيزَ أُمُورٍ تَهُمُّ سامِعَها وتُقْلِقُهُ لِلْعِلْمِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ مِن عَدْلٍ وفَضْلٍ، وكانَ مِنَ العَدْلِ جَوازُ تَعْذِيبِ الطّائِعِ وتَنْعِيمِ العاصِي، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ (p-٥١٤)الرَّسُولُ الشَّفُوقُ عَلى الأُمَّةِ حِينَ سَمِعَ هَذا الخِطابَ؟ فَقِيلَ: قالَ مُبْتَهِلًا إلى اللَّهِ تَعالى - هَذا عَلى قِراءَةِ حَفْصٍ. وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: لَمّا عَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّ ذَلِكَ مُقْلِقٌ، أمَرَهُ ﷺ بِما يُرَجِّي مَن يَقْلَقُ مِن أتْباعِهِ فَقالَ: ﴿قالَ رَبِّ﴾ أيْ [أيُّها -] المُحْسِنُ إلَيَّ في نَفْسِي واتِّباعِي بِامْتِثالِ أوامِرِكَ واجْتِنابِ نَواهِيكَ ﴿احْكُمْ﴾ أيْ أنْجِزِ الحُكْمَ بَيْنِي وبَيْنَ هَؤُلاءِ المُخالِفِينَ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالأمْرِ الَّذِي يَحِقُّ لِكُلٍّ مِنّا مِن نَصْرٍ وخِذْلانٍ عَلى ما أجْرَيْتَهُ مِن سُنَّتِكَ القَدِيمَةِ في أوْلِيائِكَ وأعْدائِكَ ﴿ما نُنَـزِّلُ المَلائِكَةَ إلا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨] أيِ الأمْرِ الفَصْلِ النّاجِزِ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وعَنْ مالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا شَهِدَ قِتالًا قالَ ﴿رَبِّ احْكم بِالحَقِّ﴾» [وفِي الآيَةِ أعْظَمُ حَثٍّ عَلى لُزُومِ الإنْسانِ بِالحَقِّ لِيَتَأهَّلَ لِهَذِهِ الدَّعْوَةِ -].
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَرَبُّنا المُنْتَقِمُ الجَبّارُ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ وهو قادِرٌ عَلى ما تُوعَدُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ [قَوْلَهُ -]: ﴿ورَبُّنا﴾ أيِ (p-٥١٥)المُحْسِنُ إلَيْنا أجْمَعِينَ؛ ثُمَّ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ أيِ العامُّ الرَّحْمَةِ لَنا ولَكم بِإدْرارِ النِّعَمِ عَلَيْنا، ولَوْلا عُمُومُ رَحْمَتِهِ لَأهْلَكَنا أجْمَعِينَ وإنْ كُنّا نَحْنُ أطَعْناهُ، لِأنّا لا نَقْدُرُهُ حَقَّ قَدْرِهِ ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] والحاصِلُ أنَّهُ لَمّا سَألَ ”الحَقَّ“ المُرادَ بِهِ الهَلاكُ لِلْعَدُوِّ والنَّجاةُ لِلْوَلِيِّ، أفْرَدَ الإضافَةَ إشارَةً إلى تَخْصِيصِهِ بِالفَضْلِ، وإفْرادِهِمْ بِالعَدْلِ، ولَمّا سَألَ العَوْنَ عَمَّ بِالإضافَةِ والصِّفَةِ قُنُوعًا بِتَرْجِيحِ جانِبِهِ بِالعَوْنِ وإنْ شَمِلَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، [ولِأنَّ مَن رَحِمْتَهم خَلَّيْتَهم عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ -] فَقالَ: ﴿المُسْتَعانُ﴾ أيِ المَطْلُوبُ مِنهُ العَوْنُ وهو خَبَرُ المُبْتَدَإ المَوْصُوفِ ﴿عَلى ما تَصِفُونَ﴾ مِمّا هو ناشِئٌ عَنْ غَفْلَتِكُمُ النّاشِئَةِ عَنْ إعْراضِكم عَنْ هَذا الذِّكْرِ مِنَ الاسْتِهْزاءِ والقَذْفِ بِالسِّحْرِ وغَيْرِهِ، والمُناصَبَةِ بِالعَداوَةِ والتَّوَعُّدِ بِكُلِّ شَرٍّ، فَقَدِ انْطَبَقَ آخِرُ السُّورَةِ عَلى أوَّلِها بِذِكْرِ السّاعَةِ رَدًّا عَلى قَوْلِهِ ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] وذِكْرِ غَفْلَتِهِمْ وإعْراضِهِمْ وذِكْرِ القُرْآنِ الَّذِي هو البَلاغُ، وذِكْرِ الرِّسالَةِ بِالرَّحْمَةِ لِمَن نَسَبُوهُ إلى السِّحْرِ وغَيْرِهِ، وتَفْصِيلِ ما اسْتَعْجَلُوا بِهِ مِن آياتِ الأوَّلِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقامَ الدَّلِيلُ بِالسَّمْعِ بَعْدَ العَقْلِ عَلى تَحَقُّقِ أمْرِ السّاعَةِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا شَرِيكَ لَهُ يَمْنَعُهُ مِن ذَلِكَ، وأنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى، وهو رَحْمَنٌ، فَمِن رَحْمَتِهِ إيجادُ يَوْمِ الدِّينِ لِيُجازِيَ فِيهِ المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، (p-٥١٦)والمُسِيءَ بِكُفْرانِهِ، وفي ذَلِكَ أعْظَمُ تَرْهِيبٍ في أعْلى حاثٍّ عَلى التَّقْوى لِلنَّجاةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وهو أوَّلُ الَّتِي تَلِيها - واللَّهُ المُوَفِّقُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences