Al-Biqa'iAl‑Anbya · 21:68–81

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Anbya 21:68–81

21:68Page 327

قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوٓاْ ءَالِهَتَكُمۡ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ٦٨

They said, "Burn him and support your gods - if you are to act."

ولَمّا وصَلَ بِهِمْ إلى هَذا الحَدِّ مِنَ البَيانِ، فَدَحَضَتْ حُجَّتُهُمْ، وبانَ عَجْزُهُمْ، وظَهَرَ الحَقُّ، وانْدَفَعَ الباطِلُ، فانْقَطَعُوا انْقِطاعًا فاضِحًا، أشارَ سُبْحانَهُ إلى الإخْبارِ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ اسْتِئْنافًا: ﴿قالُوا﴾ عادِلِينَ إلى (p-٤٤٤)العِنادِ واسْتِعْمالِ القُوَّةِ الحِسِّيَّةِ: ﴿حَرِّقُوهُ﴾ بِالنّارِ لِتَكُونُوا قَدْ فَعَلْتُمْ فِيهِ فِعْلًا هو أعْظَمُ مِمّا فَعَلَ بِآلِهَتِكم ﴿وانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ الَّتِي جَعَلَها جُذاذًا؛ وأشارَ التَّعْبِيرُ - بِأداةِ الشَّكِّ وفِعْلِ الكَوْنِ واسْمِ الفاعِلِ إلى أنَّ أذاهُ لا يَسُوغُ، ولَيْسَ الحامِلُ عَلَيْهِ إلّا حِيلَةً غَلَبَتْ عَلى الفِطْرَةِ الأُولى السَّلِيمَةِ - في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أيِ النُّصْرَةَ لَها، فَإنَّ النّارَ أهْوَلُ المُعاقِباتِ وأفْظَعُها، فَهي أزْجَرُ لِمَن يُرِيدُ مِثْلَ هَذا الفِعْلِ، واتْرُكُوا الجِدالَ فَإنَّهُ يُورِثُ ضِدَّ ما تُرِيدُونَ، ويُؤَثِّرُ عَكْسَ ما تَطْلُبُونَ، فَعَزَمُوا عَلى ذَلِكَ فَجَمَعُوا الحَطَبَ شَهْرًا ووَضَعُوهُ في جَوْبَةٍ مِنَ الأرْضِ أحاطُوا بِها جِدارًا كَما في الصّافّاتِ حَتّى كانَ ذَلِكَ الحَطَبُ كالجَبَلِ، وأضْرَمُوا فِيهِ النّارَ حَتّى كانَ عَلى صِفَةٍ لَمْ يُوجَدْ في الأرْضِ قَطُّ مِثْلُها، حَتّى إنْ كانَ الطّائِرُ لَيَمُرُّ بِها في الجَوِّ فَيَحْتَرِقُ، ثُمَّ ألْقَوْهُ فِيها بِالمَنجَنِيقِ فَقالَ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ - أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ولِأبِي يَعْلى عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ:

«"لَمّا أُلْقِيَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في النّارِ قالَ: اللَّهُمَّ! إنَّكَ في السَّماءِ واحِدٌ وأنا في الأرْضِ واحِدٌ، عَبَدَكَ وقالَ البَغْوِيُّ: أتاهُ خازِنُ المِياهِ فَقالَ: إنْ (p-٤٤٥)أرَدْتَ أخْمَدْتُ النّارَ، وأتاهُ خازِنُ الرِّياحِ فَقالَ: إنْ شِئْتَ طَيَّرْتُ النّارَ في الهَواءِ، فَقالَ إبْراهِيمُ: لا حاجَةَ [لِي -] إلَيْكم حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ». فَأرادَ اللَّهُ الَّذِي لَهُ القُوَّةُ جَمِيعًا سَلامَتَهُ مِنها، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ اسْتِئْنافًا لِجَوابِ مَن زادَ تَشَوُّفُهُ إلى ما كانَ مِن أمْرِهِ بَعْدَ الإلْقاءِ فِيها:

21:69Page 327

قُلۡنَا يَٰنَارُ كُونِي بَرۡدٗا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ ٦٩

We [i.e., Allāh] said, "O fire, be coolness and safety upon Abraham."

﴿قُلْنا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا ﴿يا نارُ كُونِي﴾ بِإرادَتِنا الَّتِي لا يَتَخَلَّفُ عَنْها مُرادٌ ﴿بَرْدًا﴾ ولَمّا كانَ البَرْدُ قَدْ يَكُونُ ضارًّا قالَ: ﴿وسَلامًا﴾ فَكانَتْ كَذَلِكَ، فَلَمْ تُحْرِقْ [مِنهُ -] إلّا وثاقَهُ.

ولَمّا كانَ المُرادُ اخْتِصاصَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا قَيَّدَهُ بِهِ، ولَمّا كانَ المُرادُ حَياتَهُ ولا بُدَّ، عَبَّرَ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿عَلى إبْراهِيمَ﴾ أيْ فَكانَ ما أرَدْنا مِن سَلامَتِهِ، ورَوى البَغْوِيُّ مِن طَرِيقِ البُخارِيِّ عَنْ أُمِّ شَرِيكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «”أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمَرَ بِقَتْلِ الوَزَغِ وقالَ: كانَ يَنْفُخُ [النّارَ -] عَلى إبْراهِيمَ». وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقالَ ابْنُ [أبِي -] حاتِمٍ: حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أخِي ابْنِ وهْبٍ [ثَنا عَمِّي -] عَنْ جَرِيرِ بْنِ حازِمٍ أنَّ نافِعًا حَدَّثَهُ قالَ: حَدَّثَتْنِي مَوْلاةُ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ قالَتْ: «دَخَلْتُ عَلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَرَأيْتُ في (p-٤٤٦)بَيْتِها رُمْحًا فَقُلْتُ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ! ما تَصْنَعِينَ بِهَذا الرُّمْحِ؟ فَقالَتْ: نَقْتُلُ بِهِ هَذِهِ الأوْزاغَ، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ دابَّةٌ إلّا تُطْفِئُ عَنْهُ غَيْرَ الوَزَغِ، فَإنَّهُ كانَ يَنْفُخُ عَلى إبْراهِيمَ فَأمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِهِ“».

21:70Page 327

وَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيۡدٗا فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَخۡسَرِينَ ٧٠

And they intended for him a plan [i.e., harm], but We made them the greatest losers.

ولَمّا قَدَّمَ ما نَبَّهَ عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِهِ [لِإفْهامِهِ -] أنَّهُ حَكَمَ بِسَلامَتِهِ مِن كَيْدِهِمْ عِنْدَ هَمِّهِمْ بِهِ فَكَيْفَ بِما بَعْدَهُ! قالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَألْقَوْهُ فِيها: ﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ [أيْ مَكْرًا بِإضْرارِهِ -]بِالنّارِ وبَعْدَ خُرُوجِهِ مِنها ﴿فَجَعَلْناهُمُ﴾ [أيْ -] بِما لَنا مِنَ الجَلالِ.

[ولَمّا كانُوا قَدْ أرادُوا بِما صَنَعُوا لَهُ مِنَ العَذابِ أنْ يَكُونَ أسْفَلَ مِنهم أهْلِ ذَلِكَ الجَمْعِ، وكانَ السِّياقُ لِتَحْقِيقِ أمْرِ السّاعَةِ الَّذِي هو مَقْصُودُ السُّورَةِ، وكانَ الصّائِرُ إلَيْها المُفَرِّطُ فِيها بِالتَّكْذِيبِ بِها قَدْ خَسِرَ خَسارَةً لا جَبْرَ لَها لِفَواتِ مَحَلِّ الِاسْتِدْراكِ، قالَ-]: ﴿الأخْسَرِينَ﴾ لِأنَّ فَضِيحَتَهم في الدُّنْيا المُوجِبَةَ لِلْعَذابِ في الأُخْرى كانَتْ بِنَفْسِ فِعْلِهِمُ الَّذِي كادُوهُ بِهِ، ولَمْ يَذْكُرْ سُبْحانَهُ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أنَّهُ سَخَّرَ لَهُ النّارَ في يَوْمِ الظُّلَّةِ فَأحْرَقَتْ مَن عَصاهُ، لِأنَّ فِعْلَ النّارِ بِقَوْمِهِ كانَ عَلى ما هو المَعْهُودُ مِن أمْرِها بِخِلافِ فِعْلِها مَعَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ عَلى خِلافِ (p-٤٤٧)المُعْتادِ، وقَدْ وقَعَ مِثْلُ هَذا لِبَعْضِ أتْباعِ نَبِيِّنا ﷺ، وهو أبُو مُسْلِمٍ الخَوْلانِيُّ، طَلَبَهُ الأسْوَدُ العَنْسِيُّ لَمّا ادَّعى النُّبُوَّةَ فَقالَ لَهُ: أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قالَ: ما أسْمَعُ، قالَ: أتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قالَ: نَعَمْ! فَأمَرَ بِنارٍ فَأُلْقِيَ فِيها فَوَجَدُوهُ قائِمًا يُصَلِّي فِيها وقَدْ صارَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا، وقَدِمَ المَدِينَةَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ فَأجْلَسَهُ عُمَرُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتّى أرانِي مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَن فَعَلَ بِهِ كَما فَعَلَ بِإبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ.

21:71Page 327

وَنَجَّيۡنَٰهُ وَلُوطًا إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا لِلۡعَٰلَمِينَ ٧١

And We delivered him and Lot to the land which We had blessed for the worlds [i.e., peoples].

ولَمّا كانَ إنْجاؤُهُ - وهو وحْدَهُ - مِمَّنْ أرادُوا بِهِ هَذا الأمْرَ العَظِيمَ مِنَ العَجائِبِ فَكَيْفَ إذا انْضَمَّ إلَيْهِ غَيْرُهُ، ولَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ الغَيْرِ آيَةٌ تَمْنَعُهم [عَنْهُ -] كَما كانَ في إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ: ﴿ونَجَّيْناهُ﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا ﴿ولُوطًا﴾ [أيِ -] ابْنَ أخِيهِ وصَدِيقَهُ لِكَوْنِهِ آمَنَ بِهِ وصَدَّقَهُ، مِن بِلادِهِما كُوثى بِلادِ العِراقِ، مُنْتَهِيَيْنِ إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِإلى الدّالَّةِ عَلى تَضْمِينِ ”انْتَهى“ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هُناكَ غايَةً طَوِيلَةً، فَإنَّهُما خَرَجا مِن كُوثى مِن أرْضِ العِراقِ إلى حَرّانَ ثُمَّ مِن حَرّانَ (p-٤٤٨)﴿إلى الأرْضِ﴾ المُقَدَّسَةِ ﴿الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ بِأنْ مَلَأْناها مِنَ الخَيْراتِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ بِما فِيها مِنَ المِياهِ الَّتِي بِها حَياةُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْجارِ والزُّرُوعِ وغَيْرِها، وما ظَهَرَ مِنها مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ مَلَؤُوا الأرْضَ نُورًا ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ كَما أنْجَيْناكَ أنْتَ يا أشْرَفَ أوْلادِهِ وصَدِيقَكَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى طَيْبَةَ الَّتِي شَرَّفْناها بِكَ، وبَثَثْنا مِن أنْوارِها في أرْجاءِ الأرْضِ وأقْطارِها ما [لَمْ -] نَبُثَّ مِثْلَهُ قَطُّ، وبارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ، بِالخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ وغَيْرِهِمْ مِنَ العُلَماءِ والصّالِحِينَ، الَّذِينَ انْبَثَّتْ خَيْراتُهُمُ العِلْمِيَّةُ والعَمَلِيَّةُ والمالِيَّةُ في جَمِيعِ الأقْطارِ.

21:72Page 327

وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ نَافِلَةٗۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا صَٰلِحِينَ ٧٢

And We gave him Isaac and Jacob in addition, and all [of them] We made righteous.

ولَمّا أوْلَدَ لَهُ في حالِ شَيْخُوخَتِهِ وعَجْزِ امْرَأتِهِ مَعَ كَوْنِها عَقِيمًا، وكانَ ذَلِكَ دالًّا عَلى الِاقْتِدارِ عَلى البَعْثِ الَّذِي السِّياقُ كُلُّهُ لَهُ، قالَ: ﴿ووَهَبْنا﴾ دالًّا عَلى ذَلِكَ بِنُونِ العَظَمَةِ ﴿لَهُ إسْحاقَ﴾ أيْ مِن شِبْهِ العَدَمِ، وتَرَكَ شَرْحَ حالِهِ لِتَقَدُّمِهِ، أيْ فَكانَ ذَلِكَ دالًّا عَلى اقْتِدارِنا عَلى ما نُرِيدُ لا سِيَّما مِن إعادَةِ الخَلْقِ في يَوْمِ الحِسابِ؛ ولَمّا كانَ قَدْ يُظَنُّ أنَّهُ - لِتَوَلُّدِهِ بَيْنَ شَيْخٍ فانٍ وعَجُوزٍ مَعَ يَأْسِها عَقِيمٍ - كانَ عَلى حالَةٍ مِنَ الضَّعْفِ، لا يُولَدُ لِمِثْلِهِ مَعَها، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ أيْ ولَدَ إسْحاقَ زِيادَةً عَلى ما دَعا بِهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِما السَّلامُ؛ ثُمَّ نَمّى سُبْحانَهُ أوْلادَ يَعْقُوبَ - وهو إسْرائِيلُ - وذُرِّيّاتِهِمْ إلى أنْ سامُوا النُّجُومَ عِدَّةً، وبارَوُا الجِبالَ شِدَّةً ﴿وكُلا﴾ مِن هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ؛ وعَظَّمَ رُتْبَتَهم بِقَوْلِهِ: ﴿جَعَلْنا صالِحِينَ﴾ (p-٤٤٩)أيْ مُهَيَّئِينَ - لِطاعَتِهِمْ لِلَّهِ - لِكُلِّ ما يُرِيدُونَهُ أوْ يُرادُونَ لَهُ أوْ يُرادُ مِنهُمْ، وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ العاصِيَ هالِكٌ، لا يَصْلُحُ لِشَيْءٍ وإنْ طالَ عُمْرُهُ، واشْتَدَّ أمْرُهُ، لِأنَّ العِبْرَةَ بِالعاقِبَةِ.

21:73Page 328

وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِمۡ فِعۡلَ ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِۖ وَكَانُواْ لَنَا عَٰبِدِينَ ٧٣

And We made them leaders guiding by Our command. And We inspired to them the doing of good deeds, establishment of prayer, and giving of zakāh; and they were worshippers of Us.

ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ أعْطاهم رُتْبَةَ الصَّلاحِ في أنْفُسِهِمْ، ذَكَرَ أنَّهُ أعْطاهم رُتْبَةَ الإصْلاحِ لِغَيْرِهِمْ، فَقالَ مُعَظِّمًا لِإمامَتِهِمْ: ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً﴾ أيْ أعْلامًا ومَقاصِدَ يُقْتَدى بِهِمْ في الدِّينِ بِما أعْطاهم مِنَ النُّبُوَّةِ. ولَمّا كانَ الإمامُ قَدْ يَدْعُو إلى الرَّدى، ويَصُدُّ عَنِ الهُدى، إذا كانَتْ إمامَتُهُ ظاهِرَةً لا يَصْحَبُها صَلاحٌ باطِنٌ، احْتَرَزَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَهْدُونَ﴾ أيْ يَدْعُونَ إلَيْنا مَن وفَّقْناهُ لِلْهِدايَةِ ﴿بِأمْرِنا﴾ وهو الرُّوحُ الَّذِي هو العَمَلُ المُؤَسَّسُ عَلى العِلْمِ بِإخْبارِ المَلائِكَةِ بِهِ [عَنّا-]، ولِإفْهامِ ذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُعَظِّمًا لِوَحْيِهِ [إلَيْهِمْ-]: ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ﴾ [أيْ -] أيْضًا ﴿فِعْلَ﴾ أيْ أنْ يَفْعَلُوا ﴿الخَيْراتِ﴾ كُلِّها وهي شَرائِعُ الدِّينِ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِالفِعْلِ دَلالَةً عَلى أنَّهُمُ امْتَثَلُوا [كُلَّ -] ما أُوحِيَ إلَيْهِمْ.

ولَمّا كانَتِ الصَّلاةُ أُمَّ الخَيْراتِ، خَصَّها بِالذِّكْرِ فَقالَ: ﴿وإقامَ الصَّلاةِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الإضافَةُ عِوَضٌ عَنْ تاءِ التَّأْنِيثِ. [يَعْنِي فَيَكُونُ مِنَ الغالِبِ لا مِنَ القَلِيلِ-]، وكانَ سِرُّ الحَذْفِ تَعْظِيمَ (p-٤٥٠)الصَّلاةِ لِأنَّها مَعَ نَقْصِها عَنْ صَلاتِنا [لِما أشارَ إلَيْهِ الحَذْفُ - ] - بِهَذِهِ المَنزِلَةِ مِنَ العَظَمَةِ فَما الظَّنُّ بِصَلاتِنا.

ولَمّا كانَتِ الصَّلاةُ بَيْنَ العَبْدِ والحَقِّ، وكانَ رُوحُها الإعْراضَ عَنْ كُلِّ فانٍ، عَطَفَ عَلَيْها قَوْلَهُ: ﴿وإيتاءَ الزَّكاةِ﴾ [أيِ الَّتِي هي مَعَ كَوْنِها إحْسانًا إلى الخَلْقِ بِما دَعَتِ الصَّلاةُ إلى الِانْسِلاخِ عَنْهُ مِنَ الدُّنْيا، فَفَعَلُوا ما أوْحَيْناهُ إلَيْهِمْ] ﴿وكانُوا لَنا﴾ دائِمًا جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿عابِدِينَ﴾ أيْ فاعِلِينَ لِكُلِّ ما يَأْمُرُونَ بِهِ غَيْرَهُمْ، فِعْلَ العَبْدِ مَعَ مَوْلاهُ مِن كُلِّ ما يَجِبُ لَهُ مِنَ الخِدْمَةِ، ويَحِقُّ لَهُ مِنَ التَّعْظِيمِ والحُرْمَةِ.

21:74Page 328

وَلُوطًا ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗا وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِي كَانَت تَّعۡمَلُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمَ سَوۡءٖ فَٰسِقِينَ ٧٤

And to Lot We gave judgement and knowledge, and We saved him from the city that was committing wicked deeds. Indeed, they were a people of evil, defiantly disobedient.

ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ قَدْ سَخَّرَ لِصَدِيقِهِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إهْلاكَ مَن عَصاهُ في أوَّلِ الأمْرِ بِحِجارَةِ الكِبْرِيتِ الَّتِي هي مِنَ النّارِ، وفي آخِرِهِ بِالماءِ الَّذِي هو أقْوى مِنَ النّارِ، تَلاهُ بِهِ فَقالَ: ﴿ولُوطًا﴾ أيْ وآتَيْناهُ أوْ واذْكُرْ لُوطًا؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿آتَيْناهُ﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا ﴿حُكْمًا﴾ أيْ نُبُوَّةً [وعَمَلًا مُحْكَمًا بِالعِلْمِ -] ﴿وعِلْمًا﴾ مُزَيَّنًا بِالعَمَلِ ﴿ونَجَّيْناهُ﴾ بِانْفِرادِنا بِالعَظَمَةِ.

ولَمّا كانَتْ مادَّةُ ”قَرا“ تَدُلُّ عَلى الجَمْعِ، قالَ: ﴿مِنَ القَرْيَةِ﴾ المُسَمّاةِ سَدُومَ، [أيْ مِن عَذابِهِمْ وجَمِيعِ شُرُورِهِمْ، وأفْرَدَ تَنْبِيهًا عَلى عُمُومِها بِالقَلْعِ والقَلْبِ وأنَّهُ كانَ في غايَةِ السُّهُولَةِ والسُّرْعَةِ -]، وقالَ (p-٤٥١)أبُو حَيّانَ: وكانَتْ سَبْعًا، عَبَّرَ عَنْها بِالواحِدَةِ لِاتِّفاقِ أهْلِها عَلى الفاحِشَةِ.

﴿الَّتِي كانَتْ﴾ قَبْلَ إنْجائِنا لَهُ مِنها ﴿تَعْمَلُ الخَبائِثَ﴾ بِالذُّكْرانِ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الطُّغْيانِ، فاسْتَحَقُّوا النّارَ الَّتِي هي أمَرُّ المُؤْلِماتِ، بِما ارْتَكَبُوا مِنَ الشَّهْوَةِ المَحْظُورَةِ لِعَدِّهِمْ لَها أحْلى المُلَذَّذاتِ، والغَمْرَ بِالماءِ القَذِرِ المُنْتِنِ الَّذِي جَعَلْناهُ - مَعَ أنّا جَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ - لا يَعِيشُ فِيهِ حَيَوانٌ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَتَوَلَّدَ مِنهُ، ولا يَنْتَفِعُ بِهِ، لِما خامَرُوا مِنَ القَذَرِ الَّذِي لا ثَمَرَةَ لَهُ.

ولَمّا كانَ في هَذا إشارَةٌ إلى إهْلاكِ القَرْيَةِ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: ودَمَّرْنا عَلَيْهِمْ بَعْدَ انْفِصالِهِ عَنْهُمْ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم كانُوا﴾ أيْ بِما جُبِلُوا عَلَيْهِ ﴿قَوْمَ سَوْءٍ﴾ أيْ ذَوِي قُدْرَةٍ عَلى الشَّرِّ بِانْهِماكِهِمْ في الأعْمالِ السَّيِّئَةِ ﴿فاسِقِينَ﴾ خارِجِينَ مِن كُلِّ خَيْرٍ،

21:75Page 328

وَأَدۡخَلۡنَٰهُ فِي رَحۡمَتِنَآۖ إِنَّهُۥ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٧٥

And We admitted him into Our mercy. Indeed, he was of the righteous.

ثُمَّ زادَ الإشارَةَ وُضُوحًا بِقَوْلِهِ: ﴿وأدْخَلْناهُ﴾ أيْ دُونَهم بِعَظَمَتِنا ﴿فِي رَحْمَتِنا﴾ أيْ في الأحْوالِ السَّنِيَّةِ، والأقْوالِ العَلِيَّةِ، والأفْعالِ الزَّكِيَّةِ، الَّتِي هي سَبَبُ الرَّحْمَةِ العُظْمى ومُسَبَّبَةٌ عَنْها؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [أيْ -] لِما جَبَلْناهُ عَلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ.

21:76Page 328

وَنُوحًا إِذۡ نَادَىٰ مِن قَبۡلُ فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَنَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ ٧٦

And [mention] Noah, when he called [to Allāh]1 before [that time], so We responded to him and saved him and his family from the great affliction [i.e., the flood].

ولَمّا أتَمَّ سُبْحانَهُ قِصَّةَ لُوطٍ المُناسِبَةَ لِقِصَّةِ الخَلِيلِ عَلَيْهِما السَّلامُ بِحِجارَةِ الكِبْرِيتِ، ولِقِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالماءِ الَّذِي غُمِرَتْ بِهِ قُراهُ السَّبْعُ، أتْبَعَ ذَلِكَ قِصَّةَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي سَخَّرَ لَهُ [مِنَ -] الماءِ ما لَمْ يُسَخِّرْهُ (p-٤٥٢)لِغَيْرِهِ لِغَمْرِهِ جَمِيعَ الأرْضِ دانِيها وقاصِيها، واطِيها وعالِيها، فَقالَ: ﴿ونُوحًا إذْ﴾ أيِ اذْكُرْهُ حِينَ ﴿نادى﴾ أيْ دَعا رَبَّهُ ﴿أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] و﴿لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ونَحْوَهُ مِنَ الدُّعاءِ.

ولَمّا كانَ دُعاؤُهُ لَمْ يَسْتَغْرِقِ الأزْمِنَةَ الماضِيَةَ، أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ لُوطٍ ومَن تَقَدَّمَهُ ﴿فاسْتَجَبْنا﴾ أيْ أرَدْنا الإجابَةَ وأوْجَدْناها بِعَظَمَتِنا ﴿لَهُ﴾ في ذَلِكَ النِّداءِ؛ [ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ -]: ﴿فَنَجَّيْناهُ﴾ [أيْ بِعَظَمَتِنا تَنْجِيَةً عَظِيمَةً -] ﴿وأهْلَهُ﴾ الَّذِينَ أدامَ ثَباتَهم عَلى الإسْلامِ وصِلَتَهم بِهِ ﴿مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ مِنَ الأذى والغَرَقِ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: والكَرْبُ: أقْصى الغَمِّ، والأخْذُ بِالنَّفْسِ، وهو هُنا الغَرَقُ، عَبَّرَ عَنْهُ بِأوَّلِ أحْوالِ ما يَأْخُذُ الغَرِيقَ.

21:77Page 328

وَنَصَرۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمَ سَوۡءٖ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٧٧

And We aided [i.e., saved] him from the people who denied Our signs. Indeed, they were a people of evil, so We drowned them, all together.

﴿ونَصَرْناهُ﴾ أيْ مُخَلِّصِينَ لَهُ ومانِعِينَ [ومُنْتَقِمِينَ -] ﴿مِنَ القَوْمِ﴾ أيِ المُتَّصِفِينَ بِالقُوَّةِ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا التَّكْذِيبَ لَهُ ﴿بِآياتِنا﴾ أيْ بِسَبَبِ إتْيانِهِ بِها، وهي مِنَ العَظَمَةِ عَلى أمْرٍ لا يَخْفى.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ثُمَّ أهْلَكْناهُمْ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ لا عَمَلَ لَهم إلّا ما يَسُوءُ ﴿فَأغْرَقْناهُمْ﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا الَّتِي أتَتْ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ ﴿أجْمَعِينَ﴾ حَتّى مَن قَطَعَ الكُفْرُ بَيْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَهُ (p-٤٥٣)مِن أهْلِهِ فَصارَ لا يُعَدُّ مِن أهْلِهِ، لِاخْتِلافِ الِانْتِسابِ بِالدِّينِ.

21:78Page 328

وَدَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ إِذۡ يَحۡكُمَانِ فِي ٱلۡحَرۡثِ إِذۡ نَفَشَتۡ فِيهِ غَنَمُ ٱلۡقَوۡمِ وَكُنَّا لِحُكۡمِهِمۡ شَٰهِدِينَ ٧٨

And [mention] David and Solomon, when they judged concerning the field - when the sheep of a people overran it [at night],1 and We were witness to their judgement.

ولَمّا كانَ رُبَّما قِيلَ: لِمَ قَدَّمَ إبْراهِيمَ ومَن مَعَهُ عَلى نُوحٍ وهو أبُوهم ومِن أُولِي العَزْمِ، ومُوسى وهارُونَ عَلى إبْراهِيمَ وهو كَذَلِكَ، أشارَ بِقِصَّةِ داوُدَ وسُلَيْمانَ - عَلى جَمِيعِهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى أنَّهُ رُبَّما يَفْضُلُ الِابْنُ الأبَ في أمْرٍ، فَرُبَّما قَدَّمَ لِأجْلِهِ وإنْ كانَ لا يَلْزَمُ مِنهُ تَقْدِيمُهُ مُطْلَقًا، مَعَ ما فِيها مِن أمْرِ الحَرْثِ الَّذِي هو أنْسَبُ شَيْءٍ لِما بَعْدَ غَيْضِ الماءِ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، هَذا في أوَّلِهِ وأمّا في آخِرِهِ فَما يُنْبِتُهُ مِثالٌ لِلدُّنْيا في بَهْجَتِها وغُرُورِها، وانْقِراضِها ومُرُورِها، ومِن تَصْرِيفِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجِبالِ وهي أشَدُّ التُّرابِ الَّذِي هو أقْوى مِنَ الماءِ، وفي الحَدِيدِ وهو أقْوى مِن تُرابِ الجِبالِ، وسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الرِّيحِ وهي أقْوى مِنَ التُّرابِ فَقالَ: ﴿وداوُدَ﴾ [أيْ أوَّلَ مَن مَلَكَ ابْنُهُ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ -] ﴿وسُلَيْمانَ﴾ ابْنَهُ، أيِ اذْكُرْهُما واذْكُرْ شَأْنَهُما ﴿إذْ﴾ [أيْ حِينَ -] ﴿يَحْكُمانِ في الحَرْثِ﴾ الَّذِي أنْبَتَ الزَّرْعَ، وهو مِن إطْلاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ كالسَّماءِ عَلى المَطَرِ والنَّبْتِ، قِيلَ: كانَ ذَلِكَ كَرْمًا، وقِيلَ: زَرْعًا ﴿إذْ نَفَشَتْ﴾ (p-٤٥٤)أيِ انْتَشَرَتْ لَيْلًا بِغَيْرِ راعٍ ﴿فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ﴾ الَّذِينَ لَهم قُوَّةٌ عَلى حِفْظِها فَرَعَتْهُ؛ قالَ قَتادَةُ: النَّفَشُ بِاللَّيْلِ، والهَمَلُ بِالنَّهارِ.

﴿وكُنّا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا الَّتِي لا تُقِرُّ عَلى خِلافِ الأوْلى في شَرْعٍ مِنَ الشُّرُوعِ ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾ أيِ الحَكَمَيْنِ والمُتَحاكِمَيْنِ إلَيْهِما ﴿شاهِدِينَ﴾ لَمْ يَغِبْ عَنّا ذَلِكَ ولا شَيْءٌ مِن أمْرِهِمْ هَذا ولا غَيْرِهِ، فَلِذَلِكَ غَيَّرْنا عَلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ تِلْكَ الحُكُومَةَ مَعَ كَوْنِهِ ولِيَّنا وهو مَأْجُورٌ في اجْتِهادِهِ [لِأنَّ الأوْلى خِلافُها، فَإنَّهُ حَكَمَ بِأنْ يَمْتَلِكَ صاحِبُ الحَرْثِ الغَنَمَ بِما أفْسَدَتْ مِنَ الكَرْمِ، فَكَأنَّهُ رَأى قِيمَةَ الغَنَمِ قِيمَةَ ما أفْسَدَتْ -]

21:79Page 328

فَفَهَّمۡنَٰهَا سُلَيۡمَٰنَۚ وَكُلًّا ءَاتَيۡنَا حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَسَخَّرۡنَا مَعَ دَاوُۥدَ ٱلۡجِبَالَ يُسَبِّحۡنَ وَٱلطَّيۡرَۚ وَكُنَّا فَٰعِلِينَ ٧٩

And We gave understanding of it [i.e., the case] to Solomon, and to each [of them] We gave judgement and knowledge. And We subjected the mountains to exalt [Us], along with David and [also] the birds. And We were doing [that].1

﴿فَفَهَّمْناها﴾ أيِ الحُكُومَةَ [بِما لَنا مِنَ العِلْمِ الشّامِلِ والقُدْرَةِ الكامِلَةِ عَلى رَفْعِ مَن نَشاءُ -] ﴿سُلَيْمانَ﴾ فَقالَ: تُسَلَّمُ الغَنَمُ لِصاحِبِ الكَرْمِ لِيَرْتَفِقَ بِلَبَنِها ونَسْلِها وصُوفِها ومَنافِعِها، ويَعْمَلُ صاحِبُها في الكَرْمِ حَتّى يَعُودَ كَما كانَ فَيَأْخُذُ حَرْثَهُ، وتُرَدُّ الغَنَمُ إلى صاحِبِها، وهَذا أرْفَقُ بِهِما. وهَذا أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى ما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ عِنْدَ ﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ﴾ [الأنبياء: ٤] و﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١] ﴿إذْ قالَ لأبِيهِ﴾ [الأنبياء: ٥٢] وفِيهِ رَدٌّ عَلَيْهِمْ في غَيْظِهِمْ مِنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ (p-٤٥٥)عَلَيْهِ وسَلَّمَ في تَسْفِيهِ الآباءِ والرَّدِّ عَلَيْهِمْ كَما في قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَنْكَرٍ أنْ يَفْضُلَ الِابْنُ أباهُ ولَوْ في شَيْءٍ، [والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الحُكْمَ يُنْقَضُ بِالِاجْتِهادِ إذا ظَهَرَ ما هو أقْوى مِنهُ ].

ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْهَمَ شَيْئًا في أمْرِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، نَفاهُ بِقَوْلِهِ دالًّا عَلى أنَّهُما عَلى الصَّوابِ في الِاجْتِهادِ وإنْ كانَ المُصِيبُ في الحُكْمِ إنَّما هو أحَدُهُما ﴿وكُلا﴾ أيْ مِنهُما ﴿آتَيْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿حُكْمًا﴾ أيْ [نُبُوَّةً -] وعَمَلًا مُؤَسَّسًا عَلى حِكْمَةِ العِلْمِ، [وهَذا مَعْنى ما قالُوهُ في قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ مِنَ الشِّعْرِ حُكْمًا» - أيْ قَوْلًا صادِقًا مُطابِقًا لِلْحَقِّ -] ﴿وعِلْمًا﴾ مُؤَيَّدًا بِصالِحِ العَمَلِ، وعَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَوْلا هَذِهِ الآيَةُ لَرَأيْتُ القُضاةَ قَدْ هَلَكُوا، ولَكِنَّهُ أثْنى عَلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِصَوابِهِ، وعَذَرَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِاجْتِهادِهِ انْتَهى. وأتْبَعَهُ مِنَ الخَوارِقِ ما يَشْهَدُ لَهُ [بِالتَّقَدُّمِ والفَضْلِ فَقالَ -] فَقالَ: ﴿وسَخَّرْنا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا الَّتِي لا يَعِيبُها شَيْءٌ.

ولَمّا كانَ هَذا الخارِقُ في التَّنْزِيهِ، لَمْ يُعَدِّ الفِعْلَ بِاللّامِ زِيادَةً في (p-٤٥٦)التَّنْزِيهِ وإبْعادًا عَمّا رُبَّما أوْهَمَ غَيْرَهُ فَقالَ مُقَدِّمًا ما هو أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ في ذَلِكَ لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ النُّطْقِ: ﴿مَعَ داوُدَ الجِبالَ﴾ أيِ الَّتِي هي أقْوى مِنَ الحَرْثِ، حالَ كَوْنِهِنَّ ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ مَعَهُ، ولَوْ شِئْنا لَجَعَلْنا الحَرْثَ أوِ الغَنَمَ يُكَلِّمُهُ بِصَوابِ الحُكْمِ، ولَمْ يَذْكُرْ ناقَةَ صالِحٍ لِأنَّها مُقْتَرَحَةٌ مُوجِبَةٌ لِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، فَلَمْ يُناسِبْ ذِكْرُها هُنا، لِما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَقَدْ أنْـزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠] ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وهَذِهِ الآياتُ الَّتِي ذُكِرَتْ هُنا لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مُقْتَرَحٌ ﴿والطَّيْرَ﴾ الَّتِي سَخَّرْنا لَها الرِّياحَ الَّتِي هي أقْوى مِنَ الجِبالِ [و -] أكْثَرُ سُكْناها الجِبالُ، سَخَّرْناها مَعَهُ تُسَبِّحُ ﴿وكُنّا فاعِلِينَ﴾ أيْ مِن شَأْنِنا الفِعْلُ لِأمْثالِ هَذِهِ الأفاعِيلِ، ولِكُلِّ شَيْءٍ نُرِيدُهُ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ المُحِيطَةِ، فَلا تَسْتَكْثِرُوا عَلَيْنا أمْرًا وإنْ كانَ عِنْدَكم عَجَبًا، وقَدِ اتَّفَقَ نَحْوُ هَذا لِغَيْرِ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، كانَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ إذا دَخَلَ بَيْتَهُ سَبَّحَتْ مَعَهُ ابْنَتُهُ، هَذا مَعَ أنَّ الطَّعامَ كانَ يُسَبِّحُ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ والحَصا وغَيْرَهُ.

21:80Page 328

وَعَلَّمۡنَٰهُ صَنۡعَةَ لَبُوسٖ لَّكُمۡ لِتُحۡصِنَكُم مِّنۢ بَأۡسِكُمۡۖ فَهَلۡ أَنتُمۡ شَٰكِرُونَ ٨٠

And We taught him the fashioning of coats of armor to protect you from your [enemy in] battle. So will you then be grateful?

ولَمّا ذَكَرَ التَّسْخِيرَ بِالتَّسْبِيحِ، أشارَ إلى تَسْخِيرِ الحَدِيدِ الَّذِي هو (p-٤٥٧)أقْوى تُرابِ الجِبالِ وأصْلَبُهُ وأصْفاهُ فَقالَ: ﴿وعَلَّمْناهُ﴾ [أيْ بِعَظَمَتِنا] ﴿صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾ قالَ البَغْوِيُّ: وهو في اللُّغَةِ اسْمٌ لِكُلِّ ما يُلْبَسُ ويُسْتَعْمَلُ في الأسْلِحَةِ كُلِّها، وهو كالجُلُوسِ والرُّكُوبِ.

﴿لَكُمْ﴾ أيْ لِتَلْبَسُوهُ في حَرْبِكُمْ، وألَنّا لَهُ في عَمَلِهِ الحَدِيدَ لِيَجْتَمِعَ لَهُ إلى العِلْمِ سُهُولَةُ العَمَلِ فَيَأْتِي كَما يُرِيدُ ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ أيِ اللَّبُوسُ أوْ داوُدُ أوِ اللَّهُ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ في حِصْنٍ مانِعٍ، وهو مَعْنى قِراءَةِ النُّونِ الدّالِّ عَلى مَقامِ العَظَمَةِ عِنْدَ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ورُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ، وقِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ وابْنِ عامِرٍ وحَفْصٍ بِالفَوْقانِيَّةِ لِلدُّرُوعِ نَظَرًا إلى الجِنْسِ ﴿مِن بَأْسِكُمْ﴾ الكائِنِ مِمّا يَحْصُلُ مِن بَعْضِكم لِبَعْضٍ مِن شَدائِدِ الحَرْبِ لا مِنَ البَأْسِ كُلِّهِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ لَنا عَلى ذَلِكَ لِتُوَحِّدُونا وتُؤْمِنُوا بِأنْبِيائِنا؛ قالَ البَغْوِيُّ: قالَ قَتادَةُ: أوَّلُ مَن صَنَعَ الدُّرُوعَ وسَرَدَها وحَلَقَها داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَتْ مِن قَبْلُ صَفائِحَ، والدِّرْعُ يَجْمَعُ الخِفَّةَ والحَصانَةَ.

21:81Page 328

وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةٗ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦٓ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيۡءٍ عَٰلِمِينَ ٨١

And to Solomon [We subjected] the wind, blowing forcefully, proceeding by his command toward the land which We had blessed. And We are ever, of all things, Knowing.

ولَمّا كانَ قَدْ سَخَّرَ لِابْنِهِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ الرِّيحَ الَّتِي هي أقْوى (p-٤٥٨)مِن بَقِيَّةِ العَناصِرِ قالَ: ﴿ولِسُلَيْمانَ﴾ مُعَبِّرًا بِاللّامِ لِأنَّها كانَتْ تَحْتَ أمْرِهِ لِنَفْعِهِ ولا إبْهامَ في العِبارَةِ ﴿الرِّيحَ﴾ قالَ البَغْوِيُّ: وهي جِسْمٌ لَطِيفٌ يَمْتَنِعُ بِلُطْفِهِ مِنَ القَبْضِ عَلَيْهِ، ويَظْهَرُ لِلْحِسِّ بِحَرَكَتِهِ، وكانَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَأْمُرُ بِالخَشَبِ فَيُضْرَبُ لَهُ، فَإذا حُمِلَ عَلَيْهِ ما يُرِيدُ مِنَ الدَّوابِّ والنّاسِ وآلَةِ الحَرْبِ أمَرَ العاصِفَةَ فَدَخَلَتْ تَحْتَ الخَشَبِ فاحْتَمَلَتْهُ حَتّى إذا اسْتَقَلَّتْ بِهِ أمَرَ الرُّخاءَ تَمُرُّ بِهِ شَهْرًا في غُدْوَتِهِ وشَهْرًا في رَوْحَتِهِ - انْتَهى مُلَخَّصًا. فَكانَ الرِّيحانِ مُسَخَّرَتَيْنِ لَهُ، ولَكِنْ لَمّا كانَ السِّياقُ هُنا لِبَيانِ الإقْدارِ عَلى الأفْعالِ الغَرِيبَةِ الهائِلَةِ، قالَ: ﴿عاصِفَةً﴾ أيْ شَدِيدَةَ الهُبُوبِ، هَذا بِاعْتِبارِ عَمَلِها، ووُصِفَتْ بِالرُّخاءِ بِاعْتِبارِ لُطْفِها بِهِمْ فَلا يَجِدُونَ لَها مَشَقَّةً ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ﴾ إذا أمَرَها غادِيَةً ورائِحَةً ذاهِبَةً إلى حَيْثُ أرادَ وعائِدَةً عَلى حَسَبِ ما يُرِيدُ، آيَةً في آيَةٍ.

ولَمّا كانَ قَدْ عُلِمَ مِمّا مَضى مِنَ القُرْآنِ لِحامِلِهِ المُعْتَنِي بِتَفَهُّمِ مَعانِيهِ، ومَعْرِفَةِ أخْبارِ مَن ذُكِرَ فِيهِ، أنَّهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وأنَّ قَرارَهُ بِالأرْضِ المُقَدَّسَةِ فَكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ يُجْرِيها إلى غَيْرِهِ، وكانَ الحامِلُ إلى مَكانٍ رُبَّما تَعَذَّرَ عَوْدُهُ مَعَ المَحْمُولِ، عَبَّرَ بِحَرْفِ الغايَةِ ذاكِرًا مَحَلَّ القَرارِ دَلالَةً عَلى أنَّها (p-٤٥٩)كَما تَحْمِلُهُ ذَهابًا إلى حَيْثُ أرادَ مِن قاصٍ ودانٍ - تَحْمِلُهُ إلى قَرارِهِ أيّامًا فَقالَ: ﴿إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا﴾ أيْ بِعِزَّتِنا ﴿فِيها﴾ وهي الشّامُ ﴿وكُنّا﴾ أيْ أزَلًا وأبَدًا بِإحاطَةِ العَظَمَةِ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن هَذا وغَيْرِهِ مِن أمْرِهِ وغَيْرِهِ ﴿عالِمِينَ﴾ فَكُنّا عَلى كُلِّ شَيْءٍ قادِرِينَ، فَلَوْلا رِضانا بِهِ لَغَيَّرْناهُ عَلَيْهِ كَما غَيَّرْنا عَلى مَن قَدَّمْنا أُمُورَهُمْ، وهَذا مِن طِرازِ ﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ﴾ [الأنبياء: ٤] كَما مَضى، وتَسْخِيرُ الرِّيحِ [لَهُ -] كَما سُخِّرَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَيالِيَ الأحْزابِ، قالَ حُذَيْفَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حَتّى كانَتْ تَقْذِفُهم بِالحِجارَةِ، ما تُجاوِزُ عَسْكَرَهم فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ بِها ورُدُّوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا.

وأعَمُّ مِن جَمِيعِ ما أعْطى الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّهُ أعْطى ﷺ التَّصَرُّفَ في العالَمِ العُلْوِيِّ الَّذِي جَعَلَ سُبْحانَهُ مِنَ الفَيْضِ عَلى العالَمِ السُّفْلِيِّ بِالِاخْتِراقِ لِطِباقِهِ بِالإسْراءِ تارَةً، وبِإمْساكِ المَطَرِ لَمّا دَعا بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ، وبِإرْسالِهِ أُخْرى كَما في أحادِيثَ كَثِيرَةٍ، وأُتِيَ مَعَ ذَلِكَ بِمَفاتِيحِ خَزائِنِ الأرْضِ كُلِّها فَرَدَّها ﷺ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском